البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفصل الأول: تاريخ المذهب المالكي

المبحث الثالث: تطور المذهب المالكي

326 مشاهدة

مر المذهب المالكي بمراحل خمس:

1-مرحلة التأسيس.

2-مرحلة التفريع.

3-مرحلة التطبيق.

4-مرحلة التنقيح والنقد.

5-مرحلة الجمع والاختصار

فالمرحلة الأولى: هي مرحلة تأصيل قواعد المذهب على يد صاحبه الإمام مالك بن أنس، الذي عمل على تمهيد الطريق لمن جاء بعده، وذلك بتأصيل الأصول وتقعيد القواعد وترتيب الفروع عليها.

وأصول المذهب استقرائية؛ فقد لاحظ تلامذة الإمام طريقة اجتهاده وما سار عليه في نظر جزئيات وفروع متعددة من فقهه، خاصة ما ورد في الموطأ من فتاوى وأحكام وما كان يُنقل عنه من أجوبة، فاستخلصوا من كل ذلك ما ينبني المذهب عليه.

وعلى ذلك فالإمام مالك لم يحدد هذه الأصول بنفسه بالصورة التي يذكرها الأصوليون.

أما المرحلة الثانية: فهي مرحلة التفريع. وتبتدئ من نهاية القرن الثاني الهجري وتستمر إلى منتصف القرن الثالث. ويُقصد بالتفريع بناء الفرع على أصله واستنباط حكمه منه.

وهذه المرحلة هي التي ظهر فيها أتباع الإمام مالك وتلامذته آخذين بمنهجه ومؤسسين الإفتاء في الحوادث والوقائع بربطها بأصوله وقواعده.

وفي هذه المرحلة توسع نفوذ المذهب ولم يبق قاصرًا على المدينة المنورة بل امتد إلى بلدان أخرى كالعراق ومصر وإفريقية والأندلس على يد تلاميذ الإمام الذين تكونت بهم وعلى أيديهم المدرسة المالكية، وأصبح لها منظِّرون في المذهب يفرعون المسائل الجزئية على ما أصَّله الإمام في الأحكام العملية، وبدأ التدوين في المذهب على نطاق واسع؛ ذلك أن مالكًا لم يكن يهدف إلى تفريع المسائل وتتبع الجزئيات بقدر ما كان يهمه التأصيل والتأسيس.

وقد كانت المدونة الكبرى -برواية سحنون عن عبد الرحمن بن القاسم التلميذ الأكبر لمالك- الميدان الخصب والنواة الأولى لمرحلة التفريع.

فانطلقت الأحكام الفرعية من دائرة السؤال والجواب التي تمثلها تلك المدونة.

وجاءت بعدها «الواضحة» لعبد الله بن حبيب في الأندلس، والأسدية والعتبية والموازية ومختصر ابن عبد الحكم وغيرها، وهي التي تسمى بالأمهات.

ويُلاحَظ في هذه المرحلة اتساع المسائل والتفريعات وبروز الاختلاف في الأقوال والطرق، وتقدير الوقائع والربط بينها وبين الدلائل الإجمالية، الشيء الذي نشأت عنه مرحلة ثالثة بالضرورة، وهي:

مرحلة التطبيق: وتبتدئ من منتصف القرن الثالث الهجري، وتمتد إلى أواسط القرن الخامس، وتتميز بدراسة المسائل التي ضمتها المدونات الجامعة التي سبق ذكرها، بحيث أصبح فقهاء هذا العصر يوازنون بين تلك المسائل ويميزون بعضها عن بعض، رابطين الأصول بالفروع، ملحقين الشبيه بالشبيه ، ضابطين مواقع الاتفاق والاختلاف بين تلك الأقوال المأثورة عن الفقهاء السابقين مضيفين إليها ما استجد بطريق القياس، مدرجين إياها تحت الكليات التي قُررت والقواعد التي ضُبطت، وهذا ما يسمى عندهم بالاجتهاد في المسائل، أي تطبيق الأقوال على الحوادث فدخلوا في مرحلة الملاءمة بين ما هو منصوص وبين ما يتطلبه الوضع الجديد، فترتب على ذلك ظهور اختلافات بين المتأخرين والمتقدمين ضرورة تغير الأزمان والأحوال، وبرزت في هذه المرحلة ظاهرة العكوف على خدمة المصنفات السابقة بالتهذيب والاختصار والشرح، فامتزج عصر التفريع بعصر التطبيق، وظهرت مصنفات تفوق الحصر([1]).

وأهم تطور حصل في هذا الطور هو تمحيص الأقوال المتسربة من العصور السابقة، وهو الذي ظهر على يد أبي الحسن اللخمي «صاحب التبصرة» وأبرز فقهاء هذا العصر، فقد أخضع أقوال المتقدمين للنقد والتمحيص بطريقة مبتكرة فجاء بمنهج جديد في ميدان نقد الفقه حسبما أداه إليه اجتهاده، مهتديًا بأصول المذهب رغم مخالفته للكثير من أقواله، حتى قالوا في حقه: إنه مزَّق المذهب، وفي هذا يقول الغلاوي:

واعتَمَدوا تبصرةَ اللخمي    ولم تكن لجاهلٍ أُمي

لكنَّه مزَّقَ باختيارِه          مذهب مالك لدى امتياره([2])

وقد كان للخمي تأثير بالغ فيمن جاء بعده، أمثال تلميذه المازري وابن بشير وابن رشد الجد وعياض وغيرهم، الذين سلكوا مسلكه في طريقة نقد الفقه، ودخل المذهب في مرحلة جديدة هي:

مرحلة التنقيح: وهي مرحلة تنقيح أقوال المذهب واعتبار الدليل الأقوى منها رواية ودراية.

وكان الذي حمل لواء هذه المرحلة أبو الحسن اللخمي الذي انفرد باختيارات في المذهب حتى عُدَّ متميزًا بها كما سبقت الإشارة.

وسار على هذا النهج الإمام المازري في «شرحه على التلقين»، وابن رشد الجد في كتابه «المقدمات الممهدات» وكتابه «البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل» وهو شرح «العتبية».

والقاضي عياض في شرحه للمدونة، وتعليقاته عليها المسماة «التنبيهات».

مرحلة الجمع والاختصار:

وهذه المرحلة جاءت بعد استقرار المناهج والنظر في الفروع الفقهية تخريجًا وتطبيقًا وتنقيحًا وما قام به أعلام المذهب وجهابذته من اجتهادات.

وهكذا ظهر مختصر ابن شاس المسمى «الجواهر الثمينة في مذهب عالم أهل المدينة»، ومختصر ابن الحاجب المسمى «جامع الأمهات»، وجاء بعده «مختصر الشيخ خليل» الذي طوى جميع المراحل، ثم توالت الاختصارات بعده ناسجة على منواله مثل «أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك» لأحمد بن محمد الدردير، و«المجموع» لمحمد بن محمد الأمير([3]).

([1]) انظر: مباحث في المذهب المالكي بالمغرب للدكتور عمر الجيدي (ص47، 48)، بدون ناشر، الطبعة الأولى، 1993م، أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي (ص101، 102).

([2]) انظر: نظم بو طليحيه في المعتمد من الكتب والفتوى على مذهب المالكية لمحمد النابغة الغلاوي (ص74-76)، المكتبة المكية-مكة، مؤسسة الريان-بيروت.

([3]) انظر: أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي (ص103).

اترك تعليقاً