البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

المبحث الأول

30 views

آثار الفتوى المنضبطة على الفرد

ويشتمل على مطلبين:

المطلب الأول: تحقيق الوعي الشرعي.

المطلب الثاني: تحقيق الوسطية.

 

 

المطلب الأول

تحقيق الوعي الشرعي

أولًا: تحقق الوعي لدى المفتي:

وذلك يكون من عدة وجوه:

الوجه الأول: فهم مقاصد الشريعة: فمن آثار الفتوى المنضبطة أنها تجعل المفتي ملتزمًا بمراعاة مقاصد الشريعة، وهذا يتطلب من المفتي والفقيه أن يحرص كلَّ الحرص على أن يكون واعيًا ومطلعًا على ما يحفظ تلك المقاصد الشرعية، فهذه المقاصد الشرعية كانت محل اهتمام واعتبار لدى الأئمَّة المجتهدين، والعلماء المحققين، ولهذا وجدنا جمهور أهل العلم يُقرِّرون أن الأحكام بمقاصدها، على تفاوت بينهم في مدى الأخذ بهذا المبدأ؛ ذلك أن نصوصَ الشريعة وأحكامَها معلَّلة بمصالحَ ومقاصدَ وضعت لأجلها، فينبغي عدم إهمالها عند تقرير الأحكام([1]).

الوجه الثاني: معرفة مواضع الاختلاف: فمن آثار الفتوى المنضبطة أنها تُلزم المفتي بأن يكون عارفًا بمواضع الاختلاف، فالفقيه والمفتي البصير بمواضع الاختلاف، العالم بمدارك العلماء، المتأمل في أدلتهم، الواقف على استنباطاتهم، حريٌّ به أن يتبين له الحق في النوازل العارضة، والوقائع المتجددة، فيفتي بأقواها حجَّةً، وأقومها محجَّةً، فقد تضيق بالناس الأحوال، وتتكافأ فيها الأقوال، فيختار منها ما يُصلح حالهم، ويخرجهم من حرجهم([2]).

لهذا جعل كبار العلماء العلم معرفة الاختلاف([3])، فقد روى الخطيب البغدادي بسنده عن قتادة قال: “من لم يعرف الاختلاف ‌لم ‌يشم ‌أنفه ‌الفقه”([4]).

ونقصد بمعرفة المفتي للخلاف أن يكون واعيًا بمواقعه وما الذي يترتب عليه في صدور الفتوى، وليس مجرَّد حفظ الآراء والأقوال المتباينة للفقهاء في المسألة، فمجرَّد الحفظ لمواضع الخلاف لا يُشكِّل وعيًا حقيقيًّا لدى الفقيه والمفتي، بل الوعي الحقيقي هو كيفية استثمار الفقيه والمفتي ذلك الخلاف وتطويعه في إصدار الفتاوى المنضبطة؛ يقول الشاطبي: “وعن مالك: لا تجوز الفتيا إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه،… وكلام الناس هنا كثير، وحاصله معرفة ‌مواقع ‌الخلاف، ‌لا ‌حفظ ‌مجرد ‌الخلاف، ومعرفة ذلك إنما تحصل بما تقدَّم من النظر، فلا بد منه لكل مجتهد، وكثيرًا ما تجد هذا للمحققين في النظر كالمازري وغيره”([5]).

الوجه الثالث: فهم الواقع والفقه فيه: فمن آثار الفتوى المنضبطة أنها تُلزم المفتي بأن يكون فاهمًا لواقع النازلة التي سُئل عن حكمها، وقد نصَّ العلماء على أنه من واجبات المفتي أن يكون بصيرًا بزمانه، عارفًا بأوانه، فاهمًا لواقعه؛ حتى تكون فتاواه مَبنيَّة على تصوُّر سليم، واستنباط قويم([6]). وقديمًا قال أهل العلم: “الحكم على الشيء فرع عن تصوره”([7]). فالمفتي الذي لا يعرف الواقع الذي يفتي فيه يخطئ في كثير من فتاويه، ويُعرِّض الناس إلى النُّفرة من الدين، والبعد عن محجة المتقين؛ يقول ابن القيم: “‌ولا ‌يتمكن ‌المفتي ‌ولا ‌الحاكم ‌من ‌الفتوى ‌والحكم ‌بالحق ‌إلا بنوعين من الفهم:

أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا.

والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدَهما على الآخر؛ فمن بذل جهده واستفرغ وُسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا؛ فالعالِم مَن يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه… ومَن تأمَّل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله”([8]).

وعلى هذا نستطيع أن نقول: إن من آثار الفتوى المنضبطة في تشكيل وعي المفتي أنها تجعله دائمًا ما يربط بين الواقع والنصوص الشرعية، وهذا يختلفُ باختلاف الأمكنة والأزمنة والقدرة والعجز، فالواجب شيء، والواقع شيء، والفقيه من ‌يطبق ‌بين ‌الواقع ‌والواجب وينفذ الواجب بحسب استطاعته، لا من يُلقِي العداوة بين الواجب والواقع، فلكل زمان حكم، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم([9])، غير أنه لا تصحُّ مخالفة النصوص، ولا تأويلها تأويلًا متعسفًا، بدعوى فهم الواقع، فهذا تحريف للكلم عن مواضعه([10]).

ثانيًا: تحقق الوعي لدى المستفتي:

وذلك يكون من عدة وجوه:

الوجه الأول: إزالة الجهل: إذا كانت الفتوى منضبطة ومؤصلة تأصيلًا شرعيًّا سليمًا من التنطُّع، معافًى من التسيُّب، بعيدًا عن الأقوال الشاذَّة، نائيًا عن الأدلة التالفة، مراعًى فيه رضا الحق، وملاحظًا به مصالح الخلق، فإن الفتوى تترك في الأمة آثارًا طيبة، ومن أهم تلك الآثار إزالة الجهل عن المستفتي، فسؤال المستفتي وإجابة المفتي نوع من المدارسة العلمية، يتعلم فيها السائل أحكام الدين([11]).

وهو نوع من العلم الذي حضَّ الله تعالى على تحصيله في كتابه الكريم؛ حيث قال: {فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ} [التوبة: 122]، وقال تعالى: {فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} [النحل: 43].

يقول ابن القيم: “فأمر الله سبحانه من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه، وهذا نص قولنا، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من لا يعلم إلى سؤال من يعلم، فقال في حديث صاحب الشجة: ((أَلَا سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ))”([12]).

كما أن الآيات الأولى التي نزل بها الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت حضًّا على العلم؛ حيث قال تعالى: {ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ١ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ٢ ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ٣ ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ٤ عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ} [العلق: 1-5]، فالعلم ينير العقول والبصائر، ويستنهض الهمم والضمائر، ويزيل الجهل، ويصقل العقل، وترتقي به الأمة، ويعلو شأنها.

فالمدرسة النبوية الشريفة قد قامت على العلم الذي يحفظ العقل من الخرافة، ويصون الإنسان من الجهالة، فتخرَّج فيها رجال كانوا منارات هداية للسائرين، ومشاعل علم ومعرفة للقاصدين([13]).

وتوضيح ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحرص على أن يُبلغ أصحابه والناس من حوله الأحكامَ الشرعية والوحي الذي يأتيه من ربه عز وجل، وفي المقابل كان هناك عدد كثير من الصحابة رضوان الله عليهم أحْرصَ ما يكونون على التعلُّم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فشملتهم تلك الرعاية الإيمانية، وأحاطتهم تلك البيئة العلمية، فنشأ في ذلك الوقت خير جيل عرفته الإنسانية في تاريخها فيه من مجتهدي الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، وكانوا جميعًا من أصحاب الاجتهاد والإفتاء بعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للرفيق الأعلى، وقد كانت الفتاوى التي تصدر عنهم بمثابة النور للناس من حولهم، حيث يدلونهم على سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقاموا من خلال تلك الفتاوى بالتبليغ عن رب العالمين، وعن نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، ورفعوا بذلك الجهل عن هذه الأمة.

الوجه الثاني: تصحيح مسار الفرد: فمن آثار الفتوى المنضبطة السليمة أنها تجعل المستفتي على الجادة القويمة، وتُبعده عن البدع الذميمة، فتصحح مساره لئلا يزِلَّ، وتحذره من البدع لئلا يضِلَّ، وفي ذلك صلاح الفرد، وسلامة المجتمع([14])، يقول تعالى: {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلۡحَقَّ وَيَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ} [سبأ: 6]، فأولو العلم هم الصحابة، ومن تبعهم، وسار على طريقتهم من الأمة([15]).

الوجه الثالث: توثيق الصلة بين أفراد الأمة وعلمائها: فمن آثار الفتوى المنضبطة القويمة أنها توثق الصلة بين الناس والعلماء، وتربطهم بالفقهاء والمفتين فيما يحتاجون إلى معرفته من أمور الحلال والحرام، وهذه الصلة هي التي أرشد إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا} [النساء: 59]، قال مجاهد في قوله: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ}: “أولي الفقه والعلم”([16]).

الوجه الرابع: تبصرة طلاب العلم بالحق والصواب: فمن آثار الفتوى المنضبطة أنها تبصر طلاب العلم بوجه الصواب في المسألة التي تعرض لهم، فإذا وفَّق الله تعالى طلاب العلم إلى استفتاء العلماء المتمكنين العاملين المخلصين؛ فإن آفاق المعرفة تتفتَّح أمامهم ينهلون من مَعينها، ويرشفون من حقائقها، فتتنوَّر بصائرهم، وتنضج معارفهم([17])؛ فقد أخرج الإمام ابن عبد البر بسنده عن سليمان التيمي قال: قال لقمان لابنه: “يا بني، ما بلغتَ من حكمتك؟ قال: لا أتكلف ما لا ينبغي. قال: يا بني، إنه قد بقي شيء آخر، جالس العلماء ‌وزاحمهم ‌بركبتيك؛ فإن الله يحيي القلوب الميتة بالحِكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء”([18]).

وبمقدار ما يكون العالم متمكنًا، وطالب العلم نهمًا، تكون النتائج أوفر، والعوائد أكثر، فمن ظفر بعالم متمكِّن، عامِل بعلمه، مسدَّد في فهمه، فقد حِيزَ له خير عميم، وفضل عظيم.

الوجه الخامس: إعانة المسلمين على أداء التكاليف الشرعية على الوجه الصحيح: فإذا سلمت الفتوى من الشذوذ، وتجرَّدت عن تنطع المتنطعين، وتسيُّب المتسيبين، ثم أعطيت للمستفتي على أنها توقيع عن رب العالمين، فإنها تكون خيرَ عونٍ على أداء التكاليف الشرعية، فكلما كانت الفتوى سديدةً، ومعتمِدة على الأدلة الصحيحة، فإنها تكون أدْعى إلى حمْلِ الناس على أداء التكاليف الشرعية على الوجه الذي أراده الله ورسوله، وفي ذلك إحياء للسنن، وإماتة للبدع([19]).

 

 

 

المطلب الثاني

تحقيق الوسطية

تحرير معنى الوسطية:

الوسطية في الفتوى من المعاني الشرعية المهمة، وقد بات هذا المصطلح -لا سيما في السنوات الأخيرة- مثارَ جدل ومحطَّ استعمال في كثير من الأطروحات الفكرية، وكثر المنادون به، وكلٌّ يدعي وصله والأولوية به، ومبدأ الوسطية محل إجماع على صحته، ووجوب الانطلاق منه باعتباره سمةً من سمات هذه الشريعة الغراء، إلَّا أنَّ ذلك لا يعني الخلاص من إشكالية تحديد المراد من هذا المفهوم تحديدًا يرفع الخلاف، فالقائمُ في اختيار الصيغة النهائية لهذا المفهوم أو يرفع الجدل القائم حول تطبيقه، والمنهج العلمي الصحيح لتحديد المراد من هذه المعاني الشرعية هو ردها للمعاني اللغوية والاستعمال الشرعي لها بحسب ورودها في النصوص والسياقات التي جاءت فيها، والنظر في كلام الأئمَّة والعلماء عند بيانهم للمراد من هذا المصطلح([20]).

 تعريف الوسطية في اللغة:

مادة (وسط) في اللغة تدلُّ على معانٍ متقاربة كما يقول ابن فارس: “‌‌(وسط) ‌الواو ‌والسين ‌والطاء: بناء صحيح يدلُّ على العدل والنصف. وأعدل الشيء: أوسطه ووسطه. قال الله عز وجل: {أُمَّةٗ وَسَطٗا} [البقرة: 143]. ويقولون: ضربت وسط رأسه بفتح السين، ووسط القوم بسكونها، وهو أوسطهم حسَبًا، إذا كان في واسطة قومه وأرفعهم محلًّا”([21]).

وتأتي هذه الكلمة لمعانٍ متقاربة أشهرها ما يلي:

1- “العدل والخيار“: فالوسط من كل شيء أعدله، ومنه قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} [البقرة: 143]، أي: عدولًا خيارًا([22]).

وقوله تعالى: {قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ} [القلم: 28]، أوسطهم هنا بمعنى: خيرهم([23]).

2- “ما بين الطرفين“: فوسط الشيء هو نصفه مما بين طرفيه، ومنه قوله تعالى: {فَوَسَطۡنَ بِهِۦ جَمۡعًا} [العاديات: 5]، أي: صرن في الوسط بين الطرفين([24]).

ومنه قوله تعالى: {مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ} [المائدة: 89]، أي: من وسط بمعنى المتوسط([25]).

تعريف الوسطية في الاصطلاح الشرعي:

ينبغي أن نستحضرَ هذه المعاني اللغوية السابقة للوسطية عند محاولة تحديد المراد من المصطلح، ونجد أن الوسطية أو الوسط كما جاء في الكتاب والسنة يدور حول المعنيين اللغويين السابقين “العدل والخيار”([26]). ففي القرآن الكريم: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗا} [البقرة: 143]، وفي السنة النبوية حديث الصحابي الجليل أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يجيء نوح وأمته، فيقول الله تعالى: هل بلغت؟ فيقول: نعم أي رب، فيقول لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبي. فيقول لنوح: مَن يشهد لك؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، فنشهد أنه قد بلغ، وهو قوله جل ذكره: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} [البقرة: 143]، والوسط العدل))([27]).

فالشاهد هنا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((والوسط العدل))، وقد بيَّن الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح أنَّ هذا الجزء من الحديث من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وليس مدرجًا كما توهم البعض([28]).

ويمكن أن نضيف إلى ما سبق: أنَّ تفسير الوسطية بالعدالة والخيرية هو المنسجم كذلك مع مرتبة الشهادة التي نالتها الأمة، فالشاهد من شروطه العدالة([29])، يقول الحافظ ابن حجر: “‌وشرط ‌قبول ‌الشهادة ‌العدالة، ‌وقد ‌ثبتت ‌لهم ‌هذه ‌الصفة بقوله: {وَسَطٗا}، والوسط: العدل”([30]).

أما الخيرية فقد جاء ذكر ملامحها وصفاتها في كتاب الله عز وجل سبحانه: {كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ} [آل عمران: 110]، فهذه الأمة أمة خير؛ لأنها كذلك، فهي أمة خير للناس لأنها أنفع الأمم للخلق جميعًا، وأي خير وأي نفع أعظم وأمضى أثرًا من هداية الخلق للحق([31]). فعن أبي هريرة رضي الله عنه: {كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، قال: “خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام”([32]).

ونفهم من ذلك أيضًا أن الوسطية ليست وسطًا بين رذيلتين مطلقًا؛ بل المقصودُ من ذلك بيانُ أن المنهج الوسط ليس منهجًا توفيقيًّا أو تلفيقيًّا بين طرفَيْن متضادَّيْن، نضطر للتقريب بينهما حتى نصل لرتبة وسط، فإنه وإن كان في الغالب أنه يوجد في كل قضية طرفان مذمومان بينهما وسط ممدوح، إلَّا أن ذلك ليس بحتمٍ لازمٍ، فالصدق مثلًا يُقابله الكذب، ومثله العدل يقابله الظلم، وليس أي منهما وسطًا بين رذيلتين([33]).

خلاصة القول: أن الوسطية في الاصطلاح الشرعي هي الدعوة للدين الحق والقول الحق والمنهج الحق الذي دلَّت عليه النصوص الشرعية الصحيحة، الذي هو في حقيقته عدل كله وخير كله، لا غلو فيه ولا جفاء، ولا إفراط ولا تفريط؛ لأنه من لدن لطيف خبير([34]).

فأوسط الناس خيارهم وعدولهم ممن تمسَّكوا بهَدي الكتاب والسنة من غير إفراط ولا تفريط، فتركوا سبيل الجفاء، ولم يميلوا إلى سبيل الغلو([35]).

يُرْوَى عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أحد عماله كتابًا يوصيه فيه بقوله: “أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته، وكُفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة… وقد قصر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم أقوام فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم”([36]).

فالوسطية هي الميزان والموازنة والتوازن بين الثبات والتغيُّر، بين الحركة والسكون، هي التي تأخذ بالعزائم دون التجافي عن الرخص في مواطنها، وهي التي تطبق الثوابت دون إهمال للمتغيرات، تتعامل مع تحقيق المناط في الأشخاص والأنواع، تقيم وزنًا للزمان ولا تحكمه في كل الأحيان، تفرق بين المتماثلات وبين المتباينات؛ إعمالًا للحاجات وللمصالح وعموم البلوى والغلبة وعسر الاحتراز، يقول ابن القيم: “وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى ‌تفريط ‌وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو. ودين الله وسطٌ بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين. فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد. وقد نهى الله عن الغلو بقوله: {قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} [المائدة: 77]”([37]).

الوسطية في الفتوى:

يمكننا من خلال ما فصلناه في المدلول الاصطلاحي والشرعي للوسطية أن نخلص إلى أن تعريف الوسطية في الفتوى هو ما عبر عنه الشاطبي بقوله: “المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحملُ الناسَ على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور؛ ‌فلا ‌يذهب ‌بهم ‌مذهبَ ‌الشدَّة، ‌ولا ‌يميل ‌بهم ‌إلى ‌طرف ‌الانحلال”([38]).

فالوسطية في الفتوى هي التي تراعي المصالحَ والمآلاتِ في الأقوال والأفعال والتوازن بين الكلي والجزئي؛ يقول الشاطبي: “والدليل على صحَّة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة؛ فإنه قد مرَّ أنَّ مقصدَ الشارع من المكلف الحمل على التوسُّط من غير إفراطٍ ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذمومًا عند العلماء الراسخين، وأيضًا فإن هذا المذهب كان المفهوم من شأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الأكرمين”([39]).

كيفية تحقيق الوسطية في الفتوى:

تتحقق الوسطية في الفتوى المنضبطة بعدَّة شروط لا بد من التزامها، وأهم تلك الأمور ما يلي:

– أولًا: سؤال أهل الذكر:

فالفتوى المنضبطة لا يتخرج إلا من خلال المفتي المؤهل لذلك المقام، لذا ينبغي على عامة المستفتين أن يتوجَّهوا في سؤالهم عما يحتاجون إلى معرفة حكم الشرع فيه إلى العالم الثقة؛ وذلك ليدلهم على الفتوى الصحيحة التي تليق بحالهم وواقعهم، وبذلك تتحقق الوسطية في الفتوى، فلا إفراطَ فيها ولا تفريط، فليس كل مُدَّعٍ للعلم أو المعرفة بالعلوم الشرعية يصحُّ أن يتصدَّر للإفتاء، بل لا بد أن يكون مؤهلًا لهذا المقام، حيث يقول عز وجل في كتابه العزيز: {فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} [النحل: 43]، يقول الشاطبي: “إن المقلد إذا عرضت له مسألة دينية فلا يسعه في الدين إلا السؤال عنها على الجملة؛ لأن الله لم يتعبد الخلق بالجهل”([40]).

ثانيًا: الالتزام بتقوى الله عز وجل:

فالفتوى إذا صدرت من مُفتٍ أو عالمٍ يخشى الله تعالى، فلا بد وأن تتسم بالوسطية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المستفتي إذا كان غرضه من سؤاله معرفة الحكم الشرعي وليس التعنُّت والتنطُّع، فمراعاة هذا الأدب -الالتزام بتقوى الله عز وجل- لها أثرٌ في تربية نفوس مَن يتصدَّر للإفتاء على الصدق وقول الحق، حتى لو كان هذا على حساب المصالح الدنيوية، فمراقبةُ المولى سبحانه وتعالى في القول والفعل وكل ما يصدر عن الإنسان هي أساس النجاح والفلاح، وأيضًا لا بد أن يكون المستفتي صادقًا في إخبار المفتي ما يحتاج إلى معرفته ليدله ويرشده على الصواب وحكم الشرع في تلك المسألة، فعن أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ: فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلاَ يَأْخُذْهَا))([41]). يقول ابن حجر العسقلاني في شرح الحديث: “وقوله: ((فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ)) أي: إن أخذها مع علمه بأنها حرام عليه دخل النار”([42]).

ثالثًا: إخلاص النية:

فالفتوى المنضبطةُ هي التي تكون صادرةً من المفتي بنيَّة توجيه الخلق إلى الحق، وإرشاد الناس إلى الصواب وما فيه الهدى والرشاد، فتكون بذلك خالصةً لله تعالى، بعيدة كل البعد عن طلب جاهٍ أو مال أو نفوذ ونحو ذلك من مطالب الدنيا.

وأيضًا فمراعاةُ المستفتي هذا الأدب -إخلاص النية- له أثرٌ في تربية النفس، فالمستفتي لا بد وأن يكون واضعًا نصب عينيه رضا المولى سبحانه وتعالى، ويقصد بمعرفة الحكم الشرعي العمل بما يوافق الحق والصواب. يقول بدر الدين ابن جماعة: “حُسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله تعالى والعمل به وإحياء الشريعة، وتنوير قلبه وتحلية باطنه والقرب من الله تعالى يوم القيامة والتعرض لما أعدَّ لأهله من رضوانه وعظيم فضله”([43]).

– رابعًا: تعلم كيفية صياغة السؤال والجواب:

فتحقق الوسطية في الفتوى متوقف على حُسن صياغة المستفتي للسؤال، وكذلك الأمر بالنسبة للمفتي في صياغته للجواب، فعليه أن يرتب جوابه مقدِّمًا الأهم فالأهم، فليس كل ما يرد على ذهن المستفتي حريًّا بأن يسأل فيه أو يجيب عنه المفتي؛ فعن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: جاء ابن عجلان إلى زيد بن أسلم فسأله عن شيء فخلط عليه فقال له زيد: “اذهب فتعلم كيف تسأل، ‌ثم ‌تعال ‌فسل”([44]).

– خامسًا: الاستئذان في الدخول على المفتي:

فالوسطية لا تتحقق في الفتوى إلا إذا صدرت الفتوى من المفتي أو الفقيه المستعد للجواب على أسئلة المستفتي، فربما استعجل المستفتي الجواب من المفتي، مما يجعل الفتوى غيرَ منضبطةٍ، بل ربما يلاحظ فيها المفتي نفسه الذي صدر منه الجواب سمات الإفراط أو التفريط، فيرجع عنها، ويعيد الجواب عليها مرة أخرى، لذلك نؤكد أن مراعاة هذا الأدب -الاستئذان في الدخول على المفتي- له أثرٌ في نشر ثقافة مراعاة حالة الآخرين وظروفهم، فلا يصح اقتحام مجلس العلماء والكبار دون استئذانهم، يقول بدر الدين ابن جماعة: “أن لا يدخل على الشيخ في غير المجلس العام إلا باستئذانٍ، سواء كان الشيخ وحدَه أو كان معه غيره، فإن استأذن بحيث يعلم الشيخ ولم يأذن له انصرف ولا يُكرر الاستئذان”([45]).

– سادسًا: الرجوع إلى أهل العلم المتخصصين:

فالفتوى المنضبطةُ التي يتحقق بها الوسطية ينبغي أن تكون صادرةً عن أهل العلم المتخصصين المؤهلين للإفتاء، فالرجوع إليهم من الأمور التي نحتاج إلى نشرها في مجتمعاتنا في عصرنا الحاضر؛ فمراعاة المستفتي البحث عن أهل العلم من الفقهاء والمفتين والمتخصصين أمر حتمي لا بد منه؛ فعن محمد بن سيرين رحمه الله، قال: “إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم”([46]).

وكذا أيضًا لا بد من البحث عن المفتي المشهود له بالعلم، فهذا له أثر كبير في الوصول إلى الحق والصواب، فلا يصح أن يستسهل المستفتي في سؤال مجهول الحال دون البحث عن مدى تمكُّنه من الإفادة والتوجيه الصحيح للمستفتي: يقول أبو المظفر السمعاني: “فأما المستفتي فلا يجوز له أن يَستفتي من شاء على الإطلاق؛ لأنه ربما يَستفتي من لا يعرف الفقه، بل يجب أن يتعرف حال الفقيه في الفقه والأمانة، ويكفيه في ذلك خبر العدل الواحد”([47]).

– سابعًا: الأخذ بقول أي مُفتٍ ما دام أهلًا للفتيا:

فمن الأمور التي تتحقق بها الوسطية في الفتوى: نشر ثقافة استفتاء مفتٍ آخر في مسائل أخرى تقع للمستفتي، فلا يشترط أن يرجع المستفتي إلى نفس المفتي في كل نازلة تعرض له، فإذا ذهب المستفتي مثلًا إلى جهة الإفتاء ولم يجد المفتي الذي سبق دخوله عليه واطمأن إلى جوابه فلا يشترط أن يكرر الدخول عليه في كل مسألة يحتاج إلى الجواب عنها، فربما يكون هذا المفتي الأول ليس موجودًا، أو ربما يكون مشغولًا بمستفتين آخرين، فلا حرج أن يدخل إلى مُفتٍ آخر يسأله عن مسألته الجديدة، ولا يتعنت ليدخل على المفتي الأول؛ يقول الآمدي: “إذا اتبع العامي بعض المجتهدين في حكم حادثة من الحوادث وعمل بقوله فيها: اتفقوا على أنه ليس له الرجوع عنه في ذلك الحكم بعد ذلك إلى غيره، وهل له ذلك في حكم آخر؟… منهم من أجازه، وهو الحق نظرًا إلى ما وقع عليه إجماع الصحابة من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة، وأنه لم ينقل عن أحد من السلف الحجر على العامة في ذلك، ولو كان ذلك ممتنعًا لما جاز من الصحابة إهماله والسكوت عن الإنكار عليه، ولأن كل مسألة لها حكم لم يتعيَّن الأول للاتباع في المسألة الأولى إلا بعد سؤاله، فكذلك في المسألة الأخرى”([48]).

ثامنًا: البعد عن الجدال:

من الآثار المترتبة على الوسطية في الحفاظ على المجتمع من الوقوع في الفوضى، لذا ينبغي على المستفتي أن يتجنَّب الجدال مع المفتي فيما يصدر عنه من فتوى ما دام هذا المفتي مؤهلًا لهذا المنصب، فالمجادلة مع أهل العلمِ والثقةِ تثير القلاقل بين أبناء المجتمع، واستقرار المجتمع مبنيٌّ على احترام أهل التخصص في جميع المجلات، وأهمها وأجلها مجال الفتوى؛ لأنه مقام التبليغ عن رب العالمين: فعن إسماعيل بن موسى بن بنت السدي قال: “دخلنا إلى مالك بن أنس ونحن جميعًا من أهل الكوفة، فحدثنا بسبعة أحاديث، فاستزدناه، فقال: من كان له دين فلينصرف ‌فانصرفت ‌جماعة، وبقيت جماعة أنا فيهم، ثم قال: من كان له حياء فلينصرف ‌فانصرفت ‌جماعة، وبقيت جماعة أنا فيهم، ثم قال: من كانت له مروءة فلينصرف، ‌فانصرفت ‌جماعة، وبقيت جماعة أنا فيهم، فقال: يا غلمان أفقئوهم -أي أخرجوهم- فإنه لا بقيا على قوم لا دين لهم، ولا حياء، ولا مروءة”([49]).

تاسعًا: تفهم اختلاف المفتين:

لا تتحقق الوسطية في الفتوى إلا إذا كان هناك نشر وإحياء ثقافة تقبُّل الخلاف من الآخر، وحمل هذا الاختلاف على أنه من باب التنوع وليس التضاد؛ يقول ابن حمدان: “ونحن نمهد طريقًا سهلًا، فنقول: ليس له أن يتبع في ذلك مجرد التشهي والميل إلى ما وجد عليه أباه وأهله قبل ‌تأمله والنظر في صوابه… وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة الناخلين لمذاهب الصحابة والتابعين وغيرهم، القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها، الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها ومعرفة الوفاق والخلاف: كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأمثالهم، فإن اتفاقهم نعمة تامة، واختلافهم رحمة عامة”([50]).

عاشرًا: عدم الاعتداء على النصوص الشرعية:

لا تتحقق الوسطية في الفتوى إلَّا إذا بمراعاة النصوص الشرعية وعدم المساس بدلالاتها بأي وجهٍ كان، ومن ثم لا يجوز تغير الفتوى في مسائل وردت فيها نصوص قطعية، وينبغي على المفتي في هذا المقام أن يراعيَ عدة أمور:

  1. أن يبين الدليل الذي اعتمد عليه عند التغيير؛ لأن الفتوى العارية عن دليل ليس لها من القوة ما للفتاوى الأخرى المقرونة بأدلتها، ورأس الأدلة: القرآن والسنة، فينبغي على المفتي أن ينظر فيهما([51]).

يقول ابن القيم في هذا المقام: “قال الله تعالى:{يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} [الحجرات: 1]، أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تأمروا حتى يأمر، ولا تفتوا حتى يفتي، ولا تقطعوا أمرًا حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويمضيه، روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. وروى العوفي عنه قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه. والقول الجامع في معنى الآية: لا تعجلوا بقول ولا فعل ‌قبل ‌أن ‌يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو يفعل، وقال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ} [الحجرات: 2] فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببًا لحبوط أعمالهم، فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه؟! أليس هذا أولى أن يكون محبِطًا لأعمالهم؟!”([52]).

  1. ألَّا يقوم المفتي بتأويل الفتوى لتغاير النص الشرعي أو توافقه، أو تأويل النص ليوافق الفتوى أو يخالفها، بل يجب الالتزام بالأحكام المنصوص عليها، مع مراعاة النتائج التي قد تترتب على ذلك([53]).

حادي عشر: مراعاة الموازنة بين المصالح والمفاسد:

ينبغي على المفتي عند إقدامه على الفتوى أن يوازن بين المصالح والمفاسد، وهذه الموازنة تتضمن ثلاث جزئيات وهي:

الأولى: الموازنة بين المصالح والمفاسد.

الثانية: الموازنة بين المصالح بعضها ببعض.

الثالثة: الموازنة بين المفاسد بعضها ببعض.

وهذه الموازنة ليست بالأمر الغريب؛ بل هي من الدعائم التي تحلَّى بها الفقيه والمفتي في شتى العصور، ومن قبل هؤلاء جميعًا طبقها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تطبيقًا عمليًّا([54]).

فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن أعرابيًّا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ))([55]). ففي هذا الحديث ضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أروع الأمثلة على إعمال مبدأ الموازنة، حيث وازن صلى الله عليه وآله وسلم بين مصلحتين وهما:

المصلحة الأولى: مصلحة الأعرابي في إكمال بوله وعدم إصابته بضرر.

المصلحة الثانية: مصلحة عدم تنجيس المسجد.

فالمصلحة الثانية يمكن التغلُّب عليها بإزالة النجاسة، أما المصلحة الأولى ففي تحقيقها قد يحصل ضرر للأعرابي ينتج عن قطع بوله وعدم إتمامه.

يقول النووي -في شرح الحديث السابق-: “وفيه دفع أعظم الضررين ‌باحتمال ‌أخفهما؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((دَعُوهُ))، قال العلماء: كان قوله صلى الله عليه وآله وسلم ((دَعُوهُ)) لمصلحتين:

إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله تضرر، وأصل التنجيس قد حصل، فكان احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به.

والثانية: أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد، فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد، والله أعلم”([56]).

ثاني عشر: التجرد عن الأهواء في الفتوى:

فالتوسط في الفتوى لا يحصل إلا إذا تجرَّد المفتي عن أهوائه، وكذلك الأمر بالنسبة للمستفتي، فلا يجوز للمفتي أن يُحابي أي أحد في فتواه على حساب الشرع، سواء أكان ذلك بقصد منه، أو بسبب غفلته مما يُمليه عليه المستفتي، فتَبِعة الفتوى تكون عليه أكثر لتقصيره وتسرُّعه في فتواه، ولأجل تحقيق هذا التجرد لا بد من توافر بعض الأمور، وهي على النحو التالي:

  1. ينبغي أن تكون عبارات الفتوى واضحةً لا لبس فيها ولا غموض، ولا تحتمل التأويل؛ حتى لا يتخذها أصحاب الأهواء أساسًا لتحقيق رغباتهم وأهوائهم، يقول ابن القيم: “وكم من باطل ‌يخرجه ‌الرجل بحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق؟! وكم من حق يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره في صورة باطل؟! ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يَخفَى عليه ذلك، بل هذا أغلب أحوال الناس، ولكثرته وشهرته يُستغنَى عن الأمثلة. بل مَن تأمل المقالات الباطلة والبدع كلها وجدها قد أخرجها أصحابها في قوالب مستحسنة وكسوها ألفاظًا يقبلها بها مَن لم يعرف حقيقتها”([57]).
  2. أن يكون المفتي فطنًا حتى لا يخدعه المستفتي بعباراتٍ يكون لها تأثير في فتواه، وهو ما يعبر عنه الفقهاء بحرص المفتي على ألا يؤتَى من غفلة؛ يقول ابن القيم: “يحرم عليه إذا جاءته مسألة فيها تحيل على إسقاط واجب أو تحليل محرَّم أو مكر أو خداع: أن يعين المستفتي فيها، ويرشده إلى مطلوبه، أو يفتيه بالظاهر الذي يتوصل به إلى مقصوده، بل ينبغي له أن يكون بصيرًا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي له أن يُحسن الظن بهم، بل يكون حذِرًا فطِنًا فقيهًا بأحوال الناس وأمورهم، يؤازره فقهه في الشرع، وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل، وباطنها مكر وخداع وظلم؟! فالغِرُّ ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها؛ فالأول يروج عليه زغل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل الدراهم، والثاني يُخرج زيفها كما يُخرج الناقد زيف النقود”([58]).
  3. ألا يقصد المفتي إرضاء الغير، خاصة إذا كان هذا الغير ذا منصبٍ أو جاه؛ لأنه بذلك يخرج عن دائرة الإخلاص وإرادة الحق، ويدخل في دائرة الهوى والتشهي والتلاعب بدين الله، وهو أمر نهى عنه الإسلام؛ يقول ابن القيم: “فلا يجوز العمل والإفتاء ‌في ‌دين ‌الله ‌بالتشهِّي والتخيُّر وموافقة الغرض، فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض مَن يُحابيه فيعمل به، ويفتي به، ويحكم به، ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر”([59]).
  4. انتفاء التعصب المذهبي لدى المفتي، فالتعصب المذهبي آفة ابتليت بها الأمة، وكادت قواها أن تنهار بسببه؛ لأن الخلاف بين العلماء في الفروع الفقهية خلاف محمود، ما دام كل رأي يعتمد على دليلٍ يراه صحيحًا من وجهة نظره الفقهي، بل إن هذا الخلاف في الرأي بينهم إنما هو رحمة([60]).

فالوسطية في الفتوى لا تتحقق إلا إذا تخلص المفتي من التعصب لمذهبه الفقهي، وما دام الأمر كذلك فلا ينبغي للمفتي أن يُلزم الناس في فتاواه بمذهب معين يعتنقه هو ويترك غيره من المذاهب؛ لأن ذلك تضييقٌ على الناس، وإيقاعٌ لهم في المشقة؛ إذ إن أصحاب المذاهب الفقهية أنفسهم رفضوا ذلك؛ يقول الإمام السيوطي: “فكانت المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة كلٌّ مأمورٌ بها في هذه الشريعة، فصارت هذه الشريعة كأنها عدة شرائع بُعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجميعها”([61]).

ثالث عشر: تغليب التيسير والتبشير على التعسير والتنفير:

فالوسطيةُ التي تتسمُ بها أحكام الشريعة الغرَّاء لا تعرف التعسير ولا التنفير، بل إنَّ الشرع الشريف قد أمر بالتيسير والتبشير في أمورنا كلها، ليس فقط في مجال الفتوى ومعرفة الأحكام الشرعية، بل في جميع شؤون الحياة، فقد روي عن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا))([62]).

ولأجل تحقيق الوسطية في الفتوى لا بد وأن يراعيَ فيها المفتي جانب التيسير والتبشير، ليحمل الناس على دين الله وهم مُحبون لذلك، دون أدنى ضنك أو شدَّة منفرة: يقول العلامة الشاطبي: “‌المفتي ‌البالغ ‌ذروة ‌الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور؛ فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، والدليل على صحَّة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة؛ فإنه قد مرَّ أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسُّط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذمومًا عند العلماء الراسخين… فإنَّ الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل، ولا تقوم به مصلحة الخلق، أما في طرف التشديد فإنه مهلكة، وأما في طرف الانحلال فكذلك أيضًا؛ لأن المستفتي إذا ذُهِب به مذهب العنت والحرج بُغِّض إليه الدين، وأدَّى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة، وهو مشاهد، وأما إذا ذُهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى، واتباع الهوى مهلك، والأدلة كثيرة”([63]).

لذلك ينبغي على المفتي أن يراعيَ أحوالَ المستفتين، فلا يتسرَّع في الحكم على النازلة إلَّا بعد التيقُّن من الواقع المحيط بها حتى يحمل الناس على الحكم الشرعي المطلوب الذي يتسم بالاعتدال والوسطية، فلا إفراطَ فيه ولا تفريط.

رابع عشر: توقير العلماء السابقين واحترام المعاصرين:

فالوسطيةُ لا تتحقق إلا باحترام المفتي لأهل العلم جميعًا السابقين، وحتى أهل عصره من أهل الاجتهاد، فيجب عليه أن يُوقرهم ويحترم اجتهاداتهم وما يصدر عنهم من أقوال وآراء، حتى لو ظهر للمفتي أن ما قالوا به مخالف للصواب، فقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم جميعًا وكذلك علماء الأمة على مرِّ العصور، ولم يكن بينهم سوى الاحترام والإكبار لبعضهم.

لقد كان في الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم ومن بعدهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرأها، ومنهم من يجهر بها ومنهم من يُسِرُّ، وكان منهم من يَقنت في الفجر ومنهم من لا يقنت فيها، ومنهم من يتوضأ من الرعاف والقيء والحجامة ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يرى في مس المرأة نقضًا للوضوء ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل أو ما مسته النار مسًّا مباشرًا، ومنهم من لا يرى في ذلك بأسًا([64]).

إنَّ هذا كلَّه لم يمنعْ من أن يصلي بعضهم خلف بعض كما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأئمة آخرون يُصلُّون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم ولو لم يلتزموا بقراءة البسملة لا سرًّا ولا جهرًا، وصلى الرشيد إمامًا وقد احتجم ‌فصلَّى الإمام أبو ‌يوسف خلفه ولم يُعِد الصلاة مع أن الحجامة عنده تنقض الوضوء.

وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة، فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل يصلَّى خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب؟!، وروي أن أبا يوسف ومحمدًا كانا يُكَبِّران في العيدَيْن تكبير ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأن هارون الرشيد كان يحب تكبير جده، وصلَّى الشافعي رحمه الله الصبح قريبًا من مقبرة أبي حنيفة رحمه الله، فلم يقنت تأدُّبًا معه، وقال أيضًا: ربما ‌انحدرنا ‌إلى ‌مذهب ‌أهل ‌العراق([65]).

خامس عشر: العمل على منع الخصام والمنازعات:

لا تتحقق الوسطية في الفتوى إلَّا إذا كانت هذه الفتوى حاسمةً لمادة النزاع والشقاق بين الناس، فلا يصح أن تصدر الفتوى من المفتي لتثير الجدل والخصومة بين الناس، فالغاية من الفتوى هي أن تحملَ الناسَ على أحكام الشرع بالمنهج المعتدل الوسطي الذي لا انحرافَ فيه ولا شطط.

فعلى سبيل المثال: إذا عُرضت فتوى في المعاملات أمام المفتي، فعليه أن يراعيَ في فتواه توضيح بعض المسائل الدقيقة التي قد تكون بابًا للنزاع والخصومة بين أطراف المعاملة أو العقد، فمثلًا يحتاج المفتي أن يبين اشتراط القبض في التبرعات، ومنع بيع الشيء قبل ملكه، ومنع الغرر والجهالة، فعلى المفتي مراعاة ذلك كله في اجتهاده وفتواه([66]).

سادس عشر: ذكر البدائل المباحة عند المنع:

من العوامل المهمَّة في تحقيق الوسطية في الفتوى: ذِكر المفتي البدائل النافعة للمستفتي عند الحكم على أمرٍ ما بعدم الجواز، خاصَّة في الأمور التي قد يحتاج إليها المستفتي بشكل قد يصل إلى حد الضرورة.

ولا شكَّ أن ذِكر المفتي للبدائل المباحة أمرٌ له أهميةٌ كبيرةٌ، خاصَّة في عصرنا الحاضر؛ حيث الانفتاح على معطيات الحضارة عبر وسائل الاتصال والتقنيات الحديثة وغيرها.

فهذه التقنيات الحديثة وغيرها يوجد فيها الكثير من الأمور التي تخالف تعاليم ديننا الحنيف، وقد دخلت هذه التقنيات والوسائل الحديثة في مجتمعاتنا المسلمة، ولا بد من استخدامها بشكل آمن، وهنا يأتي دور الفقيه والمفتي في بيان حكم استخدام تلك التقنيات الحديثة، فيقيد استخدامها بما يجلب النفع ويدفع الضرر، فليس من الصواب أن يقوم المفتي بالحكم على تلك التقنيات بالحرمة أو المنع، ولا يدل المستفتي على البدائل المتاحة المباحة، مما يوقع الناس في الحرج والعنت: فقد روي عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ، وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ))([67]).

فما ذكرناه في هذا المقام إنما يدل على أنه ينبغي للمفتي أن يمهد للحكم المستغرَب بما يجعله مقبولًا لدى المستفتين: يقول ابن القيم: “من أدب المفتي أن يمهد للحكم المستغرَب، فإذا كان الحكم مستغربًا جدًّا مما لا تألفه النفوس وإنما ألِفَت خلافَه، فينبغي للمفتي أن يُوطِّئ قَبله ما يكون مؤذنًا به، كالدليل عليه، والمقدمة بين يديه، فتأمل ذكره سبحانه قصة زكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشبيبة، وبلوغه السن التي لا يولد فيها لمثله في العادة، فذكر قصته مقدِّمة بين يدي قصة المسيح وولادته ‌من ‌غير ‌أب؛ فإن النفوس لما آنست بولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لهما عادة سهل عليها التصديق بولادة ولد ‌من ‌غير ‌أب، وكذلك ذكر سبحانه قبل قصة المسيح موافاة مريم رزقها في غير وقته وغير إبانه”([68]).

سابع عشر: فتح أبواب الحلال للمستفتي إن كان يسأل عن الحرام:

من العوامل المهمة في تحقيق الوسطية في الفتوى تبيين المفتي للمستفتي أن دائرة الحلال أوسع من دائرة الحرام، وأن الحرام محصور؛ ففي ذلك عونٌ له على سلوك الطريق الحلال، ومثال هذا أن المستفتي إن جاء يسأل المفتي عن أخذ الرشوة والربا والمكاسب المحرمة بأسباب وهمية وحِيَل شكلية يظنها تبيحها له، أخبره بتحريمها عليه، ويبين له وجوهًا أخرى يستطيع بها الاكتساب، ويفرق له ما بين الكسبين بعواقبهما الآجلة والعاجلة، فمن استفتي مثلًا في إباحة نكاح المتعة والأنكحة المحرمة، دل على النكاح الصحيح وأهل الخير والصلاح الذين يتيسر أمره بالقرب منهم ويستغني عما منعه الله منه([69]).

ثامن عشر: عدم استشراف الفتوى والتطلُّع لها طلبًا للشهرة:

من العوامل المهمة في تحقيق الوسطية في الفتوى عدم التسرُّع في الفتوى على نازلة لم تحدث بعدُ، فهذا قد يجعل الفتوى مجانبةً للصواب، إما ناحية الإفراط أو التفريط، وكلا الأمرين بعيد عن منهج الدين الحنيف الذي يدعو إلى حمل الناس على المنهج الوسط المعتدل.

فمن المعلوم من فقه الفتوى بالضرورة أنَّ أجرأ الناس عليها أجرؤهم على النار، ولذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يتدافعون الفتوى، ويحب كل واحد منهم لو أن صاحبه كفاه إياها، يقول ابن القيم: “وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرُّع في الفتوى، ويودُّ كلُّ واحد منهم أن يكفيَه إياها غيره، فإذا رأى أنها قد تعيَّنت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى”([70]).

فإذا كان هذا هو منهج العلماء والمجتهدين في فتاوى الأفراد، فكيف بالفتاوى العامة التي تصل إلى ملايين المسلمين في أنحاء العالم بواسطة هذه الوسائل الحديثة؟! فإنها من دون شك أشد خطرًا وأعظم ضررًا، ولذا ينبغي على من ابتُلي بذلك الاعتدال في هذا الأمر، وعدم المبالغة فيه، والحذر من الانجراف وراء أضواء الشهرة ومغرياتها([71]).

 

 

([1]( ‌‌مسؤولية الفتوى الشرعية: ضوابطها وأثرها في رشاد الأمة، للدكتور محمد فؤاد البرازي (ص:20)، ط. ضمن أبحاث مجلة البيان الصادرة عن المنتدى الإسلامي، العدد رقم (179).

([2]( مسؤولية الفتوى الشرعية: ضوابطها وأثرها في رشاد الأمة، للدكتور محمد فؤاد البرازي (ص: 20- 26 رقم العدد 179).

([3]( الموافقات، للشاطبي (5/ 122).

([4]( الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي (2/ 40).

([5]( الموافقات، للشاطبي (5/ 123).

([6]( مسؤولية الفتوى الشرعية: ضوابطها وأثرها في رشاد الأمة، للدكتور محمد فؤاد البرازي (ص: 20- 26 رقم العدد 179).

([7]( غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، للحموي (2/ 314).

([8]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (1/ 69).

([9]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (4/ 169).

([10]( مسؤولية الفتوى الشرعية ضوابطها وأثرها في رشاد الأمة، للدكتور محمد فؤاد البرازي (ص: 20- 26 رقم العدد 179).

([11]( مسؤولية الفتوى الشرعية: ضوابطها وأثرها في رشاد الأمة، للدكتور محمد فؤاد البرازي (ص: 20- 26 رقم العدد 179).

([12]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (2/ 140).

([13]( مسؤولية الفتوى الشرعية: ضوابطها وأثرها في رشاد الأمة، للدكتور محمد فؤاد البرازي (ص: 20- 26 رقم العدد 179).

([14]( مسؤولية الفتوى الشرعية: ضوابطها وأثرها في رشاد الأمة، للدكتور محمد فؤاد البرازي (ص: 20- 26 رقم العدد 179).

([15]( ينظر: تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه، للدرة (7/ 559)، وجامع البيان في تأويل القرآن، للطبري (20/ 352).

([16]( جامع البيان في تأويل القرآن، للطبري (8/ 500).

([17]( مسؤولية الفتوى الشرعية: ضوابطها وأثرها في رشاد الأمة، للدكتور محمد فؤاد البرازي (ص: 20- 26 رقم العدد 179).

([18]( جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (1/ 438).

([19]( مسؤولية الفتوى الشرعية: ضوابطها وأثرها في رشاد الأمة، للدكتور محمد فؤاد البرازي (ص: 20- 26 رقم العدد 179).

([20]( ‌‌الفتوى وأثرها في حماية المعتقد وتحقيق الوسطية، للدكتور فهد بن سعد الجهني (ص 52)، ط. دار ابن الجوزي.

([21]( مقاييس اللغة، لابن فارس (6/ 108).

([22]( القاموس المحيط، للفيروزآبادي (ص 691).

([23]( جمهرة اللغة، لابن دريد الأزدي (2/ 838).

([24]( تهذيب اللغة، للأزهري (13/ 21).

([25]( المصباح المنير، للفيومي (2/ 658).

([26]( ‌‌الفتوى وأثرها في حماية المعتقد وتحقيق الوسطية، للدكتور فهد بن سعد الجهني (ص 54).

([27]( أخرجه البخاري (4/ 134).

([28]( ينظر: فتح الباري، لابن حجر (8/ 172)، حيث يقول ابن حجر: “والوسط العدل، هو مرفوع من نفس الخبر وليس بمدرج من قول بعض الرواة كما وهم فيه بعضهم”.

([29]( ‌‌الفتوى وأثرها في حماية المعتقد وتحقيق الوسطية، للدكتور فهد بن سعد الجهني، (ص 54).

([30]( فتح الباري، لابن حجر (13/ 316).

([31]( ‌‌الفتوى وأثرها في حماية المعتقد وتحقيق الوسطية، للدكتور فهد بن سعد الجهني، (ص 55).

([32]( أخرجه البخاري (6/ 37).

([33]( ‌‌الفتوى وأثرها في حماية المعتقد وتحقيق الوسطية، للدكتور فهد بن سعد الجهني (ص 56).

([34]( ‌‌الفتوى وأثرها في حماية المعتقد وتحقيق الوسطية، للدكتور فهد بن سعد الجهني (ص 57).

([35]( ‌‌أثر الفتوى في تأكيد وسطية الأمة، للشيخ عبد الله آل خنين (ص 7).

([36]( أخرجه أبو داود في سننه (4/ 203).

([37](مدارج السالكين، لابن القيم (2/ 464)، ط. دار الكتاب العربي- بيروت.

([38]( الموافقات، للشاطبي (5/ 276).

([39]( الموافقات، للشاطبي (5/ 276).

([40]( الموافقات، للشاطبي (5/ 283)، مرجع سابق.

([41]( أخرجه البخاري (3/ 180).

([42]( فتح الباري، لابن حجر (12/ 339)، مرجع سابق.

([43]( تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، لابن جماعة (ص 68)، ط. دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، سنة ١٣٥٤هـ.

([44]( الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي (1/ 213)، مرجع سابق.

([45]( تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، لابن جماعة (ص 93، 94)، مرجع سابق.

([46]( أخرجه مسلم (1/ 14).

([47]( قواطع الأدلة في الأصول، لأبي المظفر السمعاني (2/ 357)، مرجع سابق.

([48]( الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (4/ 238)، مرجع سابق.

([49]( الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي (1/ 215)، مرجع سابق.

([50]( صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، لابن حمدان (ص 72، 73)، مرجع سابق.

([51]) شروط المفتي وأثرها في تغير الفتوى في القضايا الفقهية، للدكتور أحمد محمد لطفي (ص 168).

([52]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (1/ 41).

([53]( شروط المفتي وأثرها في تغير الفتوى في القضايا الفقهية، للدكتور أحمد محمد لطفي (ص 169).

([54]( شروط المفتي وأثرها في تغير الفتوى في القضايا الفقهية، للدكتور أحمد محمد لطفي (ص 170).

([55]( أخرجه البخاري (8/ 30).

([56]( شرح صحيح مسلم، للنووي (3/ 191).

([57]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (4/ 176).

([58]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (4/ 176).

([59]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (4/ 162).

([60]( شروط المفتي وأثرها في تغير الفتوى في القضايا الفقهية، للدكتور أحمد محمد لطفي (ص 173).

([61]( اختلاف المذاهب، للسيوطي (ص 28)، ط. دار الاعتصام.

([62]( أخرجه البخاري (1/ 25).

([63]( الموافقات، للشاطبي (5/ 276).

([64]( أدب الاختلاف في الإسلام، للدكتور طه جابر فياض العلواني (ص 116)، ط. المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فيرجينيا- الولايات المتحدة الأمريكية.

([65]( حجة الله البالغة، لشاه ولي الله الدهلوي (1/ 270)، ط. دار الجيل، بيروت- لبنان.

([66]( ينظر: سبل الاستفادة في النوازل والفتاوى والعمل الفقهي في التطبيقات المعاصرة، للدكتور وهبة الزحيلي (ص 63).

([67]( أخرجه مسلم (3/ 1472).

([68]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (4/ 125).

([69]( الفتيا ومناهج الإفتاء، للأشقر (ص 72).

([70]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (1/ 27).

([71]( ينظر: النوازل الأصولية، للدكتور أحمد بن عبد الله بن محمد الضويحي (ص 47).

اترك تعليقاً