البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفصل السادس: أبرز مزايا المذهب المالكي.

المبحث الرابع: تميز المذهب في باب المعاملات المالية خصوصًا.

300 مشاهدة

يعتبر مذهب الإمام مالك من أفضل المذاهب الفقهية في باب المعاملات المالية بصفة خاصة، ويعود ذلك إلى استناد الإمام رحمه الله في اجتهاده إلى فقه أهل المدينة وفقههم في باب البيوع أجود من غيره، فمذهب الإمام مالك وأهل المدينة في باب المعاملات المالية خاصةً أتبع للسنة وأعدل الأقوال. قال ابن تيمية: «فأصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره، فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب الذي كان يقال: هو أفقه الناس في البيوع»([1]). والذي قال ذلك هو الإمام مالك نفسه حيث نقل عنه ابن عبد البر قوله: «لم يكن أحد من التابعين أعلم بالبيوع من سعيد بن المسيب وإنما أخذ ربيعة العلم بها منه»([2]).

ومن أسباب هذا التميز أيضًا تنوع أصول المذهب وكثرتها ومرونتها بما يجعله منسجمًا مع طبيعة المعاملات المتجددة والمتغيرة بتغير المصالح والأعراف والأزمان والبلدان، كما أن القواعد الخاصة بفقه المعاملات المالية التي استند إليها المالكية في اجتهادهم تتفق مع مقاصد الشريعة وتراعي التطور الذي يطرأ على المعاملات.

فمن الأصول التي توسع الإمام مالك رحمه الله في الأخذ بها أكثر من غيره: سد الذرائع، ومن أكثر الأبواب التي أعمل فيها هذا الأصل باب المعاملات المالية، ومن أمثلة ذلك: منعه لبيوع الآجال إذا ظهر فيها القصد إلى الربا. قال القرطبي في سياق حديثه عن بيوع الآجال: «فإن كان منها ما يؤدي إلى الوقوع في المحظور مُنِع منه، وإن كان ظاهره بيعًا جائزًا. وخالف مالكًا في هذا الأصل جمهورُ الفقهاء، وقالوا: الأحكام مبنية على الظاهر لا على الظنون. ودليلنا القول بسد الذرائع»([3]). وهذه البيوع يقال: إنها تصل إلى ألف مسألة اختص بها مالك رحمه الله وخالفه فيها الشافعي([4]).

ومن الأصول التي أعملها المالكية في باب المعاملات: مراعاة العوائد والأعراف، وقد سبق الحديث عن هذا الأصل عند تناول أصول المذهب، وذكرنا أن اعتبار العوائد والأعراف أصلًا من أصول الاستنباط عند المالكية، وأن فروع أصل العرف عديدة وموزعة على كثير من أبواب الفقه، وخاصة ما يتعلق بالمعاملات المالية.

قال الونشريسي: «والركون إلى العوائد والأعراف أسلوب معتاد عند الأئمة من غير خلاف، وقد وقع لهم ذلك في أبواب من الفقه كالنقود والسَّلَم والمرابحة والآجال والوكالة والإقرار والهبات والنذور والأيمان والوصايا والأوقاف، وكتب أصحابنا مشحونة ملأى بجزئيات ذلك»([5]).

وكتب أصحاب مالك رحمه الله مشحونة بالفروع والجزئيات التي يظهر فيها مراعاتهم لهذا الأصل منها:

-ما يدل على الرضا في البيوع يحدده العرف، سواء دلَّت اللغة عليه أم لا([6]).

-مما لا يحسب في رأس المال في بيع المرابحة ما جرت العادة أن يتولاه التاجر بنفسه غالبًا كطي المتاع وشرائه وشدِّه فاستأجر عليه، فإنه لا يحسب في رأس المال([7]).

-إذا اختلف المرتهنان في قدر الدَّيْن، فالقول قول المرتهن ما لم يتجاوز قيمة الرهن، بخلاف ما ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي من أن القول قول الراهن، ودليل المالكية في ذلك هو العرف؛ إذ هو أصل يُرجع إليه في التخاصم، والعرف جارٍ بأن الناس لا يرهنون إلا ما يساوي ديونهم أو يقاربها([8]).

-إذا تنازع شخصان جدارًا بين داريهما، ولأحدهما فيه تأثيرٌ يشهد العرف بأنه يفعله المالك حكم له به، بخلاف الشافعي الذي حكم بأنه يكون بينهما، واستدل المالكية بالعرف والعادة، فإذا كان العرف جاريًا بأن هذه الأشياء يفعلها المالك في ملكه حكم به لمن يشهد له العرف([9]).

-يشترط في الجُعل أن يكون معلومًا ومقدورًا عليه كالأجرة. «قال اللخمي: يجوز السكوت على الجعل إذا كان معلومًا عادة؛ لتعيين النقد بالعادة»([10]).

-وهناك قواعد فقهية خاصة بالعرف قررها المالكية في كتبهم نذكر منها:

1-«من له عُرْف وعادة في لفظ إنما يُحمل لفظه على عرفه»([11]).

2-«انتقال العوائد يوجب انتقال الأحكام»([12]).

3-«الأحكام المرتبة على القواعد تتبع العوائد وتتغير عند تغيرها»([13]).

4-«اللفظ متى كان الحكم فيه مضافًا لنقل عادي بطل ذلك الحكم عند بطلان تلك العادة»([14]).

وكذلك من الأصول التي أعملها المالكية في باب المعاملات: الاستحسان، وقد سبق الكلام عنه، وذكرنا أن الاستحسان في مذهب المالكية أقسام عديدة: فمنه ترك الدليل للمصلحة، ومنه ترك الدليل للعرف، ومنه ترك الدليل لإجماع أهل المدينة، ومنه ترك الدليل للتيسير لرفع المشقة وإيثار التوسعة على الخلق.

وذكرنا فيما مضى من أمثلة الاستحسان عند المالكية في باب المعاملات: تركهم مقتضى الدليل في اليسير لتفاهته للتوسعة على الناس ورفع المشقة عنهم: حيث أجازوا التفاضل اليسير في المراطلة الكثيرة، وأجازوا البيع بالصرف إذا كان أحدهما تابعًا للآخر.

ومن الأصول التي أعملها المالكية في باب المعاملات أيضًا: اعتبار المقاصد والمصالح: وقد نص ابن العربي على أن هذا الأصل أحد القواعد الكلية للمعاملات([15])، وما سبق ذكره من الأصول هي في حقيقتها روافد لتحقيق مقاصد الشريعة ومسالك للاجتهاد المقاصدي.

كما لا يقتصر المالكية في العمل بالمصلحة المرسلة عند غياب النص والقياس، بل يتعداها ليشمل كذلك فهم النصوص على أساس المصلحة ومراعاتها، وخاصة في باب المعاملات المالية التي مبناها في الأساس على مراعاة المصلحة ودفع المفسدة.

ومن أمثلة الاجتهاد في فهم النصوص في إطار المصلحة أن بعض العلماء رخَّصُوا في التسعير، منهم سعيد بن المسيب وربيعة بن عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهي رواية أشهب عن مالك في العتبية، رغم ثبوت الحديث الصحيح الذي ينهى عن ذلك، ومستندهم في ذلك النظر في مصالح العامة ومنع إغلاء الأسعار عليهم، مع مراعاة مصلحة البائع بحيث لا يُمنع ربحًا([16]).

ومن القواعد المقررة عند المالكية في باب المقاصد والمصالح فيما يخص المعاملات المالية:

1-تحقيق أهم المصلحتين ودفع أعظم الضررين:

وهذا مستند مَنْ أَجْبَر الإنسانَ على بيع ماله في سبع مسائل: مجاور المسجد إذا ضاق يجبر من جاوره على البيع، وبيع الماء للخائف من العطش، المحتكر، وكذلك يجوز بيع الدور المحبسة حول المسجد إذا احتيج إلى توسعة المسجد أو الطريق؛ لأن السلف عملوا بذلك في مسجده صلى الله عليه وسلم، ولأن منفعتهما أهم من منفعة الدور، وبهذا قال مالك([17]).

2-«كل تصرف كان من العقود كالبيع، أو غير العقود كالتعزيرات، وهو لا يحصِّل مقصوده فإنه لا يُشرع، ويبطل إن وقع». ومن أمثلتها: الإجارة على الأفعال المحرمة، أو بيع محرم أو ما هو عديم المنفعة؛ لأن المقصود من البيع ونحوه أن ينتفع كل واحد من المتعاقدين بما يصير إليه، فإذا لم يحقق مقصوده بطل العقد والمعاوضة عليه لهذه القاعدة([18]).

3-«لا يعتبر الشرع من المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح محصِّل لمصلحة أو دارئ لمفسدة»، فلا يقبل القاضي الدعاوى في الأشياء الحقيرة، ولا يُقبل قول المستأجر وغيره في قلع البناء والأشجار التي لا قيمة لها بعد القلع([19]).

قواعد المذهب الضابطة لفقه المعاملات المالية:      

أشار علماء المالكية إلى جملة من القواعد التي تنبني عليها أحكام المعاملات المالية، وتُعِين المجتهد على ضبط عملية الاجتهاد فيها، فنص ابن العربي مثلًا على أن «قواعد المعاملات وأساس المعاوضات ترجع إلى أربع قواعد: قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188]، وقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، وأحاديث الغرر، واعتبار المقاصد والمصالح»([20]).

فقد حدَّد ابن العربي القواعد الأساسية للمعاملات المالية، والتي ينبغي على المجتهد مراعاتها عند الاجتهاد، وهناك قواعد منثورة في كتب المذهب أغلبها تفريع وضبط لهذه القواعد العامة، نذكر أهمها فيما يأتي:

القاعدة الأولى: الأصل في المعاملات الإباحة، فلا يُحظر منها إلا ما حرَّمه الشرع عند المالكية وغيرهم. والأدلة على ذلك تفوق الحصر، منها: قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]. قال القرطبي: «استدل من قال: إن أصل الأشياء التي يُنتفع بها الإباحة بهذه الآية وما كان مثلها- كقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13] الآية- حتى يقوم الدليل على الحظر»([21]).

القاعدة الثانية: الأصل في البيوع الحل: وهي فرع عن القاعدة الكلية السابقة، فلا يحرم من البيوع إلا ما حرمه الله تعالى، وعلى ذلك فالمانع هو المطالَب بالدليل لا المبيح؛ إذ إن الأصل معه. قال القاضي عبد الوهاب: «كل بيع فالأصل فيه الجوار إلا ما تعلق به ضرب من ضروب المنع»([22])؛ لأن الله تعالى أباح البيع لعباده وأذن لهم فيه إذنًا مطلقًا، وإباحة عامة -في غير ما آية من كتابه، من ذلك قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]، ولفظ البيع لفظ عام لأن الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام صار من ألفاظ العموم، واللفظ العام إذا ورد يُحمل على عمومه إلا أن يأتي ما يخصصه، فإن خُصَّ منه شيء بقي ما بعد المخصوص على عمومه أيضًا، فيندرج تحت قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} كل بيع، إلا ما خُصَّ منه بالدليل([23]).

القاعدة الثالثة: التشديد في تحريم الربا وسد الذرائع المؤدية إليه: وذلك لأن الشريعة شدَّدت في تحريم الربا وتوعدت مقترفيه بأشد أنواع الوعيد.

ومن خصائص مذهب الإمام مالك في هذا الباب منع الوسائل التي قد يتحايل بها الناس على الربا، وقد سبق القول أن الإمام مالك توسع في المنع بسد الذرائع أكثر من غيره.

وقد اشتهر مذهب مالك بالمنع من بيوع الآجال وبيوع العينة، وهي بيوع ظاهرها الجواز لكن يُتوصل بها إلى استباحة الربا فمُنعت سدًّا للذريعة، مثل أن يبيع الرجل سلعة من رجل بمائة دينار إلى أجل ثم يبتاعها بخمسين نقدًا، فهذا بيع في الصورة توصَّلا من خلاله إلى سلف خمسين دينارًا في مائة إلى أجل، وذِكر السلعة والبيع لغو؛ فتذرَّعا بشيء جائز في الظاهر إلى باطن ممنوع شرعًا، فمُنع حسمًا للذريعة؛ لأن ما جرَّ إلى حرام فهو حرام مثله([24]).

القاعدة الرابعة: تجويز الغرر اليسير: الأصل في تحريم بيع الغرر ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر»([25]).

ووجوه الغرر في البيوع كثيرة لا تحصى، من ذلك بيع الجمل الشارد، والطير في الهواء والجنين في بطن أمه وبيع الحصاة وبيع الملامسة والمنابذة.

والغرر ليس على درجة واحدة، بل يتفاوت قلةً وكثرةً، فمنه ما هو كثير فيُمنع إجماعًا لقوة الغرر كبيع الطير في الهواء، ومنه ما هو قليل لا يخلو عقد منه فلا يؤثر في فساده ويجوز إجماعًا كأساس الدار وقطن الجبة الذي لا يُرَى، ومنه المتوسط الذي يدور بين الكثير والقليل، وهو محل خلاف بين الفقهاء: هل هو من حيز الكثير الذي يمنع الصحة، أو من حيز القليل الذي لا يمنعها؟. وهذا سبب الخلاف الحاصل في بعض أنواع البيوع المشتملة على هذا النوع من الغرر كبيع الغائب على الصفة([26]).

فالإمام مالك ممن لم يلتفت إلى هذا النوع من الغرر لأنه ليس كثيرًا ومما تدعو إليه الحاجة. قال القاضي عبد الوهاب: «ولا خلاف أنَّ يسيره لا يمنع صحة البيع، وأنَّ ما تدعو الحاجة إليه منه معفو عنه، وأن الذي يُمنع ما زاد على ذلك»([27]).

وبناءً على ذلك فيجوز في مذهب مالك بيع الحب والثمر في قشره كالباقلاء والجوز واللوز والحب في سنبله، خلافًا للشافعي في القول الجديد فإنه لا يُجيز ذلك، كما يجيز مالك بيع المقاثي جملة، وبيع المغيبات في الأرض كالجزر والفجل ونحو ذلك، والإمام أحمد أقرب إلى مالك في ذلك، وأما أبو حنيفة فهو أقرب إلى الشافعي في هذا الباب، واعتبر ابن تيمية مذهب مالك من أحسن المذاهب في هذه المسائل([28]).

ومما يعضد مذهب الإمام مالك أن الشريعة نفسها أجازت عقودًا تتضمن شيئًا من الغرر، مثل المساقاة والمغارسة والسَّلَم والمزارعة والجُعل، وذلك لعسر انضباط مقادير العمل المتعاقد عليه فيها، وعسر معرفة العامل ما ينجر إليه من الربح من جراء عمله، ولعسر انضباط ما ينجر إلى صاحب المال فيها من إنتاج أو عدمه([29]).

ومن الغرر الكثير بيع الثمار قبل بدو صلاحها، أما بعد بدو صلاحها فهو من الغرر اليسير المعفو عنه الذي لا يخلو عقد منه([30]).

القاعدة الخامسة: اعتبار القصود والنيات في العقود والمعاملات: وذلك لأن من المعلوم أن مدار الأعمال على النية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»([31]).

فالنيات في العقود والمعاملات معتبرة كما هي معتبرة في العبادات.

فالقصد والنية يؤثر في صحة العقد وفساده، وفي حل الفعل وحرمته. قال القرافي: «الألفاظ إذا كانت نصوصًا في شيء غير مترددة لم تحتج إلى نية لانصرافها بصراحتها لمدلولها، وإن كانت كناية أو مشتركة مترددة افتقرت إلى نية»([32]). ويقول: «المقاصد من الأعيان في العقود إذا كانت متعينة استغنت عما يعينها كمن استأجر بساطًا وقدومًا أو ثوبًا أو عمامة لم يحتج إلى تعيين المنفعة في العقد؛ لانصراف هذه الأشياء بصورتها إلى مقاصدها، وإن كانت العين مترددة بين منفعتين كالدابة للحمل والركوب، والأرض للبناء والزراعة والغرس فيفتقر إلى التعيين»([33]).

ومن القواعد المقررة عند فقهاء المالكية التي تؤكد هذا المعنى في باب المعاملات «القاعدة اتباع المعاني في العقود والمعاوضات»([34])؛ فالصيغة في كل العقود تحصل باللفظ وبما يقوم مقامها في الدلالة على المقصود عرفًا؛ لأن مقصود الشرع إنما هو حصول الرضا بانتقال الأملاك.

وتطبيقات ذلك في فقه المعاملات لا تُحصى، نذكر منها:

-إذا اطلع المشتري على عيب السلعة، فيمتنع الرد بكل ما يدل على الرضا بالعيب من قول أو فعل أو سكوت([35]).

-الصيغة في عقد المساقاة تكون بلفظ ساقيتك أو ما يقوم مقام ذلك من قول أو فعل؛ لأن المطلوب ما يدل على الرضا، واختُلف إذا كان بلفظ الإجارة فأبطله ابن القاسم وجوَّزه سحنون، ولا يُشترط تفصيل الأعمال بل يُنظر في ذلك إلى العرف([36]).

-الصيغة في الوقف تصح بكل ما يدل في العرف على معناها، كالإذن المطلق في الانتفاع على الإطلاق، كالإذن بالصلاة في المكان الذي بناه في كل الأوقات وفي كل الأشخاص، فهو كاللفظ في الدلالة على الوقف([37]).

فكل العقود تصح بكل ما يدل على مقصودها عند الناس من قول أو فعل، وهذا مذهب الإمام مالك([38]) وظاهر مذهب أحمد([39]).

القاعدة السادسة: هل الأصل في العقود والشروط الحظر أو الإباحة؟ وقد وقع الاختلاف في هذه القاعدة بين العلماء.

وأما بالنسبة للمالكية فالشروط المقترنة بالعقد عندهم يُحدَّد حكمها بالنظر إلى ما يتضمنه من معنى الغرر أو الربا أو الجهالة كثرة وقلة، أو مناقضة لمقتضى العقد ومقصوده، فإذا كانت هذه الأمور كثيرة بسبب الشرط بحيث تنتفي المصلحة الشرعية ولا يتحقق مقصود العقد حكموا ببطلان الشرط والعقد معًا، وإن كانت يسيرة بحيث يتسامح فيها الناس عادة صُحح العقد والشرط معًا، وأما إذا كانت متوسطة فالشرط باطل والعقد صحيح، وبذلك يُجمع بين الأحاديث الواردة في هذا الباب ويرتفع عنها التعارض([40]).

والحق أن هذا التفصيل الوارد عند المالكية فيه مرونة واسعة بالنسبة للمجتهد تتيح له الاجتهاد وفق مصالح الناس وأعرافهم.

مذهب الإمام مالك في الشروط المقترنة بالبيع:

حيث قسَّم المالكية الشروط كما يلي:

الأول: الشرط المنافي لمقتضى العقد ومقصوده والمخل بشروط صحته.

وذلك كأن يشتمل الشرط على ربًا واضح أو جهالة ظاهرة أو غرر كثير في الثمن أو المثمون، أو يُشترط السلف من أحد المتبايعين؛ لأن البيع لما وقع على السلف صار من جملة الثمن أو المثمون، والانتفاع به مجهول؛ لأن من اشترط السلف في البيع أراد الانتفاع به إلى الأجل الذي اتفقا عليه فآل الأمر إلى الجهل بالثمن أو المثمون بحسب المشترِط؛ فالشرط باطل والبيع كذلك.

أو كمن باع دارًا واشترط سكناها مدة طويلة فهذا باطل؛ لأنه يعود بالمنع على أصل التصرف في المبيع، بخلاف ما لو اشترط مدة يسيرة كالشهر أو السنة فذلك جائز لأن الغرر يسير([41]).

واستدلوا على ذلك بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع»([42]). قال ابن شاس: «ومحمل النهي فيه على شرط يناقض مقصود العقد أو يعود بغرر في الثمن»([43]).

الثاني: الشرط الصحيح، بأن يكون مما يقتضيه العقد أو يلائم مقتضاه، مثل اشتراط الرهن والكفيل وغير ذلك، أو يكون غير منافٍ لمقتضى العقد وإن كان العقد لا يقتضيه ولا يلائمه، فيجوز البيع والشرط معًا؛ لأن الأصل في المعاملات الالتفات إلى المعاني دون التعبد، كما أن الأصل فيها الإذن حتى يدل الدليل على خلافه، مثل أن يبيع الرجل الدار ويشترط سكناها مدة يسيرة كشهر، وقيل: سنة، أو يبيع الدابة ويشترط ركوبها أيامًا يسيرة أو إلى مكان قريب([44]).

والأصل في ذلك حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فأراد أن يُسَيِّبَهُ، قال: فلحقني النبي صلى الله عليه وسلم فدعا لي، وضربه، فسار سيرًا لم يسر مثله، قال: «بعنيه بوقية»، قلت: لا، ثم قال: «بعنيه»، فبعته بوقية، واستثنيتُ عليه حملانه إلى أهلي، فلما بلغت أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم رجعت، فأرسل في أثري، فقال: «أتراني ماكستك لآخذ جملك، خذ جملك، ودراهمك فهو لك»([45]).

الثالث: هو الشرط الذي يكون غير صحيح إلا أنه خفيف ليس له تأثير في الثمن بالزيادة أو النقصان، فيصح البيع والشرط باطل. «مثل الذي يبتاع الحائط (البستان) بشرط البراءة من الجائحة؛ لأن الجائحة لو أسقطها بعد وجوب البيع لم يلزمه ذلك؛ لأنه أسقط حقًّا قبل وجوبه؛ فلما اشترط إسقاطها في عقد البيع لم يؤثر ذلك عنده في حصته؛ لأن الجائحة أمر نادر فلم يقع لشرطه ذلك حصة من الثمن، ولم يلزم الشرط؛ إذ حكمه أن يكون غير لازم إلا بعد وجوب الرجوع بالجائحة، وما أشبه ذلك»([46]).

ويمكن أن يُحتج لهذا بحديث عائشة رضي الله عنها لما أرادت أن تشتري بريرة وتعتقها اشترط أهلها ولاءها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: «ابتاعي، فأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق» قال: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما بالُ أُناسٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له، وإِنْ شَرَطَ مائة مرة، شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وأَوْثَقُ»([47]).

الرابع: شروط يُفسخ بها البيع ما دام المشترِط متمسكًا بشرطه، وإِنْ تَرَك الشرط صح البيع على المشهور في المذهب([48]).   

وهي الشروط التي تقتضي التحجير على المشتري في السلعة التي اشتراها، والتي يسمِّيها العلماء ببيوع الثُّنيا، مثل أن يبيع الرجل السلعة على أن لا يبيع ولا يهب، أو إن باعها فهو أحق بها بالثمن الذي يبيعها به، أو على أنه فيها بالخيار إلى أجل بعيد لا يجوز الخيار إليه([49]).

فهذا مذهب الإمام مالك رحمه الله في الشروط المقترنة بالبيع، وهو بهذا التقسيم قد أخذ بكل الأحاديث الثابتة واستعملها في مواضعها وتأولها على وجوهها، بخلاف ما ذهب إليه أهل العراق أبو حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، فقد عمل كل واحد منهم بالحديث الذي بلغه دون غيره من الأحاديث الأخرى الواردة في باب الشروط المقترنة بالعقد([50]).

أصل الفتوى عند المالكية في باب الشروط:

قال محمد بن حارث الخشني: مذهب مالك بن أنس والرواة من أصحابه في هذا الباب: على ما جاء به أثر «المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا».

فشروط الغرر كلها في البياعات والنكاحات وسائر المعاملات، وشروط الحرام لا تلزم من اشتُرطت عليه، وتُفسد كل ما قارنته وصحبته من كل عقد، كان بيعًا أو نكاحًا أو إجارة أو ما أشبه ذلك من وجوه المعاقدات.

وساق تطبيقات إفتائية للمالكية منها:

-ومن قولهم في المودَع يشترط على نفسه الضمان: إن الشرط باطل، ولا يلزمه.

-ومن اشترط من الصناع أنه لا ضمان عليه لم ينفعه ذلك.

-إذا اشترط البائع على المشتري أنه إن لم يأتِ بالثمن إلى مدة كذا وكذا وإلا فلا بيع بينهما فإن البيع جائز والشرط باطل. هكذا قال ابن القاسم.

وقال سحنون: هو بيع جائز، إذا كان الأجل المذكور مما يجوز أن يُباع عليه بالخيار.

-إذا اشترطت المرأة عليه في عقد نكاحها ألا يرحلها من حاضرة كذا وألا يتزوج عليها فالشرط باطل، إلا أن تضع بعد العقد لذلك وضعًا، أو يكون مع ذلك الشرط أيمان أو تخيير أو ما أشبهه.

فإذا وضعت الزوجة عن زوجها جزءًا من صداقها من أجل شرط من الشروط المذكورة فإن كان الشرط عند العقد يبطل الشرط ولا ترجع به إلا أن يكون عتقًا أو طلاقًا، وإن شرطت بعد العقد فإنها ترجع عليه بما وضعت عنه.

-إذا اشترط لوكيله أنه مصدَّق في الدفع بغير بينة لزمه ذلك له.

ذلك أن الأصل أن الوكيل إذا وكل بأن يقضي عن موكله دينًا أو يودع له مالًا ليس له أن يدفع ذلك إلا ببينة، فإن دفع بغير بينة ضمن([51]).

 

 

 

 

 

([1]) مجموع الفتاوى (29/26، 27).

([2]) الاستذكار لابن عبد البر (6/356)، دار الكتب العلمية-بيروت.

([3]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (3/359)، دار الكتب المصرية-القاهرة.

([4]) الفروق للقرافي (2/32).

([5]) المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى إفريقيا والمغرب للونشريسي، تحقيق: الدكتور محمد حجي (6/63)، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية-المغرب.

([6]) انظر: حاشية الصاوي على الشرح الصغير (3/16)، دار المعارف.

([7]) انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد (2/126).

([8]) انظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب (2/585)، دار ابن حزم.

([9]) انظر: السابق (2/597).

([10]) الذخيرة للقرافي (6/14).

([11]) شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص211).

([12]) الفروق للقرافي (1/45).

([13]) السابق (3/29)

([14]) السابق (3/177).

([15]) انظر: أحكام القرآن (1/137).

([16]) انظر: المنتقى شرح الموطأ (5/18).

([17]) انظر: الذخيرة للقرافي (6/331).

([18]) انظر: الفروق للقرافي (3/238).

([19]) انظر: الذخيرة (5/478، 479).

([20]) انظر: أحكام القرآن (1/137).

([21]) الجامع لأحكام القرآن (1/251).

([22]) التلقين في الفقه المالكي للقاضي عبد الوهاب، تحقيق: محمد بو خبزة الحسني التطواني (2/141)، دار الكتب العلمية.

([23]) انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد (2/61، 62).

([24]) انظر: السابق (2/39).

([25]) أخرجه مسلم، رقم (1513).

([26]) انظر: المنتقى شرح الموطأ (5/41)، المقدمات الممهدات (2/73).

([27]) المعونة على مذهب عالم المدينة للقاضي عبد الوهاب (ص1032)، المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز-مكة المكرمة.

([28]) انظر: المقدمات الممهدات (2/78)، مجموع الفتاوى (29/31-33).

([29]) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية للطاهر بن عاشور (2/429).

([30]) انظر: المنتقى شرح الموطأ (4/218).

([31]) متفق عليه: أخرجه البخاري، رقم (1)، ومسلم، رقم (1907).

([32]) الأمنية في إدراك النية للقرافي (ص22)، دار الكتب العلمية-بيروت.

([33]) السابق نفسه.

([34]) الذخيرة للقرافي (6/336).

([35]) انظر: السابق (5/103).

([36]) انظر: المقدمات الممهدات (2/552)، الذخيرة (6/104، 105).

([37]) انظر: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (3/965).

([38]) انظر: المنتقى شرح الموطأ (4/157).

([39]) انظر: مجموع الفتاوى (29/7).

([40]) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (3/178).

([41]) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (3/179)، المقدمات الممهدات (2/67).

([42]) أخرجه أبو داود، رقم (3504)، والترمذي، رقم (1234)، وقال: حديث حسن صحيح.

([43]) عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس (2/672).

([44]) انظر: المقدمات الممهدات (2/67)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (3/179).

([45]) متفق عليه: أخرجه البخاري، رقم (2718)، ومسلم، رقم (715).

([46]) انظر: المقدمات الممهدات (2/67).

([47]) متفق عليه: أخرجه البخاري، رقم (2561)، ومسلم، رقم (1504).

([48]) انظر: المقدمات الممهدات (2/65).

([49]) انظر: السابق (2/64، 65).

([50]) انظر: السابق (2/67، 68).

([51]) انظر: أصول الفتيا في الفقه على مذهب الإمام مالك لمحمد بن حارث الخشني (ص376-378)، الدار العربية للكتاب-تونس.

اترك تعليقاً