البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الباب الأول المستقبليات والشريعة الإسلامية

الفصل الثالث أساليب استشراف المستقبل الممنوعة والمشروعة

106 مشاهدة

(وفيه مبحثان):

١ـ أساليب استشراف المستقبل الممنوعة:

أـ الكهانة.

ب- التنجيم.

ج- الزجر والعيافة والطيرة.

د- الخط والرمل.

هـ- الاستقسام بالأزلام.

٢ـ أساليب استشراف المستقبل المشروعة:

أـ الوحي.

ب- الدعاء.

ج- الشورى.

د- المشاهد.

هـ- الرؤيا.

و- الفراسة والإلهام والكشف.

لقد جاءت أصول الشريعة الإسلامية بحصر دعوى علم الغيب المطلق في الله تعالى وحده؛ لذا فقد حرم الإسلام كثيرًا من الوسائل والأساليب التي عرفتها الحضارات القديمة واتبعها الأقدمون –ومنهم العرب- في التنبؤ بالمستقبل واستشرافه.

وفي المقابل جوَّز الشرع الحنيف الاستشراف الصحيح للمستقبل، وأباح الوسائل العلمية التي يمكن اتباعها في هذا الشأن، وبذلك منع الإسلام طاقة المسلمين من أن تُهدر في الخرافة والضلال، فلا غرو إذن أن يسبق المسلمون إلى اكتشاف المنهج التجريبي في العلوم، وأن يؤسسوا بعضًا منها لأول مرة كعلم الاجتماع وتفسير التاريخ والجغرافيا البشرية.

وفيما يلي نعرض استشراف المستقبل الممنوعة والمشروعة:

أساليب استشراف المستقبل الممنوعة

أ-الكهانة:

وقد عرَّفها الحافظ ابن حجر بقوله: (ادعاء علم الغيب كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب. والأصل فيه استراق الجني السمع من كلام الملائكة فيلقيه في أذن الكاهن)(1).

والكاهن: هو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار ومطالعة علم الغيب(2).

والكاهن لفظ يطلق على العرَّاف، والذي يضرب بالحصى والمنجِّم.

أنواع الكهانة:

يقول الحافظ ابن حجر في بيان الأسباب التي تستند إليها الكهانة: (وهي على أصناف منها ما يتلقونه من الجن فإن الجن كانوا يصعدون إلى جهة السماء فيركب بعضهم بعضا إلى أن يدنو الأعلى بحيث يسمع الكلام فيلقيه إلى الذي يليه إلى أن يتلقاه من يلقيه في أذن الكاهن فيزيد فيه فلما جاء الإسلام ونزل القرآن حرست السماء من الشياطين وأرسلت عليهم الشهب فبقي من استراقهم ما يتخطفه الأعلى فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]. وكانت إصابة الكهان قبل الإسلام كثيرة جدًّا كما جاء في أخبار شق وسطيح ونحوهما، وأما في الإسلام فقد ندر ذلك جدًّا حتى كاد يضمحل. ثانيها: ما يخبر الجني به من يواليه بما غاب عن غيره مما لا يطَّلع عليه الإنسان غالبًا أو يطلع عليه من قرب منه لا من بعد.

ثالثها: ما يستند إلى ظن وتخمين وحدس، وهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوة مع كثرة الكذب فيه.

رابعها: ما يستند إلى التجربة والعادة فيستدل على الحادث بما وقع قبل ذلك، ومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السحر)(3).

وكانت الكهانة فاشية في الجاهلية لا سيما في العرب لانقطاع النبوة فيهم، ومن ينظر في أشعارهم وأخبارهم يجد أن من الناس من يعتقد أن للكاهن القدرة على كل شيء، وأنهم يستشيرونهم في كل أمورهم.

وهم موجودون إلى اليوم لكنهم قليل بالنسبة لما كانوا عليه في الجاهلية.

أدلة تحريم الكهانة:

يتضح من مفهوم الكهانة أنها ادعاء علم الغيب، وقد نص عدد من الآيات القرآنية على أن علم الغيب من خصائصه سبحانه وتعالى التي لا يشاركه فيها أحد، نذكر منها:

قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]. يقول الإمام ابن القيم: (لما كان المراد نفي علم الغيب عن كل من هو في واحدة من السماوات أتى بها مجموعة)(4).

وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].

كما جاءت جملة من الأحاديث النبوية تؤكد على أن الغيب من خصائصه تعالى، منها:

عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم أحد ما يكون في غد، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، وما يدري أحد متى يجيء المطر»(5).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية»، وذكرت اثنتين، ثم قالت: «ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد، فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥]»(6).

وهذه الأدلة المذكورة لا تقتصر على تحريم الكهانة فقط، بل تتناول جميع الأساليب غير المشروعة في استكشاف المستقبل مما يأتي عرضه، وهذا يغني عن إعادة ذكرها عند الحديث عن الأساليب الممنوعة الأخرى.

أما الآيات التي نصت على الكهانة، فقد جاءت الدلالات فيها على ذم الكهانة، فقد نزَّه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن أن يكون كاهنًا فقال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩].

وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٠-٤٣].

وقال تعالى أيضًا: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢١-٢٢٣].

قال الفخر الرازي: (والمراد أنهم كانوا يقيسون حال النبي صلى الله عليه وسلم على حال سائر الكهنة، فكأنه قيل لهم: إن كان الأمر على ما ذكرتم فكما أن الغالب على سائر الكهنة الكذب فيجب أن يكون حال الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك أيضًا، فلما لم يظهر في إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن المغيبات إلا الصدق علمنا أن حاله بخلاف حال الكهنة)(7).

وكذلك جاءت الأحاديث في ذم الكهانة والنهي عنها، وفي تحريم إتيان الكهان وتصديقهم، كما حكم غير واحد من العلماء بكفر الكاهن وشركه، وذلك كما يأتي:

عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: قلت: يا رسول الله أمورًا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان، قال: «فلا تأتوا الكهان» قال: قلت: كنا نتطير قال: «ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم»(8).

عن عائشة قالت: سأل أناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليسوا بشيء». قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحيانًا بالشيء يكون حقًّا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلك الكلمة من الحق، يخطفها الجني، فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة»(9).

وقال صلى الله عليه وسلم: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»(10).

ويقول الإمام الشوكاني: (قوله: «فقد كفر» ظاهره أنه الكفر الحقيقي، وقيل: هو الكفر المجازي، وقيل: من اعتقد أن الكاهن والعراف يعرفان الغيب ويطلعان على الأسرار الإلهية كان كافرًا كفرًا حقيقيًّا كمن اعتقد تأثير الكواكب وإلا فلا)(11).

وقال ابن العربي: (فأما من ادعى علم الكسب في مستقبل العمر فهو كافر، أو أخبر عن الكوائن الـجُملية أو المفصَّلة فيما يكون قبل أن يكون، فلا ريبة في كفره)(12).

ب-التنجيم:

هو الاستدلال بحركات الكواكب والنجوم وأوضاعها على حوادث الأرض ومستقبلها.

وهو نوعان:

١-تنجيم عام: يتعلق بمستقبل جماعة أو مدينة أو شعب أو حتى بمستقبل الإنسانية كلها.

٢-تنجيم خاص: يبحث عن مستقبل فرد معين وأحداث حياته المقبلة.

وهو فن قديم فاسد، ليس له أي أساس علمي، ولا تزال له إلى اليوم سطوة وشهرة(13).

ومن مظاهر انتشاره في العصر الحاضر: الأعمدة اليومية في الصحف في كثير من بلدان المسلمين التي تخبر بالطالع اليومي للناس، والمجلات المتخصصة في التنجيم، وما تنشره المكتبات في مطلع كل عام جديد مما قاله المنجمون من الحوادث التي يزعمون أنها ستقع في هذا العام، والبرامج المسموعة والمرئية في وسائل الإعلام، وقد صار للمنجمين منظمات وهيئات عالمية، وتُعقد لهم المؤتمرات واللقاءات السنوية.

ويستجيب لهؤلاء ضعفاء العقول والجهال ومن لا علم لهم بحقائق الإيمان(14).

أدلة تحريم التنجيم:

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وصناعة «التنجيم» التي مضمونها الأحكام والتأثير، وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية والتمزيج بين القوى الفلكية والقوابل الأرضية: صناعة محرمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل)(15).

وفي القرآن يمكن أن يستدل على تحريم التنجيم بالآيات التي جاءت في السحر؛ لأن التنجيم فرع من السحر، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩].

وأما السنة فقد ورد فيها بعض الأحاديث نذكر منها:

عن زيد بن خالد الجهني، قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب»(16).

وعبد الله بن عباس، قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار، أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماذا كنتم تقولون في الجاهلية، إذا رُمي بمثل هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك وتعالى اسمه، إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا» ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال: قال فيستخبر بعض أهل السماوات بعضًا، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون»(17).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إني خاطبت المنجمين بدمشق وحضر عندي رؤساؤهم، وبينت فساد صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بصحتها قال رئيس منهم: والله إنا نكذب مائة كذبة حتى نصدق في كلمة)(18).

وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس علمًا من النجوم، اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد»(19).

ويعلق ابن تيمية على هذا الحديث بقوله: (فقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن علم النجوم من السحر؛ وقد قال الله تعالى: ﴿ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ وهكذا الواقع؛ فإن الاستقراء يدل على أن أهل النجوم لا يفلحون؛ لا في الدنيا ولا في الآخرة)(20).

علم النجوم المباح:

لقد أبطل النبي صلى الله عليه وسلم التنجيم الخرافي بمعنى تأثير الأفلاك على حياة الناس، وأقر علم الفلك، وبذلك أنقذ العقل البشري من التخبط ووجَّهه إلى ما ينبغي أن يصرف اجتهاده إليه، وهذا التوجيه لم يعرفه الغرب إلا منذ قرون قليلة؛ لأن فن التنجيم عرقل تطور علم الفلك، وكان الفصل بينهما هو السبيل الوحيد لتتقدم المعرفة الكونية.

وقد أخذ المسلمون السابقون بهذا التوجيه النبوي فميزوا بين التنجيم بالمعنى الخرافي أو «علم التأثير»، وبين الفَلَك أو «علم التسيير».

ولهذا لما سئل الحافظ البغدادي عن النجوم وضع في ذلك رسالة صدَّرها بقوله: (إن علم النجوم يشتمل على ضربين: أحدهما مباح، وتعلمه فضيلة.

والآخر محظور، والنظر فيه مكروه.

فأما الضرب الأول: فهو العلم بأسماء الكواكب، ومناظرها، ومطالعها، ومساقطها، وسيرها، والاهتداء بها، وانتقال العرب عن مياهها لأوقاتها، وتخيرهم الأزمان لنتاج مواشيها، وضرابهم الفحول، ومعرفتهم بالأمطار على اختلافها، واستدلالهم على محمودها ومذمومها، والتوصل إلى جهة القبلة بالنجوم، ومعرفة مواقيت الصلاة، وساعات الليل بظهورها وأفولها.

وقد جاء كثير من ذلك في كتاب الله عز وجل، وفي الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أخيار الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من العلماء الخالفين)(21). ثم قال: (وأما الضرب الثاني، وهو المحظور، فهو ما يدعيه المنجمون من الأحكام)(22).

قال الإمام الشوكاني: (قال ابن رسلان في شرح السنن: والمنهي عنه ما يدعيه أهل التنجيم من علم الحوادث والكوائن التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، ويزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، وهذا تعاطٍ لعلم استأثر الله بعلمه. قال: وأما علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة وكم مضى وكم بقي فغير داخل فيما نهي عنه»(23).

ومما يروى في فضل علم الفلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والأظلة لذكر الله عز وجل»(24). أي: يترصدون دخول الأوقات بها لأجل ذكره تعالى من الأذان للصلاة ثم إقامتها، ولإيقاع الأوراد في أوقاتها الفاضلة(25).

كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا طلع النجم ارتفعت العاهة عن كل بلد»(26).

وفي لفظ آخر عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى تؤمن عليها العاهة. قيل: ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا طلعت الثريا(27).

وذكر المناوي أن ذلك في العشر الأواسط من أيار، فآنذاك يبدو صلاح الثمرة في الغالب، فعند ذلك ينبغي أن تباع الحبوب والثمار وتدخر(28).

والمقصود أن هذا الحديث النبوي يبيح الاستفادة من الظواهر الطبيعية في السماء والتعويل عليها في شئون الناس على الأرض.

كما ورد في السنة ما يدل على قاعدة من قواعد التوقعات الجوية؛ فقد أورد الإمام مـالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غُدَيْقَة». ومعناه كما قال السيوطي: أنه إذا ظهرت سحابة من ناحية البحر، ثم أخذت اتجاه الشام فسيكون ماؤها مطرًا، أيامًا لا يقلع(29).

ولا يعارض ذلك ما جاء في الحديث السابق: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته. فذلك مؤمن بي، وكافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا. فذلك كافر بي، ومؤمن بالكوكب».

فقد وضَّح المازري المقصود من فقه هذا الحديث بقوله: «وأما من اعتقد أن لا خالق إلا الله سبحانه ولكن جعل في بعض الاتصالات من الكواكب دلالة على وقوع المطر من خلقه تعالى عادة جرت في ذلك، فلا يكفر بهذا إذا عبَّر عنه بعبارة لا يمنع الشرع منها، والظن بمن قال من العوام: هذا نوء الثريا ونوء الراعي، أنه إنما يريد هذا المعنى»(30).

ج-الزجر والعيافة والطيرة:

الزجر والعيافة والطيرة تدور كلها حول التطير، فشيء قبله، وشيء بعده ناتج عنه؛ فالذي قبله: الزجر والعيافة، وهما بمعنى واحد، والذي بعده: الطيرة، وقد يقع التطير بلا زجر ولا عيافة، كرؤية مباشرة أو سماع.

والزجر في اللغة: يأتي بمعنى العيافة والتكهن. (وعفت الطير أعيفُها عِيافَةً، أي زجرتها، وهو أن تعتبر بأسمائها ومساقطها وأصواتها. والعائِفُ: المتكهِّنُ)(31).

(والعِيافة: هي زجر الطير والتفاؤل والاعتبار في ذلك بأسمائها، كما يُتفاءل بالعُقاب على العقاب، وبالغراب على الغربة، وبالهدهد على الهدى. والفرق بينهما وبين الطيرة أن الطيرة هي التشاؤم بها، وقد تستعمل في التشاؤم بغير الطير من حيوان وغيره. والطِّيَرة: هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تطير طيرة وتخير خيرة، ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما، وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما)(32).

وعن معنى الطيرة يقول الإمام ابن حجر: (وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير فإذا خرج أحدهم لأمر فإن رأى الطير طار يمنة تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع. وكانوا يسمونه السانح والبارح؛ فالسانح ما ولاك ميامنه بأن يمر عن يسارك إلى يمينك، والبارح بالعكس، وكانوا يتيمنون بالسانح ويتشاءمون بالبارح)(33).

وما زال التطير والتشاؤم فاشيًا في الناس بصور وأحوال مختلفة: بأزمان وأشخاص وأماكن وغيرها، ومن الأمثلة المعاصرة تشاؤم بعضهم بالرقم (١٣).

الأدلة الواردة في التطير:

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠، ١٣١].

وقال تعالى في تطير أهل القرية برسلهم، ورد رسلهم عليهم: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس: ١٨، ١٩].

وقال تعالى مبينًا أن الضر والنفع بيده وحده سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧].

وورد في السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، ثلاثًا، وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل»(34).

وقال صلى الله عليه وسلم: «من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك»، قالوا: يا رسول الله، ما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك»(35).

ويوضح الإمام النووي معنى الشرك في الطيرة فيقول: (الطيرة شرك أي اعتقاد أنها تنفع أو تضر إذ عملوا بمقتضاها معتقدين تأثيرها فهو شرك؛ لأنهم جعلوا لها أثرًا في الفعل والإيجاد)(36).

ويقول الإمام ابن القيم: (المؤمن لا يتطير؛ فإن التطير شرك، ولا يصده ما سمع عن مقصده وحاجته، بل يتوكل على الله ويثق به، ويدفع شر التطير عنه بالتوكل)(37).

د-الخط والرَّمْل:

والخط هو الكتابة ونحوها مما يُخطُّ.

والرمل معروف.

والخط والرمل شيء واحد، ويطلق عليهما أحيانًا: الطَّرْق والضَّرْب.

وقد عرفه العلامة ابن عابدين بقوله: (الرَّمْل هو علم بضروب أشكال من الخطوط والنقط بقواعد معلومة تخرج حروفًا تُجمع، ويُستخرج جملة دالة على عواقب الأمور)(38).

ويلاحظ على التعريف وصفه للرمل بأنه علم، وهو في الحقيقة محض تحكمات وأهواء لا تستند إلى أساس علمي.

وقد شرح العلامة ابن خلدون طبيعة خط الرمل فقال: (خط الرَّمْل نسبة إلى المادَّة التي يضعون فيها عملهم، ومحصول هذه الصناعة أنهم صيَّروا من النقط أشكالًا ذات أربع مراتب تختلف باختلاف مراتبها في الزوجية والفردية واستوائها فيهما، فكانت ستة عشر شكلًا ميَّزوها كلها بأسمائها وأنواعها إلى سعود ونحوس شأن الكواكب، وجعلوا لها ستة عشر بيتًا طبيعية بزعمهم، وكأنها البروج الاثنا عشر التي للفلك والأوتاد الأربعة، وجعلوا لكل شكل منها بيتًا وخطوطًا ودلالة على صنف من موجودات عالم العناصر يختص به، فإذا أرادوا استخراج مغيَّب بزعمهم عمدوا إلى قرطاس أو رمل أو دقيق فوضعوا النقط سطورًا على عدد المراتب الأربع ثم كرروا ذلك أربع مرات» وتمضي الطريقة إلى نهايتها «ثم يحكمون على الخط كله بما اقتضته أشكاله من السعودة والنحوسة بالذات والنظر والحلول والامتزاج والدلالة على أصناف الموجودات وسائر ذلك تحكمًا غريبًا»(39).

الأدلة الواردة فيه:

قال صلى الله عليه وسلم: «العيافة، والطيرة، والطرق من الجبت». قال: الطرق: الزجر، والعيافة: الخط(40).

قال المناوي: (والطرق: الضرب بالحصى، والخط بالرمل «من الجبت» أي من أعمال السحر، فكما أن السحر حرام فكذا هذه الأشياء أو مماثل عبادة الجبت في الحرمة)(41).

وربما يدعي المشروعية من يحتج بما ورد عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: قلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالًا يأتون الكهان، قال: «فلا تأتهم» قال: ومنا رجال يتطيرون، قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم -قال ابن الصباح: فلا يصدنكم-. قال: قلت: ومنا رجال يخطون، قال: «كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك»(42).

قال في مرقاة المفاتيح: («كان نبي من الأنبياء يخط»، أي: فيُعرف بالفراسة بتوسط تلك الخطوط. قيل: هو إدريس أو دانيال عليهما الصلاة والسلام. «فمن وافق»: أي: فمن وافق فيما يخطه «خطَّه» أي: خطَّ ذلك النبي في الصورة والحالة، وهي قوة الخاط في الفراسة وكماله في العلم والعمل الموجبة لها «فذاك» أي: فذاك مصيب أو يصيب أو يعرف الحال بالفراسة كذاك النبي، وهو كالتعليق بالمحال. قال الخطابي: إنما قال عليه الصلاة والسلام: «من وافق خطه فذاك» على سبيل الزجر، ومعناه: لا يوافق خط أحد خط ذلك النبي؛ لأن خطه كان معجزة. قال ابن الملك: لأنهم ما كانوا صادفوا خط ذلك النبي حتى يُعرف الموافقة من المخالفة لأن خطه كان علمًا لنبوته، وقد انقضت، والشيء إذا علق بأمر ممتنع فهو ممتنع.

قال ابن حجر: ولم يصرح بالنهي عن الاشتغال بالخط لنسبته لبعض الأنبياء لئلا يتطرق الوهم إلى ما لا يليق بكمالهم، وإن كانت فروع الأحكام مختلفة باختلاف الشرائع، ومن ثم قال المحرمون لعلم الرمل -وهم أكثر العلماء: لا يستدل بهذا الحديث على إباحته لأنه علق الإذن فيه على موافقة خط ذلك النبي، وموافقته غير معلومة، إذ لا تُعلم إلا من تواتر أو نص منه عليه الصلاة والسلام، أو من أصحابه أن الأشكال التي لأهل علم الرمل كانت لذلك النبي، ولم يوجد ذلك فاتضح تحريمه)(43).

وقد ذهب الإمام ابن حجر الهيتمي إلى التحريم فقال: (تعلم الرمل وتعليمه حرام شديد التحريم، وكذا فعله لما فيه من إيهام العوام أن فاعله يشارك الله في غيبه وما استأثر بمعرفته).

ه-الاستقسام بالأزلام:

من طرق استشراف المستقبل المحرمة: الاستقسام بالأزلام.

والاستقسام في اللغة: طلب القَسْم؛ لأن السين والتاء تدلان على الطلب.

والأزلام في اللغة: (هي السهام التي كان أهلُ الجاهليَّة يستقسمون بها، والمفرد زَلَم وزُلَم، وهو القِدْحُ، والقدح: هو السهم قبل أن يُنصَّل ويُراش)(44). أي هو السهم الذي لا ريش عليه ولم يركَّب فيه نصل.

والاستقسام بالأزلام في الاصطلاح: (طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح)(45).

يقول الطبري: (وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا أراد سفرًا أو غزوًا أو نحو ذلك، أَجال القداح، وهي «الأزلام»، وكانت قِداحًا مكتوبًا على بعضها «نهاني ربي»، وعلى بعضها «أمرني ربي»، فإن خرج القدح الذي هو مكتوب عليه «أمرني ربي» مضى لما أراد من سفر أو غزو أو تزويج وغير ذلك، وإن خرج الذي عليه مكتوب «نهاني ربي» كفَّ عن المضي لذلك وأمسك)(46).

الأدلة الواردة في تحريمه:

قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى أن قال: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾. [المائدة: ٣].

قال الإمام ابن كثير: «ذلكم فسق» أي تعاطيه فسق وغي وضلالة وجهالة وشرك(47).

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. [المائدة: ٩٠]

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم أَبَى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأُخرجت، فأخرجوا صورة إبراهيم، وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاتلهم الله، أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط». فدخل البيت، فكبر في نواحيه، ولم يصلِّ فيه(48).

وقد علَّل الشيخ رشيد رضا تحريم الشريعة للاستقسام بالأزلام فقال: (لأنه من الخرافات والأوهام التي لا يركن إليها إلا من كان ضعيف العقل يفعل ما يفعل من غير بينة ولا بصيرة، ويترك ما يترك عن غير بينة ولا بصيرة، ويجعل نفسه ألعوبة للكهنة والسدنة، ويتفاءل ويتشاءم بما لا فأل فيه ولا شؤم، فلا غرو أن يبطل ذلك دين العقل والبصيرة والبرهان، كما أبطل التطير والكهانة والعيافة والعرافة وسائر خرافات الجاهلية، ولا يليق ذلك كله إلا بجهل الوثنية وأوهامها)(49).

واستنادًا لهذه الحكمة علل العلماء تحريم أنواع أخرى فيها معنى الاستقسام وصورته فقال ابن تيمية: (فكل ما يحدثه الإنسان بحركة من تغيير شيء من الأجسام ليستخرج به علم ما يستقبله فهو من هذا الجنس)(50).

ولهذا اعتبر الفقهاء أن استخراج الفأل من المصحف أو باستعمال حبات السبحة أو الاستقسام بورق اللعب الذي يقامرون به أحيانًا، أو أخذ الفأل بفصوص النرد وأمثاله من أدوات اللعب ونحو ذلك-من الاستقسام المحرم.

والأساليب الممنوعة لا تنحصر، وفي كل وقت تستجد طريقة جديدة.

ونخلص مما تقدم إلى أن الراعي والرعية والحكام والمحكومين والعلماء والمحتسبين يجب عليهم أن يبذلوا غاية جهدهم في حماية المجتمع من التنجيم والكهانة والعرافة بكل أشكالها، وتطهيره من كل ما من شأنه أن يجعل استشراف المستقبل وسيلة من وسائل الشرك.

قال الماوردي: (ويمنع المحتسب الناس من التكسب بالكهانة واللهو، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي)(51).

1 فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٠/ ٢١٦).

2 التعريفات (ص١٨٣).

3 فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٠/ ٢١٧).

4 بدائع الفوائد، لابن قيم الجوزية (١/ ١١٧).

5 أخرجه البخاري، (١٠٣٩).

6 متفق عليه: أخرجه البخاري، (٧٣٨٠)، ومسلم، (١٧٧).

7 مفاتيح الغيب، لفخر الدين الرازي (٢٤/٥٣٧).

8 أخرجه مسلم، (٥٣٧).

9 متفق عليه: أخرجه البخاري، (٦٢١٣)، ومسلم، (٢٢٢٨).

10 أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٩٥٣٦)، والحاكم في مستدركه (١٥) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

11 نيل الأوطار (٧/ ٢١٤).

12 أحكام القرآن، للقاضي أبو بكر بن العربي (٢/ ٢٥٩).

13 انظر: استشراف المستقبل في الحديث النبوي (ص٩٦).

14 انظر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٥٦٧).

15 مجموع الفتاوى، (٣٥/١٩٢).

16 متفق عليه: أخرجه البخاري،(٨٤٦)، ومسلم، (٧١).

17 أخرجه مسلم، (٢٢٢٩).

18 مجموع الفتاوى، (٣٥/١٧٢).

19 أخرجه أبو داود، (٣٩٠٥).

20 مجموع الفتاوى، (٣٥/١٩٣).

21 القول في علم النجوم، الخطيب البغدادي، (ص١٢٦).

22 القول في علم النجوم (ص١٦٨).

23 نيل الأوطار (٧/٢١٦).

24 أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٨٠٣)، والحاكم في المستدرك (١٦٣)، وصححه ووافقه الذهبي.

25 التيسير بشرح الجامع الصغير، لعبد الرءوف المناوي (١/٣١٨، ٣١٩).

26 أخرجه الإمام الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٢٨٢).

27 أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠٦٩٠).

28 انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير، لعبد الرءوف المناوي (١/٣٩٨).

29 انظر: تنوير الحوالك شرح موطأ مالك، لجلال الدين السيوطي (١/١٥٤).

30 المُعْلم بفوائد مسلم، المازري، (١/٧٩).

31 تاج اللغة وصحاح العربية، مادة (عيف).

32 عون المعبود شرح سنن أبي داود، ومعه حاشية ابن القيم، (١٠/ ٢٨٦).

33 فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٠/٢١٢، ٢١٣).

34 أخرجه أبو داود، (٣٩١٠)، والترمذي، (١٦١٤).

35 أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٧٠٤٥)، والطبراني في معجمه الكبير (٣٨).

36 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١٤/ ٢١٩).

37 مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٤٦٠).

38 رد المحتار على الدر المختار (١/ ٤٤).

39 ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر (ص١٣٩-١٤١).

40 أخرجه أبو داود، (٣٩٠٧)، وأحمد في مسنده (١٥٩١٥).

41 فيض القدير شرح الجامع الصغير (٤/٣٩٥).

42 أخرجه مسلم، (٥٣٧).

43 مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، الملا علي القاري (٣/٦٤).

44 انظر: معجم لسان العرب، مادة (زلم)، ومادة (قدح).

45 تفسير مفاتيح الغيب (١١/ ٢٨٥).

46 جامع البيان في تأويل آي القرآن (٩/ ٥١٠).

47 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير(٣/ ٢٥).

48 أخرجه البخاري، (١٦٠١).

49 تفسير المنار (٦/١٢٤).

50 مجموع الفتاوى (٤/٨٠).

51 انظر: الأحكام السلطانية، الماوردي (ص٣٧٣).

المبحث الثاني

أساليب استشراف المستقبل المشروعة

في البداية ينبغي التنبيه على أن أساليب الاستشراف تنتمي إلى المناهج في الدراسات المستقبلية، فكما أن هناك منهجًا استكشافيًّا فهناك أساليب استكشافية، وكما أن هناك منهجًا استهدافيًّا فهناك أساليب استهدافية.

وقد تم التنبيه على هذا قبل عرض الأساليب الإسلامية في استشراف المستقبل لئلا يُظن أن الأساليب استكشافية فقط؛ فلا يدخل فيها الأساليب الاستهدافية أو الحدسية، والأمر بخلاف ذلك.

أ-الوحي:

الوحي في اللغة: إعلام في خفاء(1).

وفي الاصطلاح: هو إعلام الله عز وجل أنبياءه بما شاء بكلام مباشر، أو عن طريق الملائكة أو الإلهام أو المنام أو إنزال الكتب.

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].

والوحي: إما متلو، وهو كتاب الله تعالى، وهذا قطعي الدلالة، وإما غير متلو، وهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وما ثبت منها فهو قطعي الدلالة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤].

ويتميز الوحي بعدد من الخصائص، وهي: الربانية والكمال والوضوح والشمول والإحاطة والوسطية؛ فهو يحقق الأنسجام بين الروح والمادة، وبين العقل والقلب، وبين الحقوق والواجبات، ويتميز الوحي أيضًا بالعملية، وهي صلاحيته للتطبيق والعمل به في كل زمان ومكان، والإعجاز، والثوت القطعي المتواتر باتصال السند، والحفظ والسلامة من التحريف والزيادة والنقص.

ويتميز أسلوب الوحي من حيث كونه أسلوب استشراف بأنه من خصائص المؤمن فلا يستفيد منه غيره، كما أن استشراف المستقبل بطريق الوحي أهم أساليب الاستشراف

جميعها، كما أنه أسلوب يمكن استخدامه والإفادة منه في جميع مناهج استشراف المستقبل.

ويمكن الاستفادة من الوحي –كتابًا وسنة- بأكثر من طريق في استشراف المستقبل أو العمل لأجله، وهي كما يأتي:

أ-الإفادة من الإخبار الصريح بشأن حوادث أو قضايا مستقبلية محددة، مطلقًا كان هذا الإخبار الصريح، أو مقيدًا بشرط. مثال المطلق: قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومثال المقيد: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].

ب-الإفادة من القصص الواردة فيه، والوقوف على مواطن العبرة فيها، وتشبيه الحال بالحال، وقياس الأمر على الأمر.

ج-الإفادة من القواعد المستقبلية المبثوثة في الكتاب والسنة.

د-الالتزام بالشريعة التي جاء بها وعدم الخروج عنها؛ فقد جاء الوحي بتشريعات كثيرة تتعلق بالفرد والجماعة والأمة، وتتناول العبادات والمعاملات والأخلاق، وبيَّن الوحي أن في اتباعها اهتداء إلى الحق، وأن في تركها ضلالًا وشقاء.

وينبغي عند الإفادة من الوحي في مجال استشراف المستقبل التحقق الدقيق من صحة الفهم له؛ فلا ينزَّل الوحي على غير ما هو له.

فعن عبد الله بن عمر، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، صلاة العشاء، في آخر حياته، فلما سلم قام فقال: «أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد» قال ابن عمر: فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك، فيما يتحدثون من هذه الأحاديث، عن مائة سنة، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن(2).

فَفُهم من هذا الحديث أن ابن عمر صحَّح تنزيل الناس هذا الخبر المستقبلي على غير ما هو له.

ويجدر التنبيه على الحذر من الأحاديث الضعيفة والموضوعة في مجال استشراف المستقبل؛ إذ لا قيمة لها، وهي كل حديث فيه «إذا كانت سنة كذا وكذا حل كذا وكذا».

ومن أمثلة الإخبار بالأحداث المستقبلية في القرآن قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].

قال الرازي: «أخبر سبحانه عن وقوع شيء في المستقبل إخبارًا على التفصيل، وقد وقع المخبر مطابقًا للخبر»(3).

ومن أمثلته في السنة النبوية: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بُعثت بجوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، فبينا أنا نائم أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوُضِعت في يدي». قال أبو هريرة: وقد ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تنتثلونها(4). قال النووي: «هذا من أعلام النبوة فإنه إخبار بفتح هذه البلاد لأمته، ووقع كما أخبر صلى الله عليه وسلم ولله الحمد والمنة. قوله: (وأنتم تنتثلونها) يعني تستخرجون ما فيها يعني خزائن الأرض وما فتح على المسلمين من الدنيا»(5).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله»(6). وهذا لم يقع حتى الآن ولكن وقعت مباديه.

وما أخبر به القرآن الكريم وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من الأمور المستقبلة يأتي الدهر مصداقًا له، وإنكار العقل لما يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عين الجهل، ولا مستند له في إنكاره إلا أنه لم يبلغه ولم يصل إليه فيظن أنه غير ثابت في نفسه(7).

ب- الدعاء:

الدعاء في اللغة: الرغبة إلى الله تعالى(8).

وفي الاصطلاح: مناداة الله تعالى لما يريد من جلب منفعة أو دفع مضرة.

ويكفي في فضله وأهميته بشكل عام قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة، وقرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠](9)».

والدعاء بوضعه اللغوي إنما يتناول المستقبل لأنه طلب، والطلب متوجه للمستقبل.

ومطالب السائلين من ربهم سبحانه تنقسم إلى أربعة أقسام: شر موجود يُطلب رفعه، وشر معدوم يُطلب بقاؤه على العدم، وخير موجود يُطلب دوامه وثباته وألا يُسلبه، وخير معدوم يُطلب وجوده وحصوله. وهذه المطالب كلها يغلب عليها التوجه للمستقبل وإرادته.

وبرغم أهمية الدعاء وعلو مكانته إلا أن توظيفه للمستقبل يغيب عن البعض، وتقل عناية النفس به لأن النفس بطبعها تطلب ما هي محتاجة إليه من زوال الضرر الحاصل من الحال قبل طلبها زوال ما تخاف وجوده من الضرر في المستقبل، أو يكون لدى النفس احتجاج بالقدر فترى أن الدعاء لا تُجلب به منفعة ولا تُدفع به مضرة، وقد نفى النبي هذا المفهوم في قوله: «لا يرد القضاءَ إلا الدعاءُ(10)»؛ فالدعاء من القدر، وهو قدر يدفع الله به قدرًا.

والحق أن الدعاء سبب من الأسباب وله تأثيره بل إنه من أقوى الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار.

والدعاء ليس له حد محدود فيدعو المرء بما يدفع الضر ويرفعه، وبما يعود بالنفع على نفسه وأهله ومجتمعه وأمته حاضرًا ومستقبلًا ما لم يكن في الدعاء اعتداء.

وأسلوب الدعاء من أهم أساليب استشراف المستقبل علَّمه الله تعالى أبا البشر آدم عليه السلام، وكان دأب الأنبياء والصالحين.

ويتميز الدعاء عن غيره من الأساليب الأخرى بعدة أمور، أهمها:

أ-أنه طلب مباشر ممن يملك صفات الكمال، الغني عن العالمين.

ب-أنه أسلوب استهدافي قوي، لا يدانيه أسلوب آخر؛ فإذا كانت أكثر الأساليب الأخرى تضعف كلما زادت مدة الاستشراف فإن أسلوب الدعاء لا تؤثر فيه الزيادة، ولا تغير منه شيئًا؛ فهذا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يدعوان لذريتهما: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]؛ فقد أراد إبراهيم عليه السلام عمارة الدين في الحال وفي المستقبل، وهذا من فقهه المستقبلي عليه السلام.

ج-أنه أسلوب ناجح في جميع الأحوال؛ لأنه إما أن يقع المطلوب فيه، أو يُصرف من الشر مثله، أو يؤجل إلى يوم القيامة، بخلاف الأساليب الأخرى التي قد يعتريها الخطأ.

د-أنه من الأساليب القوية في بث الأمن والطمأنينة للنفس من مخاوف المستقبل ومشاهده السيئة، وهذا يمنع حصول القلق والأمراض النفسية الأخرى، وهذا يكون بالأدعية بعامة، وبالاستخارة بخاصة.

ه-أنه أسلوب لا تقوم مقامه الأساليب الأخرى؛ فمن فقه الدعاء أنه إذا كان هناك استشراف بمستقبل معين أو كان عن طريق رؤى منامية عَبرها حاذق بالتعبير أو وعد في الكتاب أو السُّنَّة فإن الشخص يتبع ذلك كله بالدعاء بتحققه.

ولما كان المرء لا يخلو في بعض الأحوال أن يساوره القلق ويداهمه الخوف من المستقبل المجهول، فلا يعلم هل يُقدم على هذا الأمر أم يحجم عنه، فكان من حكمته تعالى أن شرع الاستخارة ليخلِّص الإنسان من الحيرة التي تنتابه والخوف من المستقبل المجهول، وذلك بتسليم الأمر كله لله والالتجاء إليه سبحانه.

فإذا فوَّض العبد أمره إلى ربه تعالى ورضي بما يختاره له أمده بالقوة عليه والصبر، وصرف عنه الآفات.

والإسلام بهذا التشريع الحكيم قضى على الطريقة الجاهلية في طلب الفعل والترك، وهي الاستقسام بالأزلام ونحوها من الأساليب، وعوَّض المسلمين ببديل شرعي كله توحيد وتوكل(11).

ج- الشورى:

الشورى في اللغة: «شاوره مشاورة وشوارًا واستشاره: طلب منه المشورة. وأشار الرجل يشير إشارة إذا أومأ بيديه. وأشار إليه باليد: أومأ، وأشار عليه بالرأي. وأشار يشير إذا ما وجَّه الرأي»(12).

وأما في الاصطلاح: استخراج الرأي من أهل الرأي، ومراجعة البعض للبعض، وذلك بعرض الأمر على من عندهم القدرة على بيان الرأي، ويُرتجى منهم الوصول إلى الصواب.

قال تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].

وقد حفلت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بتطبيقات الشورى في الأمور المختلفة، حتى روي عن أبي هريرة أنه قال: «ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم»(13).

وقد اتبع الصحابة رضي الله عنهم سنة نبيهم في أمر الشورى، فكان أول ما تشاوروا فيه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هو تعيين خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا على بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

والمشاورة هي أهم قواعد السياسة الدينية، وهي طريق الصلاح الديني والدنيوي.

ولم تنص الشريعة الإسلامية على كيفية خاصة لتحقيق مبدأ الشورى، وهذا يعني أنها تركت تنظيم الشورى للأمة الإسلامية على النحو الذي يلائم ظروفها وأحوالها، وهذا من حسنات الشريعة واحتياطها للمستقبل.

والشورى ألفة للجماعة؛ فالمجتمع الذي تطبق فيه الشورى على الطريقة الشرعية يشعر فيه الأفراد بإنسانيتهم ويحسون أنهم يحققون ذواتهم، ونجد أن ذلك المجتمع مترابط يسود بين أفراده الإخاء والمحبة ووحدة الصف، وإذا توافرت تلك الخصال في المجتمع فقد حصل على الأسس المهمة في صناعة مستقبله.

كما أنه بالشورى يسلم الحاكم والقائد من تحمل المسئولية وحده عند وقوع أي خطأ في المستقبل بسبب ضعف الرأي، ولذلك قال بعض العقلاء: «ما أخطأت قط؛ إذا حزبني أمر شاورت قومي ففعلتُ الذي يرون، فإن أصبت فهم المصيبون، وإن أخطأت فهم المخطئون».

وإذا أُهملت الشورى وبان الخطأ فإنه قد يختلف الناس وتنشأ الفتن لأنهم لم يُستشاروا فحمَّلوا الخطأ المستبد بالرأي وهم سالمون منه، وعلى هذا فالشورى ينتج عنها وحدة الصف واجتماع الكلمة عند حدوث بعض دواعي التفرق والاختلاف في المستقبل.

والشورى سبب إلى الرأي الصواب، ولهذا قال الشعبي في الأمر المستجد: انظر كيف قضى فيه عمر رضي الله عنه فإنه كان يشاوِر. وأثُر عن الحسن البصري قوله: «والله ما استشار قومٌ قط إلا هُدُوا لأفضل ما بحضرتهم».

وإذا كانت الشورى سببًا للوصول إلى أقرب الآراء إلى الصواب فإن الرأي يصبح قرارًا يدخل حيز التنفيذ، وإنما تظهر آثاره ونتائجه في المستقبل طال أو قصر، وذلك حسب نوع القرار ومتعلقاته؛ فبالشورى نكون أقرب إلى كسب المستقبل، وبتركها قد نخسر المستقبل أو بعضه.

والمتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده يلحظ أن الشورى ارتبطت باتخاذ القرارات ولم تكن لاستشراف المستقبل فحسب، وهذا ما ينبغي أن تكون الشورى عليه في الدراسات المستقبلية الإسلامية؛ فيكون الحافز إليها اتخاذ قرارات وإنجاز أعمال، وليس مجرد الاستشراف(14).

د- الـمَشاهِد:

قال المناوي: «الشهادة كالشهود الحضور مع المشاهدة، إما بالبصر أو بالبصيرة، وقد يقال للحضور منفردًا. ومشاهد الحج: مواطنه التي تحضرها الملائكة والأخيار من الناس. وقيل: هو مواضع النسك»(15). «والمشاهدة: المعاينة. وشهده شُهودًا: أي حَضَرَه، فهو شاهدٌ. وقومٌ شُهودٌ، أي حُضورٌ. وشَهِد له بكذا شَهادةً، أي أدَّى ما عنده من الشهادة، فهو شاهد»(16).

والمشاهد في الاصطلاح: أوصاف لبعض ما يُمكن وقوعه في المستقبل.

والله تعالى قد أحاط بكل شيء علمًا، يعلم المستقبل كما هو لا يخفى عليه منه شيء، وقد عرض القرآن مشاهد الآخرة في آيات كثيرة، وهي مشاهد مؤكَّدة الوقوع، وليست من التقديرات التي قد تقع أو لا تقع، وأما المشاهد المتعلقة بالأمور الدنيوية فقد عرض القرآن لبعض المشاهد التي قد تقع وقد لا تقع؛ لأن الإنسان لا يعلم المستقبل، ولكن يقدِّر بعض مشاهده الممكنة والمحتملة، وقد خاطب سبحانه عباده بمثل هذا في عدد من الآيات، منها قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٥-٤٧].

فقد عرضت الآيات الكريمات أربعة مشاهد محتملة: مشهد الخسف، ومشهد أن يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، ومشهد الأخذ في تقلبهم وأسفارهم، ومشهد الأخذ على تخوف.

وقال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤].

فإذا قاتل المؤمن الكفار الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة فلينتظر أحد مشهدين: مشهد الشهادة والأجر العظيم، أو مشهد النصر والأجر العظيم. قال الإمام الرازي: «فإذا كان الأجر حاصلًا على كلا التقديرين لم يكن عمل أشرف من الجهاد. وهذا يدل على أن المجاهد لا بد وأن يوطِّن نفسه على أنه لا بد من أحد أمرين: إما أن يقتله العدو، وإما أن يغلب العدو ويقهره، فإنه إذا عزم على ذلك لم يفر عن الخصم ولم يحجم عن المحاربة، فأما إذا دخل لا على هذا العزم فما أسرع ما يقع في الفرار، فهذا معنى ما ذكره الله تعالى من التقسيم في قوله: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾(17)». وفي هذا دلالة على فوائد ذكر المشاهد المستقبلية واستحضارها.

ومن أمثلة المشاهد في السنة النبوية: لـمَّا صدت قريش النبي صلى الله عليه وسلم عن أداء العمرة عام الحديبية، واستعدت لحربه إن أراد الدخول قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتُهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر: فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا، وإن هم أَبَوْا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنَّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره»(18).

فالرسول صلى الله عليه وسلم يرى لقريش أنها لو تقبَّلت هذه المشاهد الثلاثة لكان خيرًا لها في الحاضر والمستقبل، وهي المشاهد الآتية:

أ -مشهد أن يتركوه وشأنه فيقتله غيرهم؛ فيتحقق لقريش ما أرادت بلا خسائر.

ب-مشهد أن يتركوه وشأنه فتكون له الغلبة والظهور، فلا يسع قريشًا إلا اتباعه؛ فيتبعوه من غير خسائر أيضًا.

ج-مشهد أن يتركوه وشأنه فتكون له الغلبة والظهور، ويكون الخيار أمام قريش حربه وعدم اتِّباعه؛ فيقاتلوه عن قوة لم تدمرها مواجهات سابقة.

د-مشهد ألا يقبلوا شيئًا من هذه المشاهد فإن الرسول حينئذ عازم بقوة على حربهم ما بقي.

ومن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وحكمته أنه بنى المشاهد الإيجابية لعدوه، وبيَّن له من الخيارات أحسنها، وهو ما فاق بعض أهداف الدراسات المستقبلية العالمية والعربية الانتهازية.

ولم يرد أسلوب الـمَشاهد كثيرًا لدى السلف، ولعل السبب في ذلك أن المشاهد عمل ذهني، والمرء عندما يريد أن يُبدي رأيًا له تعلق بالمستقبل فإنه يجول في ذهنه عدد من المشاهد لا يخبر في الغالب بها، بل يتخذ قراره أو يقول رأيه أو يخبر بمشهد واحد فقط، ولذلك إذا اشتد الخلاف في المسألة، أو كانت المسألة من المسائل المهمة فإنه يصرَّح بذكر المشاهد التي كانت تجول بالذهن(19).

هـ- الرؤيا:

الرؤيا في اللغة والاصطلاح معناها واحد، وهو: ما يُرى في المنام.

جاء في لسان العرب: «والرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء، ولكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشر والقبيح»(20).

وقد امتازت سورة يوسف عن سائر سور القرآن بتضمنها عددًا من الرؤى، وتعبيرها بأسلوب إلهي كريم، وتضمن تعبير رؤيا العزيز شيئًا عظيمًا من الاستشراف المستقبلي، بما يدل على بصيرة وحنكة يوسف عليه السلام في الاستشراف، ووضع الخطط المستقبلية والإشراف على تنفيذها وإنجازها.

والرؤيا حالة شريفة اتفقت الأمم عليها مع اختلافهم في المشارب والملل، ويكفي في بيان شرفها وفضلها قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اقترب الزمانُ لم تكد تَكْذِب رؤيا المؤمن، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة»(21).

قال الباجي: «وصفها بأنها جزء من النبوة لما كان فيها من الإنباء بما يكون في المستقبل على وجه يصح ويكون من عند الله عز وجل»(22).

وعلى ذلك فإن الرؤيا أشبهت النبوة في صدقها بما تنبئ به، وفي الاطلاع على شيء من الغيب.

والرؤيا تفارق الكهانة ونحوها من الأساليب المحرمة. وفي بيان ذلك يقول الإمام ابن القيم: «علم عبارة الرؤيا حق لا باطل؛ لأن الرؤيا مستندة إلى الوحي المنامي، وهي جزء من أجزاء النبوة؛ ولهذا كلما كان الرائي أصدق كانت رؤياه أصدق، وكلما كان المعبر أصدق وأبر وأعلم كان تعبيره أصح، بخلاف الكاهن والمنجم، وأضرابهما ممن لهم مدد من إخوانهم من الشياطين؛ فإن صناعتهم لا تصح من صادق ولا بار، ولا متقيد بالشريعة»(23).

وتأويل الرؤى هبة إلهية يختص الله بها من يشاء من عباده.

وقد دلَّت السنة على أن من يرى في منامه ما يحب فإنه يحمد الله على الرؤيا ويستبشر بها ويحدِّث بها من يحب دون غيره.

كما ينبغي على الرائي ألا يقطع بمقتضاها حكمًا، ولا يبني عليها أصلًا، بل يعتدل في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها، فما هي إلا تأنيس وبشارة ونذارة.

ورؤيا الأنبياء وحي يُعمل به؛ لأنها معصومة من الشيطان، أما رؤيا غيرهم فلا بد من عرضها على الكتاب والسنة فإن وافقتهما جاز العمل بها وإلا فلا.

كما أن رؤى غير الأنبياء ليست من طرق الاستدلال الشرعي التي يُتوصل بها إلى معرفة الأحكام.

ومما يُستأنس به في جواز العمل بالرؤيا إذا لم تخالف أصول ومبادئ الكتاب والسنة ما أخرجه الإمام أحمد عن مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان: أن عثمان بن عفان أعتق عشرين مملوكًا، ودعا بسراويل فشدَّها عليه، ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحة في المنام ورأيت أبا بكر وعمر، وإنهم قالوا لي: اصبر، فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه، فقُتل وهو بين يديه(24).

فيُستفاد من هذا الأثر أن عثمان رضي الله عنه تأهب واستعد استنادًا لهذه الرؤيا.

وجاء في أثر آخر عن أبي جمرة قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما، عن المتعة، فأمرني بها، وسألته عن الهدي، فقال: «فيها جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم»، قال: وكأن ناسا كرهوها، فنمت فرأيت في المنام كأن إنسانًا ينادي: حج مبرور، ومتعة متقبلة، فأتيت ابن عباس رضي الله عنهما فحدثته، فقال: «الله أكبر، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم»(25).

وعن هذا الأثر يقول ابن دقيق العيد: «فيه استئناس بالرؤيا فيما يقوم عليه الدليل الشرعي؛ لما دل الشرع عليه من عظم قدرها، وأنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وهذا الاستئناس والترجيح لا ينافي الأصول. وقول ابن عباس: (الله أكبر، سنة أبي القاسم) يدل على أنه تأيد بالرؤيا واستبشر بها، وذلك دليل على ما قلناه»(26).

وخلاصة القول في العمل بالرؤى أن ما عَبَره العالم بالتعبير على أنها رؤيا صادقة فإنه يُستأنس ويُستبشر بها، ولا تكون أصلًا يُعتمد عليه، ولا يُلتفت إلى رؤى خالف تعبيرها ما دلَّ عليه الكتاب والسنة وسار عليه هدي الصحابة والسلف.

أما عن مكانة أسلوب الرؤى من أساليب الاستشراف فإنه يمكننا القول بأنه من أوسع أساليب الاستشراف الاستكشافية بعد الوحي، وأقدرها على خوض غمار المستقبل، وبرغم قوته إلا أنه من الأساليب المكمِّلة بمعنى أنه يُفاد منه ضمن الأساليب الأخرى فلا يعتمد عليه بانفراده، ومما يؤيد ذلك: أن قريشًا بعد هزيمتها في بدر جمعت الأموال وجهزت جيشًا وزحفت على المدينة للثأر من المسلمين، فلما سمع النبي بقدومهم شاور أصحابه وأخبرهم برؤيا رآها فقال صلى الله عليه وسلم: «رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرًا منحَّرة، فأولت أن الدرع الحصينة المدينة، وأنَّ البقر نَفَرٌ، والله خير»، قال: فقال لأصحابه: «لو أنا أقمنا بالمدينة فإن دخلوا علينا فيها قاتلناهم»، فقالوا: يا رسول الله، والله ما دخل علينا فيها في الجاهلية، فكيف يدخل علينا فيها في الإسلام؟ – قال عفان في حديثه: فقال: «شأنكم إذًا» – قال: فلبس لأمته، قال: فقالت الأنصار: رددنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه، فجاءوا فقالوا: يا نبي الله، شأنك إذًا، فقال: «إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل»(27).

ففي استشراف هذه المعركة تم استخدام أسلوبي الشورى والرؤيا، ومع أن رؤيا الأنبياء حق إلا أنه لما تعارضت نتيجة الشورى ونتيجة الرؤيا اعتمد صلى الله عليه وسلم نتيجة الشورى مع أن الرؤيا أقوى.

ويمكن أن يُفاد من الرؤيا باستخدام أسلوب التشاور المتميز، وذلك بإشراك عدد من أهل التعبير المبرزين، وأهل الاختصاصات الأخرى ذات الصلة بقضية الاستشراف، وذلك لمعرفة الرؤى التي تواطأت فإن ظاهر كلام الأئمة يفيد أن رؤى المؤمنين إذا تواطأت فهو كتواطؤ روايتهم(28).

و- الفراسة والإلهام والتحديث والكشف:

الفراسة:

الفراسة في اللغة: «الفراسة بكسر الفاء: في النظر والتثبت والتأمل للشيء والبصر به، يقال: إنه لفارس بهذا الأمر إذا كان عالـمًا به… وتفرس فيه الشيء: توسَّمه»(29).

وأما معنى الفراسة في الاصطلاح، فقد عرفها البعض بأنها: الاستدلال بالأحوال الظاهرة على الأخلاق الباطنة، أو الاستدلال بهيئات الإنسان وأشكاله وألوانه وأقواله على أخلاقه وفضائله ورذائله(30).

وهذا التعريف ركَّز على الفراسة المكتسبة، وذلك بالنظر إلى الشكل الظاهري للإنسان، وغفل تلك الفراسة التي يهبها الله لبعض عباده، وهي كالنور يقذفه الله تعالى فيميز من خلالها مكاشفات النفس، وهذه الفراسة بحسب قوة الإيمان؛ فمن كان أقوى إيمانًا فهو أحدُّ فراسة.

يقول أبو سليمان الداراني: الفِراسة مكاشفة النفس ومعاينة الغيب، وهي من مقامات الإيمان(31).

وقال أبو شجاع الكرمانى: من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وكف نفسه عن الشهوات، وغض بصره عن المحارم، واعتاد أكل الحلال لم تخطئ له فراسة(32).

وعلى ذلك فإنه يمكننا تعريف الفراسة بتعريف يشمل نوعيها الإلهامي والكسبي، وهو أنها العلم القلبي أو المكتسب الذي يميز مدلولات الصور والأحوال بالنظر المكتسب أو الإلهامي.

وقد مدح الله سبحانه الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] وهم المتفرسون الآخذون بالسيما، وهي العلامة، يقال: تفرست فيك كيت وكيت وتوسمته.

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾(33).

ويقول الطبري عن معنى (المتوسمين) في الآية الكريمة: «إن في الذي فعلنا بقوم لوط من إهلاكهم، وأحللنا بهم من العذاب لَعَلامات ودلالات للمتفرّسين المعتبرين بعلامات الله، وعبره على عواقب أمور أهل معاصيه والكفر به»(34).

وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أعظم الأمة فراسة، وبعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ووقائع فراسته مشهورة، ويكفي منها موافقته ربه في المواضع المعروفة. وفراسة الصحابة رضي الله عنهم أصدق الفراسة.

ويقول الإمام ابن القيم عن فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأخبرني غير مرة بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه، ولم ينطق به لساني. وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل. ولم يعين أوقاتها. وقد رأيت بعضها وأنا أنتظر بقيتها»(35).

الإلهام:

الإلهام في اللغة والاصطلاح: «إلقاء الشيء في الروع». ويختص ذلك بما كان من جهة الله تعالى وجهة الملأ الأعلى بحيث يجد علم شيء في نفسه من غير تقدم ما يوصل إليه بحس أو استدلال.

يقول الإمام ابن الأثير: «والمُلْهَم هو الذي يلقى في نفسه الشيء فيخبر به حدسا وفراسة، وهو نوع يختص به الله عز وجل من يشاء من عباده الذين اصطفى، مثل عمر، كأنهم حُدِّثوا بشيء فقالوه»(36).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والإلهام في القلب تارة يكون من جنس القول والعلم والظن والاعتقاد، وتارة يكون من جنس العمل والحب والإرادة والطلب فقد يقع في قلبه أن هذا القول أرجح وأظهر وأصوب، وقد يميل قلبه إلى أحد الأمرين دون الآخر… وكثير من أهل الكشف يلقى في قلبه أن هذا الطعام حرام أو أن هذا الرجل كافر أو فاسق من غير دليل ظاهر، وبالعكس قد يلقى في قلبه محبة شخص وأنه ولي لله أو أن هذا المال حلال»(37).

وفي بيان الفرق بين الإلهام والفراسة يقول الإمام ابن القيم: «الفرق الصحيح أن الفراسة قد تتعلق بنوع كسب وتحصيل، وأما الإلهام فموهبة مجردة، لا تنال بكسب البتة»(38).

ومن أدلة الإلهام: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]. فقد جاء في معنى (فرقانًا) أربعة أقوال عن السلف، الرابع منها: أنه هدى في قلوبهم يفرقون به بين الحق والباطل.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داعٍ يقول: أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعًا، ولا تتعرجوا، وداعٍ يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم»(39).

قال ابن القيم: «فهذا الواعظ في قلوب المؤمنين هو الإلهام الإلهي بواسطة الملائكة»(40).

التحديث:

الحديث في اللغة: كل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو منامه(41).

وقال ابن القيم عن المحدَّث: هو الذي يحدَّث في سره وقلبه بالشيء، فيكون كما يحدث به(42).

والتحديث في الاصطلاح: هو ما يُلْقَى في القلب من الصواب والحق(43).

ومن أدلة التحديث: قال صلى الله عليه وسلم: «إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب»(44).

قال الحافظ ابن حجر: «كذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التوقع وكأنه لم يكن اطلع على أن ذلك كائن، وقد وقع بحمد الله ما توقعه النبي صلى الله عليه وسلم في عمر رضي الله عنه، ووقع من ذلك لغيره ما لا يحصى ذكره»(45).

الكشف:

الكشف في اللغة: «رفعك الشيء عما يواريه ويغطيه»(46).

وأما في الاصطلاح فقد عرَّفه الإمام ابن القيم بقوله: «علوم يحدثها الرب سبحانه وتعالى في قلب العبد، ويطلعه بها على أمور تخفى على غيره، وقد يواليها وقد يمسكها عنه بالغفلة عنه، ويواريها عنه بالغين الذي يغشى قلبه، وهو أرق الحجب، أو بالغيم، وهو أغلظ منه أو بالران، وهو أشدها»(47).

ويحصل الكشف تارة بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيره، وتارة بأن يرى ما لا يراه غيره يقظة ومنامًا، وتارة بأن يعلم ما لا يعلم غيره وحيًا وإلهامًا أو إنزال علم ضروري أو فراسة صادقة، ويسمى كشفًا ومشاهدات ومكاشفات ومخاطبات: فالسماع مخاطبات، والرؤية مشاهدات، والعلم مكاشفة، ويسمى ذلك كله «كشفًا» و «مكاشفة» أي كُشف له عنه»(48).

ويقول ابن خلدون: «وهذا الكشف كثيرًا ما يعرض لأهل المجاهدة فيدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم وكذلك يدركون كثيرًا من الواقعات قبل وقوعها… وفي فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كثير منها… ثمَّ إنَّ هذا الكشف لا يكون صحيحًا كاملًا عندهم إلَّا إذا كان ناشئًا عن الاستقامة؛ لأنَّ الكشف قد يحصل لصاحب الجوع والخلوة وإن لم يكن هناك استقامة كالسَّحرة وغيرهم من المرتاضين»(49).

ومن أدلة الكشف قول عمر رضي الله عنه: «اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فإنه تتجلى لهم أمور صادقة». وهذه الأمور الصادقة التي أخبر بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنها تتجلى للمطيعين هي الأمور التي يكشفها الله عز وجل لهم. فقد ثبت أن لأولياء الله مخاطبات ومكاشفات(50).

ومن الكشف الرحماني ما جاء عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب بعث جيشًا، وأمَّر عليهم رجلًا يدعى سارية، قال: فبينا عمر يخطب الناس يومًا، قال: فجعل يصيح وهو على المنبر: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، قال: فقدم رسول الجيش فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين، لقينا عدونا فهزمناهم، فإذا بصائح يصيح: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله، فقيل لعمر -يعني: ابن الخطاب: إنك كنتَ تصيحُ بذلك(51).

والفراسة الإيمانية والإلهام والكشف والتحديث أمور ليست غاية تُطلب لذاتها، بل الغاية أن يجاهد المسلم نفسه على الاستقامة دون أن يطلب تحصيل هذه الأمور، وأهل المجاهدة وعلى رأسهم الصحابة رضي الله عنهم لم يعتنوا بهذه الأمور، وكان لهم حظ وافر منها، بل كانوا يعدون ما وقع لهم منها امتحانًا.

وهذه الأمور الأربعة متقاربة ويطلق بعضها على بعض، والصحيح في كونها من الطرق الشرعية أنه لا بد من عرضها على الكتاب والسنة، فإن ظهر في الإلهام ونحوه معارضة لها لم يلتفت إليه.

يقول الإمام الشاطبي: «هذه الأمور لا يصح أن تراعى وتعتبر، إلا بشرط أن لا تخرم حكمًا شرعيًّا ولا قاعدة دينية، فإن ما يخرم قاعدة شرعية أو حكمًا شرعيًّا ليس بحق في نفسه، بل هو إما خيال أو وهم، وإما من إلقاء الشيطان، وقد يخالطه ما هو حق وقد لا يخالطه، وجميع ذلك لا يصح اعتباره من جهة معارضته لما هو ثابت مشروع»(52).

يقول الإمام ابن تيمية: «الخارق كشفًا كان أو تأثيرًا إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين كان من الأعمال الصالحة المأمور بها دينًا وشرعًا، إما واجب وإما مستحب، وإن حصل به أمر مباح كان من نعم الله الدنيوية التي تقتضي شكرًا»(53).

ويصف الإمام الشاطبي هذا الأمر المباح بقوله: «كأن يرى المكاشف أن فلانًا يقصده في الوقت الفلاني، أو يعرف ما قصد إليه في إتيانه من موافقة أو مخالفة، أو يطَّلع على ما في قلبه من حديث أو اعتقاد حق أو باطل، وما أشبه ذلك، فيعمل على التهيئة له حسبما قصد إليه، أو يتحفظ من مجيئه إن كان قصده الشر، فهذا من الجائز له، كما لو رأى رؤيا تقتضي ذلك، لكن لا يعامله إلا بما هو مشروع»(54).

فالخلاصة أن الفراسة والإلهام والكشف والتحديث منها ما هو صحيح موافق لأصول الكتاب والسنة، فيكون مقبولًا من باب الاستئناس والاستبشار، أو الاحتياط والاحتراز، ومنها ما هو باطل معارض لها فَيُردُّ، وبناء على ذلك تكون هذه الأمور الأربعة أساليب استشرافية مكملة، فيُفاد منها في ظل الأساليب الأخرى المعتمدة مثل أسلوب التشاور المتميز لأهل الخبرة والاختصاص، ولا تُستخدم منفردة.

1 انظر: لسان العرب، مادة (وحي).

2 متفق عليه: أخرجه البخاري،(٦٠١)، ومسلم، (٢٥٣٧).

3 مفاتيح الغيب (٢٤/٤١٢).

4 متفق عليه: أخرجه البخاري،(٢٩٧٧)، ومسلم، (٥٢٣).

5 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٥/٥).

6 متفق عليه: أخرجه البخاري، (٢٩٢٦)، ومسلم، (٢٩).

7 انظر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٥٨٣-٥٩١).

8 انظر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٥٨٣-٥٩١).

9 انظر: لسان العرب وتاج العروس، مادة (دعا).

10 أخرجه الترمذي، (٢١٣٩).

11 انظر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٥٩٢-٦٠٣).

12 انظر: لسان العرب، مادة (شور).

13 ذكره الترمذي في سننه، (١٧١٤). وقال ابن حجر في الفتح: «ورجاله ثقات إلا أنه منقطع».

14 انظر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٦٠٣-٦١٩).

15 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي (ص٢٠٨).

16 انظر: تاج اللغة وصحاح العربية، مادة (شهد).

17 مفاتيح الغيب (١٠/١٤٠).

18 أخرجه البخاري، (٢٧٣١).

19 انظر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٦١٩-٦٢٧).

20 لسان العرب، مادة (حلم).

21 متفق عليه: أخرجه البخاري، (٧٠١٧)، ومسلم، (٢٢٦٣).

22 المنتقى شرح الموطأ، (٧/٢٧٦).

23 زاد المعاد في هدي خير العباد، (٥/٦٩٩، ٧٠٠).

24 أخرجه أحمد في مسنده (٥٢٦).

25 متفق عليه: أخرجه البخاري، (١٦٨٨)، ومسلم، (١٢٤٢).

26 إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد (٢/٧٤).

27 أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٤٧٨٧)، وصحح الإمام ابن حجر سنده في الفتح (١٣/٣٤١).

28 انظر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٦٢٧-٦٣٩).

29 انظر: لسان العرب، مادة (فرس).

30 انظر: علم الفراسة، لإبراهيم جلال (ص١١).

31 مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/٤٥٤).

32 إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، (١/٤٨).

33 أخرجه الترمذي، (٣١٢٧).

34 جامع البيان في تأويل آي القرآن (١٧/ ١٢٠).

35 مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٢/ ٤٥٩).

36 النهاية في غريب الحديث والأثر، (١/٣٥٠).

37 انظر: مجموع الفتاوى (١٠/٤٧٦، ٤٧٧).

38 مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/٦٩).

39 أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٧٦٣٤).

40 مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/٧٠).

41 المفردات في غريب القرآن ، الراغب الأصفهاني (ص٢٢٢).

42 مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (١/ ٦٣).

43 بدائع الفوائد (١/٧٢).

44 أخرجه البخاري، (٣٤٦٩)، ومسلم، (٢٣٩٨).

45 فتح الباري شرح صحيح البخاري (٦/ ٥١٦).

46 لسان العرب، مادة (كشف).

47 مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (٣/٢١١).

48 مجموع الفتاوى (١١/ ٣١٣).

49 انظر: ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر (ص٦١٤).

50 مجموع الفتاوى (١١/ ٢٠٥).

51 فضائل الصحابة، للإمام أحمد بن حنبل، (١/٢٦٩).

52 الموافقات (٢/٤٥٧).

53 مجموع الفتاوى (١١/٣١٩).

54 الموافقات (٢/٤٧١).

اترك تعليقاً