البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفصل الثالث: أصول المذهب المالكي

المبحث الثالث عشر: مراعاة الخلاف.

140 مشاهدة

مما اختصت به المالكية من القواعد: أصل مراعاة الخلاف، وهي من مفاخر المذهب المالكي في ممارسة الاختلاف الفقهي، ومعنى مراعاة الخلاف عند المالكية: «إعمال المجتهد لدليل خصمه المخالف في لازم مدلوله الذي أُعمل في نقيضه دليل آخر»([1]).

ومثاله المشهور: بعض الأنكحة الفاسدة المختلف في فسخها كنكاح الشغار؛ فمذهب مالك وجوب الفسخ وثبوت الإرث إذا مات أحدهما مع أن الأصل العام عند مالك أنه لا توارث ما دام الفسخ ثابتًا، ولكنه راعى خلاف القائلين بعدم فسخه؛ فأخذ دليل المخالف في لازم مدلوله وهو ثبوت الإرث، وأخذ بدليله الذي يترتب عليه الفسخ، وبذلك جمع بين أمرين إعمال دليله في الحكم، وإعمال دليل مخالفه في لازم مدلوله([2]).

ومرد هذه القاعدة عند التأمل هو النظر إلى الحادثة الممنوعة قبل الوقوع، وتجديد النظر إليه بعد الوقوع لتغير المآل.

فالمالكية قبل الوقوع متمسكون بموقف المنع لأن دليلهم أقوى؛ فلا بد من تفادي وقوع الممنوع لما يترتب عليه من آثار سلبية شرعًا.

ولكن عندما تقع الواقعة مخالفة لمقصد الشرع لا يُجدي التمسك بالمنع، وإنما اتجه نظر المالكية إلى تفادي الخلل الواقع، كما في مثال زواج الشغار حيث النتيجة هي الفسخ والحرمان من الإرث حسب دليلهم، وفي هذا ضرر على المكلفين؛ لذلك لجئوا إلى توجيه الحكم لما فيه حفظ مصلحة المكلَّف، فحتى وإن تم الفسخ ثبت الإرث، وثبتت حقوق الزوج والزوجة والأطفال كما لو كان الزواج صحيحًا، وقد اعتمدوا في هذا المنحى الأصل الذي نص عليه الشاطبي: «أن الممنوعات في الشرع إذا وقعت فلا يكون إيقاعُها من المكلف سببًا في الحيف عليه بزائدٍ على ما شرع له من الزواجر أو غيرها»([3]).

 

 

 

([1]) انظر: الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة (ص235).

([2]) انظر: المصدر السابق نفسه.

([3]) الموافقات (5/188، 189).

اترك تعليقاً