البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

تنزيل الفتوى

  • نبذة عن المهارة:

هي قدرة المفتي المجتهد على تنزيل الحكم الشرعي بما يقتضيه الواقع من مآلات وموازنات وأبعاد مقصودة لدى الشارع.

  • المحتوى النصي للمهارة:

إن صناعة الإفتاء من الصناعات العلمية المعقدة التي تحتاج إلى مهارة خاصة للقيام بها في سبيل إصدار الفتوى في صورتها الصحيحة. وتتعدد العلوم والمهارات المطلوبة في عملية الإفتاء ما بين حصيلة علمية ضرورية لدى المتصدر للفتوى ومهارات ذهنية في تصور الواقعة وتكييفها وتنزيل الأحكام الشرعية عليها، وما يُبنى عليه التصور من استنباطات من الخارج قائمة على نقاشات ومحاورات مع المستفتي، وتتواءم هذه العلوم والمهارات في سلسلة متراتبة تمثل أربع مراحل أساسية هي: مرحلة التصوير، ومرحلة التكييف، ومرحلة بيان الحكم، ومرحلة التنزيل أو الإصدار؛ لتخرج بعدها الفتوى في صورتها التي يتلقاها المستفتي.

ومرحلة «تنزيل الفتوى» لا يستطيعها إلا المجتهدون من المفتين لما يكتنفها من أبعاد ومآلات وإدراك عميق للواقع، والقدرة على الموازنة بين المصالح والمفاسد، ومراعاة المقاصد الكلية للتشريع؛ حيث لا تقتصر مهمة المفتي المجتهد في هذه المرحلة على مجرد استخلاص حكم الله من النصوص؛ بل يقوم ببذل الجهد والطاقة من أجل الوصل بين الوحي والواقع على معنى تبيين المسالك والكيفيات التي يأخذ بها الوحي مجراه نحو الواقع، ويأخذ بها الواقع مجراه نحو التكليفات بإلزامات الوحي.

وفي هذا المعنى يقول تقي الدين السبكي في فتاويه: «واعلم يا أخي أن العلماء الكاملين المبرزين يجيئون من الفقه على ثلاث مراتب:

(إحداها) معرفة الفقه في نفسه، وهو أمر كلي؛ لأن صاحبه ينظر في أمور كلية وأحكامها كما هو دأب المصنفين والمعلمين والمتعلمين، وهذه المرتبة هي الأصل.

(الثانية) مرتبة المفتي وهي النظر في صورة جزئية، وتنزيل ما تقرر في المرتبة الأولى، فعلى المفتي أن يعتبر ما يسأل عنه وأحوال تلك الواقعة، ويكون جوابه عليها، فإنه يخبر أن حكم الله في هذه الواقعة كذا، بخلاف الفقيه المطلق المصنف المعلم لا يقول في هذه الواقعة، بل في الواقعة الفلانية وقد يكون بينها وبين هذه الواقعة فرق، ولهذا نجد كثيرًا من الفقهاء لا يعرفون أن يفتوا، وأن خاصية المفتي تنزيل الفقه الكلي على الموضع الجزئي، وذلك يحتاج إلى تبصر زائد على حفظ الفقه وأدلته ولهذا نجد في فتاوى بعض المتقدمين ما ينبغي التوقف في التمسك به في الفقه ليس لقصور ذلك المفتي معاذ الله؛ بل لأنه قد يكون في الواقعة التي سئل عنها ما يقتضي ذلك الجواب الخاص فلا يطرد في جميع صورها وهذا قد يأتي في بعض المسائل، ووجدناه بالامتحان والتجربة في بعضها ليس بالكثير، والكثير أنه مما يتمسك به، فليتنبه لذلك، فإنه قد تدعو الحاجة إليه في بعض المواضع فلا نلحق تلك الفتوى بالمذهب إلا بعد هذا التبصر…»(1) .

التعريف بالمهارة:

الأصل الشرعي للمهارة:

  1. من السنة: مواقف كثيرة رويت عن النبي ﷺ راعى فيها الواقع بأبعاده المتعددة والظروف المحيطة به أو مآلات الأمور، أو عرف الناس وعاداتهم، منها:

أ- امتناعه ﷺ عن قتل المنافقين رغم استحقاقهم للعقوبة جراء ما يفعلونه من أفعال، فامتنع النبي ﷺ وقال عن سبب ذلك: ((لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه))(2).

ب- امتناع النبي ﷺ عن إعادة بناء الكعبة على قواعد سيدنا إبراهيم -رغم علمه أن هذا هو الصواب- إلا أنه ﷺ ذكر سبب عدم الإقدام حينما قال: ((يا عائشة، لولا أن قومك حديثُ عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه))(3).

ج- استخدامه ﷺ الْمُداراة مع بعض الناس اتقاء شرهم كحديث ((…بئس أخو العشيرة))(4).

د- مراعاة التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية كالخمر مثلًا.

  1. أما في أفعال الصحابة فهو كثير جدًّا: كجمع القرآن في مصحف واحد، وإسقاط حد السرقة، ومنع سهم المؤلفة قلوبهم، وإحداث الأذان يوم الجمعة قبل الظهر كما فعله سيدنا عثمان ووضع سكة يتعامل بها المسلمون وغير ذلك.

رُتبَة المتصدر للفتوى:

هذه المرحلة من العملية الإفتائية لا يتصدر لها إلا المجتهدون من المفتين؛ حيث تقوم المؤسسات والمراكز الإفتائية بقصر هذه المرحلة على المستويات الإفتائية العليا؛ كأعضاء «مجلس أمانة الفتوى»، أو اعتماد قرارات بعض مؤسسات الاجتهاد الجماعي كالمجامع الفقهية المعتمدة.

النطاق الفقهي للمهارة:

هذه المهارة تشمل جميع الأبواب الفقهية، وقد تظهر هذه المهارة بشدة في القضايا الفقهية المعاصرة أو النوازل المستجدة، فهي تشمل:

  1. العبادات.
  2. المعاملات.
  3. الأحوال الشخصية.
  4. الأقضية والعقوبات.
  5. النوازل المعاصرة.
  6. السياسة الشرعية.

خطوات إعمال المهارة:

  1. تصور المسألة تصورًا كاملًا صحيحًا.
  2. القيام بتوصيفها الوصف الشرعي المناسب لها (التكييف).
  3. بيان الحكم الشرعي إزاءها، ويشمل هذه الأحكام التكليفية:

(الوجوب- الندب- المكروه- المباح- الحرام).

  1. فحص الفتوى والتأكد من عدم مخالفتها:
    • نصًّا مقطوعًا به.
    • إجماعًا متفقًا عليه.
    • قاعدة أصولية أو فقهية مستقرة.
  2. فحص مآلات الفتوى وفق الآتي:
    • حصر مآلات الفتوى من آثار ومترتبات.
    • التأكد من أن هذه المآلات حقيقية وليست متوهمة.
  3. التحقق من مراعاة الفتوى لمقاصد الشريعة الكبرى:
    • حفظ الدين.
    • حفظ النفس.
    • حفظ العقل.
    • حفظ المال.
    • حفظ النسل.
  4. الموازنة بين المصالح والمفاسد، وفق أمرين:
    • التأكد أن المصلحة أو المفسدة معتبرة شرعًا وليست ملغاة.
    • مرتبة هذه المصلحة أو المفسدة من حيث كونها ضرورية أو حاجية أو تحسينية
  5. التأكد من مراعاتها: (للأعراف والعادات).

المثال التطبيقي:

المثال: حكم قطع إشارة المرور

السؤال: ما حكم التجاوز الخاطئ، وقطع الإشارة الحمراء؟

الجواب

حفظ النفس من أهم مقاصد الشريعة، فلا يجوز الاعتداء عليها بحال، وقد شرع الإسلام الأحكام الكفيلة بالمحافظة على هذا المقصد، فحرم القتل قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٩٣]، ولقوله ﷺ: ((كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ)) رواه مسلم(5). وقد جعلت الشريعة الإسلامية لولي الأمر صلاحية وضع القوانين التي تساهم في المحافظة على النظام العام، بما يكفل حفظ النفوس والأموال، وبما لا يتصادم مع نصوص الشريعة الغراء.

وبما أن قانون السير يمنع قطع الإشارة الحمراء والتجاوز الخاطئ ويرتب العقوبة عليها، وهذا القانون لا يتصادم مع نصوص الشريعة، بل يتوافق مع مقاصد الشريعة ويساهم في المحافظة على النفوس والمال؛ لأن هذه المخالفات يترتب عليها أضرار جسيمة في المال والأبدان قد تنتهي بالوفاة، فيكون العمل بهذا القانون واجبًا شرعيًّا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والمحافظة على الأنفس والأموال لا تكتمل إلا بإصدار مثل هذه القوانين والعمل بها.

وبالتالي فقطع الإشارة الحمراء والتجاوز الخاطئ لا يجوز؛ لما يترتب عليهما من مآلات ممنوعة شرعًا وأضرار جسيمة، والنبي ﷺ يقول: ((لا ضَرَرَ ولا ضِرَار)) رواه ابن ماجه(6). ولما فيه من مخالفة ولي الأمر فيما أمر بما لا يتصادم مع الشريعة الإسلامية، مما يؤول إلى الخلل والعشوائية في حياة الناس، فنوصي السائقين الالتزام بقواعد السير، حفاظًا على أرواحهم وأرواح الآخرين(7).

كيفية تطبيق الخطوات الإجرائية على هذا المثال:(8)

م

الخطــــــوات

التطبيــــق

١

تصور المسألة تصورًا كاملًا صحيحًا:

السؤال عن حكم تجاوز سائق السيارة الإشارة وقت إشارتها باللون الأحمر، مما يعني وجوب التزامه بعدم المرور المؤقت كما في القانون.

٢

القيام بتوصيفها الوصف الشرعي المناسب لها (التكييف):

إن تجاوز السائق وقطعه الإشارة يظن أنه قد يؤدي إلى اصطدام بسيارة أخرى، فيؤدي إلى إتلاف مال أو نفس، وهذا هو الظن الغالب، فيمكن هنا إنزال المظنة منزلة المئنة كما قرره الفقهاء في قواعدهم، قال القرافي: «إن مظنة الشيء تعطى حكم ذلك الشيء وإن أمكن الوقوف عليه كالتقاء الختانين مظنة الإنزال أعطي حكمه» (٢).

٣

بيان الحكم الشرعي إزاءها:

هذا الفعل -إتلاف المال أو النفس- حرام شرعًا.

٤

فحص الفتوى والتأكد من عدم مخالفتها للأصول الشرعية المعتبرة:

بفحص الفتوى وجدنا أنها لا تخالف الأصول الشرعية المعتبرة.

٥

فحص مآلات الفتوى.

يترتب على هذه الفتوى حفظ النظام العام بما يمنع الضرر من إتلاف للمال والنفس.

مآلات الفتوى حقيقية كما يشهد الحس بذلك؛ حيث يؤدي الالتزام بهذه الإرشادات إلى التقليل من الحوادث أو منعها؛ فتقل الخسائر في الأموال والأنفس، وعدم الالتزام يؤدي إلى العكس.

٦

التحقق من مراعاة الفتوى لمقاصد الشريعة الكبرى:

تحقق هذه الفتوى المقاصد الشرعية الكبرى من حفظ للمال والأنفس.

٧

الموازنة بين المصالح والمفاسد:

ما دامت القوانين تحقق مصلحة شرعية؛ حيث إن الهَدفَ منها حفظ الأنفس والأموال، فهذا داخل تحت المصالح المرسلة المعتبرة شرعًا.

فحفظ المال والنفس من الضياع والتلف مصلحة ضروريَّة لدى الشارع.

كما أن هذه الفتوى تتماشى مع القانون والنظام العام للدولة التي أصدرت فيها وتحقق مصلحة شرعية عامة معتبرة.

المعارف والتدريب اللازمان لاكتساب المهارة:

  1. الحصول على قسط كافٍ من التدريب علي يد المفتين المجتهدين لتنمية هذه الملكة.
  2. تنمية وتطوير الملكة الأصولية في التعامل مع النصوص الشرعية.
  3. الاطلاع الواسع على الواقع والثقافات المختلفة.

المهارات المتعلقة:

١. مهارة مراعاة مآلات الأفعال.

٢. مهارة إدراك الواقع.

٣. مهارة الاستعانة بأهل الخبرة.

  • ما سوف تتعلم؟ أو أهداف تعلم المهارة
  • تصور المسألة تصورًا كاملًا صحيحًا
  • القيام بتوصيفها الوصف الشرعي المناسب لها (التكييف).
  • بيان الحكم الشرعي إزاءها
  • فحص الفتوى والتأكد من عدم مخالفتها للأصول الشرعية المعتبرة.
  • فحص مآلات الفتوى.
  • التحقق من مراعاة الفتوى لمقاصد الشريعة الكبرى.

الموازنة بين المصالح والمفاسد.