البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفصل الثاني: الآثار المدمرة لفتاوى الجماعات المتطرفة

82 views

تمهيد:

مما لا شك فيه أن فتاوى الجماعات والتيارات المتطرفة الشاذة منهجيًّا وعقديًّا، قد تسببت في الكثير من الاضطرابات داخل المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية، بما تحمله من تأثير على حياة الناس، فإن تلك الفتاوى لا يقف تأثيرها عند حد القول بها فقط، بل يتعدى ضررها وآثارها إلى إلى حياة وأمن الناس في أرض الواقع.

إن أي عمل دموي أو إرهابي ينبع أولًا ويصدر عن فكر وعقيدة بداخل مرتكبه حتى يتخلى عن إنسانيته، فإذا أخذ هذا الفكر شرعية وإطارًا يخرج من خلاله، يكون ذلك بمثابة نزع فتيل الأمان لتفجير هذه الأفكار وتحويلها إلى واقع مرير.

ولقد نوعت تلك الجماعات الإرهابية والتيارات المتطرفة من فتاواها التي حملت طابع العنف والإقصاء والتكفير والتبديع لجموع الناس، فنشرت الإرهاب باسم الدين، والذبح والقتل والتفجير، وترويع الآمنين في أوطانهم، وكان بابهم إلى كل ذلك هو الفهم الخاطئ والمنحرف لآيات القرآن الكريم والسنة النبوية المباركة، وعدم فهم مقاصد الشريعة الربانية الكلية، أو فهم المقاصد الفقهية، ومدلولات اللغة العربية ومعانيها.

ونحن في هذا الفصل سوف نتعرض إلى مآلات الفتاوى المتطرفة وآثارها التي ترتبت عليها، على مستوى الأفراد والمجتمعات، وعلى المستوى المحلي، والعالمي، وذلك من خلال تسعة مباحث:

  • المبحث الأول: غياب وعي المسلم بطبيعة وجوده.
  • المبحث الثاني: فساد منظومة العقائد وانتشار الفوضى والعنف.
  • المبحث الثالث: فوضى الفتاوى واهتزاز الثقة في المؤسسات الدينية.
  • المبحث الرابع: زعزعة الأمن الدولي والعمل على تقسيم البلاد.
  • المبحث الخامس: المشاركة في هدم بنيان الأسرة واستقرارها وترابطها.
  • المبحث السادس: تدمير القيم الوطنية وتعميق الهوة بين الحكام والشعوب.
  • المبحث السابع: تشويه صورة الإسلام في العالم (الإسلاموفوبيا).
  • المبحث الثامن: الآثار النفسية والفكرية لسقوط مشاريع التأسلم السياسي.
  • المبحث التاسع: آثار غياب النموذج الأخلاقي والروحي لجماعات التطرف.

المبحث الأول: غياب وعي المسلم بطبيعة وجوده

لقد خلق الله الإنسان في هذه الحياة وجعل تكليفه فيها دائرًا حول ثلاثة مقاصد، حتى يتحقق الإنسان بالسعادة الدنيوية والأخروية، وتتمثل هذه المقاصد في: عبادة الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] ثم تزكية النفس، حتى تترقى في مراتب العبادة، وتتلقى أنوارها، ويتم فلاحها: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا٩ وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9، 10] ثم عمارة الأرض التي نحيا عليها، واستخلفنا الله سبحانه وتعالى فيها: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا﴾ [هود: 61] وبهذه المحاور الثلاث يتم مقصود الله عز وجل من الوجود الإنساني عامة، متمثلًا في العبادة، والتزكية، والعمارة.

وحتى يتحقق المسلم بهذه المقاصد ويجعلها محاوره التي يرتكز عليها وينهض بها في حياته إلى ربه، فلا بد وأن يعي المسلم هذه الحقائق وأن يجاهد في سبيل التحقق بها، فيسعى إلى تحقيق كمال العبودية لله عز وجل والتزكية الخالصة للنفس على قدر استطاعته، وحسن العمارة، والانتفاع بما سخر له في هذا الكون، حتى ولو نزلت به المنية وهو يسعى في تلك المقاصد والوظائف الجليلة، كما حث على ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي رواه سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل))([1])، مما يدل على عظم مقصد فهم طبيعة الوجود، وضرورة السعي، وما لذلك من الأجر الكبير عند الله سبحانه وتعالى.

وجاءت الشريعة الغراء لتتحد وتتداخل مع وعي المسلم في كافة هذه الوجوه، فهناك الكثير من الآيات التي وردت في القرآن الكريم تحض على إيقاظ الوعي، واستعمال العقل، والحثِّ على الإدراك والفهم، ومنها قوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 219] وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلۡمَآءُ حَمَلۡنَٰكُمۡ فِي ٱلۡجَارِيَةِ١١ لِنَجۡعَلَهَا لَكُمۡ تَذۡكِرَةٗ وَتَعِيَهَآ أُذُنٞ وَٰعِيَةٞ١٢﴾ [الحاقة: 11، 12] فقوله تعالى ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٞ وَٰعِيَةٞ﴾؛ أي: يدركها ذوو العقول والفهم السليم، والأبصار المستنيرة، فجاء الإسلام ليحقق هذه المقاصد الربانية، ويوقظ في المؤمن بالله عز وجل هذه المفاهيم التي بدون وعيها وإدراكها يهلك الإنسان، ويقع في التيه والهوى والإفساد في الأرض.

والناظر في فكر من يدعون أنفسهم بالجماعات الإسلامية، يجد أنهم على النقيض تمامًا من هذه المقاصد والمحاور التي ذكرناها، بل يجدهم يدعون إلى نقيض هذه المقاصد، بدعوى إقامة المشاريع الإسلامية الكبرى، أو دولة الخلافة، أو التمكين، أو غير ذلك مما أفسد على المسلم صفوه الإيماني وسلامة صدره، وأدى إلى تكفير الناس ورميهم بالجَاهليَّةِ والوَثنيَّة، والتسلط عليهم باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاء والبراء الذي جعلوه ولاءً لهم هم وجماعتهم، وبراءً من كل من خالفهم في أفكارهم ورؤاهم، أو غير ذلك من المصطلحات التي جعلوها عقيدة وسعوا في سبيل تحقيقها بكل ما أتوا به من قوة بلا وعي ولا إدراك لحقيقة وجودهم، وهم يلبسون كل ذلك ثوب الإسلام حتى يعطوه قوة شرعية ومظلة دينية تحمي أهدافهم، التي هي في الحقيقة مجرد أطماع دنيوية، وعلل نفسية إقصائية، عادوا بها مجتمعاتهم، وكل من عارضهم وحاربوه، فغيبوا عقول الناس وأفسدوا وضيعوا الشباب ممن انتموا إليهم، بدعواهم هذه المقاصد والغايات من وجود المسلم، فأدخلوه في صراعات نفسية مع مجتمعه ونفسه بل وحتى أهله وولده، وصراعات مسلحة مع الدولة التي يعيش فيها وأنظمتها في سبيل تحقيق أهدافهم التي تتلخص في الوصول إلى سدة الحكم، والتسلط على الناس باسم الدين والشريعة وانتهاك حقوق الغير بغير مراجعة من أحد، فنشروا الفساد والدماء والتفجير في كل مكان، وصنفوا كجماعات إرهابية دموية مطاردين من قبل المؤسسات العسكرية والقضائية من أجل جرائمهم التي لم يسلم منها أحد من المسلمين أو من غير المسلمين، ولم يكن ليتم لهم المراد إلا بتغيير طبيعة تصور المسلم لوظيفته الوجودية، من خلال صناعة وظائف بديلة لأبناء تلك التيارات والجماعات، وإرادة تعميمها على جموع المسلمين، وتمثلت بعض تلك الوظائف فيما يلي:

 

أولًا: إقامة الخلافة

لقد اختزلت الجماعات الإسلامية والتيارات المتشددة، مجد الإسلام وعزته وإقامة أركانه دينيًّا ودنيويًّا، فيما أسموه بمشروع (إقامة الخلافة الراشدة) ويعد حسن البنا مؤسس جماعة (الإخوان المسلمون) أول من ربط هذه المفاهيم بعضها ببعض في العصر الحديث، بحيث جعلها عقيدة لا تنفك عن الدين، حيث قال في رسائله عندما سئل: هل في منهاج الإخوان المسلمين أن يكونوا حكومة وأن يطالبوا بالحكم؟ وما وسيلتهم إلى ذلك؟ فأجاب بأن: «الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنًا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منها عن الآخر».

وقد أسس حسن البنا بكلامه هذا لما يشبه أن يكون قاعدة عامة: أن كل من يتقاعس من الجماعات الإسلامية عن المطالبة بالحكم وسياسة الدولة يعد مجرمًا آثمًا في نظر الإسلام -الذي يعتبرون أنفسهم ممثلين له- وفي نظر جماعة المسلمين، التي يعبرون عنها بمفردهم، ولا يمحو هذا الإثم ويكفر عنه إلا نهوضهم من جديد لاستخلاص قوة التنفيذ والحكم من أيدي الظالمين الذين لا يدينون بأحكام الإسلام وشريعته كما أنزل الله عز وجل وفقًا لمزاعم أولئك المتطرفين.

فهل تعد الخلافة والإمامة كما يقول حسن البنا ركنًا من أركان الإسلام، على حد قوله: «الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنًا من أركانه».

وللإجابة على هذا الطرح نرجع إلى كتب الفقهاء وعلماء الإسلام من علماء الأصول والفروع، فنجد أن إمام الحرمين الجويني في كتابه (غياث الأمم في التياث الظلم) يقول: «وليست الإمامة من قواعد العقائد، بل هي ولاية تامة عامة، ومعظم القول في الولاة والولايات العامة والخاصة مظنونة في التآخي والتحري، ومن وفقه الله -تعالى وتقدس- للوقوف على هذه الأسطر، واتخذها في المعوصَاتِ مَآبَهُ وَمَثَابَهُ ، لم يعتص عليه معضل، ولم يخف عليه مشكل، وسرد المقصود على موجب الصواب بأجمعه، ووضع كل معلوم ومظنون في موضعه وموقعه»([2]). فانظر كيف عد الإمام الجويني الإمامة ومباحثها من الفروع والفقهيات.

ويقول الإمام حجة الإسلام الغزالي في كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد): «اعلم أن النظر في الإمامة أيضًا ليس من المهمات، وليس أيضًا من فن المعقولات، فيها من الفقهيات، ثم إنها مثار للتعصبات والمعرض عن الخوض فيها أسلم من الخائض بل وإن أصاب، فكيف إذا أخطأ»([3]).

فانظر لقول الإمام الغزالي إلى أن الإمامة ليست من المهمات ولا من المعقولات بل هي من الفقهيات، وأنها من الأمور التي بها تعصبات فكلٌّ يميل فيها إلى رأي، ويركن فيها إلى أحدٍ، لا يريد أن يعدل به غيره، وهذا هو شأن الحكم والإمامة والخلافة التي هي نصب الإمام في الإسلام، لا كما يقول عنها حسن البنا ولا كما فهمت هذه الجماعات، حتى أغرقت أنفسها في الدماء وركبت مطية الخداع والكذب والتزوير، وتجنيد الأطفال والنساء واستغلالهم، وإثارة الرأي العام تارة واستعطافه تارة أخرى، وكل هذه الأمور التي أنهكوا أنفسهم بها، قد أبعدتهم كل البعد عن المنهج الرباني في الإسلام، ومقاصده التي قام عليها، من عبادة الله عز وجل وتزكية النفس، وعمارة الأرض، فقد تعبدوا الله سبحانه بالجهل والجرائم، وأهملوا تزكية أنفسهم بل أنكروا مناهج التزكية الروحية، وبدل أن يعمروا الأرض كانوا من المفسدين فيها بنشر الظلم وسفك الدماء، ونشر الجهاد المسلح في شتى بقاع الأرض، مما أساء لدين الله عز وجل وشريعته السمحاء غاية الإساءة.

ثانيًا: التمكين

كذلك فإن من المصطلحات التي عقدت عليها الجماعات الإسلامية عقيدتها، وبذلت جهدها في سبيل تحقيق تصورهم له على أرض الواقع، هو مصطلح (التمكين) ويعد مصطلحًا له دلالات معينة في فهم هذه الجماعات والتيارات الدموية العنيفة، تتجلى في الأمر بالسعي لتحصيل التمكين في الأرض، وإقامة الخلافة -وفق منظورهم وشروطهم-، ويعد التمكين الذي تقصده جماعة الإخوان كما وجد في وثيقة حصل عليها رجال الأمن في مكتب قيادي من الجماعة، وهي عبارة عن خطة شاملة تبدأ بالحث على التغلغل في القطاعات الطلابية والعمالية وقطاعات المهنيين ورجال الأعمال ومؤسسات الدولة مثل الجيش والشرطة والقضاء، وتركز على ضرورة استهداف المناطق الفقيرة، والفئات الشعبية؛ لأن الانتشار بين هذه الفئات أسهل وأوسع، لكونهم يمثلون غالبية الشعب.

وبالرغم من ذكر الله عز وجل للتمكين في القرآن الكريم في أكثر من موضع، فإن هذه المواضع إنما جاءت توضح أنه هو سبحانه وتعالى من يمكِّن في ملكه لا أحد غيره، وأن التمكين ليس تكليفًا بشريًّا من الله لعباده حتى يسعوا فيه، فالله عز وجل يقول في كتابه العزيز: ﴿وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰهُمۡ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّٰكُمۡ فِيهِ﴾ [الأحقاف: 26]، ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ [الأعراف: 10]، ويقول تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا﴾ [الكهف: 84]، ويقول تعالى: ﴿أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ﴾ [الأنعام: 6]، ويقول تعالى: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ [القصص: 6]، إلى غير ذلك من الآيات البينات التي تثبت أن التَّمكينَ إنما هو تصرف إلهي محض يختص به الله لإظهار من يشاء على عباده.

والمتأمل في الآيات التي وردت في القرآن الكريم عن التمكين يجد أنه قد ورد بعدة معانٍ مختلفة، فقد يأتي بمعنى تيسير الأمر وتذليل العيش في الأرض بوفرة الطعام والشراب، ويأتي للملك والسلطة، ويأتي في العادة للأمن الإنساني، والتمكين ليس كما تفهمه هذه الجماعات من اختصاصه بالمؤمنين فقط، فالتمكين سنة كونية قد يجعله الله سبحانه وتعالى للمؤمنين وغير المؤمنين به، ومثاله للمؤمنين به قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ﴾ [الأعراف: 10]، ولغير المؤمنين به قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ﴾ [الأنعام: 6] مما يوضح أن التمكين من الله لا يعني أبدًا إيمان الممكَّن له، وأن التمكين قد يكون من الله ابتلاء وامتحانًا.

وبالنظر إلى مجموع الآيات نجد أن للتمكين عدة معانٍ وتفسيرات، وأن الجماعات الإسلامية وتيارات الإسلام السياسي لا ينظرون إلى هذه الآيات إلا من منظور واحد وهو الحكم والسياسة بصورة انتقائية للنصوص الواردة لا علاقة لها بالفهم الصحيح للمدلولات المرادة.

لقد قصرت التيارات الإسلامية المتشددة مفهوم التمكين وحصروه في معنى الاستيلاء على الحكم والسلطة، وإقامة الدولة فقط، حتى استنفذت في سبيل إقامة هذا التصور والمفهوم الخاطئ حياة الناس المنتمين لهم والمؤمنين بأفكارهم، وحملهم ذلك على عداء المجتمع كله ومحاربته وقتاله وقتلهم للأبرياء، واكتوائهم هم بهذه النيران وقتلهم أنفسهم في سبيل ذلك.

ويوضح مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية حسن البنا ذلك المقصد في (رسائله) فيقول: «وفي الوقت الذي يكون فيه منكم -معشر الإخوان المسلمين- ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسيًّا وروحيًّا بالإيمان والعقيدة، وفكريًّا بالعلم والثقافة، وجسميًّا بالتدريب والرياضة، في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإني فاعل -إن شاء الله-، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: ((ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة))([4]). إني أقدر لذلك وقتًا ليس طويلًا بعد توفيق الله واستمداد معونته وتقديم إذنه ومشيئته، وقد تستطيعون أنتم -معشر نواب الإخوان ومندوبيهم- أن تقصروا هذا الأجل إذا بذلتم همتكم وضاعفتم جهودكم، وقد تهملون فيخطئ هذا الحساب، وتختلف النتائج المترتبة عليه، فأشعروا أنفسكم العبء وألفوا الكتائب وكونوا الفرق، وأقبلوا على الدروس، وسارعوا إلي التدريب وانشروا دعوتكم في الجهات التي لم تصل إليها بعد، ولا تضيعوا دقيقة بغير عمل»([5]). ويستطرد بعد ذلك حتى يقول: «والإخوان المسلمون لا بد أن يكونوا أقوياء، ولا بدَّ أن يعملوا في قوة، ولكن الإخوان المسلمين أعمق فكرًا وأبعد نظرًا من أن تستهويهم سطحية الأعمال والفكر، فهم يعلمون أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ثم يلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعًا، وأنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان فسيكون مصيرها الفناء والهلاك».

فانظر كيف عدَّ حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين وكأنها جيش منفصل في حد ذاته، مهمته هي تحقيق التمكين بكل السبل، حتى ولو بقوة السلاح والتجنيد والتدريب على القتال، وهم في ذلك إنما يرون مقاتلتهم للمجتمع ترجع -في زعمهم- إلى أنه مجتمع جاهلي كافر، كما سيتحدث بعد ذلك المنظر الفكري لجماعة الإخوان المسلمين سيد قطب، وذلك في المرحلة التي تلي مرحلة المؤسس حسن البنا، فسيد قطب هو صاحب طرح الحاكمية بمفهومها لدى هذه الجماعة، وحتى امتدادها إلى وقتنا المعاصر في أمثال داعش وغيرها من جماعات الجهاد المسلح وأنصار إقامة دولة الخلافة والتمكين في الأرض بالقوة الغاشمة، والحقيقة أن كل تيارات الإسلام السياسي والجهادي إنما هم تبع لفكر الإخوان المسلمين ومنهجهم، وهو الأمر الذي ظهر بجلاء شديد واتضح أشد الوضوح في الجرائم الإرهابية ونشر التفجيرات وإسالة الدماء في سبيل تحقيق تلك الأهداف والمعتقدات، التي دمرت العقول وألهت المسلمين عن وظيفة وجودهم، ودورهم في إعمار الحياة، وحمل ضياء الإسلام ومعارفه وعلومه للعالمين.

ثالثًا: حتمية الانتماء للجماعات الإسلامية

إن ضرورة الانتماء لتلك الجماعات -حتى تكون من المسلمين في اعتقادهم- يعد نتيجة حتمية لما يعتنقونه من أفكار تكفِّر المجتمعات الإسلامية، وتصفها بأنها مجتمعات جاهلية، فكل من لا ينتمي إليهم فهو بالضرورة لا ينتمي إلا إلى الكفر، والوثنية، والطاغوت ومعاونيه، فلا قيمة للانتماء للوطن، إنما الانتماء يكون للإسلام فقط، وبالنظر إلى هذا المعنى فإن إسلام المرء لا يتحقق إلا بالانتماء إليهم؛ إذ هم من يمثلون الإسلام، وباقي المجتمعات تعيش في جاهلية وكفر وحكم بغير ما أنزل الله.

ويعد رائد هذه الأفكار في العصر الحديث، هو أديب ومفكر جماعة (الإخوان المسلمون) والمنظِّر الأول لها «سيد قطب» حيث يقول في تفسيره (في ظلال القرآن): «لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بلا إله إلا الله، فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد، وإلى جور الأديان ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن: «لا إله إلا الله» دون أن يدرك مدلولها، ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها، ودون أن يرفض شرعية «الحاكمية» التي يدعيها العباد لأنفسهم -وهي مرادف الألوهية-، سواء ادعوها كأفراد، أو كتشكيلات تشريعية، أو كشعوب، فالأفراد كالتشكيلات كالشعوب ليست آلهة، فليس لها إذن حق الحاكمية، إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية، وارتدت عن لا إله إلا الله؛ فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية، ولم تعد توحد الله وتخلص له الولاء»([6]). فانظر كيف يقرر ردة المسلمين وإن كانوا يرددون الشهادة ويؤدون الصلاة وباقي شعائر الإسلام إلا أنهم -حسب رؤيته- مرتدين لا يعرفون معنى لا إله إلا الله، يقبلون بألوهية غير الله بدون ألوهيته سبحانه وتعالى؛ لأنهم يرتضون بحاكمية غيره، وكل ذلك بناه على حسب ما قرره هو وافترضه وفسره -بهواه- نظره لحال المجتمع الإسلامي اليوم.

ويقول أيضًا: «إن الناس يقيمون لهم اليوم آلهة يسمونها «القوم» ويسمونها «الوطن» ويسمونها «الشعب» إلى آخر ما يسمون، وهي لا تعدو أن تكون أصنامًا غير مجسدة كالأصنام الساذجة التي كان يقيمها الوثنيون…» إلى أن قال: «ولقد كانت الجاهلية القديمة أكثر أدبًا مع الله، لقد كانت تتخذ من دونه آلهة تقدم لها هذه التقدمات من الشرك في الأبناء والثمار والذبائح لتقرب الناس من الله زلفى، فكان الله في حسها هو الأعلى.

فأما الجاهلية الحديثة فهي تجعل الآلهة الأخرى أعلى من الله عندها؛ فتقدس ما تأمر به هذه الآلهة وتنبذ ما يأمر به الله نبذًا»([7]).

فقد جعل سيد قطب من الوطن والشعب والقومية جاهلية حديثة، وآلهة تعبد من دون الله عز وجل، وأصنامًا كالتي عبدها الوثنيون، ثم لم يكتف بهذا، بل ذهب إلى القول بأن الجاهلية القديمة -التي كانت على الشرك والكفر بالله- كانت أكثر أدبًا من الجاهلية الحديثة، مغالاة منه في تكفير المجتمعات المعاصرة، وإن كانت على دين الإسلام تشهد بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فلا قيمة لكل ذلك ما دامت هذه المجتمعات لا تتبنى أفكار الجماعة وهذه الأفراد، ويرى سيد قطب أن الزمان قد استدار كهيئته يوم جاء الإسلام، فالدين اليوم غريبًا لا يؤمن به إلا القليل وبالطبع فإن هذه العصبة المؤمنة اليوم لن تخرج عنهم هم ومن وافقهم في الفكر والمعتقد.

وتكمن خطورة هذه الأفكار الخبيثة عند من يؤمن بها في اعتقاده أنه هو من يوحد الله سبحانه وسط جماعة من الكافرين المرتدين عن دين الله، فيهون في نظره شأنهم وأمنهم، ثم شيئًا فشيئًا ينفصل من ينتمي إليهم عن مجتمعه وأقرب الناس إليه عقديًّا وشعوريًّا ومنهجيًّا، ويغيب عن وعيه وإدراكه بما يفعل فلا يرى صوابًا إلا ما تراه جماعته التي ينتمي إليها ولا خطأ إلا ما تخطِّئه الجماعة، حتى تصير الجماعة عنده بمثابة الدين والوطن والملجأ، ويضيع عمره في ذلك إلا أن يشاء الله له الرجوع عن تلك الأفكار والمعتقدات التي أهلكت ودمرت كل معاني الدين وقيمه.

وفي توصيف تلك العزلة وهذه المفاصلة يقول سيد قطب: «إنه لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها هذا العذاب: ﴿أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍ﴾ [الأنعام: 65]. إلا بأن تنفصل هذه العصبة عقديًّا وشعوريًّا، ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها -حتى يأذن الله لها بقيام دار إسلام، تعتصم بها- وإلا أن تشعر شعورًا كاملًا بأنها هي الأمة المسلمة، وأن ما حولها ومن حولها، ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه، جاهلية وأهل جاهلية، وأن تفاصل قومها على العقيدة والمنهج، وأن تطلب بعد ذلك من الله أن يفتح بينها وبين قومها بالحق وهو خير الفاتحين، فإذا لم تفاصل هذه المفاصلة، ولم تتميز هذا التميز، حق عليها وعيد الله هذا، وهو أن تظل شيعة من الشيع في المجتمع، شيعة تتلبس بغيرها من الشيع، ولا تتبين نفسها، ولا يتبينها الناس مما حولها، وعندئذ يصيبها ذلك العذاب المقيم المديد دون أن يدركها فتح الله الموعود.

إن موقف التميز والمفاصلة قد يكلف العصبة المسلمة تضحيات ومشقات، غير أن هذه التضحيات والمشقات لن تكون أشد ولا أكبر من الآلام والعذاب الذي يصيبها نتيجة التباس موقفها وعدم تميزه، ونتيجة اندغامها وتميعها في قومها والمجتمع الجاهلي من حولها، ومراجعة تاريخ الدعوة إلى الله على أيدي جميع رسل الله، يعطينا اليقين الجازم بأن فتح الله ونصره، وتحقيق وعده بغلبة رسله والذين آمنوا معهم، لم يقع في مرة واحدة، قبل تميز العصبة المسلمة ومفاصلتها لقومها على العقيدة وعلى منهج الحياة -أي الدين- وانفصالها بعقيدتها ودينها عن عقيدة الجاهلية ودينها -أي نظام حياتها-، وأن هذه كانت هي نقطة الفصل ومفرق الطريق في الدعوات جميعًا»([8]).

والناظر في هذا الكلام تتجلى له أمور خطيرة من عدة وجوهٍ، الوجه الأول منها: افتراضه وجود عصبة مسلمة بين أصحاب جاهلية من مجتمعاتهم، يطالب هذه العصبة بالانفصال منهجيًّا ووجدانيًّا عن هؤلاء المرتدين أهل الجاهلية، في تقرير منه وإثبات لمفهوم وفكرة جاهلية المجتمعات المسلمة، دون بَيَّنةٍ منه سوى رؤيته الشخصية، ونظرته العامة، ومنهجه الاستقرائي الفاسد، إذ كيف له أن يحكم على جميع أفراد هذه المجتمعات بالجاهلية دون علمه لاعتقاد أفراد هذه المجتمعات وموقف كلٍّ منهم من الإسلام أصولًا وفروعًا، ثم تجد أنه استنتج بعد كل ذلك أن غالبية هذه الأمة الآن تقف موقف العداء لشريعة الإسلام وتحكيم دين الله في حياتهم وتشريعاتهم، مع وجود عصبة أخرى مسلمة رضيت بالدين وحكمته في أمرها، بالطبع كل ذلك من ضروب المحال منهجا واستدلالًا وحكمًا، وعليه فقد وضع قاعدة تُستخلَص من كلِّ ذلك: وهو أن الأصل في المجتمعات الإسلامية هو الجاهلية والكفر إلى أن يثبت عكس ذلك.

الوجه الثاني: لقد جعل سيد قطب من فكرة (المفاصلة) أمرًا لازمًا على هذه العصبة المسلمة التي ليس ثمة مسلمون غيرهم على وجه الأرض -حسب رؤيته- بحيث إن لم تنفصل هذه العصبة كما بين، فقد استوجبت عقاب الله عز وجل ووعيده بأن تظل شيعة من الشيع تتلبس بغيرها، وعندها تكون مستحقة لعذاب الله ووعيده لهذه الشيعة من الناس، فلا فكاك عن هذا الطرح إن كنت تريد أن تنجو وتكون من العصبة المسلمة بحق.

الوجه الثالث: تجد أنه أثناء حديثه يضع حُلولًا لهذه العصبة، منها أن تشعر هذه الفرقة أنها هي الأمة الموحدة، وأن من لم يدخل فيها وفق منهجها ورؤيتها ومبادئها يعدون من أهل الجَاهليَّة، بحيث يكون الدين هو ما تراه هذه العصبة وتستقر عليه، وكلٌّ بحسب رؤيته واجتهاده، ويجب على الناس أن تسير على نهجك وتتبعك وإلا صاروا كفارًا أهل جاهلية، تجب المفاصلة عنهم. والعجيب أن هذه الجماعات ترى في كلام سيد قطب وكأنه معصوم ولا يعلم أحد من أين له هذه العصمة لهذه الأفكار أو في أي كتاب منزل من قبل الحقِّ قد نزلت حتى يلزم بها الناس وتكفر بها المجتمعات الإسلامية؟

والحقيقة أن هذه الأفكار إنما تمنح أصحابها حصانة فقط، وشرعنة لأي أمرٍ يقومون به أو يرون نفاذه باسم الدين والحفاظ على الإسلام في هذه المجتمعات الجاهلية التي لا تحكم بما أنزل الله -والعياذ بالله- دون مراجعة أو مساءلة قانونية أو شرعية من أحدٍ، وكيف ذلك وهم عصبة الإسلام الذي قد توقف في هذا العالم، إلا على من يعتقد اعتقادهم ويدين بأفكارهم ويتخذها منهجًا وشعارًا له في الحياة.

وفي ذلك يقول سيد قطب في كتابه (العدالة الاجتماعية) تحت عنوان (حاضر الإسلام ومستقبله): «نحن ندعو إلى استئناف حياة إسلامية في مجتمعٍ إسلامي تحكمه العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي، كما تحكمه الشريعة الإسلامية والنظام الإسلامي، ونحن نعلم أن الحياة الإسلامية على هذا النحو قد توقفت منذ فترة طويلة في جميع أنحاء الأرض، وأن وجود الإسلام ذاته من ثمَّ قد توقف كذلك، ونحن نجهر بهذه الحقيقة الأخيرة على الرغم ممَّا قد تحدثه من صدمة وذعر وخيبة أمل للكثيرين ممَّن لا يزالون يحبون أن يكونوا مسلمين…» إلى أن قال: «نرى أنَّ الجهر بهذه الحقيقة المؤلمة -حقيقة أن الحياة الإسلامية قد توقفت منذ فترة طويلة في جميع أنحاء الأرض، وأن وجود الإسلام ذاته من ثمَّ قد توقف كذلك- نرى أن الجهر بهذه الحقيقة ضرورة من ضرورات الدعوة إلى الإسلام، ومحاولة استئناف حياة إسلامية ضرورة لا مفر منها»([9]).

ويقول وهو يبرر لفكرة جاهلية المجتمعات، وضياع الحاكمية من وجهة نظره: «ونحن لا نحدد مدلول الدين ولا مفهوم الإسلام على هذا النحو من عند أنفسنا، ففي مثل هذا الأمر الخطير الذي يترتب عليه تقرير مفهوم لدين الله، كما يترتب عليه الحكم بتوقف وجود الإسلام في الأرض اليوم، وإعادة النظر في دعوى مئات الملايين من الناس أنهم مسلمون»([10]).

ويقول: «وحين نستعرض وجه الأرض كله اليوم على ضوء هذا التقرير الإلهي لمفهوم الدين والإسلام لا نرى لهذا الدين وجودًا، إن هذا الوجود قد توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة من المسلمين عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية في حياة البشر، وذلك يوم أن تخلت عن الحكم بشريعته وحدها في كل شؤون الحياة»([11]).

ويعبر عن نفس الطرح في كتابه (في ظلال القرآن) فيقول: « فأما اليوم فماذا؟ أين هو المجتمع المسلم الذي قرر أن تكون دينونته لله وحده والذي رفض بالفعل الدينونة لأحد من العبيد والذي قرر أن تكون شريعة الله شريعته والذي رفض بالفعل شرعية أي تشريع لا يجيء من هذا المصدر الشرعي الوحيد؛ لا أحد يملك أن يزعم أن هذا المجتمع المسلم قائم موجود! ومن ثم لا يتجه مسلم يعرف الإسلام ويفقه منهجه وتاريخه إلى محاولة تنمية الفقه الإسلامي أو تجديده أو تطويره في ظل مجتمعات لا تعترف ابتداء بأن هذا الفقه هو شريعتها الوحيدة التي بها تعيش»([12]). ويقول أيضًا: «إن هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه ليس هو المجتمع المسلم، ومن ثم لن يطبق فيه النظام الإسلامي ولن تطبق فيه الأحكام الفقهية الخاصة بهذا النظام، لن تطبق لاستحالة هذا التطبيق الناشئة من أن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية لا يمكن أن تتحرك في فراغ؛ لأنها بطبيعتها لم تنشأ في فراغ، ولم تتحرك في فراغ كذلك! إن المجتمع الإسلامي ينشأ بتركيب عضوي آخر غير التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي»([13]).

والناظر في أفكار سيد قطب وكلماته ومصطلحاته يجد أنها تمثل المنهج العملي لكل جماعات وتيارات الإسلام السياسي وجماعات الجهاد المسلح، كلهم يعيش هذه المفاصلة وتكفير الناس والقول بجاهلية المجتمعات المسلمة، وعدم وجود الإسلام اليوم على الأرض إلا في جماعاتهم وتنظيماتهم، حتى إنهم جراء هذه الأفكار والمعتقدات من اعتقاد أن كل جماعة منهم تمثل الإسلام الحق كفر بعضهم البعض وتقاتلوا فيما بينهم بتهمة كفر كلٍّ منهم لاختلافه معه في الرؤى أو المصالح، أو في القيادة لمن تؤول، وهذا واقع نشاهده ونعيشه وتثبته الأيام، فمنذ نشأة هذه الأفكار وانتشارها بين هذه المجموعات الإرهابية بدءً بالإخوان المسلمين وحتى داعش وجميع من انبثق من رحم هذه الأفكار الملوثة، جميعهم في تناحر وتكالب على الدنيا وغنائمها، وبسط نفوذهم ومحاولة دائمة لتولي الحكم، وإنشاء ما يسمونه بالدولة غير القطرية التي تجمع كل من ينتمي إليهم من كل حدب وصوب، وقد غاب عنهم المقصد الأساسي من وجودهم واستخلافهم في هذه الأرض، ولو أن هذه الجهود التي بذلوها كانت في إعمار أوطانهم وإعلاء كلمتها لكنا اليوم نمثل أرقى حضارة في أعين الجميع وأكرم مثال للإسلام والمسلمين، بدلًا من تشويه صورة الإسلام تحت مسمى إعلاء كلمته، والحقيقة أن هؤلاء إنما نكسوا راية الإسلام ودمروا قيمه ومبادئه، وضيعوا أعمارهم في الباطل والتدمير والتفجير والقتال دون فهم أو وعي أو غاية سامية يرجى تحقيقها.

المبحث الثاني: فساد منظومة العقائد وانتشار الفوضى والعنف

لما كانت العقيدة هي الحكم الجازم الذي لا شك فيه لدى معتقِد هذه العقيدة، وهي مجموع ما عقد عليه الإنسان قلبه وعقله من مبادئ وأفكار، يتبين من كل ذلك مدى تأثيرها على الفرد المعتقِد ذاته أو الجماعة التي تؤمن بها، وكلما كانت هذه العقيدة تتعلق بجانب سمي شريف كتعلقها بالدين عند المؤمن بها، فإنها تكتسب قداسة دينية وحماية وسياجًا شرعيًّا لها، تجعل من يؤمن بها يدافع عنها بحياته لاعتقاده أنها الحق الذي يجب أن يتبعه، وأنها مؤيدة من قبل السماء؛ فيهون عليه في سبيل تحقيقها والتمسك بها وحمايتها كل غالٍ ونفيس، حتى نفسه التي بين جنبيه.

ولا شك أن هذه القوة الاعتقادية قوة محمودة خُصوصًا إذا كان المعتقَد أمرًا صحيحًا يرتقي بالمعتقِد ذاته، وتتضمن له النجاح الدنيوي والأخروي، وعليه فإنه كذلك قد تكون هذه العقيدة سببًا في تعاسة من يعتقدها وخسرانه، بل وتؤثر على من حوله بسببها، خصوصًا إذا كانت هذه العقيدة فاسدة بنيت على باطل أو بدعة وليست لها أصل ترجع إليه، أو تكون عقيدة مشوهة ممزوجة بها من الحق والباطل معا؛ فينتج عنها أيضًا فساد في المعتقَد، وتترتب عليها آثار قد تدمر الفرد المعتقِد ذاته ومن حوله، بل حتى مجتمعه ومحيطه الذي نشأ وتربى فيه.

ولقد أدَّى الفساد العقدي عند الجماعات المتطرفة الدموية والتيارات المتشددة إلى تفريغ مضامين هذا الفساد في فتواهم واجتهاداتهم وحكمهم على الناس إيمانًا وكفرًا، وهو الأمر الذي تسبب في إهلاكهم للبلاد والعباد فاشتغلوا بتكفير الناس ومحاربة أهل القبلة فحاربوا أهل الإسلام وتركوا أهل الأوثان، كما هو حال من سبقهم من الخوارج وأصحاب الفكر التكفيري، وقد انبنى على ذلك نشر الفوضى والعنف والقتل والتخريب في جميع أنحاء العالم وخصوصًا في بلداننا العربية والإسلامية، تحت ذرائع متعددة كإقامة التوحيد ونصرته، ففهمت هذه الجماعات أن إقامة التوحيد ونصرة العقيدة في مُسائلة الناس وتكفيرهم ومحاكمتهم، معتقدين في ذلك أنهم أصحاب الحق الأوحد، وأنهم من يمثلون الإسلام ولا أحد غيرهم، ورغم تعدد القضايا التي تسببت في العنف والإرهاب، لكن قضايا التوحيد كانت حاضرة دائما بقوة، بما لها من أهمية وجلال في نفوس المسلمين، وكانت آثارها الدموية حاضرة بنفس الدرجة، ومن أهم تلك القضايا وآثارها ما يلي:

أولًا: آثار التقسيم الثلاثي للتوحيد

إن التقسيم الثلاثي للتوحيد الذي أحدثه الشيخ ابن تيمية رحمه الله له تأثير بالغ، إذ استغلته الجماعات المتطرفة رغم تفرد ابن تيمية به وعدم سبق أحد من العلماء إلى هذا التقسيم على هذا النهج، وجعلت تلك الجماعات من هذا التقسيم منطلقًا لها في فكرها المتطرف وفي تكفير الناس من خلال هذا التقسيم المصطنع.

والحقيقة أن هذا التقسيم من التقسيمات المحدثة المبتدعة في أبواب الإيمان بالله سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته، وهو من الأمور التي لم ترد عن السلف الصالح، ولم يقل بها علماء الأمة الإسلامية ولا أقرها أئمة المذاهب حتى وصل هذا التقسيم إلى العصر الحاضر وتبنَّته هذه الجماعات المتطرفة مدَّعين أنه توحيد السلف الصالح، ونشروه وروجوا له على أنه العقيدة الصحيحة التي لا يتم إيمان ولا إسلام إلا بالقول بها وباعتقادها، فأذاعوا أن التوحيد على ثلاثة أقسام: توحيد ربوبية، وتوحيد ألوهية، وتوحيد أسماء وصفات، وأنه يجوز أن يكون هناك من يؤمن بأحد هذه الأقسام دون الآخر، فيجوز أن يكون المسلم يستوي مع الكافر لأنهما يؤمنان بالربوبية، ويكون هذا قدرًا مشتركًا بينهما، أما المسلم الكامل التوحيد عندهم فيجب أن يؤمن بتوحيد الألوهية والأسماء والصفات
-حسب فهمهم هم- وإلا فإنه يكون غير موحد بالله عز وجل، وبناء على ذلك فقد تولوا كِبَر تكفير المسلمين الموحدين، وتساهلوا                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                         في دمائهم وأعراضهم بسبب هذا التقسيم البدعي الذي جاء عن طريق اجتهاد شخصي، لم يتابع عليه محدِثه من قبل علماء الإسلام، ولم يتم قبوله، وترتب عليه في العصور المتأخرة فساد عظيم في اعتقاد بعض المسلمين.

لقد ساوى هذا التقسيم بين المسلمين والمشركين في اعتقادهم بربوبية الله عز وجل فجعلهم سواء في عقيدتهم، وكأنه لا فرق بين المسلمين والمشركين في العقيدة ما لم يكتمل إيمانهم بهذا التقسيم المخترع والذي يمثل العقيدة الصحيحة حسب اعتقادهم، والحقيقة أن ذلك أمر فاسد بالعقل والنقل.

فمن حيث العقل، فإن التقسيم حتى يكون صحيحًا منطقيًّا يقبله العقل إنما يكون على نوعين: تقسيم الكلي إلى جزئياته، وتقسيم الكل إلى أجزائه.

وفي الأول يكون كل من الجزئيات يجوز له أن يتسمى باسم الكلي؛ لأن الكلي جنس لهذه الجزئيات داخلة تحته وهي أنواع له، ومثاله كتقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، فيجوز أن يطلق على الحرف كلمة وعلى الاسم كلمة وعلى الفعل كلمة لأن الثلاثة أنواع لهذه الكلمة والكلمة هي الجنس الأعم لها.

وأما في الثاني فلا يجوز أن يطلق اسم الكل على أي جزء من أجزائه لأنه يتكون من هذه الأجزاء، مثاله الكرسي الخشبي فإنه مصنوع من الخشب والمسامير والغراء، فهل يصح أن يقال للمسمار كرسي أو للغراء كرسي، قطعا لا يجوز ذلك لأن هذه الأجزاء منفردة لا تصلح لأن تكون كرسي خشبي، فالكرسي كلٌّ يتكون من هذه الأجزاء مجتمعة، ولا يجوز أن يطلق على أي جزء منها سم هذا الكل.

وبالنظر إلى هذين النوعين، فهل لهذا التقسيم الثلاثي أن يندرج تحت نوعٍ منهما، كأن ينطبق اسم التوحيد على كل نوع من أنواع هذا التقسيم، والجواب: فإنه لا يجوز أن يكون هذا التقسيم من النوع الأول أو الثاني إلا إذا اجتمعت له شروط أي منهما، وأما إذا لم تتحقق شروط أي منها في هذا التقسيم فإنه يكون تقسيمًا فاسدًا، وما بني على فاسدٍ فهو فاسدٌ ينتج عنه أحكامًا فاسدةً، وهذا من ناحية بطلان التقسيم وبطلان هذه التسوية عقلًا.

وأما من ناحية النقل فإن آيات القرآن الكريم نزلت في دعوة المشركين إلى توحيد الله رب العالمين بتوضيح ربوبيته سبحانه وتعالى وفي ذلك إنكار على دعوة أن المشركين كانوا مقرين بتوحيد الربوبية لله تعالى، فقد قال الحق سبحانه ﴿كَذَٰلِكَ أَرۡسَلۡنَٰكَ فِيٓ أُمَّةٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهَآ أُمَمٞ لِّتَتۡلُوَاْ عَلَيۡهِمُ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ قُلۡ هُوَ رَبِّي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: 30] وهنا يرشد الله رسوله صلى الله عليه وسلم إلى إعلان إيمانه بربوبيته سبحانه التي لم يؤمن بها له الكافرون، والآيات على ذلك كثيرة في توضيح دعوة الله للمشركين للإيمان والإذعان بربوبيته سبحانه وتعالى، وعليه فإن هذا التقسيم من ناحية النقل أيضًا باطل وما بني عليه فهو باطل.

لقد اعتمدت الجماعات المتطرفة التكفيرية على هذا التقسيم الثلاثي المخترع لتكفير المسلمين الذين يتوسلون بالأنبياء والصالحين، بحجة أنهم إنما يعبدونهم من دون الله سبحانه وتعالى فصاروا كالمشركين الذين لم يكفروا بتوحيد الربوبية من حيث اعترافهم بأن خالقهم هو الله، ولكنهم كفروا بتركهم توحيد الألوهية فصرفوا العبادة لغير الله أو أشركوا معه في عبادتهم غيره، وعليه فقد كفروا عوام الناس وجماهيرهم بتهمة باطلة وتقسيم فاسد إنما وافق هواهم وجنوحهم لتكفير المسلمين وأرضى دوافعهم لاستخدام العنف والدموية لا لتحقيق التوحيد ونصرة دين الله عز وجل، وإلا فإنهم صدوا الناس عن دين الله صدودًا وشوهوا صورة الإسلام والمسلمين وصورة التوحيد في أذهان الناس؛ فارتبط عندهم بالتكفير والقتل وذبح الناس والتسلط عليهم، والتوحيد من هؤلاء براء.

لقد تمزقت الأمة الإسلامية بسبب هذه التقسيمات التي ابتدعتها هذه الطوائف المتطرفة وجعلتها مرجعًا وأصلًا في أبواب العقائد الإسلامية؛ فمن لا يكفر عندهم بسبب توحيد الربوبية فقد يكفر بسبب توحيد الألوهية، ومن لم يكفر بسبب توحيد الألوهية فقد يكفر بسبب توحيد الأسماء والصفات، وكذلك في باقي أنواع التوحيد التي اخترعوها كتوحيد المتابعة، وتوحيد الحَاكميَّة، وباقي المسميات التي لا تنفك جماعة من تلك الجماعات إلا وترددها على أنها دين من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، حتى صار غالب الأمة الإسلامية في منظورهم من أتباع المذاهب المعتبرة مشركين أو فاسقين، غير داخلين تحت راية الإسلام وتوحيد رب العالمين سبحانه فشوهوا صورة المسلمين في شتى أرجاء العالم، وجعلوا من الدين الإسلامي وعقيدته دينًا هشًّا وعقيدة غير راسخة، يضرب بعضه بعضًا، ويكفر أتباعه بعضهم، ولا يمكن التعبير عنه حقيقته العليا وهي التوحيد بصورة جلية واضحة.

كما استغلت هذه الجماعات الدموية التي تسعى لخراب الدول هذه المنظومة الفاسدة في أبواب العقيدة، فصاروا يكفرون على مرادهم وحسب فهمهم هم للعقيدة، فرأيناهم يقتلون ويذبحون الناس ويفجرون المنشآت المدنية والحكومية بدعوى أنهم مشركين غير موحدين، ولو كانوا من أهل القبلة ويشهدون شهادة الإسلام، فعثوا في الأرض فسادًا وقتلًا وتخريبًا، وما كان هذا التقسيم البدعي والإصرار عليه إلا من باب جنوحهم لتكفير الناس واستغلال ذلك لتسهيل قتلهم بموجب كفرهم وفساد عقيدتهم، حتى وإن كانوا من العوام وبسطاء الناس، وما فعلته داعش وأمثالها بالبلاد التي دخلتها ليس ببعيد عنا فقد رأيناهم يقتلون المسلمين ويذبحونهم ويسبون نساءهم ويستحلون أموالهم بدعوى أنهم كفار ومشركون، غير موحدين على وفق عقيدة التوحيد الخالص التي تزعمها تلك الجماعات المتطرفة، والتي تفارق عقيدة الإسلام السمحة التي قامت على العقل والبرهان، والتوصل إلى حقيقة المعرفة بالله، من خلال أدوات العلم والفكر والنظر، وليس من خلال الاجتهادات الشخصية التي خالفت العقل العلمي الجمعي لعلماء المسلمين.

ثانيًا: الآثار المترتبة على النواقض العشرة

إن مما ابتليت به الأمة الإسلامية في العصر الحالي انتشار الفكر التكفيري الدموي الإرهابي في كثير من دولنا العربية والإسلامية؛ وحتى ينتشر هذا الفكر باسم الإسلام فقد صبغته تلك الجماعات بصبغة دينية حتى يكون مقبولًا لديهم ولدى أتباعهم الذين لا يراجعون ولا ينقدون أي فكر يتلقونه عن أشياخهم، حتى وإن أدى بهم ذلك الفكر إلى قتل غيرهم من الناس، وإلى تدمير أوطانهم.

لقد حاربت تلك الجماعات أهل الإسلام وتركوا عُبَّاد الأوثان واشتغلوا بتكفير أهل القبلة، وكان سبيلهم لذلك تلك النواقض التي وضعوها لنقض إسلام المسلمين ونزع الدين عنهم؛ حيث أخرجوا من شاؤوا عن دائرة الإسلام وأدخلوهم دائرة الشرك والكفر بالله؛ فكان ذلك أساسًا لكل خراب وقتل وتكفير وتدمير للمجتماعات الإسلامية، فكفروا أهل الملة في مشارق الأرض ومغاربها إلا من وافقهم واعتقد معتقدهم واعتنق أفكارهم المتشددة الإرهابية الدموية؛ فصار خطرهم يهدد الكيان الإسلامي كله بهذه الأفكار التي جعلتها تلك الجماعات عقيدة لديهم، حتى وإن لم يكن عليها علماء الأمة الإسلامية سلفًا وخلفًا شرقًا وغربًا، اللهم إلا أولئك الأفراد من الجهلة الذين قادهم جهلهم لهذا الاجتهاد الخاطئ المبتدع في أبواب العقائد، وتتمثل هذه النواقض -على حد زعمهم- في عشر نواقض وهي:

الناقض الأول:

الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48].

وقال: ﴿إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ﴾ [المائدة: 72]. ومنه الذبح لغير الله؛ كمن يذبح للجن أو للقبر.

الناقض الثاني:

من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم؛ كفر إجماعًا.

الناقض الثالث:

مَن لم يكفِّر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم كفر.

الناقض الرابع:

من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه؛ كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.

الناقض الخامس:

من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولو عمل به كفر، بدليل قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ [محمد:9].

الناقض السادس:

مَن استهزَأ بشيءٍ من دين الله أو ثوابه أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ٦٥ لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ﴾ [التوبة: 65، 66].

الناقض السابع:

السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡ﴾ [البقرة:102].

الناقض الثامن:

مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 51].

الناقض التاسع:

من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى فهو كافر.

الناقض العاشر:

الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِ‍َٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة: 22]([14]).

إن من يتأمل في هذه النواقض يجد أن الإشكال في أغلبها إنما يرجع إلى استعمالهم للنصوص وإيقاعها على مرادهم، فليس هناك شك في أن من أشرك بالله سبحانه وتعالى بحسب الناقض الأول مثلا فإنه يخرج عن الملة، ولكن عند النظر في تطبيق هذه الجماعات الإرهابية نجد أنهم يرمون بالشرك والكفر من ليسوا بمشركين أو كافرين، ويخرجون الناس من الدين بالأفعال المحتملة والتأويلات الفاسدة، ومثلا في الناقض الثالث فعلى حد فهمهم وزعمهم تكفير المسلمين بسبب تقسيمهم البدعي في التوحيد، فإن من لم يكفر هؤلاء المسلمين فهو أيضًا كافر مثلهم؛ لأنه رضي بعقيدتهم الفاسدة، وهذا هو الإرهاب الفكري بحد عينه، بحيث إن لم توافقهم فأنت من أهل الكفر، وتكون خارجًا عن دائرة الإسلام.

فتجد أن هذه النواقض وضعت لكي لا يسلم منها من شاؤوا له هم الكفر والخروج من الدين، ليسهل قتله واستباحة ماله وعرضه، وهكذا الحال في باقي هذه النواقض بحيث يدخلون في الناقض ما ليس منه، وهذا بسبب الجهل بقواعد العلماء وعدم فهمهم للنصوص والمقاصد الشرعية الربانية.

إن هذه النواقض من المفترض أنها وضعت حتى يعلم ما يتم به نقض إسلام المسلم، وليس المقصود بها الكافرين، إذ ليسوا مسلمين حتى يتم نقض إسلامهم، ولكن الحاصل هنا أن هذه الجماعات المتطرفة إنما عمدت إلى آيات نزلت في الكافرين وجعلوها في المسلمين، وهذه سمة من سمات الخوارج قديمًا؛ فقد أخرج البخاري تعليقًا عن ابن عمر أنه قال واصفًا الخوارج: «إنهم انطلقوا إلى آياتٍ نزلت في الكفَّار، فجعلوها على المؤمنين»([15]).

بالنظر إلى الناقد الأول وهو الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له…، ومنه الذبح لغير الله؛ كمن يذبح للجن أو للقبر.

فلا شك أن المسلم إذا أشرك بالله عز وجل فإن ذلك يخرجه عن دائرة الإسلام، ولكن الحكم على أحدٍ بالشرك والخروج من الإسلام لا يكون بهذه البساطة فلا بدَّ من إعمال خطوات معينة حتى يصح إطلاق الشرك على أحدٍ من المسلمين من عدم ذلك.

فالذي يصدر منه أفعال تدل ظاهرها على الكفر؛ كالذبح والسجود لغير الله سبحانه وتعالى فلا بدَّ وأن يرجع في هذه الأفعال إلى من صدرت عنه ويُسأل عما يعتقده في قلبه، فالناس مأمونة على عقائدها وما في قلبها، فإن كان قد سجد لشخص أو ذبح له على سبيل العبادة، فقد كفر بالله بلا شكٍ، ولكن يجب الاستقصاء أولًا قبل إطلاق الأحكام على الغير بغير توثقٍ.

وفي ذلك يقول ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى: «وما كان كفرًا من الأعمال الظاهرة؛ كالسجود للأوثان وسبِّ الرسول ونحو ذلك فإنما ذلك لكونه مُستلزمًا لكفر الباطن، وإلا فلو قُدر أنه سجد قُدَّام وثنٍ ولم يقصِد بقلبه السجودَ له، بل قصَد السجود لله بقلبه لم يكن ذلك كفرًا، وقد يُباح ذلك إذا كان بين مشركين يخافهم على نفسه فيوافقهم في الفعل الظاهر ويقصد بقلبه السجود لله»([16]).

وذلك لأن الفعل نفسه لا يؤخذ منه الحكم على فاعله بمجرد النظر، فقد وقع السجود من الملائكة لآدم عليه السلام وقد سجد إخوة يوسف عليه السلام لأخيهم يوسف، فلو أن مجرد الفعل مخرج عن الملة لكانت هذه الأفعال كفرًا، فما كان كفرًا في زمن فإنه لا يتغير أو يتبدل أو يُنسخ في زمن آخر، فإن العقائد لا يلحقها النسخ كما هو الحال في الشرائع.

فإن صورة الأفعال التي ظاهرها الكفر لا بدَّ وأن يفتش فيها عن نيتها وباعثها؛ كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّما الأعمال بالنِّيات))([17]).

ومن الأمثلة التي وردت في السنة المطهرة لأقوال ظاهرها الكفر بالله سبحانه وتعالى ولكن أصحابها لم يحكم عليهم بالكفر؛ لعدم قصد الكفر بها واعتقاده: منها ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوبُ إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاةٍ، فانفلتَت منه وعليها طعامه وشرابه، فأَيس منها فأتى شجرة، فاضطجَّع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح))([18]). فانظر كيف أن ظاهر قول الرجل كفرًا، فقد قال ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك)) فلو حكمنا بظاهر النص، فإن هذا الرجل كافرًا لادِّعائه الربوبية، ولكن الحاصل أنه أخطأ من شدة فرحه فحاسبه الله عز وجل على نيته، لا ظاهر فعله وقوله.

ومن ذلك أيضًا ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كان رجل يسرف على نفسه فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر له»([19]).

فقول الرجل: ((لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا)) يحمل ظاهره الكفر لأنه شك في قدرة الله سبحانه وتعالى ولكن لم يُحكم عليه بالكفر؛ لأن حامله على هذا اللفظ ليس تشكيكه في قدرة الله عز وجل بل الخوف منه سبحانه ومن عذابه وخشيته منه.

ويقول الإمام النووي رحمه الله : «وقالت طائفة اللفظ على ظاهره، ولكن قاله هذا الرجل، وهو غير ضابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها؛ بل قاله في حالة غلَب عليه فيها الدهش والخوف وشدَّة الجزع بحيث ذهب تيقُّظه وتدبُّر ما يقوله، فصار في معنى الغافل والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها»([20]).

وذُكر أنَّ امرأة في زمن (محمد بن الحسن) قيل لها: «إن الله يعذب اليهود والنصارى يوم القيامة، قالت: «لا يفعل الله بهم ذلك فإنهم عباده». فسئل محمد بن الحسن عن ذلك فقال: «ما كفرت فإنها جاهلة، فعلَّموها حتى علمت»([21]).

فدلَّ كل ذلك على أن مما ينبغي علينا علمه أنه لا يصح تكفير أحدٍ بمجرد القول أو الفعل الظاهر، فلا بدَّ وأن يتم التأكد من بواعث هذا الفعل والقول حتى يَتبينَ حال من صدر عنه هذه الأفعال، فإن كان مُعتقدًا مُريدًا لما يقوله ويفعله، حكم القضاء عليه بالردة عن الإسلام، ولا يجوز بغير ذلك رمي أحدٍ من الناس بالكفر أبدًا وإلا فقد يكفر من ليس بكافر.

فإن من الخطورة أن يكفر أحد جزافًا دون استيثاق واستفصال عن حاله وقصده، ولأجل ذلك فإن أمر التكفير إنما يختص بالقضاء في الإسلام، لا بغيره من أفراد الناس حتى لو كانوا من العلماء، فالحكم على أحد بالكفر عمل قضائي لا ينبغي أبدًا أن يصدر من آحاد الناس وإلا كانت فتنة عظيمة كما نرى من اتباع هذه الجماعات المتشددة والإرهابية من الحكم على كل من خالفهم وخالف نهجهم ظاهريًّا بالكفر والخروج عن الدين.

كذلك فإن ممن يشملهم هذا الناقض وتطبيقاته، تكفير عوام المسلمين ممن يذبحون الأضاحي عند مقامات الصالحين وأضرحتهم، باعتبار أنهم إنما يذبحونها لغير الله.

ومثل هذه الصور لا يصح الحكم على فاعلها إلا بعد التوثق من هذا الفعل وقصد صاحبه به، والعجيب أنه إذا ما دققنا سنجد أن من يذبح عند هذه الأضرحة إنما يذكر اسم الله عليها أولًا، وإذا سُئل عن قصده من هذا الذبح فسوف ينكر تمامًا أنه بهذا الفعل يقصد عبادة هذا الولي الذي ذبح عنده، أو أنه يقصد الذبح له لذاته قربانًا مثلًا، وإنما يكون قاصدًا إطعام الفقراء والمساكين عند هذا الولي ووهب ثواب ذلك لهذا الولي محبة فيه؛ لأنه ولي من أولياء الله عز وجل أي أن الفعل إنما هو لله وفي الله، وهو المقصود من وراء ذلك، والمسؤول في هبة الثواب وإيصاله لهذا العبد الصالح.

كما لا يجوز الاعتقاد بأن الذابح قبل أن يذبح يقول: «هذه للولي الفلاني أو غير ذلك مما يقال في هذه المواقف» أن هذا الكلام المراد منه عبادة هذا الولي، فإن ذلك من قبيل المجاز اللغوي، وقد ورد ذلك في السنة المطهرة؛ فعن سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه قال: ((يا رسول الله، إن أم سعد ماتت، فأي الصدقة أفضل؟ قال: الماء، قال: فحفر بئرًا، وقال: هذه لأم سعد))([22]). ومن المؤكد أن سيدنا سعد رضي الله عنه لم يقصد أبدًا العبادة أو التعظيم لأمه ولا يتصور ذلك من كلامه، بل كان قصده أن ثواب سقي الماء إنما يصل لأم سعد.

وكذلك فإن من يقول هذه الذبيحة للشيخ الدسوقي أو الرفاعي أو الشاذلي، فإن هذه الكلام هنا محتمل، فقد يقصد به العبادة والتعظيم وهو غير حاصل من أحد، أو أن الثواب إنما يصل ويهدى لهذا الولي الصالح محبة له لصلاحه وحاله مع الله، فهذه الاحتمالية تمنع من تكفير القائل لهذا الكلام، ولا يتم القطع بالمعنى المراد إلا بعد الرجوع لقائله نفسه وسؤاله، فكيف ولو أن الفاعل يسمي اسم الله على الذبيحة ويطعم بها الفقراء والمساكين، وينكر أن يكون فعله هذا على سبيل التعظيم أو العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، فحري بمن يشكك في عقيدة الناس أن يتحرى قبل ذلك، فإن كل ذلك خطره عظيم ووباله على الناس جسيم.

فانظر كيف أن هذه الجماعات تعمد وتتسرع إلى تكفير الناس وإخراجهم عن دائرة الإسلام بغير علم ولا وعي أو استيثاق.

وبالنظر إلى الناقض الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم؛ كفر إجماعًا.

تجد أنه قد خرج بهذا الناقض من يتوسل بالصالحين، والحقيقة أن العبد إذا جعل بينه وبين الله وسائل كالتوسل بالأنبياء أو الصالحين من الأولياء أو أحد من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستشفع بهم عند الله لقضاء حاجته عنده بجاههم عنده فلا شيء في ذلك؛ لأن السائل إنما يعتقد النفع والضر من الله سبحانه وتعالى لا ممن يتوسل بهم، كما أنهم لا يتوسل بهم على أنهم أربابًا من دون الله بل يتوجه ويدعو الله سبحانه وتعالى بهم، فالسؤال في هذه الحالة متوجه على الحقيقة إلى الله لا إلى الوسيلة التي يتوسل بها العبد.

وقد كفر المتطرفون عوام المسلمين بموجب هذا الناقض الذي سلموا بصحته على النهج الذي وافق فهمهم وتكييفهم للأمر، ونذكر هنا بعض الأدلة الموجزة على جواز التوسل من الكتاب ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن القرآن الكريم: قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35]. وقول الله عز وجل: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا﴾ [الإسراء: 57].

ومن السنة المطهرة: عن عثمان بن حنيف أن رجلًا ضريرًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا نبي الله، ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئتَ أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك، وإن شئتَ دعوت لك، قال: لا، بل ادع الله لي، فأمره أن يتوضأ وأن يصلي ركعتين وأن يدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة،
يا محمَّد إني أتوجه بك إلى ربِّي في حاجتي هذه فتُقضَى وتُشفِّعني فيه وتشفِّعه فيَّ
، قال: فكان يقول هذا مرارًا، ثم قال بعد: أحسب أنَّ فيها: أن تشفِّعني فيه، قال: ففعل الرجل فبرأ))([23]). فانظر كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم علم السائل التوجه والتوسل به صلى الله عليه وسلم إلى الله سبحانه وتعالى في حاجته أن يقضيها الله له بجاه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عنده، وكأن هؤلاء يستدركون على النبي هذا الأمر ويرون أنهم يفهمون أفضل منه -والعياذ بالله- الإسلام والتوحيد، فكيف يعلم النبي أحدًا من أمته كفرًا -حاشاه صلى الله عليه وسلم-، فهؤلاء في صدام مع أنفسهم ومع الدين ومع فهمهم للدين ومع الناس، فمنهجهم هو الصدام، والابتعاد عن هداية الله ونور شريعته.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم عند دفن فاطمة بنت أسد رضي الله عنها: ((الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين))([24]).

فانظر كيف أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد توسل بحقه وحق النبيين من قبله، فكيف يكون ذلك توسلًا يخرج عن الإسلام، أم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليعلمنا عقيدة غير صحيحة -حاشاه والعياذ بالله- ولا يصح أن يرد هنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم له ذلك لا لباقي الأمة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو المشرع قوله الحق لا ينطق عن الهوى أبدًا، ولا يضل أمته أبدًا صلى الله عليه وسلم، وهذه أدلة غاية في الظهور لا تحتاج إلى تأويل، ولا يغيب عنها عقل العقلاء.

وانظر إلى الناقض الثالث الذي يقول: من لم يكفِّر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحَّح مذهبهم؛ كفر.

فبالنظر فيه تعرف أن القصد منه هو إغراق الناس بالكفر طوعًا وإلزامًا، فلا مناص من الكفر بموجب هذا الناقض، فمن لم يكفر الكافر والمشرك -الذي يرونه هم مشركين وكافرين حسب رؤيتهم وتوجههم- فهو كافر مثلهم، وذلك هو عين الإرهاب الفكري فإنك إن لم تكن كما نعتقد فأنت واقع في الكفر مستباح الدم مهدور الحقوق، وذلك هو منهجهم الذي لا يخفى على ذوي البصائر.

وذلك الكلام مذكور في كتب أهل العلم، ولكن الفارق بين كلام أهل العلم وهؤلاء المتطرفين أن العلماء حددوا ودققوا ولم يعمموا بل وضعوا ضوابط وشروط معينة لخطورة مسألة التكفير والخوض فيه بغير علم، أما هذه الجماعات فكلامهم مرسل وعام، بحيث لا يعرف من هم المعنيون بهذا التكفير من الناس وإسقاط ذلك الناقض عليهم، غير أن العلماء وضحوا أن ذلك يجري على من قطع بأمر كفره بلا احتمال أو شك، وهؤلاء يرمون المسلمين بالكفر والشرك والبدعة ليل نهار، وفي ذلك يقول القاضي عياض رحمه الله في كتابه (الشفا): «وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب… ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم أو شكَّ أو صحَّح مذهبهم»([25]).

ولذلك فإن المسألة مختصة بكفر من لم يكفر المقطوع بكفرهم، والعلة في ذلك أن من لم يكفرهم سيكون بذلك مكذبًا للآيات التي نصت على كفرهم أي كذب وأنكر معلومًا من الدين بالضرورة.

أما الذين يصدر منهم أفعال محتملة للكفر وغير ذلك، ولم يقطع بما إذا كان اعتقاده موافقًا لظاهر فعله أم لا، فلا يصح أن يكفر من لم يكفره لورود الشبهة واحتمال حمل الظاهر على معنى حسن، حتى يتبين لنا حاله ونستوثق من أمره.

وعليه فإن الناقض يحتاج إلى توضيح، ولا يأخذ على عمومه كما هو عندهم، وخاصة في تلك المسائل التي تختص جوانب الكفر والحكم على أحد به فإن الخوض فيه مهلكة، ويكفي في تبيين ذلك ما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيما رجل قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما))([26]).

وَيعدُّ من أبرز آثار استخدام هذا الناقض هو تكفير كل من لم يكفر حكام المسلمين؛ لأنهم في نظر هؤلاء كفار يحكمون بالطاغوت أهل جاهلية؛ وعليه فإن من يعمل عند هذه الحكومات فهو مرتد؛ لأنه رضي بكفر هؤلاء إذن فهو كافر مثلهم.

ونجد في الناقض الرابع من نواقضهم: أن من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه؛ كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.

ومن الآثار المترتبة على هذا الناقض تكفير علماء المسلمين وأوليائهم الذين أتوا بأوراد وأحزاب وصيغ في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم غير التي وردت في السنة المطهرة، وأنهم بذلك جاؤوا بهدي غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أو رضوا بهدي غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وكأن لزامًا على المسلمين ألا يدعو الله عز وجل إلا بما جاء وورد فقط، وبالطبع فهذا فهم مقطوع، وعليه فإن هؤلاء كافرين، كمن كفر بارتضائه حكم الطواغيت من حكام المسلمين.

ويرد عليهم بأن القَاعدةَ الأصوليَّة تقول: إن المطلق يجري على إطلاقه حتى يرد دليل التقييد عليه، والعام يجري على عمومه حتى يرد دليل التخصيص عليه.

ومن يتأمل الآيات التي وردت في الحث على ذكر الله سبحانه وتعالى كثيرًا، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يجد أن الآيات جاءت مطلقة دون تقييد.

يقول الله سبحانه وتعالى:

(فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ) [البقرة: 152] ويقول سبحانه: (فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡ) [النساء: 103]، وقال عز وجل: (وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ) [الأنفال: 45] ويقول سبحانه وتعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا) [الأحزاب: 41] ويقول أيضًا جل جلاله: (إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا) [الأحزاب: 56].

فدلت الآيات على إطلاق الذكر والصلاة ولم تحددهم بصيغ معينة أو عدد معين، ومن هنا جاز الذكر بكل وارد في الكتاب والسنة أو ما يتضمنهما، ولو لم يرد به نص ما دام ذلك من جنس الذكر المأمور به وينطوي تحت القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ومما يدل على ذلك، ما روي عن رفاعة بن رافع الزرقي، قال: ((كنا يومًا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربَّنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبا مباركًا فيه، فلما انصرف، قال: من المتكلم، قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول))([27]).

والصحابي هنا قد زاد في الذكر بذكر لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان ما صدر عنه خطأ لاستوقفه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي لا يسكت عن خطأ أبدًا؛ كما فعل مع أبي بكرة عندما جاء إلى الصلاة ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكع، فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته، قال: ((أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟ فقال أبو بكرة: أنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: زادك الله حرصًا ولا تعد))([28]).

ولا يصح أن يرد بأن هذه الزيادة قد جازت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقرها؛ فالملائكة قد ابتدروها قبل أن يكون هناك إقرار من النبي صلى الله عليه وسلم، فالمسألة من حيث الأصل والمبدأ جائزة لا امتناع فيها، وإلا لم يكن ليتجرأ عليها أحد الصحابة، مما يعني أن الصحابة -رضوان الله عليهم- فهمت من النصوص الشرعية الواردة أن مطلق الذكر جائز مهما كانت تعددت صيغته أو كثر عدده.

وبالنظر مثلًا إلى الناقض الخامس من هذه النواقض يجد أنهم عمدوا لآية نزلت في حق الكافرين وجعلوها في حق المسلمين، في قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ [محمد: 9]، فإن هذه الآية نزلت في الكافرين واصفة لأحوالهم بدليل الآية التي قبلها، يقول الحق سبحانه: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ [محمد: 8]، فالآيات إنما نزلت في الكافرين واصفة لهم، فكيف تحمل على الموحدين بالله عز وجل بل ويكفَّرون بها من قِبل هذه الجماعات.

وكذلك في باقي هذه النواقض تلاحظ الفرق بين النص وفهمهم لهذا النص وإيقاعه على مرادهم دون فهم المراد أو وضعه مع سابقه ولاحقه وسياقه وقول أهل العلم فيه، مما انبنى عليه فساد الفكر والمعتقد وفساد الأحكام المبنية عليه من تكفير وقتل وخراب للمجتمعات الإسلامية وانتشار الفوضى والعنف والإرهاب باسم الدين وهو براء من كل ذلك.

 

المبحث الثالث: فوضى الفتاوى واهتزاز الثقة في المؤسسات الدينية

تشكل المؤسسات الدينية الرسمية صمام الأمان الديني للمجتمعات الإسلامية، بما تحققه من خطاب ديني معتدل فيما تصدره من فتاوى، وسيرها على المنهج الوسطي والمرجعية العلمية الرصينة التي تراعي مصالح الناس الشرعية والدنيوية، وتمثل هذه المؤسسات الملجأ العلمي والحمى الديني للمسلمين، بل ولغير المسلمين لما تقوم به من نشر القيم المجتمعية القائمة على احترام الآخرين وإرساء روح المحبة والإخاء بين الناس أجمعين، والحفاظ على أمن وسلامة المجتمع بمختلف أطيافه، بل وَتُعدُّ ركيزة أساسية لحفظ نظام الأمن العالمي، لما تمثله كمَرجعيَّة دينيَّة منضبطة لجموع المسلمين في كل أنحاء العالم، بعيدًا عن الأفكار المنحرفة والمنغلقة والهدامة، وعلى رأس هذه المؤسسات الدينية يأتي الأزهر الشريف المعمور بمكانته واحتوائه للمسلمين كمرجعية إسلامية سُنيَّة تتضمن المذاهب الإِسلاميَّة التي عليها العمل وتلقتها الأمة بالقبول، وكذلك دار الإفتاء المصرية العريقة بدورها الريادي فيما يخص فتاوى المسلمين وأحوالهم ومستجداتهم ووقائعهم، وكذلك كافة المجامع الفقهية والمؤسسات الإفتائية في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

وانطلاقًا من هذه المكانة العلمية والعالمية، تتصدَّر تلك المؤسسات المشهد الديني وتمثل المرجعية الإسلامية لجميع المسلمين شرقًا وغربًا، مما حافظ على التراث الإسلامي بمنهجيته التي صار عليها علماء الإسلام طيلة القرون، بمرجعية أهل السنة والجماعة في الأصول والفروع، فتلقى المسلمون عنهم علومهم وفتاواهم صحيحة منضبطة بمنأى عن أيدي التحريف والتشويه والتخريب، من كل عَابثٍ أو مُضلٍّ أو مدفوعٍ من تلقاء نفسه وهواه، أو من تلقاء غيره.

ولذا لا تنفك جماعات الإرهاب والعنف وتيارات التشدد عن مهاجمة تلك المؤسسات الدينية العريقة، لعلمها أن تلك المؤسسات هي التي تقدر على كشف زيغهم وافتراءاتهم وشبهاتهم والردِّ على أفكارهم المغلوطة، فكانت مهاجمتها محاولة منها لنزع تلك المكانة عنها وهز ثقة الناس بها، بغية أن تحتل تلك المكانة بدلًا عن تلك المؤسسات، فتصدروا للناس بغير تأهل علمي أو منهجية معرفية منضبطة، في محاولة منهم ليكونوا أصحاب المرجعية الدينية الوحيدة والرأي الأخير عند عموم الناس فيما يثار ويستجد دينيًّا وحياتيًّا في واقع المسلمين، ضاربين بمناهج علماء المسلمين ومذاهبهم عرض الحائط، فأوقعوا الناس فيما يُسمَّى بفوضى الفتاوى الدينية، وتصدر غير المؤهلين عِلميًّا للحكم في قضايا الناس، فكان ضررهم أكبر من نفعهم وفتنتهم أعظم خطرًا من خيرهم، ولقد حذرت الشريعة الإسلامية من التصدُّر بغير علمٍ وتمكنٍ، إذ يقول الحقُّ سبحانه وتعالى : ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡ‍ُٔولٗا﴾ [الإسراء: 36] وأصبحوا كالرويبضة يخوضون في أمور الناس، كما أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه في أمر العامة))([29]). فانظر كيف يتكلم هؤلاء في شأن الدين والفتوى وهو أمر عظيم؛ فيلبسون على الناس ويفتعلون الفتن، ويفتون ويتكلمون في أمر العامة بغير علم ولا تأهيل ولا دراسة حقيقية منضبطة، فصدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغ وأرشد، ومن آثار ذلك التصدر بغير علم، وتلك التشكيكات ما يأتي:

أولًا: توقيت صلاة الفجر

لقد حاولت تلك الجماعات المتطرفة افتعال الكثير من الفتاوى الهدَّامة لإثارة الرأي العام، وإضعاف صورة المؤسسات الدينية في أعين الناس وفقد الثقة فيها، فتراهم يتعمدون الأخذ بالرأي المخالف لما تقوله المؤسسات الدينية ونشر هذا الرأي بين الناس، ولا تكتفي بذلك بل تخطأ تلك المؤسسات، وتتبنى فكر الرأي الأوحد بأن ما تقوله هو الحق والدين، فخلطوا على الناس الكثير من القضايا الحياتية والأمور الخلافية، والحقيقة أنهم يفعلون ذلك انتصارًا لأنفسهم وتمهيدًا لأرضيتهم بين الناس، لا لإحقاق الحق ونصرة العلم والدين، والأمثلة على ذلك عديدة.

منها ما تشيعه جماعة الإخوان المسلمين والتيارات السلفية كل فترة قديمًا وحديثًا من التشكيك في موعد صلاة الفجر، زعما منهم أن الأذان الذي يؤذن لصلاة الفجر يتم قبل موعده بحوالي (20) دقيقة، الأمر الذي يثير الفتنة والضجة بين الناس، ويترتب عليه تشويه صورة الإسلام في الخارج، وتشكك المسلمين أنفسهم في صلاتهم؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بعلم دخول الوقت يقينًا، وينبني على ذلك جدل واسع لما تمثله صلاة الفجر للمسلمين من أهمية كبيرة للاعتماد على الأذان لعلمهم بدخول وقت الفجر الصادق فيمسك المسلمون عن الطعام والشراب في صيام شهر رمضان المبارك، رغم اعتماد دار الإفتاء المصرية
والهيئة المصرية العامة للمساحة على أهل التخصص من الفلكيين والشرعيين، والاستعانة بوسائل العلم الحديث، بما لا يدع مجالًا للشك بأن مواقيت الصلاة المعمول بها في مصر صحيحة قطعًا شرعيًّا وفلكيًّا.

وقد قامت (دَارُ الإفتاءِ المصريَّة) بدورها المنوط بالردِّ على هذه المزاعم والفتاوى التي غرضها التشكيك والتشغيب على المسلمين، وإيقاعهم في الحيرة، ونشر الفتنة بينهم وبين المؤسسات الدينية، فأوضحت الدار قديمًا بفتوى فضيلة الشيخ (جاد الحق علي جاد الحق) رحمه الله، والتي قال فيها: «إزاء كثرة الاستفسارات عن هذا تليفونيًّا وكتابيًّا، فقد عرض المفتي أمر الحساب الفلكي لمواقيت الصلاة الذي تصدره هيئة المساحة المصرية في تقويمها الرسمي على لجنة من الأساتذة المتخصصين في علوم الفلك والإرصاد والحسابات المصرية، لإبداء الرأي العلمي لمقارنة المواقيت الشرعية على المواقيتِ الحسابيَّةِ الجارية، وشارك في الفحص السيد/ رئيس مجلس إدارة بنك دبي الإسلامي، وقد كان واحدًا من أولئك الذين أرسلوا لدار الإفتاء تقريرًا عن عدم صحة الحسابات المعمول بها في مصر لأوقات الصلاة خاصة صلاتي العشاء والفجر. وقد تقدمت هذه اللجنة بتقريرها الذي انتهت فيه (بعد البحث) إلى أن (الأسلوب المتبع في حساب مواقيت الصلاة في جمهورية مصر العربية يتفق من الناحية الشرعية والفلكية مع رأي قدامى علماء الفلك المسلمين… وبعد فإن على هؤلاء الذين يقولون بغير علم، أن يتقوا الله، حتى لا يضلوا الناس في دينهم ولقد حذر الله سبحانه هؤلاء القائلين في دينه بغير علم فقال ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ١٦٨ إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 168، 169]».

وأوضحت الدار حديثًا بفتوى فضيلة الشيخ (شوقي علَّام) والتي قال فيها: «التوقيت الحالي وهو توقيت الهيئة المصرية العامة للمساحة صحيح قطعًا ويجب الأخذ به؛ لأنه ثابت بإقرار المتخصِّصين، وهو ما استقرَّت عليه اللِّجان العلمية من الشرعيين والفلكيِّين وعلماء الجيوديسيا، وطريقة حسابه هي ما جرى عليها العمل في الديار المصرية منذ القرون الإسلامية الأولى إلى يومنا هذا، وهي المتفقة مع ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وأخذه الصحابة -رضي الله عنهم- عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وطبقوه قولًا وعملًا وأخذه عنهم السلف الصالح قاطبة، والقول بغير ذلك شذوذٌ محضٌ خارجٌ عن إجماع الأمة العملي المتوارث جيلًا عن جيل، واتفاق علمائها وفقهائها وموقتيها؛ فلا يجوز الأخذ به ولا التعويل عليه»([30]).

ثانيًا: ختان الإناث

وكذلك فإن من جملة فتاويهم التي تبرز جهلهم بفقه الواقع ومقاصد الشرع الشريف، ومجرد الخلاف للخلاف لا للعلم المبني على الإدراك للمسائل بكافة جوانبها، هجومهم وتشنيعهم على دار الإفتاء المصرية عقب فتوى تحريم الختان للإناث، برغم أن الدار بينت في فتواها بمنتهى الوضوح الأسباب التي حولت الحكم إلى التحريم، وأوضحت الدار أن علماء المذاهب لم يفت أحد منهم بتحريم الختان، ومن الأسباب التي بنت عليها الدار تحريمها أن هذه الجراحة لم تكن تُدرَّس في كليات الطب، وأن من يجريها يكون في العادة غير مؤهل ويعتمد فقط على الخبرة وقد يجور في الإزالة حتى يصل إلى الإزالة الكلية لبظر المرأة، وهو الأمر المجمع على حرمته، وأن الفروق في درجات الجراحة هذا أمر عسر للغاية، والأصل فيها يكون المنع؛ لما يحدث من جور يعقب آثارًا نفسية وجسدية مريرة للمرأة تصل أحيانًا إلى حدِّ التشويه، وتصل في بعض الأحيان -لا قدر الله- إلى الوفاة بسبب هذا التعدي الجائر ونزيف المرأة حتى الموت، مما يجعل الختان في عصرنا هذا حرامًا لغيره، والأصل في مثل هذه الجراحات هو الرجوع لأهل الذكر المتخصصين من أهل الطب، وذلك عملًا بقول الحقِّ سبحانه وتعالى: ﴿فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ٤٣﴾ [النحل: 43]، وقد شهد الأطباء بضرره النفسي والجسدي الجسيم، كما يحرم على الطبيب الإقدام على ممارسته أو الإعانة عليه إلَّا في حالات الضرورة المرضِيَّة التي حدَّدها القانون([31])، وعليه فإن الضرر يزال، وهي قاعدة شَرعيَّة مرعية.

إلا أن التيارات المتشددة والمتطرفة تصرُّ على إجراء هذه العملية للمرأة، بل وتراها واجبة في حقها، سيرًا وتماشيًا مع العَادات البالية المتشددة التي تمارسها شعوب المجتمعات البدائية في حق الإناث، حتى إن قادة جماعة الإخوان الإرهابية ذهبوا إلى أن عدم ختان الأنثى يؤدي إلى إشعال الغريزة الجنسية عندها، الأمر الذي قد يؤدي بها إلى فعل ما لا يجوز شرعًا، ولذا فختان الإناث واجب في حقهن وقاية وحماية من الوقوع في الزلل وما ينتهك عرضها وعفتها.

وكل ذلك مردود عليه وخطَّأه الأطباء، ولم يوجبه الشرع كما سنبين، فقد أوضحت الدار نقاطًا هامة اعتمدت عليها في فتواها، منها:

أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يختن بناته ولا ورد عنه ذلك، بل جاء أنه صلى الله عليه وسلم أمر بالختان لسيدنا الحسن وسيدنا الحسين -رضي الله عنهما- ولو كان الختان أمرًا تعبديًّا للمرأة -كما يقولون- لحرص النبي صلى الله عليه وسلم على فعله في حق بناته، وهو الأمر الذي لم يرد.

وكذلك فإن الأحاديث الواردة في حقِّ الختان أحاديث ضعيفة لا تصلح للاحتجاج بها، فقد جاء عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم عطية: ((إذا خفضت فأشمي ولا تنهكي، فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج))([32])، وعن أم عطية الأنصارية، أن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة، وأحب إلى البعل))([33])، فإن هذا الفعل وإن لم تأتِ النصوص النبوية على نهيه نهيًّا مباشرًا؛ لِمَا كان عليه الحال من الأعراف المستقرة الجارية، إلا إنَّ تقييد النصوص جاء بالحدِّ الذي يتضمن النهي عنه.

وفي ضوء هذا البيان فيمكن القول: إنَّ المجرى الذي اختاره التشريع الإسلامي في النهي عن ختان الإناث بتقييده إلى الحدِّ الذي يوصِّل إلى تركه، دون صراحة النهي عنه مباشرةً، مراعاة واحترامًا منه للأعراف المجتمعية السائدة والعادات المستقرة في تلك البيئة، هو نفسه المسلك الذي أعمله في تحريم الرق والعبودية بتجفيف منابعه، والترغيب في العتق لكل عبدٍ رقيقٍ تابع.

وعلى هذا الفهم والنهج جاءت نصوص الفقهاء والعلماء: فنصُّوا على أنَّ ما ورد في الختان من رواياتٍ لا يصحُّ الاستدلال بها على صحة مشروعيته.

قال الإمام الشوكاني في عرضه ومناقشته لأحاديث ختان الإناث في (نيل الأوطار): «ومع كون الحديث لا يصلح للاحتجاج به، فهو لا حجة فيه على المطلوب»([34]).

وقال العلامة شمس الحق العظيم آبادي في (عون المعبود): «وحديث ختان المرأة روي من أوجه كثيرة وكلها ضعيفة معلولة مخدوشة، لا يصح الاحتجاج بها كما عرفت. وقال ابن المنذر: «ليس في الختان خبر يرجع إليه ولا سنة تتبع». وقال ابن عبد البر في (التمهيد): «والذي أجمع عليه المسلمون أن الختان للرجال. انتهى والله أعلم»([35]).

إن غاية الأمر في ختان الإناث أنه من العادات التي انتشرت في بعض المجتمعات دون بعض؛ ظنًّا منهم أنَّ فيه صيانة للمرأة ونفعًا لها؛ حتى إن كثيرًا من البلدان الإسلامية لا تعرف الختان ولا تفعله؛ كبلاد الخليج العربي، والشمال الأفريقي، وكثير من أهل مصر، ومن هنا نجد الفقهاء حين ذكروه فرَّقوا بين نساء المشرق والمغرب، فدلَّ هذا على أنَّ المسألةَ مرتبطةٌ بجانب الوجود (أي: الحقائق الطبيَّة، والرصد والتتبع).

قال العلامة بدر الدين العيني الحنفي في (البناية شرح الهداية): «وفي (الدراية): ذكر الختانين بناءً على عادة العرب؛ فإنهم يختنون النساء»([36]).

وقال العلامة أبو الحسن العدوي في (حاشيته على كفاية الطالب): «وهو في نساء المشرق، لا نساء المغرب»([37]).

وقد نصَّ المحققون من فقهاء المذهب على أنه لو طرأ عرف جديد في زمان دون زمان، فللمفتي أن يفتي بما يناسب زمانه، ولو خالف المنصوص في كتب مذهبه.

قال العلامة القرافي المالكي في (الفروق): «فإن الأحكام المرتبة على العوائد: تَتبَعُ العوائد، وتتغير عند تغيرها»([38]).

وقال في (الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام): «إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد: خلاف الإجماع، وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يَتبَعُ العوائد: يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إِلى ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس هذا تجديدًا للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد؛ بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد»([39]).

ومن ذلك يعلم: أن ختان الإناث لا موجب له من الشرع، وأن ما ورد فيه من أحاديث إنما دلت على تقييده بغية الوصول إلى منعه، وبيان عظيم شره، والتحذير من انتهاك جسد المرأة بهذه العادة في سياق يؤكد عدم جواز الادعاء بأن فعلها عبادة([40]).

وبالجملة فإن فتاوى هذه الجماعات في أغلبها تفتقد للمَنهجيَّةِ العِلميَّة التي حرموا أنفسهم منها، بعدم أخذهم العلم عن أهل التخصص من المؤسسات الدينية الموثوقة والرسميَّة التي تستقي العلم من معينه الصافي، ومنابعه التي أجمع عليها علماء الأمة وسار عليها أهل العلم سَلفًا وخَلفًا؛ فخرجت أقوالهم وفتاويهم شاذة عن منهج أهل العلم والرشد، بل وبذلوا جهدهم لمهاجمة أهل التخصص والمؤسسات الدينية العريقة لنشر الفوضى وهز ثقة الناس بها، ولكنهم لا يلبثون يفعلون ذلك حتى يتكشَّف جهلهم وعوار منهجهم وإفلاسهم العلمي، بل وحقدهم الذي يدفعهم لفعل كل ذلك، والعجيب أنهم لا يحسنون حتى تصور المسائل بشكل صحيح كما هي على صورتها، ولا يدركون فقه الواقع ومتغيراته، ثم يسارعون في تخطئة أهل العلم والمؤسسات الدينية الكبرى.

 

المبحث الرابع: زعزعة الأمن الدولي والعمل على تقسيم البلاد

لقد شكلت الفتاوى الدينية المتطرفة التي صدرتها الجماعات الإرهابية دورًا هامًّا في زعزعة الأمن الدولي العالمي واستقراره، والعمل على تقسيم البلاد التي تنشط بها هذه الجماعات، ولم تسلم بالطبع الدول الإسلامية من هذه الفتاوى الهدامة، من قبل هذه الجماعات الإجرامية والتنظيمات المسلحة التي تنسب نفسها زورًا وبهتانًا للإسلام، وتدعي الجهاد تحت رايته لإعلاء كلمته، والحقيقة أنهم شوهوا صورة الإسلام في كل مكان وطئته أقدامهم، وقاموا بالعمل على فرض نفوذهم وبسط سيطرتهم بالقوة والسلاح على كثير من المناطق التي أقاموا بها دعوتهم ونشروا نفوذهم، مما عمل على تقسيم هذه الدول إلى دويلات وميليشيات متعددة وتفريقها وإضعافها أمنيًّا من الداخل والخارج، وهو ما فعله تنظيم داعش في سوريا والعراق، مع محاولتهم إنشاء (الدولة الإسلامية في العراق وسوريا)، وهو ما فعله تنظيم القاعدة في أفغانستان وباقي دول العالم، وحاول فعله تنظيم الإخوان المسلمين في مصر بدء من تمهيدهم لذلك فكريًّا من خلال تكفير المجتمع ووصمه بالجاهلية، وانتهاءً بوصولهم لحكم مصر بعد عام 2011م مدة من الزمن، أو ما يعرف بالربيع العربي التي شهدت تحولا ضخما في مسار هذه الجماعات وذروة نشاطها، وقد انصبَّ جل اهتمامهم إلى توطيد حكمهم وتوغلهم في البلاد ومؤسساتها وبرلماناتها الشعبية للسطو على غالبية أصوات الشعب ونفوذ كلمتهم، ومن صور هذه الشعارات الزائفة أن جماعة الإخوان المسلمين كانوا يتهمون الدولة المصرية بأن تعاملاتها الاقتصادية ربوية، فلما استلموا سلطة البلاد واحتاجوا إلى الاقتراض لجؤوا إلى صندوق النقد الدولي وأباحوا التعامل مع البنوك عملًا بمبدأ المصلحة، وأصبحت فائدة القرض التي كانت -على حد تعبيرهم- معاملة ربوية ليست بربوية الآن عندما احتاجوا لذلك، وعدوها مصاريف لخدمة الاقتراض من الصندوق، والكثير من هذه الأمثلة التي تدلك على كذب هذه الجماعات وخداعها، وأن مقصدهم الأول والوحيد هو الوصول لأطماعهم وأهدافهم المؤدلجة وتحقيق أجنداتهم مهما كان الثمن، حتى ولو كان أمن واستقرار المجتمعات وسلامتها، من خلال العديد من الممارسات، ومنها ما يلي:

أولًا: نشر الجهاد المسلح وتصدير الإرهاب باسم الدين

لقد عملت تيارات الإسلام السياسي على نشر الجهاد المسلح في كل مكان ظنًّا منهم أن الدولة المسلمة يجب أن تظل في جهاد دائم، يقول أحد زعماء تنظيم القاعدة والذي يعد مفتي التنظيم -وأحد أكبر منظري تيار الجهاد المسلح-، عمر بن محمود المكنى بـ«أبو قتادة الفلسطيني»: «ونقطة البداية في صناعة الإنسان المسلم والمجتمع الإسلامي أن يقال لمن أراد هذا: هلم إلى الجنة التي طريقها الصعاب، وهلم إلى إرضاء الله الذي لا يأتي إلا بالبلاء والصبر والثبات؛ لأن هذا الخطاب هو خطاب الصدق والإيمان، وهو الذي يحقق التمكين المحبوب لرب العالمين، وهو الذي يقيم دولة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الذي يحقق عالمية الخطاب بضرب كل الطواغيت الذين أفسدوا الحرث والنسل»([41]).

ولا يخفى على أحد مما هو مشاهد في الواقع وشاهد به التاريخ، حصر هذه الجماعات للجهاد ومفهومه في أعمال العنف والقتال والتخريب وما يخدم ذلك، ويخدم كذلك مصالحهم ويحقق أغراضهم وبسط نفوذهم؛ بحيث إذا سمع أحد لفظة الجهاد تبادر إلى ذهن السامع أعمال الحرق والتخريب والتفجير والسطو في شتى البقاع التي نالتها أيادي هذه الجماعات، فقد سطت جماعات الإرهاب على مفهوم الجهاد في الإسلام واختطفته؛ بحيث جعلته مساويًا للقتال فقط، رغم أن القتال شعبة من شعب الجهاد، فالجهاد مصطلح ومفهوم عام يدخل تحته أنواع منها: جهاد النفس، وجهاد المال، وجهاد العدو الباغي، وكل أنواع الجهد المبذول لنصرة الحق، وتحمل المشاق في سبيل بلاغ الدعوة الإسلامية، كالجهاد العلمي بعمل العقل بالرأي والتدبير والتدوين، وعمل القلب بالنية والعزم، وعمل اللسان بالدعوة والبيان، فكل ذلك يدخل تحت مفهوم ومدلول الجهاد في الإسلام، لا كما اختزلته هذه التيارات والجماعات الإرهابية في مفهوم واحد وبَنَت عليه جل اجتهاداتها الزائفة.

ومن تطبيقات هذا المفهوم المنحرف عندهم: مقاتلة الدول الإسلامية والاستعانة على مقاتلتها بشتى الوسائل، حتى وإن كانت هذه البلاد في أصلها منشأهم وموطنهم الذي تربوا وعاشوا فيه، فما دامت المصالح والرؤى والمكاسب تعارض أغراض الجماعات ومصالحها؛ فلا قيمة للوطن وأهله وأرضه، وذلك هو ما حدث عقب سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر وأعلنوا عن مسؤوليتهم فيما يحدث في سيناء من أعمال إرهابية ومتطرفة ضد الجيش المصري.

وقد شهدت الأيام التي أعقبت سقوطهم سلسلة من الهجمات الإرهابية استهدف مقرات أمنية وكمائن للشرطة، في مدينة العريش والشيخ زويد، مما أنتج الكثير من ضحايا هذه العمليات الخسيسة والدموية، فليس لديهم أدنى إشكال إذا تعارضت المصالح واختلفت أن ينقلبوا على كل ما كانوا يدافعون عنه يومًا.

ثانيًا: إشعال الفتن الطائفية

إن إشعال الفتن الطائفية في كل بلد حسب تكوينه، يعد من أخطر الأسلحة التي تستغلها الجماعات الإرهابية لعمل أزمة وإشعال نار الفتنة في البلد التي يريدون وقوع أهلها ونظامها في أزمات داخلية بين جموع الشعب الواحد، وصراعات خارجية بسبب الضغوط الدولية، بدعوى إما حماية الأقليات، وإما حماية حقوق الإنسان، تحت وطئة التصورات المشوهة، واستغلال ذلك بطرق متعددة، ولذلك عملت جماعات الإسلام السياسي والتيارات المتشددة في مصر على إشعال نار الفتنة بين جموع الشعب المصري مسلمين ومسيحيين، مستغلين في ذلك تكون نسيج الشعب المصري من الديانتين، والصور على ذلك كثيرة منها: منذ فض اعتصامي (رابعة العدوية) و(النهضة) المسلحين الذي اعتصمت بهما جماعة الإخوان المسلمين وكافة التيارات الإسلامية المتشددة، حيث وقع تحريض وتخطيط من قبل جماعة الإخوان الإرهابية، التي كانت تحاول دائمًا استدعاء ومخاطبة المجتمع الدولي وتدخله لإرجاعهم إلى السلطة.

فخرجت التصريحات ضد الشعب المصري بأكمله وخاصة الأقباط، حينما أطلق أحد قيادات الإخوان تكليفاته بحرق الكنائس في مصر، وردد قائلًا: «منبقاش رجالة لو مولعناش في كنايس إمبابة» في لقاء مسجل له، وبالفعل فقد بدأت عناصر جماعة الإخوان على مستوى جمهورية مصر العربية في تنفيذ هذه التكليفات بالحرق والتفجير والتدمير، وقد سجلت الإحصائيات الرسمية (90) واقعة من الاعتداء على الكنائس، والمنشآت القبطية التي دمرتها جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية والتى كانت تسعى لإشعال الفتنة الطائفية، وقد جرى كل ذلك بالتنسيق مع شتى قوى الجماعات الإسلامية، حتى إن بيوت المسيحيين في صعيد مصر لم تأمن من هذه الجرائم بل حتى المسيحيين أنفسهم تعرضوا للاستهداف والقتل.

وقد كان صعيد مصر أكثر المناطق التي تعرضت لعمليات الإرهابيين على دور العبادة لدى الأقباط وقد كانت محافظة (المنيا) بصعيد مصر صاحبة النصيب الأكبر من تلك الهجمات التي استهدفت الأقباط، فقد سجلت حرق كنيسة مار جرجس، ودير العذراء الأثرية، ومقر إقامة للأسقف، ومبنى خدمات، ونهب وسرقة ما يزيد عن (20) منزلا، ومقتل قبطى، وتدمير منزل القس (إنجيلوس) كاهن كنيسة العذراء والأنبا (إبرام)، وحرق كنيسة الإصلاح بقرية دلجا بدير مواس، كما أحرقت أيضا جماعة الإخوان الإرهابية في محافظة المنيا كنيسة الأمير تادرس، والكنيسة الإنجيلية، وكنيسة الأنبا موسى الأسود، وكنيسة مار يوحنا، ومدرسة ودير راهبات القديس يوسف، وكنيسة خلاص النفوس، ونفذت الجماعة هُجومًا على كنيسة مار مينا بمنطقة أبو هلال، حرقوا خلاله وجهة المدخل ومبنى الخدمات وواجهة ومركز طبي تابع لها، فضلا على الاعتداء كنيسة العذراء وإنزال الصلبان من عليها.

كما أشعلوا النيران أيضًا في جمعية الجزويت وألفرير التابعة للكنيسة الكاثوليكية، وحرقوا ملجأ أطفال جنود المسيح، ومدرسة الأقباط الثانوية بنين، والكنيسة المعمدانية بمركز بني مزار، ونهبوا عدة محال وصيدليات وبعض السيارات التي يملكها الأقباط، كما هاجموا مركبة نيلية تتبع الكنيسة الإنجيلية، وأشعلوا النيران في نادى الشبان المسيحيين.

أما في محافظة أسيوط فقد ارتكبت العناصر الإرهابية جرائم حرق كنيسة مار يوحنا المعمدان، والكنيسة الرسولية، وكنيسة الإدفنست، وهيكل كنيسة سانت تريز، وكنيسة مار جرجس للأقباط الأرثوذكس، والاعتداء على كنيسة الملاك، وحصار مطرانية الأقباط الأرثوذكس بمركز أبو تيج، ونهب منازل وممتلكات الأقباط في شوارع قلته والجمهورية.

وفي محافظة الفيوم فقد أقدمت العناصر الإرهابية على حرق كنيسة العذراء بالمنزلة بمركز يوسف الصديق، وكنيسة الشهيدة دميانة، وحرق كنيسة الأمير تادرس، واقتحام ونهب محتويات الكنيسة الإنجيلية، وحرق جمعية أصدقاء الكتاب المقدس.

وفى محافظة الجيزة فقد سجل أرشيف النيابة العامة، حرق كنيسة الملاك ميخائيل بكرداسة، واقتحام ونهب محتويات مطرانية أطفيح ودير كرم الرسل، ومحاصرة كنيسة الشهيدين بصول، ومحاصرة كنيسة العذراء بمركز الصف، كذلك فقد شهدت محافظة السويس حرق الكنيسة اليونانية القديمة، واقتحام وحرق مدرسة وكنيسة الراعي الصالح، وحرق مدرسة الفرنسيسكان.

وفي محافظة سيناء فقد أحرق الإرهابيون كنيسة مار جرجس بشارع 23 يوليو بالعريش.

كما حرقت عناصر الإخوان في محافظة سوهاج كنيسة مار جرجس مقر مطرانية سوهاج ومبنى الخدمات التابع لها. وقد سجلت محافظة الأقصر حرق عدد من المحال التجارية وممتلكات الأقباط بشارع معبد الكرنك، ومنها محلات سانت كلوز، ومحلات أرخصهم للجلود، وفندق حورس، وصيدلية موريس، وحصار مطرانية الأقصر، أما محافظة بني سويف فقد شهدت حرق مدرسة الراهبات الكاثوليك واحتلالها، ورشق كنيسة مار جرجس الواسطي بالحجارة.

وقد فرضت العناصر المسلحة الحصار على أكثر من (20) كنيسة وقت هذه الأزمة، غير أنهم قد فشلوا في اقتحام مبانيها بفضل التدخل الأمني، ومنها: مار مرقص للأقباط الكاثوليك بالمنيا، وكنيسة الآباء اليسوعيين بالمنيا، وكنيسة السيدة العذراء شارع الجزارين المنيا، وكنيسة السيدة العذراء بمحافظة قنا، ومطرانية أطفيح بحلوان، ومدرسة القديس يوسف بالمنيا، ومدرسة الآباء اليسوعيين بالمنيا، وكنيسة مار جرجس بمنطقة بباكوس بالإسكندرية، وكنيسة الأنبا ماكسيموس بشارع 45 بالإسكندرية، ومطرانية ملوي، ومطرانية الأقباط الأرثوذكس بدير مواس، ومطرانية مار يوحنا المعمدان بالقوصية محافظة أسيوط، ووكنيسة العذراء بـ 6 أكتوبر، ودير الكرمة بأطفيح، وكنيسة مار جرجس الوسطى ببني سويف.

لقد كانت تهدف هذه الجماعات إسقاط الدولة المصرية وإشعال نيران الفتنة الطائفية فيها واستدعاء المجتمع الدولي للتدخل وإنقاذ المسيحيين باعتبارهم أقلية دينية في مصر مضطهدة، ولولا وعي الشعب المصري لما يحاك به ووقوفهم جميعًا على قلب رجلٍ واحدٍ ضد هذه الفتن، وغلق أبواب التدخلات الخارجية؛ لتحولت مصر لساحة معارك وحروب أهلية وتدخلات غربية لها أجنداتها الخاصة، فالحمد لله على فضله وكرمه، وحفظ الله بلادنا ووقاها من شر هذه الفتن، فهكذا هم الإخوان المسلمون الإرهابيون، وجميع الجماعات التي تحمل نهجهم من تيارات الإسلام السياسي المسلح.

ثالثًا: الاستعانة بقوى أجنبية في الشؤون الداخلية

إن إحدى أعظم المعضلات والمشكلات التي سقطت فيها تيارات الإسلام السياسي هي محاولتهم إقحام المسائل الدينية في الألاعيب السياسية، بطريقة تدخلها في تناقضات مفضوحة. وبما أن هذا التيار يرتكز في شرعيته السياسية على الدين مرجعية له، فإن مثل هذه التناقضات تؤثر سلبًا على الدين في جوهره عند هذه الجماعات ومن يتلقى عنهم، فالدين في جوهره يتجاوز الصراعات السياسية المرتبطة بالمصالح الدنيوية المتغيرة باستمرار ويتسامى فوق ذلك كله، ومن ضمن هذه المعضلات التي ظلت تيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، وعملت على صبغها بصبغة الدين هي قضية الاستعانة بالآخر في حسم الصراعات السياسية التي تحدث بين المسلمين داخل الدولة الواحدة أو بين أكثر من دولة إسلامية.

وبالرغم من اتهام هذه الجماعات بالكفر لكل من يدعو للاستعانة بغير المسلمين على المسلمين، إلا أن المصلحة دعتهم إلى ذلك.

وفي ظل هذا التناقض يأتي موقف القرضاوي الذي يعتبر من أبرز الشخصيات داخل الجماعة ونخباتهم كما يعتبر المفتي المتحدث باسمهم في أغلب القضايا التي أثيرت عقب يناير 2011م، وتوليهم حكم مصر إلى انتهاء حكمهم وهروب قياداتهم خارج البلاد، فخرج القرضاوي بأكثر من موقف عجيب متناقض مع المبادئ الدينية التي تدعي جماعة الإخوان قيام جماعتها عليها.

فقد دعى في أكثر من مرة إلى تدخل أجنبي في شؤون داخلية داخل بلدان الوطن العربي الإسلامي، ولم يكتف بذلك فقد دعى بجلب المجاهدين والإرهابيين إلى مصر من كل مكان، وأطلق دعوته لهم بالحضور إلى مصر لكي يكونوا شهداء فيها في مواجهة الجيش المصري، جيش وطنه وبلده الذي عاش فيه وتربى في أحضانه، وليس ذلك بمستغرب فمعلوم ما هو غرضهم ومسعاهم.

المبحث الخامس: المشاركة في هدم بنيان الأسرة واستقرارها وترابطها

تعدُّ الأسرة هي اللبنة الأولى لبناء مجتمع مستقر، فهي تمثل الحاضنة لأفراد المجتمع تنشئة ورعاية وتربية وسلوكًا وفكرًا ووجدانًا، فإن كانت هذه اللبنة مشتتة ومفككة ومنهارةً، فلا بدَّ وأن تنتج مجتمعًا مفككًا ومنهارًا، يسهل اختراقه أمام كل مفسد ومستغل، ولذا فالأسرة تعد ملجأ وأمانًا وحصنًا ضد الأفكار الفاسدة والهدامة، فإن كانت الأسرة سوية متماسكة أخرجت نشأ سويًّا بعيدًا عن التطرف الديني أو الانحلال الأخلاقي، فتعمل على اعتدال الميزان الاجتماعي، ولهذه الأهمية فقد اهتم الإسلام بالأسرة وبنائها بناءً قويما متينًا، فراعى لكلٍّ حقه حتى يقوم بدوره على أتم وجه، فجعل الزواج قائما على قيم راقية كالمودة والرحمة والسكينة وحسن التفهم للآخر، فقال الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]، وشبه الله عز وجل عقد الزواج بالميثاق الغليظ فقال: ﴿وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا٢١﴾ [النساء: 21] فدلل بذلك على عظم شأن الزواج، وإقامة البيت والأسرة التي ينبني عليها المجتمع، كذلك فقد أمر الله وحث الأبناء على احترام وطاعة الآباء في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿۞وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا٢٣ وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا٢٤﴾ [الإسراء: 23، 24]، فانظر كيف أن الله عز وجل قرن طاعته بالإحسان للوالدين لما لهما من المكانة العالية، وأمر سبحانه بخفض الجناح لهما رأفة ورحمة بهما، كما أنهم كفلوا أبناءهم صغارًا وحرصوا على نشأتهم نشأة سوية معتدلة رحيمةً.

ولقد دلَّت النصوص على أهمية الأسرة في الإسلام، وما لها من شأن عظيم ومكانة هامة، وعلى أهمية بناء الأسرة بناءً سويًّا قائمًا على الاحترام والرحمة والمودة والترابط والسكون وجميع الخصال الحسنة، إلا أن الجماعات الإرهابية
-التي تنسب نفسها زورًا وبهتانًا للإسلام- لم يراعوا لهذه المعاني مكانة، فجعلوا من الزواج وإقامة الأسرة وسائل تخدمهم وتخدم مصالحهم الشخصية والجماعية، بل وحتى تخدم أهوائهم وأمراضهم النفسية من حب الشهوة، وفرض السيطرة والاستغلال غير المشروع لضعاف النفوس، ومن أوجه ذلك ما يأتي:

أولًا: تحليل زواج القاصرات

من الفتاوى التي تروجها الجماعات الإرهابية وساهمت بشكل كبير في هدم بنيان الأسرة، قولهم بحلِّ زواج القاصرات، رغم أن دار الإفتاء المصرية أوضحت عدم شرعية الفتوى وقول أهل العلم فيها، وبنت فتواها على أقوال أئمة من فقهاء التابعين المعتبرين الذين قالوا بأنه لا يحق للولي تزويج الصغيرة حتى تبلغ، وأن ذلك هو الأنسب لعصرنا وواقعنا اليوم، وأن السبب من وراء هذا الهجوم على تحريم الزواج بالقاصرات يرجع لاتباع الهوى والرغبة، وتفريغ الغرائز والشهوات، وحصر تلك الجماعات والتنظيمات للزواج في إطار العلاقات الجنسية فقط.

والعجيب أن (90%) من فتاوى هذه التنظيمات تبيح زواج الأطفال، كما أوضحت المؤشرات لدار الإفتاء المصرية من أنه تم رصد (2500) فتوى لجميع التيارات الدينية عند تحليلها، توصلت المؤشرات إلى أن فتاوى (زواج القاصرات) اشتملت على (13%) من جملة الفتاوى على مستوى العالم، لافتة إلى أن هذه القضية تمثِّل هاجسًا لدى هذه التنظيمات الإرهابية التي تعتمد على الفتاوى بنسبة (25%) لإباحة زواج القاصرات؛ استجابة لرغباتهم المكبوتة وشهواتهم الدنيئة([42]).

وأوضحت (دار الإفتاء المصرية): «بأن القول بمنع هذا النوع من الزواج هو المعتمد في عصرنا ومصرنا شرعًا وقانونًا؛ وذلك استنادًا إلى أقوال بعض أهل العلم من التابعين؛ كالأئمة ابن شبرمة والإمام الأصم والإمام عثمان البتي([43])، ومن المقرر شرعًا أنه يجوز الأخذ بأي قول معتبر من أقوال أهل العلم بما يحقق المصلحة ووفقًا للاختيار الفقهي المنضبط، خاصة أنه قد ثبت ضرره بصورة يقينية، حيث يتضمن هذا النمط من الزواج أمورًا خطيرة ترجع على مبدأ اعتبار الكفاءة بالبطلان؛ حيث امتهان الكرامة وضياع الحقوق، بالإضافة إلى ما يحصل في بعض صورِه من سوء المعاملة والمعاشرة، مع ما يستتبع ذلك من المضار النفسية والاجتماعية، وما يجره من تهديد الأمن الاجتماعي، وما يفرزه ذلك من أطفال الشوارع ومجهولي النسب في بعض الحالات الذين يمثلون بعد ذلك قنابلَ موقوتة تهدد الأمن والسلام الاجتماعيين… والمعتمد في الفتوى بشأن هذا النمط من عقود الزواج هو البطلان أخذًا بقول ابن شبرمة والأصم؛ لعدم توافر الشروط والأركان الحقيقية للزواج، وتضمنه آثارًا خطيرة تهدد استقرار الأسرة والمجتمع، فضلًا عن ضرره الطبي، ولا يَزُجُّ بابنته في مثل هذه المسالك إلا ساقطُ العدالة، فهو زواج من غير ولي معتد به شرعًا، وينبغي أن يعاقَب فيه فاعله وكلُّ من سهله أو سعى في إتمامه على هذا النحو الذي لا يستند إلى عقل رشيد»([44]).

ثانيًا: اعتبار التعدد أصلًا في الزواج

لقد جاءت الشريعة الإسلامية بالحد من تعدد الزواج لا بإطلاقه بعد أن كان من الشائع في الجاهلية تزوج الرجل دون حد، أو تقيد بعدد معين، فله أن يتزوج بمن يشاء، وكذلك فقد كان شائعًا بين الفرس واليهود، وما زال اليهود يبيحونه إلى وقتنا هذا، وقد كان هذا التعدد غير محدود بعدد معين وكان الظلم فيه شائعًا، والناظر في الشرع يجد أن الإسلام إنما جاء ليعالج هذه المسألة ويضعها في إطارها الصحيح حتى يستقيم المجتمع والنظام الأسري في المجتمعات الإسلامية ويتم إخراج أجيال سوية معتدلة تنشأ على الاهتمام والترابط، فشرع الله عز وجل للمسلمين الزواج من أربعة نساء فقط بعد أن كان العدد دون قيد، للحد من هذه الظاهرة التي جعلت الزواج محصورًا في فكرة العلاقات الجنسية فقط.

وقد أباحت الشريعة الزواج بأكثر من واحدة خلافًا للأصل عند الحاجة إلى ذلك، لما في ذلك من المنافع أحيانًا، فالتعدد ليس مقصودًا لذاته كم فهم البعض، فمسألة تعدد الزوجات ينبغي وأن تفهم في سياق النص القرآني الشريف، قال الحقُّ سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ﴾ [النساء: 3]، فأظهرت الآية أن الإباحة وجدت ولكن بشروط، كوجود مبرر قوي وحاجة تدعو إلى التعدد، فالزواج إنما جاء لعلاج مشكلة اجتماعية حسب كل زمان ومكان، ولذلك وجب أن يكون التعدد تحت وطأة سبب قوي معتبر مع تحقيق العدل من جانب الزوج، فالزوج مسؤول أمام الله عز وجل في عدم التزامه بالعدل المأمور به، وكذلك في الميل القلبي فلا يجوز أن يقصر في حقوقه وواجباته.

ولذا نصَّ جمهور العلماء على استحباب الاقتصار على زوجة واحدة عند خوف الجور في الزيادة عملًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً﴾ [النساء: 3] وخصوصًا مع الزوجة التي أنجب منها الرجل ذريته، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع السيدة خديجة رضي الله عنها فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج عليها طوال حياتها وهي أم أبنائه صلى الله عليه وسلم، وزوجته التي تحملت معه أعباء الرسالة والبيت، وإقامة شؤون الحياة والأسرة، فكانت نعم الزوجة ونعم المعين -رضوان الله عليها-.

إلا أن هذه الجماعات المتطرفة والتيارات المتشددة نظرت للزواج على أن الأصل فيه هو التعدد، بل وإن جاز التعبير فإنهم نظروا إليه على أن الأصل فيه هو ما يشبه الإحلال والتجديد، الأمر الذي وصل إلى حد زواج الرجل منهم بأكثر من عشرين امرأة، بل وفي بعض الأحيان يزيد العدد على ذلك، فيتزوج بأربعة ويطلق إحداهن ويتزوج بأخرى، وكذلك يظل يكرر الأمر حتى لا يكاد أن يعرف الرجل منهم عدد أبنائه وبناته وأسمائهم، ولا يهتم بطبيعة الحال بأحوالهم جميعًا عطفًا وإنفاقًا وتعليمًا وإرشادًا ومصاحبةً، فالأمر مقتصر عنده على مجرد فكرة الزواج وأنه أمر شرعي يستطيع من خلاله إنفاذ رغباته وتطلعاته الشهوانية، فتحول الزواج عند هؤلاء إلى وسيلة لإشباع الرغبات وإقامة العلاقات الجنسية، لا لبناء الأسرة وإقامة الحياة والاهتمام بشؤون البيت ومن تلزمهم رعايته -سعيًّا لإخراج نشأ معتدل مستقر وقوي- فخرجوا بذلك عن المقصد الشرعي من الزواج إلى مقاصدهم في تنفيس رغباتهم وإقامة العلاقات الجنسية بشكل مباح، مما شارك في هدم بنيان الأسرة وعدم استقرارها وترابطها، إذ كيف يحدث هذا والزواج في نظر هؤلاء على هذه الحالة المزرية من انعدام القيم العاطفية، وعدم تحمل المسؤوليات.

ثالثًا: العنف الأسري

يعد العنف الأسري من العنف الممنوع شرعًا في الإسلام ولم يرد عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ضرب أحدًا من زوجاته -رضي الله عنهن- أبدًا أو بناته -رضي الله عنهن-، بل صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ضرب النساء عامة فقال: ((لا تضربوا إماء الله))([45])، وبالجملة فممارسة العنف ضد الزوجة أو الأبناء لا علاقة له بالإسلام، بل إن المصادر التشريعية الإسلامية تحثُّ على المودة والرحمة في كل ما يخص الحياة الزوجية ولا تدعو بأي حالٍ إلى ضرب النساء أو ظلمهن، بل يُعدُّ ذلك من نواقص الرجولة وخوارم المروءة والشهامة.

وبالرغم من ذلك تصرُّ تلك التيارات المتشددة والجماعات المتطرفة على ضرب المرأة وإهانتها بسبب وبغير سبب، بل يعدون ذلك من كمال الرجولة وفرض السيطرة والهيمنة، حتى تجد الرجل منهم مُهابًا في بيته خوفًا وقهرًا ليس إلا، وذلك من المشاهد في واقع هؤلاء أو من ينتهج نفس نهجهم، والحقيقة أن ذلك من من أفعال الذكورة الخالية عن مفاهيم الرجولة والقوامة، والتي بلا شكٍّ كان أكمل من يمثلها هو سيد الخلق وسيد الرجال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يعدُّ أحدٌ أكمل رجولة منه ولا أكمل رجاحةً وعقلًا وسلوكًا منه صلى الله عليه وسلم، ولو أن هذه الجماعات كانت ترى في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة كما قال الله لَمَا فهموا هذا الفهم، ولا انتهجوا ذلك النهج، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 21].

– وتستدل تلك الجماعات على ضرب المرأة بقول الله  عز وجل: ﴿وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا٣٤﴾ [النساء: 24] والناظر إلى الآية الكريمة يجد أن الله سبحانه بدأ بقوله ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ أي: بالقول الحسن والموعظة الحسنة، ثم قال ﴿وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ﴾ أي: حولوا عنهن وجوهكم في الفراش، أو يهجرها بلسانه، ويغلظ لها بالقول، ولا يدع جماعها، ثم قال الله سبحانه ﴿وَٱضۡرِبُوهُنَّ﴾ أي: ضربًا غير مبرح ولا شائن([46])، فانظر كيف بدأ الله سبحانه أولًا بالقول الحسن والنصيحة، ثم بالهجر من غير أذى ولا إهانة، ثم في النهاية بالضرب الذي بينه العلماء بأنه غير مبرح فيكون بالسواك ونحوه، وهو على سبيل التخيير لا الفرض فلم يأمر الله سبحانه وتعالى بالضرب وإنما جعله خيارًا متاحًا وحلًّا أخيرًا وفق ضوابط معينة، فيعدُّ الضرب في الإسلام -بشروطه- وسيلة لتقويم السلوك يُلجأ إليه عند انعدام الوسائل والضرورة، ولا يتم الذهاب إليه ابتداءً، وهذا هو نهج الإسلام في ضرب التأديب والتقويم، لا ضرب التعذيب والتشويه والانتقام والإهانة، ولا يكون أبدًا على جهة الإلزام بل يكون خيارًا متاحًا في ظروف معينة محددة، بل إن الناظر في فقه النبي صلى الله عليه وسلم الحياتي يجده أنه لم يفعل ذلك الفعل مع زوجاته ولو مرة واحدة، حتى لا يكون الأمر شرعنة للأذى والتعذيب وظلم الآخر، ولقد حذرت الشريعة الغراء من العنف بكلِّ صوره وأنماطه، وحضت على المعاملة بالرفق في معالجة جميع مناحي الحياة، ولقد دعا سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفق في الأمور كلها فقال:((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه))([47])، فانظر كيف أن الشريعة قوضت وقيدت الأمر إلى الحدِّ الذي يصل به إلى منعه وعدم اللجوء إليه، لما فيه من الضرر الجسدي والنفسي وهو ما ينعكس على الأسرة جميعها بالسلب والهدم والعيش في مخافةٍ وَظُلمٍ وَقَهرٍ.

– رابعًا: تجنيد الأطفال والنساء واستغلالهم

لقد استغلت جماعة داعش الإرهابية الأطفال وجندتهم في القتال تجنيدًا قسريًّا لا اختيار فيه، كما استغلوا النساء واتخذوهم ستارًا إعلاميًّا لاستعطاف الرأي العام.

كما استغلت هذه الجماعات الخارجة النساء أسوأ استغلال حتى إنهم استخدموا النساء في حمل السلاح والقتال، وقاموا بتوظيف النساء لخدمة التنظيم إما باستغلالهم جنسيًّا تحت مسمى مِلك اليمين أو التسري، أو في رعاية وإدارة شؤون التنظيمات الحياتية الداخلية من خدمة وغيره، مستخدمة في ذلك شتى الوسائل فتارة يستقطبوهن بالمال وتارة بالقهر والخطف وتهديد السلاح تحت مسمى الجهاد وإقامة الخلافة، بل إن هذه الجماعات الإرهابية قد اتخذت من هذه النساء ملكات يمين وغنائم حرب بدعوى أنهم مجاهدون، فشرعنوا البغاء باسم الدين -والدين بريء منهم ومن أفعالهم- وقاموا باختطاف النساء المسيحيات واليزيديات تحت مسمى السبي والاسترقاق والتسري غير مبالين لأي عهود أو مواثيق، وكل ذلك إنما هو تقنين للاغتصاب وحرابة وفساد في الأرض بغير حق، ونقض لذمة الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك من عظائم الآثام وكبائر الذنوب وقد نهت الشريعة الغراء عن كل ذلك نهيًا أكيدًا، ولا علاقة للإسلام بهذه الأفعال الإِجراميَّة ولا تعبر عنه، فقد انتهت عصور العبودية وملك اليمين والاسترقاق، فقد قضى عليها الإسلام ولم يعد لها وجود.

لقد هدمت تلك الممارسات من قبل جماعات التشدد والإرهاب مفاهيم الزواج والأسرة، بل عملت على فرقة نسيج المجتمع وتقنين البغاء وشرعنة الاستغلال باسم الدين -وهو منهم براء- ويعد اتخاذ ذلك النموذج كنموذج يعبر عن الإسلام والدين فهمًا خاطئًا بكل المقاييس، فقد جاء الإسلام لتحرير الناس وإعزازهم ورفعتهم وتخليصهم بنور الإيمان من ظلمة الشهوات والشبهات، ومن التسلط على رقاب الناس وقهرهم، فعادت تلك الجماعات لتنقض ما جاء به الإسلام لإقامة مصالحهم الدنيوية الدنيئة ورغباتهم المكبوتة؛ فضلوا وأضلوا الناس، وهدموا الأسر والبيوت، وأشاعوا الفوضى والقهر والدماء.

 

 

المبحث السادس: تدمير القيم الوطنية وتعميق الهوة بين الحكام والشعوب

تستمد أي جماعة من البشر قيمها الوطنية بالنظر إلى الدولة التي تعيش فها وتقديرها عندهم، وبالنظر إلى مفهوم الدولة عند تيارات وجماعات الإسلام السياسي، نجد أنهم قد شوهوا مفهوم الدولة وجعلوا من قيمة الانتماء إليها قيمة فاسدة غير شرعية، وأرادوا أن ينعزلوا عن العالم بمفاهيمهم لكيان الدولة وتحديد هويتها وقيمها، مما أدى في نهاية الأمر إلى تدمير القيم الوطنية التي نشأنا عليها -كمفهوم سيادة الدولة واحترامها، والمواطنة والمشاركة، والولاء للوطن- وتأجيج الخلافات، والعمل على اتساع الهوة بين الحكام والشعوب.

لقد تغاضت الجماعات والتيارات الإسلامية عن حقيقة أن الحياة الإنسانية قد تطورت لدرجة أنه لا يمكن لأي دولة، مهما كانت قوية أن تعيش في عزلة عن العالم وإلا ستفنى، وقد أصبح هذا أمرًا طبيعيًّا.

إلا أننا نتفاجأ من أولئك المتطرفين الذين يعارضون هذه السنة الكونية، ويأتون إلينا بمفاهيم ومدلولات غريبة عن مفهوم الدولة الحديثة، ويريدون العيش في عزلة وعداء مع العالم أجمع بأفكارهم، والخطر يكمن في أنهم ربطوا هذه الأقوال بالشريعة الإسلامية، والشريعة بريئة منها.

وسنحاول في هذا البحث الموجز أن نستشهدَ بأقوال هذه الجماعات لنكشف فيه عن قصور مناهجهم وانحرافاتهم الفقهية من كتبهم، ثم نعرض أقوال العلماء المستنيرين بنور الشريعة، وذلك من خلال عدد من القضايا:

أولًا: تشويه مفهوم الدولة

لقد خلقت التنظيمات الإسلامية كداعش الإرهابية وأمثالها حالة متطرفة، ظاهرها هي التمسك بالأصول الشرعية الراسخة التي تدعو إلى تحكيم شرع الله عز وجل وإقامة الخلافة الراشدة، وباطنها هو تحقيق التمكين المتعارض جذريًّا مع مفاهيم الدولة العصرية التي نعيشها الآن، ولم تعترف دولتهم المزعومة تلك بحدود الجغرافيا، وإنما جعلت حدودها هي القوة التي تتسع معها الجغرافيا بلا حدود، فلا يوجد لديهم ما يسمى بالدولة القطرية أو ما يعرف بالقومية، وقد رأت هذه الجماعات أن فقه الأحكام يمكن أن يكون ذريعة سياسية، وأن أحكام الشرع -كما فهموها- هي النظام السياسي، وكل ذلك بداخل شبكة متكاملة من العلاقات الشرعية الخاضعة للتأويل والهوى، وهنا كانت تدخلاتهم بالتوفيق والمزاوجة داخل الدولة الداعشية بين الأشكال الإسلامية التقليدية، بما تتضمنه من فقه سلطاني يؤسس لمفهوم السلطنة بشكلها الفقهي المعهود، والأشكال التنظيمية الحداثية لمفهوم الدولة الذي يستند إلى جهاز عسكري أمني، وآخر تنفيذي بيروقراطي، يعد بديلًا لمؤسسات الدولة التي يحكمها الدستور والقانون في تراتبية يحكمها شرع الخليفة، مستندًا على النص التكفيري الأكثر تشددًا، في محاولة لإضفاء الشرعية على دولته، وإيجاد المبرر والستار الشرعي لتجاوزه ضد المسلمين وغير المسلمين الواقعين تحت راية دولتهم، وتعد الخلافة الإسلامية هي الواجهة السياسية للدولة الداعشية وفق منظورها([48]).

لقد تحولت فكرة الدولة بشموليتها وعمومها إلى كيان يتمثل في هذه الجماعات وحدود قوتها وقيامها، فلا اعتبار عندهم لحدود الدولة أو مقدراتها فكل شيء يمكن الاستفادة منه لخدمة كيانهم ووجوده يعد أمرًا مشروعًا تدعو إليه شريعتهم، فهم من يمثلون الشريعة وهم من يحددون الدولة ومكوناتها ومرجعيتها.

وأما مفهوم الدولة عند تنظيم جماعة الإخوان المسلمين وأهم ما تتميز به من صفات في تكوين دولتهم: هو تكوين جماعة تدين بالطاعة المطلقة لفكر الإخوان المسلمين وقيادتها؛ وذلك عن طريق إلزام أفراد جماعة الإخوان المسلمين قيادة وأفرادًا بمنهجٍ وسياسةٍ محددة ترسمها الجماعة لا يملكون أن يخرجوا عن الدور المرسوم لهم فيه، والعمل وفقًا لهذا المنهج المرسوم، مع بروز دور القيادة في هذا المنهج، وذلك هو ما نجده في أقوال حسن البنا؛ فتحت عنوان: (أركان البيعة) من كتاب رسالة التعاليم لحسن البنا يقول: «أيها الإخوة الصادقون: أركان بيعتنا عشر فاحفظوها: الفهم، والإخلاص، والعمل، والجهاد، والتضحية، والطاعة، والثبات، والتجرد، والثقة»([49]). ثم يُفصل هذه الأركان، فيقول عن ركن الطاعة: «وأريدُ بالطاعة: امتثال الأمر وإنفاذه توًّا في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وذلك أنَّ مراحل الدعوة ثلاث:

أ- التعريف: بنشر الفكرة العامة بين الناس، ونظام الدعوة في هذه المرحلة نظام الجمعيات الإدارية ومهمتها العمل للخير العام، ووسيلتها الوعظ والإرشاد تارةً، وإقامة المنشآت النافعة تارة أخرى، إلى غير ذلك من الوسائل العملية، وكل شُعَب الإخوان القائمة الآن تُمثِّل هذه المرحلة من حياة الدعوة، وينظمها القانون الأساسي وتشرحها وسائل الإخوان وجريدتهم، والدعوة في هذه المرحلة عامة، ويتصل بالجماعة فيها كل من أراد من الناس؛ متى رغب المساهمة في أعمالها ووعد بالمحافظة على مبادئها، وليست الطاعة التامة لازمة في هذه المرحلة بقدر ما فيها احترام النُّظم والمبادئ العامة للجماعة.

ب- التكوين: باستخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد وضم بعضها إلى بعض، ونظام الدعوة في هذه المرحلة صوفي بحت من الناحية الروحية، وعسكري بحت من الناحية العملية، وشعار هاتين الناحيتين: أمر وطاعة من غير تردد ولا مراجعة ولا شك ولا حرج، وتمثل الكتائب الإخوانية هذه المرحلة من حياة الدعوة، وتنظمها رسالة المنهج سابقًا، وهذه الرسالة الآن، والدعوة فيها خاصة لا يتصل بها إلَّا من استعد استعدادًا تامًّا حقيقيًّا لحمل أعباء جهاد طويل المدى كثير التبعات، وأول بوادر هذا الاستعداد كمال الطاعة.

ج- التنفيذ: وهي مرحلة جهاد لا هوادة فيها، وعمل متواصل في سبيل الوصول إلى الغاية، وامتحان وابتلاء لا يصبر عليها إلَّا الصادقون، ولا يكفل النجاح في هذه المرحلة إلَّا كمال الطاعة كذلك، وعلى هذا بايع الصف الأول من الإخوان المسلمين في يوم (5) ربيع الأول سنة 1359 هجرية، وأنت بانضمامك إلى هذه الكتيبة وتقبلك لهذه الرسالة وتعهدك بهذه البيعة تكون في الدور الثاني وبالقرب من الدور الثالث، فقدِّر التبعية التي التزمتها، وأعد نفسك للوفاء بها…»([50]).

ثم يضع حسن البنا واجبات توجبها تلك البيعة على الأخ الصادق أن يؤديها فيقول:

«1- أن تَستصحبَ دائما نية الجهاد وحب الشهادة، وأن تستعدَّ لذلك ما وسعك الاستعداد.

2- أن تعرفَ أعضاء كتيبتك فردًا فردًا معرفة تامةً، وتعرفهم نفسك معرفة تامة كذلك، وتؤدي حقوق أخوتهم كاملة من الحب والتقدير والمساعدة والإيثار، وأن تحضر اجتماعاتهم فلا تتخلف عنها إلَّا بعذر قاهر وتؤثرهم بمعاملتك.

3- أن تتخلى عن صلتك بأية هيئة أو جماعة لا يكون الاتصال بها في مصلحة فكرتك، وخاصة إذا أمرت بذلك.

4- أنْ تعملَ على نشر دعوتك في كلِّ مكان، وأن تُحيطَ القيادة علمًا بكلِّ ظروفك، ولا تُقدم على عملٍ يؤثر فيها جوهريًّا إلَّا بإذن، وأن تكون دائم الاتِّصال الروحي والعملي بها، وأن تعتبر نفسك دائمًا جنديًّا في الثكنة تنتظر الأوامر»([51]).

 

5- مرحلة التنفيذ وتحقيق الأهداف:

وهي مرحلة العمل على تنفيذ أهداف جماعة الإخوان المسلمين المحددة سلفًا، ويتضح فيها بجلاء دور قيادة الإخوان المسلمين ممثلة بالمرشد العام لها، ويعلن حسن البنا عن مرحلة التنفيذ تلك فيقول تحت عنوان: متى تكون خطوتنا التنفيذية؟

«وفي الوقت الذي يكون فيه منكم معشر الإخوان المسلمين ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كلٌّ منها نفسيًّا وروحيًّا بالإيمان والعقيدة، وفكريًّا بالعلم والثقافة، وجسميًّا بالتدريب والرياضة في هذا الوقت- طالبوني بأن أخوض بكم لجج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كلَّ جبار عنيد فإني فاعل -إن شاء الله-، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: ((ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة))([52]). إني أقدر لذلك وقتًا ليس طويلًا بعد توفيق الله واستمداد معونته وتقديم إذنه ومشيئته، وقد تستطيعون أنتم معشر النواب ومندوبيهم أن تقصروا هذا الأجل إذا بذلتم همتكم، وضاعفتم جهودكم، وقد تهملون فيخطئ هذا الحساب وتختلف النتائج المترتبة عليه، فأشعروا أنفسكم العبء، وألفوا الكتائب، وكونوا الفرق، وأقبلوا على الدروس، وسارعوا إلى التدريس، وانشروا دعوتكم في الجهات التي لم تصل إليها بعد، ولا تضيعوا دقيقة بغير عمل»([53]).

وقد حاز حسن البنا بصفته المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين نصيبًا كبيرًا من هذه الهالة التقديسية والطاعة العمياء له وكأنه نبي يوحى إليه، وظهر ذلك جليًّا في مؤلفات الإخوان وكتاباتهم، ومن ذلك:

ما كتبه عمر التلمساني في كتاب (ذكريات لا مذكرات)، تحت عنوان: عبقرية حسن البنا، فيقول: «وكما يحدث في كل جماعة أو حزب أو مجتمع فقد كان لبعض الإخوان آراء واقتراحات تتعارض مع فريقٍ آخر، ولكني بحمد الله كنت بعيدًا عن هذه الخلافات كلها، وكنت أرى وأسمع وأفكر بعين فضيلته وآذانه وعقله؛ لثقتي المطلقة في صواب كل ما يرى، وقد يكون في هذا شيء من الخطأ أو إلغاء الشخصية عند بعض الناس، ولكنني كنت معه كالميت بين يدي مغسله، وكنت سعيدًا بهذا كل السعادة، وللحقيقة فقد كانت مكانة الإمام الشهيد والإمام الهضيبي فوق كل مكانة في جماعة الإخوان المسلمين، فما تمرد عليهما أحد؛ اعتدادًا بمكانته إلا وكان مصيره النبذ والإبعاد، وتلك من مميزات جماعة الإخوان، الطاعة المطلقة لمرشدهم في غير معصية»([54]).

وقد شاء المولى عز وجل أن يصلَ الإخوان إلى حكم مصر حتى يتبين للناس زيفهم وانحرافهم؛ ففي عام (2012م) وصلت جماعة الإخوان المسلمين إلى حكم مصر، ومن أهم السمات التي اتصف بها حكمهم، ما يأتي:

– أخونة الدولة المصرية، بمعنى أنهم حرصوا كل الحرص على تعيين معظم الوزراء والمسئولين في الدولة المصرية من أفراد التنظيم أو تابعين لهم، بل وحتى أخونة البرلمان المصري الذي يعبر عن الشعب، في محاولة منهم لحصولهم على أعلى نسبة من المقاعد البرلمانية كي ينفردوا بالحكم.

– عدم استقلال محمد مرسي -والذي كان يرأس الدولة المصرية في هذا الوقت- عن مرشد الإخوان؛ بل كان واجهة فقط، وأما الحاكم الفعلي فكان المرشد بتوجيهاته ومكتب الإرشاد.

– الانفلات الأمني، والذي كان مقصودًا من قبلهم لسهولة افتعالهم الأزمات وإدخالهم من أرادوا للبلد، وبسبب ضعف إحكام قبضتهم.

– التعاون مع الجماعات والكوادر الإِرهابيَّة حول العالم، والتي خرج أغلبها من رحم فكرهم.

– عنف الجماعة مع المعارضين لهم، وقد ظهر ذلك جليًّا في أحداث الاتحادية، ومكتب الإرشاد، وانتهاءً بأحداث اعتصامي رابعة والنهضة المسلحين.

– استهداف قوات الجيش المصري والشرطة في سيناء، وذلك باعتراف محمد البلتاجي -أحد قادة التنظيم الكبار في فيديو مسجل له على اليوتيوب- وهو يذكر أن كل ما يحدث في سيناء يتوقف لو عاد محمد مرسي إلى الحكم، فلم يراعوا لوطنهم وأبنائه من قوات الجيش المصري وشرطته البواسل أي حق، وكأنه ليس للوطن وقيمة عندهم أدنى قيمة؛ وذلك لأن هذه الجماعات قد نشأت على معاداة الحكومات والدول والمجتمعات، وتكفير كل من عارضهم.

– الوعود الكاذبة بأن عندهم برامج للنهوض بالدولة، مثل مشروع النهضة وغيره من الشعارات التي لم يتحقق منها شيء.

– محاولة السيطرة على المساجد، ونشر أفكار الجماعة من خلالها، مستغلين تعطش العوام للدين.

ومن خلال كل ذلك يتبين مفهوم الدولة عند هذه الجماعات والتيارات الضالة -التي خدعت الناس باسم الدين-، والشعارات الزائفة الرنانة، وتشويهم للدولة المصرية وقيمها الوطنية.

ثانيًا: هدم قيمة المواطنة

ترفض هذه الجماعات الحديث عن المواطنة، وتجعلها صورة من صور الضعف الإسلامي والمساواة بالمشركين، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ترك لنا أربعة من النماذج التي طبقت المعايشة والمواطنة مع الآخر داخل الدولة الإسلامية وخارجها:

الأول: وهو نموذج مكة المكرمة، وكان المقام فيها هو مقام الصبر والتعايش. الثاني: وهو نموذج بقاء المسلمين في الحبشة، والمقام فيها مقام الوفاء والمشاركة. الثالث: وهو نموذج المدينة في عهدها الأول، والمقام فيها مقام الانفتاح والتعاون.

الرابع: وهو نموذج المدينة في عهدها الأخير، والمقام فيها مقام العدل والوعي قبل السعي([55]).

ونحن نعيش الآن في الدولة المصرية وفق المواطنة بما يشبه نموذج المدينة الأول؛ أي أن المقام فيها مقام الانفتاح والتعاون مع الآخر وليس تنفيره بالفتاوى التي تثير الكراهية والبغضاء.

ولكن جماعات وتيارات الإسلام السياسي دمرت كل قيم المواطنة والتعايش مع الآخر، بل وحتى اعتدت عليه وانتهكت حرمته، فبعد فض اعتصامي رابعة والنهضة ذهب الإخوان والتيارات السَّلفيَّة المتشددة إلى تدمير وحرق الكنائس في جميع ربوع مصر مما نتج عنه تدمير وحرق أكثر من (90) كنيسة ودور عبادة مسيحية؛ كل ذلك لأن نظرتهم للمسيحيين في مصر نظرة عداء ومباغضة وكراهية قائمة على اختلاف الدين، رغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن إيذائهم وقال: ((ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة))([56])، وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: ((من قتل رجلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما))([57]). فانظر كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم عظم من بشاعة إيذاء أهل الذمة في الإسلام، وراعى حقوقهم، إلا أن هذه الجماعات لا تراعي هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الآخر ورحمته بجميع الخلق.

لقد أساءت هذه الجماعات لصورة الدولة الإسلامية وشوهوها، نظريًّا من خلال أدبياتهم، وعمليًّا عندما تسلموا السلطة وأفسدوها وأشاعوا الدمار والدماء والتفجير والعنف بغير حق، فدمروا أكثر مما بنوا وكانوا وبالًا على الناس وعلى الدين نفسه.

المبحث السابع: تشويه صورة الإسلام في العالم (الإسلاموفوبيا)

تعد الممارسات الدموية للجماعات المتشددة الإرهابية من أهم عوامل تشويه صورة الإسلام والمسلمين في عالمنا المعاصر، خصوصًا مع كثرة الوسائل الإعلامية الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) والقنوات الفضائية، مما سهَّل نشر المعلومات الكاذبة والصور المشوهة والأفكار المغلوطة، وكل ذلك حسب توجهات وأيدلوجيات كل ناشر ومروج ومستفيد.

وقد ساهمت الجماعات الإرهابية في زيادة تشويه صورة الإسلام لدى مجتمعات العالم؛ بما قامت وتقوم به من أعمال تخريبية وإجرامية ودموية باسم الدين والشريعة الإسلامية زورًا وبهتانًا، مما جعل الغرب ينظر إلى الدين الإسلامي على أنه دين دم وإرهاب وعنف، وتخلف وقمع للمرأة، وللحريات، وتولدت من تلك النظرة والأفكار ما يعبر عنه بمصطلح (الإسلاموفوبيا).

– ويعبر مصطلح الإسلاموفوبيا (Islamophobia): عن الخوف أو الرُّهاب من الدين الإسلامي والمسلمين. أو بمعنى أدق فهو يعبر عن الخوف المفرط غير المبرر وغير المنطقي، والتحامل والكراهية تجاه الإسلام والمسلمين وأي ما يربط بالدين الإسلامي ومظاهره، كالمساجد، والحجاب، واللحية، ولبس الجلباب والقميص، والقرآن الكريم، والفقه الإسلامي، إلى غير ذلك مما له علاقة بالإسلام، ويعد كل ذلك مظهرًا من مظاهر العنصرية والتمييز والكراهية ضد الآخر في حرية اعتقاده وحياته عامة، وانعكاس ذلك على كافة مناحي الحياة.

ويعتبر مصطلح (الإسلاموفوبيا) كلمة مستحدثة استخدمت في النصف الأول من القرن العشرين، ويتكون المصطلح من كلمتي إسلام، وفوبيا، ولفظة (فوبيا) تعني الخوف أو الرُّهاب الغير عقلاني من شيء يتجاوز خطره الفعلي، المفترض.

ويعرِّف قاموس أكسفورد الإنجليزي الإسلاموفوبيا بأنه «الخوف والكراهية الموجهة ضد الإسلام، كقوة سياسية تحديدًا، والتحامل والتمييز ضد المسلمين».

وقد استخدم هذا المصطلح في أدبيات الغرب في (فرنسا) في الربع الأول من القرن العشرين، وإن كان يترجم وقتها إلى معاني قريبة من استخدام المصطلح الحالي، ثم عمم في اللغة الإنجليزية في أواخر العقد الأخير من القرن العشرين([58]).

ولا شك أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، التي شهدتها (الولايات المتحدة الأمريكية) عام (2001م)، تسببت في تنامي وانتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا، تلك الأحداث التي تبنتها الجماعات الإرهابية الجهادية وأعلنت مسؤوليتها عن القيام بها.

ولقد ساهمت تلك الأحداث وغيرها في انتشار تشويه صورة الإسلام والخوف منه، وتصاعد حدة خطاب الكراهية والعنف والتمييز والعنصرية ضد الإسلام والمسلمين، وإلصاق تهم التطرف والإرهاب والدموية بكل ما هو إسلامي، وعلى الرغم من ذلك وما يدعو للعجب فإن تلك الجماعات الإرهابية تظن أنها بأفعالها الإجرامية هذه تقوم على نشر وتوصيل صورة الإسلام الصحيح وتعاليمه وإقامة حدوده وشريعته، وحقيقة الأمر أنها تصد عن دين الله عز وجل ولا علاقة لما تقوم به بالإسلام وشريعته السمحاء، بل إن الشريعة الإسلامية تجرِّم وتحرِّم تلك الأفعال وتعاقب عليها، ولا تميز تلك الجماعات في ممارساتها هذه بين المسلمين وغيرهم؛ فأكثر من اكتوى بنيرانهم وتفجيرهم هم المسلمون أنفسهم، فقد كفروهم واستهانوا بتبديعهم وتفسيقهم، والحكم عليهم بالكفر والشرك، فنشروا القتل والتفجير والتدمير بين المسلمين، وكانوا أسوأ مثال للمسلمين، وأشد وطئة على الإسلام نفسه.

– إن ما تفعله تلك الجماعات المتطرفة لهو على النقيض تمامًا مما يفترض أنها تصدره على أنه دين سماوي، فضلًا عن أن يكون خاتم الأديان والرسالات السماوية التي جاءت بالرحمة والسلام لكل الناس، يقول الحق سبحانه وتعالى في كتابه الخاتم: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، وهؤلاء إنما يحرصون على إيقاع الناس بالتهم وتكفيرهم ما أمكنهم رغم أن الإسلام جاء لينقذ الناس من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الإيمان وسعته، فلم يسلم منهم المؤمنين فضلًا عن أن يسلم منهم غيرهم، وهم في هذا على النقيض تمامًا مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم بهديه ورحمته؛ فعن أنس رضي الله عنه، قال: ((كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار))([59]). فانظر كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم حريص كل الحرص على إدخال الناس الجنة وإنقاذهم من النار ويشكر الله عز وجل ويمتن له أن مكنه من إنقاذ هذه النفس البشرية، وهؤلاء حريصون كل الحرص على إدخال الناس النار وإبعادهم عن الجنة بتكفيرهم وتفسيقهم وتبديعهم، حتى وإن كانوا مسلمين موحدين بالله عز وجل فلم يسلم منهم أحدًا، فالنبي صلى الله عليه وسلم في وادٍ وهؤلاء -أخذاهم الله- في وادٍ. وفي حديث آخر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان سهل بن حنيف، وقيس بن سعد قاعدين بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة، فقاما، فقيل لهما إنها من أهل الأرض أي من أهل الذمة، فقالا: ((إن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: أليست نفسًا))([60]). فَدَلَّ هذا الحديث على احترامه صلى الله عليه وسلم للنفس البشرية بغض النظر عن دينها أو عرقها فهي محترمة مكرمة من قبل الحقِّ سبحانه وتعالى فالإسلام يحترم الجميع، ويعظم الشأن الإنساني ويكرمه ويحرص عليه.

– وتعتبر تلك النظرة للإسلام والخوف منه ردة فعل عكسية لما تقوم به هذه الجماعات الإرهابية من تصدير جرائم العنف المسلح والإرهاب الفكري، وصورة التدين المتشدد المشوه، الذي لا يعبر عن حقيقة الإسلام وسماحته، فالإسلام في نظر هؤلاء هو ما وافق هواهم من القتال ومحاربة الكافرين لمجرد علة الكفر بل وحتى تكفير المؤمنين أنفسهم، والتشدد في مناحي الحياة المختلفة، والأخذ بظواهر النصوص والمظاهر، والتسلط على رقاب الناس، والحكم عليهم بالهلكة أو النجاة، وحصد الغنائم وسبي النساء وإشباع شهواتهم المختلفة، والسعي لحكم الناس بقوة السلاح والدموية؛ مما صدَّر صورة مشوهة عن الإسلام في نظر الغرب وأنتج ذلك الرُّهاب والخوف تجاه الإسلام وكل ما يتعلق به، ونحن نتناول تلك القضية من خلال نقطتين:

– أولًا: أسباب ظاهرة الإسلاموفوبيا

إن تلك الظاهرة ليست وليدة عصرنا الحاضر فهي ظاهرة قديمة جديدة، عمرها من عمر الإسلام نفسه، إلا أنها زادت بتلك الوتيرة مع تقدم الزمن وتقدم وسائل الإعلام التي غذَّت وعملت على نشر تلك الظاهرة وتمويلها والعمل على صناعتها لإيصال صور مسيئة لدين الإسلام وما يتعلق به، ونقل ذلك للمجتمعات الغربية خوفًا من انتشار الإسلام في تلك البلاد، أو لإبعاد المسلمين أنفسهم عن التوافد لبلادهم بكل الطرق التي تحمل معلني العنصرية والتمييز المبني على أساس عرقي ودينيٍّ.

وكذلك فإن من أسباب تزايد (الإسلاموفوبيا) في عصرنا الحاضر هي تلك النظرة الخاطئة من كلا الجانين: فالغرب ينظر إلى تلك الجماعات الإرهابية على أنها صورة من الصور الممثلة للإسلام، والحقيقة أن الإرهاب لا علاقة له بالدين أيًّا كان، فإن تلك الأفكار المتطرفة لدى الجماعات الإرهابية يحمل سماتها عامة المتطرفون من مختلف الأديان والجنسيات في العالم، فكما أن هناك ممارسات عدائية وإجرامية تتم باسم الدين الإسلامي، فإن هناك أيضًا ممارسات تشبهها، وقد تكون أشد وحشية منها تصدر من متطرفين ينتسبون لمختلف الديانات والمرجعيات الأخرى.

ولذا وجب أن نشير لأمور هامة، منها: أن المتطرف أو صاحب السلوك الإجرامي لا يعبر إلا عن نفسه، فمثلًا لو سلمنا بفرضية أن الإرهاب والعنف مصدره هو الدين الإسلامي وشريعته -كما يُظَن، لتحتم أن يكون العالم كله يعيش في جحيم وقتل لا يتوقف أبدًا- حسب تلك النظرة، فإن عدد المسلمين على مستوى العالم يشكل نحو (1.8) مليار وثمانية من العشرة مليار من التعداد السكاني العالمي، أي ما يقرب من ربع سكان العالم الآن، فلو أن الإسلام دين إرهاب وعنف؛ لوجب أن يكون هناك ما يقرب من الملياري إرهابي على وجه الأرض، يعيش منهم في قارة آسيا ما يقرب من (مليار ومائتي مليون) مسلم، وفي القارة الأوروبية ما يقرب من (45) مليون مسلم، وفي (الولايات المتحدة الأمريكية) ما يقرب من (6) مليون مسلم، بل وتزداد معدلات انتشار الإسلام عند الغرب نفسه كل يوم، يزداد ويتوسع بين من يحملون هذه النظرة التخوفية من الدين الإسلامي وكل ما يتعلق به، فكيف إذن ينتشر الإسلام ذلك الانتشار المتزايد في الغرب، وهو في نظرهم دين عنف وإرهاب ودم، الجواب: أن هذه نظرة خاطئة وسطحية بالطبع وغير صحيحة، ولا تستقيم أبدًا مع الواقع المعيش أو المنطق العقلي.

وعلى الجانب الآخر فإن التيارات المتشددة وجماعات التطرف تنظر إلى المجتمع الغربي على أنه مجتمع كافر يستباح دمه وقتاله لمجرد كفره واختلاف دينه، ولقد بينا خطأ هذه الأفكار والمعتقدات فيما مضى.

– ثانيًا: آثار ظاهرة الإسلاموفوبيا

لقد أدت تلك الظاهرة إلى وجود أجيال لا تعرف عن الإسلام إلا ما يبث إليها عبر وسائل الإعلام، من أن الإسلام دين إرهاب وعنف ودموية، فلا يعرفون عن الدين الإسلامي سوى هذه الصورة المشوهة، فنشأت تلك الأجيال على العنصرية ضد الإسلام والعرب وما يتعلق بهم.

ويعتبر من أبرز آثار ظاهرة (الإسلاموفوبيا) هو التضييق على الأقليات المسلمة في حياتهم وعباداتهم، وعملية التمييز داخل مجتمعاتهم الغربية، بل وحتى ممارسة العنف والإرهاب الشديدين تجاههم من قبل التيارات اليمينية المتطرفة، لمحاولة طردهم من بلادهم أو لأسباب سياسية أو اقتصادية أو عنصرية، والأمثلة على معاداة الإسلام والمسلمين في الغرب عديدة، منها على سبيل المثال: ما حدث في (كندا)؛ حيث قام شخص بعمل إرهابي ضد المسلمين بالهجوم على مسجد (كيبيك) عام (2017م)، فقام بإطلاق نيران كثيفة في المركز الثقافي الإسلامي في مدينة كيبيك، وهو مسجد يقع في مدينة كيبيك. قُتل فيه (6) أشخاص وجرح (17) شخصًا عندما قام ذلك المسلح بفتح النار بعد برهة من انتهاء المصلين من صلاة العشاء في ذلك المسجد.

وما حدث في (نيوزلندا- كرايستشرش) عام (2019م)، من هجومين إرهابيين، حيث أُطلقت النيران داخل مسجدي النور ومركز لينود الإسلامي في مدينة كرايستشرش مما نتج عنهما العديد من الإصابات والوفيات، وبلغ عدد من استشهد في هذا الحادث الغادر (51) شخصًا من مختلف الجنسيات، كما أصيب (50) آخرون في ذلك الهجوم الدموي، الذي كان محركه وباعثه هو الكراهية ضد الإسلام والعداء الشديد الغير مبرر للمسلمين، ويوجد غير ذلك الكثير من الجرائم التي تقوم على كراهية الإسلام والعنصرية والتمييز ضد المسلمين.

وكذلك فإن من صور الكراهية والتعدي والعنصرية على المسلمين، التعدي على مقدساتهم ورموزهم الدينية إما بإحراقها أو الاستهزاء منها، كقيام بعضهم بالإساءة لشخص النبي صلى الله عليه وسلم، ورسمه بطريقة كاريكاتورية ساخرة ومسيئة في الصحف (الدينماركية) والغربية، ممَّا استفز مشاعر المسلمين عامة ومشاعر المسلمين في الغرب خاصة لوجودهم بينهم، أضف إلى ذلك ما يقوم به بعض المتعصبين والمعادين من حرق المصحف الشريف، وغيره من المقدسات الإسلامية، كحادثة إحراق المصحف الشريف في (السويد) وهي حركة قام بها اليمين المتطرف في مدينة (مالمو) ومدينة (لينشوبينغ) ضد المسلمين في عام (2023م)؛ حيث قام زعيم تلك الحركة، بحرق نسخة من القرآن الكريم أمام السفارة التركية بالعاصمة السويدية (ستوكهولم).

ومن جملة تلك الممارسات ما يحدث من الاستهزاء بحجاب المرأة المسلمة، أو منع المسلمين من دخول بعض الأماكن لكونهم مسلمين فقط، أو الخوف ممن يلبس اللباس العربي أو يظهر بمظهر إسلامي، والنظر إليه على أنه إرهابي سيفجر نفسه في أي لحظة وسط الحشود أو وسائل المواصلات، كل ذلك من الصور التي بنيت على تلك النظرة وهذه الظاهرة المجحفة، التي تعتمد على خوف مرضي اجتماعي، ينميه ويعمل على نشره وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية الغربية، والتيارات المعادية للإسلام، أو المستفيدة من إشعال الفتنة لتحقيق أجندات خاصة.

كما يعد من آثار تلك الظاهرة فقد جسور التواصل والحوار بين الأديان والثقافات المختلفة، فمن الطبيعي ألا تكون تلك البيئة المتشبعة بهذه الأفكار والعدائية مناخًا جيدًا لتحقيق التواصل بين كلا الجانبين، وفهم كل منهما للآخر وتقبله، ولا شك أن لذلك أثرًا سلبيًّا على المجتمعات الغربية نفسها؛ وذلك لأن وجود المسلمين بينهم ليس بالأمر الطارئ، فهم يمثلون جزءًا لا يتجزأ من نسيج تلك المجتمعات، فضلًا عن انتشار الإسلام بينهم بأعدادٍ متزايدةٍ وسرعة ملفتة، فالإسلام أكثر الأديان انتشارًا في العالم، والدين الإسلامي في حقيقته رسالة عالمية، تسعى من اللحظة الأولى إلى الانفتاح على الجميع، ولا تهدف إلى العزلة عن المجتمعات أو الآخرين بصورة عامة، بل يعتبر من منطلقات الشريعة الإسلامية مد جسور التواصل والتعارف بين البشر ما يعمل على تحقيق السلام العالمي، يقول الحقُّ سبحانه وتعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ [الحجرات: 13]، فإذا فقدت سبل الحوار وهدمت جسور التواصل بسبب الخوف غير المبرر والتعصب والعنصرية؛ فسيكون نتيجة ذلك فقد الحوار بين الأديان والشعوب وزعزعة السلم والأمن العالميين، وعدم الالتقاء على النقاط التي تجمعنا بني الإنسان من قيم الإخاء والمحبة والتواصل والعطاء.

المبحث الثامن: الآثار النفسية والفكرية لسقوط مشاريع التأسلم السياسي

لقد كان لتغير توجه الحركات الإسلامية وتخليها طواعية عن موقع الدعوة والهداية إلى الله بالقول الصالح والقدوة العملية، وتحولها إلى حركة سياسية محضة تدور حول الوصول إلى السلطة وتدندن حولها، وتضحي في سبيلها وتبذل الآلاف من شبابها من أجل تحقيق هذه الغايات، ظنًّا منهم أن تلك السلطة ستخدم الإسلام أكثر من مجرد الدعوة إلى الله، رغم أن الواقع العملي ينطق بالعكس، فقد كان لكل ذلك الأثر البالغ على جماعات الإسلام السياسي في الواقع وفي نفسياتهم، حين فشلت هذه المشاريع السياسية التي تبنتها وبذلت في سبيل تحقيقها كل غال ونفيس، فكان الشعور بالهزيمة والخيبة والفشل هو ما استقر في وجدان المنتمين لهذه الحركات والكيانات خصوصًا مع شيوع التفكير بالتمني بين أفراد هذه الجماعات، فإذا أحب أحدهم شيئًا وأراده رآه موجودًا ومنتصرًا رغم هزيمته وغيابه على أرض الواقع، وإذا كره شيئًا تصور زواله وهزيمته وهو ملء السمع والبصر بين الناس ويحقق كل يوم انتصارًا تلو الانتصار، فهو يعيش في حالة من إنكار الواقع، يعيش في عالم موازٍ يتصوره لنفسه وجماعته وهو غير موجود في الواقع.

ومع توالي المحاولات المستميتة من قبل تيارات الإسلام السياسي وصولهم إلى السلطة والحكم بشكل متعاقب، ومع اقترابهم من هذا الحلم وتحقيقه ثم وقوعه وفشله؛ كما حدث في مصر كانت خيبة الأمل والأزمات النفسية والفكرية الكبرى، خصوصًا بين أوساط الشباب الذي كان يرجو تحقيق ما بذل في سبيله شبابه وحياته ظنًّا منه أنه يقدم الحل ويحقق الإسلام والعدالة والتنمية في مجتمعه، مما أوقعهم في انتكاسات نفسية وفكرية ومنهجية عديدة، كونت موجة من الإحباط، والإلحاد، وغياب القدوة الدينية، وتحميل المجتمع أسباب الفشل مع عدم قدرتهم على الانخراط بين صفوف المجتمع مرة أخرى، وتمني أكثرهم الهجرة خارج وطنهم، ومن الآثار التي ترتبت على ذلك ما يلي:

أولًا: الاعتقاد بفشل الدين وعدم صلاحيته

لقد كان لتوظيف الدين وإدخاله إلى الحياة السياسية الحزبية آثار بالغة، ويعد من أبرزها ما حدث بعد فشل مشروع حكم الإخوان المسلمين مصر وسقوطهم بعدما كانوا على كرسي السلطة، فقد اتهم البعض منهم الشريعة الإسلامية بعدم صلاحيتها لكل العصور، خصوصًا مع تطور الحياة، والأنظمة الحاكمة الحديثة، والحقيقة أن ظنهم هذا يرجع إلى اعتقادهم أنهم يمثلون الدين الصحيح الذي نزل به الوحي وأنهم حماة الدين وأهل الحق المطلق لأن الدين حق مطلق، فخلطوا بين الدين وبين تدينهم وسلوكهم وفهمهم لهذا الدين وجعلوا قياداتهم هم مقياس الحق والصلاح، فلما سقطت مشاريعهم وقادتهم نسبوا الفشل إلى الدين والشريعة ذاتها واتهموها بأنها غير صالحة لكل زمان ومكان، ولم ينسبوا ذلك الفشل إلى سوء إدارتهم وتلاعبهم بالدين وبيع الزيف والشعارات الكاذبة والرنانة لأتباعهم، كشعارهم الشهير (الإسلام هو الحل) فالإسلام هو الحل، ولكن ذلك يعتمد على تطبيق المسلمين أنفسهم لدين الله عز وجل وشريعته وفهمهم للإسلام نفسه، وحين تعمق النظر في فهم هذه الجماعة للإسلام وتطبيقهم له تجد أنهم أخذوا بظواهره وقشوره وتركوا مبادئه وأصوله ومقاصده.

لقد دخلت الجماعات الحياة السياسية على خلفية دينية وجعلوا من الدين أداة سياسية لهم حتى يكتسبوا قوة دينية وحماية شرعية، والحقيقة أن الدين يتسامى فوق الألاعيب السياسية والمكاسب الدنيوية المحضة، فلا يصح أبدًا استخدام الشعارات الدينية لاكتساب أرضية جماهيرية ومكاسب حزبية، وذلك هو ما فعلته تيارات الإسلام السياسي طوال تاريخها منذ نشأتها وحتى الآن، فهذا حسن البنا المؤسس الأول لجماعة الإخوان المسلمين يبين ويوضح في خطابه لجماعته وجماهيره أن جماعة الإخوان المسلمين تمثل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن من لم ينضم إليهم فهو كأنه خارج جماعة المسلمين وخارج الدين لأنهم ببساطة يمثلون الدين كما نزل، وفي ذلك يقول حسن البنا: «نحن أيها الناس -ولا فخر- أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملة رايته من بعده، ورافعو لوائه كما رفعوه، وناشرو لوائه كما نشروه، وحافظو قرآنه كما حفظوه، والمبشرون بدعوته كما بشروا، ورحمة الله للعالمين: ﴿وَلَتَعۡلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعۡدَ حِينِۢ﴾ [ص: 88]… فمن تبعنا الآن فقد فاز بالسبق، ومن تقاعد عنا من المخلصين اليوم فسيلحق بنا غدًا، وللسابق عليه الفضل، ومن رغب عن دعوتنا زهادة أو سخرية بها أو استصغارًا لها أو يائسا من انتصارها فستثبت له الأيام عظيم خطأه، وسيقذف الله بحقنا على باطله فيدمغه فإذا هو زاهق. فإلينا أيها المؤمنون العاملون والمجاهدون المخلصون، فهنا الطريق السوي والصراط المستقيم، ولا توزعوا القوى والجهود ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]»([61]).

لقد تعرضنا لهذا السياق من الكلام من قبل ولكننا هنا نتسائل؟ كيف ستكون عقلية من يصدق هذا الكلام وهذه الدعاوى من شبابهم والمحبين لهم والمساندين لجماعتهم وهم يرون أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وحملة رايته من بعده، ورافعو لوائه كما رفعوه، وناشرو لوائه كما نشروه، وحافظو قرآنه كما حفظوه، والمبشرون بدعوته كما بشروا -على حد قولهم وزعمهم- قد فشلوا في إقامة وتحقيق أهدافهم.

لقد أدى ذلك بلا شك إلى اتهام بعضهم بأن الشريعة غير صالحة لكل زمان ومكان فهؤلاء هم أهل الإسلام ورافعي رايته قد فشلوا وسقطوا بعد أن تمكنوا وحكموا.

والحقيقة أن فشل هذه التيارات كان أمرًا محتمًا؛ لأنهم خلطوا كل المفاهيم وأرادوا تطويع كل شيء لخدمتهم، الأمر الذي أوقعهم في مغالطات ومتناقضات كثيرة، ولا بد وأن نعلم أن أحزابهم وتياراتهم كحزب جماعة الإخوان المسلمين الذي تم حله بحكم قضائي، وكذلك كافة الأحزاب المشابهة التي تتخذ من الدين خلفية لها وستارًا تعتبر جميعها أحزاب أيديولوجية، أو أحزاب ذات برامج محددة، تتمسك بأيديولوجيات ومبادئ وأفكار معينة على أساسها توضع شروط العضوية الحزبية، وتلك الأحزاب النَّفعيَّة التي تسعى وراء مصالحها الحزبية طول الوقت لا يمكن لها أن يكون من بين أسلحتها السياسية والحزبية سلاح الدين، وهو الأمر الذي لم تقتنع به هذه التيارات السياسية المتأسلمة على مر العصور، فاستغلت الدين في مصالحها السياسية والحزبية لا في سبيل المصلحة العامة التي منوط بها العمل لأجلها خصوصًا وأنها تتخذ من الدين شعارًا لها ومرجعية لمبادئها، فأدى هذا التوظيف إلى مخالفتهم قواعد العمل السياسي أولًا، ثم مخالفة الدين نفسه ثانيًا بجعل أنفسهم مساوين له ولأهدافه، فنتج عنه هذا الفشل الذريع وهذه المآسي النفسية والفكرية والمنهجية.

ثانيًا: انتشار الإلحاد

لقد كان إلحاد غالبية من ألحدوا نتيجة نفسية عكسية من تشدد تيارات الإسلام السياسي والجماعات الإسلامية المتطرفة، ويعد ذلك نتيجة طبيعية لذلك التشدد الذي ليس له مبرر أو غاية تدرك إلا ما حدث من انفلات هذه الموجة الإلحادية بسبب ما عانوه من تربية دينية قاسية، وذلك ليس من نهج النبي صلى الله عليه وسلم في شيء؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه))([62]). والنهي هنا عن التشديد في الدين بأن يحمل الإنسان نفسه من العبادة ما لا يحتمله إلا بكلفة شديدة، وهذا هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم ((لن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه)) يعني: أن الدين لا يؤخذ بالمغالبة فمن شاد الدين غلبه وقطعه([63])، وعن السيدة عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين، إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه))([64]). وذلك التطرف الديني والتشدد الذي نشأت عليه الكثير من هذه التيارات يؤدي إلى النفور من الدين والتدين بصفة عامة، ولذا نجد أن كثيرًا ممن ألحدوا قد تربوا في بيئات اجتماعية يغلب عليها الطابع المتشدد، بل إن الكثير منهم كانوا حفظة للقرآن الكريم وتعلموا علوم الدين وتربوا على أيدي مشايخ ثم اتجهوا ناحية الإلحاد كرد فعل عكسي لهذه البيئة المتشددة وأفكارها المغالية، ولقد أسهم في ذلك انتشار التيارات الإسلامية وكثرة الفتاوى المتطرفة كفتاوى التكفير التي تذيعها هذه التيارات ليل نهار، وتوجهها لكل من يخالفها الرأي والتوجه، فكان لكل ذلك دور فعال في زيادة معدلات الإلحاد بعد ما يسمى بـ (ثورات الربيع العربي) ومنها ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر، وكان لانتهاج هذه الجماعات الأساليب الدموية والوحشية في شن غاراتها وهجماتها الإرهابية في الكثير من الأحداث التي عقبت هذه الثورات، واستخدام الترهيب والذبح باسم الدين والتفجير كما حدث من داعش الإرهابية وأمثالها، أثرًا كبيرًا في تصدير صورة مشوهة عن شريعة الإسلام والمسلمين في أعين الناس شرقًا وغربًا، مما دفع الكثير من الشباب إلى الإلحاد وترك الدين أو اعتناق دين آخر يخلو من هذه الوحشية التي يرونها ترتكب باسم الدين.

فيما اعتبر آخرون كل ما يحدث من أحداث وتغيرات غير منطقية باسم الدين، إنما هو بسبب خرافية هذا الدين، فأي دين يدعو إلى قتل كل الناس إلا المنتمين له، وأي إله يأمر أتباعه بهذه الأوامر، وهذا الفهم في الحقيقة أسهم في انتشاره بين الناس الحركات الجهادية والجماعات الإسلامية الكبرى التي تبنت أغلب حوادث العنف والتفجير والذبح والسبي الذي جرى في الوطن العربي ومختلف بلدان العالم، مما جعل بعضهم يقول إنهم يريدون هدم خرافات الدين باستخدام العقل، ذلك الدين الذي لا احتكام فيه لعقل ولا مبدأ إنساني.

ويذهب البعض منهم إلى أن السبب هو في تناقض دعوة هذه التيارات المتشددة فعلى سبيل المثال قيادات الإخوان المسلمين الذين هربوا وقت اشتداد الأحداث عليهم ففر كل منهم إلى بلد خارج مصر تاركين وراءهم أتباعهم يدعونهم -ليل نهار- إلى الخروج إلى الشارع وافتعال الأزمات والحركات الثورية والاعتصامات ضد الدولة والنظام، دون أن يتكلف أحد منهم أدنى خسارة، أو يبذل أدنى مجهود تجاه قضيته التي يدعو إليها؛ مما عرى هؤلاء أمام الناس والشباب الذين يتبعونهم، وجعلهم أسوأ مثال أمام أتباعهم، وأوضح أن كل ما كانوا يدعون إليه إنما هو محض شعارات رنانة زائفة وكاذبة.

لقد أساءت هذه الجماعات وأضرت بالإسلام أكثر مما أضر به أعداؤه عبر الزمان، وكأنهم يقدمون على طبق من ذهب أسوأ نموذجا للمرء المسلم على الإطلاق، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث التاسع: آثار غياب النموذج الأخلاقي والروحي لجماعات التطرف

إن أخطر الأمراض التي تصيب الإنسان هي التي تكمن في بواطنه، فتصيب نفسه وتفسد عليه فكره ولبه، وهي أمراض القلوب والنفوس التي لا تظهر للناظر كما تظهر أعراض الأمراض الحِسيَّة، وإنما تظهر في سلوك الفرد والجماعة إذا كانت تتشارك نفس الفكر والمفاهيم، وتعد هذه الأمراض أخطر على المجتمع من المرض البدني المحسوس الذي يعالج بالأدوية والتراكيب المادية الظاهرة والمعروفة، وتحتاج هذه الأمراض لطول معالجة وملازمة ومجاهدةٍ، وتدريب نفس من قبل مُوجِّه عالم بهذه الأمراض الباطنة، حاذق في تعامله ذو خبرة بها حتى يقوُّمها ويحد من قوتها وأثرها، ومن جملة هذه الأمراض مرض العُجب، والكبر، والاستعلاء على الآخر، والحسد، وشهوات النفوس المتعددة.

وهذه الأمراض الباطنة هي ما اهتم بتقويمها وتعديل سلوك صاحبها أهل التصوف من العلماء العاملين المجاهدين الذين حملوا لواء الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى على بينة ونورانية، وإمامهم في ذلك هو سيد الكائنات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قال الحقُّ سبحانه وتعالى في حقه: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]، وقال أيضًا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾ [القلم: 4] فالصوفية هم أهل البصائر والحقائق والنهى، وهم سواد علماء هذه الأمة سلفًا وخلفًا من متبعي عقيدة أهل السنة والجماعة، ومذاهب العلماء الفقهية المشهورة المعتبرة، وهم الذين شهد بمزيتهم وأفضليتهم كل منصف ومتحقق، بل وحتى المخالف لهم.

وحقيقة إغفال هذه الحقائق من جانب جماعات التطرف أدى إلى غياب ذلك النموذج الأخلاقي والروحي في أوساطهم وجعل جل همهم وتركيزهم على تحقيق مكاسب مادية فقط، مما طغى على الجانب الروحي لهذه الجماعات والتيارات المتشددة فجعلهم قساة القلوب، يستعلون على غيرهم ويرون أنهم وحدهم أهل الحق والفضيلة وأصحاب الرأي الصحيح، وقد ترجم كل ذلك في أبشع صوره حين أباحوا قتل من خالفوهم، وإن كانوا من أهل ملتهم وعلى دينهم، فما داموا قد رأوا ضلال منهجهم -حسب رأيهم- فلا حرمة لهم ولا حق يراعى، فكان لذلك أسوأ الآثار في الواقع، فقد ترجم ذلك النقص إلى استعلاء وإقصاء من خلال أدبياتهم، وهو ما أحدث فجوة وجفوة بينهم وبين مجتمعاتهم، حتى رفعوا عليهم السلاح بعد ذلك وقتلوهم بدعوى أنهم مخالفون لصحيح الدين، وأنهم مشركون بالله، وأهل بدعة وضلالة، فلم يسلم أحدٌ من هذا الفكر المنحرف وذلك السلوك الأعوج، ومن آثار غياب الأخلاق والسلوك الروحي لدى تلك الجماعات ما يأتي:

أولًا: الاستعلاء بالإيمان على الغير

يعد الاستعلاء عامة مبدأً وسمة من مبادئ الجماعات المتطرفة والمتشددة، وأثرًا فكريًّا لغياب الدور الإصلاحي الروحي والسلوكي، ويظهر ذلك الاستعلاء في أقوالهم ومناهجهم وأدبياتهم ومعاملاتهم مع الغير، وثمَّة فرق كبير بين الاعتزاز بالإيمان والاستعلاء على الغير ممن لا ينتمي إلى جماعتهم وصفوفهم، ويعد هذه السلوك من أمراض النفس التي يعتني بها التصوف الإسلامي ورجاله، حيث يقوم التصوف الإسلامي على مبدأ المساواة بين الناس، والتواضع، وخفض الجناح للناس، واتهام النفس أبدًا بالتقصير، وعدم النظر إلى الغير بنظرة متعالية، فالصوفي يرى في هضم النفس والتواضع بابًا من أبواب الدخول على الله عز وجل بل إن الشريعة الإسلامية عمومًا تجعل من المساواة والتواضع سمة للمتخلق بأخلاقها.

فعملت الشريعة على إلزام المسلم نفسه مقام العبودية لله سبحانه وتعالى فلا يرى لنفسه مزية على عباد الله، أو فضلًا عليهم أبدًا، وذلك منهج قرآني ظهر في النهج المحمدي الذي تربى عليه الصدر الأول من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسانٍ، فكانوا خير مثال للأمة المحمدية عرفته البشرية من حيث الإيمان والأخلاق الزكية القويمة الرحيمة والسلوك الذي يتعطف على جميع خلق الله سبحانه.

يقول الله  عز وجل في كتابه: ﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ﴾ [لقمان: 18]، ويقول جل جلاله: ﴿تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]، ويقول تعالى آمرًا نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الحجر: 88]، ويقول سبحانه أيضًا: ﴿وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الشعراء: 215]، فالتواضع وخفض الجناح وعدم التكبر والاستعلاء على الناس منهج قرآني رباني ونبوي قويم، جملت به الشريعة الإسلامية السمحاء المسلمين، وأمرتهم الالتزام به.

غير أن هذه الجماعات جعلت من الاستعلاء مَنهجًا وطريقًا لهم في تعاملهم مع الغير والأمثلة على ذلك كثيرة، وقد خلطوا فيها بين الاعتزاز بالإيمان في مواجهة غير المؤمنين وبين الاستعلاء على الغير حتى من المؤمنين الموحدين أنفسهم، فالأول مطلب ممدوح وبينه الله سبحانه وتعالى في كتابه إذ يقول: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]، ويقول أيضًا: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ﴾ [محمد: 35]، وقد جاءت هذه الآيات في معرض القتال مع الكافرين من حيث إظهار جانب العزة للمؤمنين بالله سبحانه وتعالى، وأن يستصحبوا ذلك الشعور بالعلو بالإيمان والعزة بالله في مقابلة قوى الكفر والعدوان، وذلك بلا شك أمر مطلوب، إلا إن الجماعات الإرهابية قد وظفت ذلك الاستعلاء بشكل خاطئ وأسقطته في غير محله.

– يقول حسن البنا مؤسس الجماعة، في كتابه (مجموعة رسائل حسن البنا): «نحن أيها الناس-ولا فخر- أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملة رايته من بعده، ورافعو لوائه كما رفعوه، وناشرو لوائه كما نشروه، وحافظو قرآنه كما حفظوه، والمبشرون بدعوته كما بشروا، ورحمة الله للعالمين:﴿وَلَتَعۡلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعۡدَ حِينِۢ﴾ [ص: 88].

أيها الإخوان المسلمون: هذه منزلتكم، فلا تصغروا في أنفسكم، فتقيسوا أنفسكم بغيركم، أو تسلكوا في دعوتكم سبيلا غير سبيل المؤمنين، أو توازنوا بين دعوتكم التي تتخذ نورها من نور الله ومنهاجها من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بغيرها من الدعوات التي تبررها الضرورات، وتذهب بها الحوادث والأيام، لقد دعوتم وجاهدتم، ولقد رأيتم ثمار هذا المجهود الضئيل أصواتًا تهتف بزعامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهيمنة نظام القرآن، ووجوب النهوض للعمل، وتخليص الغاية لله، ودماء تسيل من شباب طاهر كريم في سبيل الله، ورغبة صادقة للشهادة في سبيل الله، وهذا نجاح فوق ما كنتم تنتظرون، فواصلوا جهودكم واعملوا: ﴿وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ﴾ [محمد: 35].

فمن تبعنا الآن فقد فاز بالسبق، ومن تقاعد عنا من المخلصين اليوم فسيلحق بنا غدًا، وللسابق عليه الفضل، ومن رغب عن دعوتنا زهادة أو سخرية بها أو استصغارا لها أو يائسا من انتصارها فستثبت له الأيام عظيم خطأه، وسيقذف الله بحقنا على باطله فيدمغه فإذا هو زاهق. فإلينا أيها المؤمنون العاملون والمجاهدون المخلصون، فهنا الطريق السوي والصراط المستقيم، ولا توزعوا القوى والجهود ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]»([65]).

وهذا يعد مثالًا لما قدمه حسن البنا من خطاباته إلى جماعته التي يدعو إليها وأتباعه، يوضح فيه ويرسم المنهج الذي تسير عليه جماعة الإخوان المسلمين، ويقول لهم أنَّه وأتباعه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في قياس عجيب وخطاب حماسي لا يخضع لأي منطق عقلي أو نقلي، ولا ندري بأي عقل كان يفكر هذا الرجل وهو يقول هذا الكلام ويدعي هذا المقام، وهل لأي أحد من المسلمين أصلًا حتى وإن كان داعية أن يقول أنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وإن كان -حسب فهمه- يسير على هداهم، رغم أن منهجه منقطع الصلة بما يدعيه في كل الأمور ومن جميع الجهات، إذ كيف يضع نفسه وأتباعه في منزلة واحدة من صحابة النبي -رضوان الله عليهم- ألم يكن من المقبول مثلًا أن يقول أننا من أتباعه صلى الله عليه وسلم وصحابته، إلا أن ذلك القول كان مقصودًا لإثبات مزية وأفضلية لجماعته التي يدعو إليها وإلى الالتحاق بها، مزية تتفرد بها الجماعة عن عموم المسلمين، ومكانة ومنزلة أعلى من مكانة أي فرد مسلم غيرهم.

أليس ذلك هو الاستعلاء ذاته الذي نهت عنه الشريعة، ورغم أن دعواه عريضة، وفيها تجاوز وسوء أدب مع مقامات الشريعة، فإنه لم يكتف بذلك بل ظل يؤكد وكأنه مدعوم بقوة الوحي الإلهي فهم حملة رايته ورافعو لوائه وناشروه، بل ورحمة الله للعالمين: ﴿وَلَتَعۡلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعۡدَ حِينِۢ﴾ [ص: 88]. ويقول لهم: لا تستصغروا أنفسكم ولا تقيسوا أنفسكم بغيركم، فأي خطاب متغطرس هذا وأي نرجسية حمقاء هذه، وأي تعالي وأنانية هذه؟

– ويوضح سيد قطب في أدبياته ذات المنهج الاستعلائي فيقول في كتابه (معالم في الطريق): «ليست مهمتنا أن نصطلح مع واقع هذا المجتمع الجاهلي، ولا أن ندين بالولاء له، فهو بهذه الصفة -صفة الجاهلية- غير قابل لأن نصطلح معه، إن مهمتنا أن نغير من أنفسنا أولًا لنغير هذا المجتمع أخيرًا.

إن مهمتنا الأولى هي تغيير واقع هذا المجتمع، مهمتنا هي تغيير واقع هذا المجتمع الجاهلي من أساسه، هذا الواقع الذي يصطدم اصطدامًا أساسيًّا بالمنهج الإسلامي، وبالتصور الإسلامي، والذي يحرمنا بالقهر والضغط أن نعيش كما يريد لنا المنهج الإلهي أن نعيش. إن أولى الخطوات في طريقنا هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته، وألا نُعدَّل نحن في قيمنا وتصوراتنا قليلًا أو كثيرًا لنلتقي معه في منتصف الطريق. كلا! إننا وإيَّاه على مفترق الطريق، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق. وسنلقى في هذا عنتًا ومشقةً، وستفرض علينا تضحيات باهظة، ولكننا لسنا مخيَّرين إذا نحن شئنا أن نسلك طريق الجيل الأول الذي أقرَّ الله به منهجه الإلهي، ونصره على الجاهلية»([66]).

وذلك الكلام لسيد قطب يعبر عن أدبيات الجماعات عامة قديمًا وحديثًا ومنهجهم في فهم الاستعلاء، فلم تخلو جماعة متطرفة عن هذه الأفكار التي تستعلي بها على المجتمعات مما أكسبهم شعورًا بالتميز وأن ما يفعلونه هو الأمر الصحيح؛ لأنهم من يمثلون الدين الصحيح كما كان الجيل الأول -حسب رؤيتهم- فما يصدر منهم يعد التصور الصحيح للدين والإسلام، وهنا يجب أن يتساءل القارئ أهذا هو منهج الجيل الأول فعلا، ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الغير وتغيير الواقع؟!

وهل انطلقت الشريعة من هذا المنطلق الاستعلائي وهذه النظرة الفوقية، وهل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تشهد بتعامله مع المشركين من هذا المنطلق المتغطرس والإقصائي؟ بالطبع لا، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل بهذا السلوك المعوج مع الناس، بل جاء صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين يتألف الناس ويشفق على كبيرهم وصغيرهم ويأمنه ويصدقه صناديد قريش ويصفونه بالصادق الأمين، ذلك هو نهج النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم، فما بالنا بفكر هذا الأديب الدموي الذي ليس بمعصوم الفكر ولا الاجتهاد أو الرؤية.

لقد تكبد المسلمون الكثير بسبب هذه الأفكار المشوهة، والانحرافات السلوكية لهذه الجماعات الإرهابية الذين شوهوا الإسلام معاملة ودينًا ومنهجًا، وذلك هو المنهج الذي تشربته جماعات التأسلم السياسي والتيارات السلفية المتشددة، وكل ذلك نتيجة لغياب النموذج الأخلاقي والروحي والسلوكي عند هذه الجماعات التي لا هم لها إلا الدنيا ومادتها وحطامها وملكها.

 

ثانيًا: الاعتداء المسلح على الصوفية وتراثهم

لقد أدى غياب ذلك النموذج الأخلاقي والروحي مع نزعة هذه الجماعات إلى التكفير من مجرد الاعتراض عليهم ورفض دعوتهم فكريًّا إلى سفك الدماء والهجوم على الصوفية واستحلال دمائهم باعتبار أنهم مشركين وأهل بدعة على أرض الواقع، والصور على ذلك عديدة؛ منها ما حدث في بئر العبد بسيناء حيث قام مجموعة من المتطرفين المسلحين في يوم الجمعة الموافق لـ (24) نوفمبر (2017م) بالهجوم على مسجد (الروضة) في العريش، حين شهدت مصر أفجع حادث إرهابي في تاريخها المعاصر؛ وذلك وقت قيام حوالي (400) مصل بأداء صلاة الجمعة وهم أبرياء عزل، ويعد هذا المسجد تابعا لإحدى الطرق الصوفية المعروفة هناك، بالتحديد الطريقة الصوفية (الجريرية) لشيخها فضيلة الشيخ (عيد أبو جرير) رحمه الله.

وقد انفجرت في بداية الهجوم عبوتان ناسفتان بداخل المسجد، ثم استهدف الإرهابيون المهاجمون بعد ذلك المصلين من خلال قذائف صاروخية من نوع (آر بي جي)، وعندما فر باقي المصلين خارج المسجد قام الإرهابيون باستهدافهم مجددًا، لكن هذه المرة باستعمال رشاشات وبنادق آلية من أعيرة مختلفة، وقد وصل عدد شهداء الحادث الغادر إلى (305) شهيدًا من بينهم (27) طفلًا، بالإضافة إلى عشرات الجرحى المقدرين بنحو (128) جريحًا، ثم عمد الإرهابيون لاستهداف سيارات الإسعاف التي كانت تنقل الضحايا إلى المستشفيات لإنقاذ حياتهم.

ولم يكن هذا هو الحادث الأول لهذه الجماعات في سيناء فقد هاجم الإرهابيون أضرحة الطريقة الجريرية أيضًا في أغسطس عام (2013م) حين فجرت هذه الجماعات ضريح الشيخ (سليم أبو جرير)، وكذلك فقد شهدت الطريقة الجريرية حادثًا غادرًا مؤلمًا على أيد هؤلاء الإرهابيين حين اختطفوا الشيخ (سليمان أبو حراز)، والذى كان يبلغ من العمر (98) عامًا، وقد كان الشيخ حينها فاقدًا لحاستي السمع والبصر؛ وذلك بسبب فتواه ضد الإرهابيين، وقام الإرهابيون بقتله ذبحًا بالسيف وقد نشرت فيديو الجريمة المؤلم لعملية قتله على أيديهم، كما أخفوا جثمانه رحمه الله كي لا يقيم له الأهالي ضريحا ولا يعلموا له مكانًا.

والعجيب أن لهذه الطريقة بسبب وجودها في سيناء أدوار وبطولات ضد الإرهاب وضد سلطات الاحتلال الصهيوني وللشيخ (عيد أبو جرير) مؤسس الطريقة مواقف وطنية؛ ففي أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام (1956م)، قد أمر اتباعه بتغطية انسحاب القوات المسلحة المصرية إلى غرب سيناء، وأمرهم بتزويدهم بالمؤن اللازمة ومعاونتهم، ونظرًا لهذا الدور الوطني فقد أعلنت السلطات الإسرائيلية عن مكافأة ضخمة لمن يأتي به حيًّا أو ميتًا، ولهذه الطريقة الصوفية تاريخ وطني طويل حافل بمقاومة أهل الإرهاب والعدوان، فالصوفية مجاهدون حقيقيون وتاريخهم يشهد بذلك على مر العصور.

– وليست هذه هي صورة الاعتداءات الوحيدة التي قامت بها يد الإرهاب والتدمير من الجماعات المتطرفة والمتشددة، فلم تسلم حتى المعالم التاريخية والدينية من أيادي التطرف والإرهاب في ليبيا، فحتى الزوايا وأضرحة الأولياء، التي يتبرك بها الليبيون كانت عرضة للانتهاك والهدم سواء بالرافعات أو بالمتفجرات أو حتى بأيدي المتطرفين المهاجمين أنفسهم.

فقد قام الإرهابيون بهدم وتفجير ضريح ومقام سليل بيت النبوة فضيلة الشيخ سيدي عبد السَّلام الأسمر رضي الله عنه، والذي كان من فقهاء المالكية ومن علماء العقيدة الإسلامية على منهج أهل السنة والجماعة، ومن أبرز مشايخ التربية والسلوك على منهج أئمة التصوف، وكذلك فقد فجرت وحرقت المكتبة الأسمرية التي كانت تحتوي على الآلاف من الكتب التاريخية، وكذلك فقد فجروا ضريح العارف بالله سيدي أحمد بن زرُّوق رضي الله عنه، وكان ذلك حين قام الإرهابيون في يوم الخميس (23) أغسطس عام ( 2012م) مستخدمين في ذلك القنابل والجرافات، باعتبارها (مزارات وثنية) بحسب وصف هذه الجماعات الإرهابية المخربة.

وقد أدانت دار الإفتاء المصرية هذه الجرائم الشنعاء وقالت دار الإفتاء في بيان لها: «إن ما قام به مجموعة من خوارج العصر وكلاب النار، هي فعلة شنعاء، يسعون بها في الأرض فسادًا، وتهديمًا لبيوت الله ومقدسات المسلمين، وانتهاكًا لحُرُمَات أولياء الله، وتحريقًا للتراث الإسلامي ومخطوطاته، ومحاولة لإسقاط أهل ليبيا في الفتن الطائفية والحروب الأهلية».

ووصفت دار الإفتاء تلك الممارسات بأنها ممارسات: «إجرامية جاهلية لا يرضى عنها الله تعالى، ولا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أحد من العالمين»، مؤكدة أنه يجب على كل مسلم غيور أن يتصدى بكل ما أوتي من قوة لهذه الممارسات الإجرامية؛ قولا وفعلا، حسبما يقدر عليه في ذلك، وأن ما أجدر هؤلاء الخوارج بتطبيق حد الحرابة عليهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33]».

كذلك فقد دمروا ضريح الشيخ (الشعاب الدَّهماني) في طرابلس، وكانت هذه الزاوية مخصصة لتحفيظ القرآن وللطريقة الصوفية القديمة بالمنطقة، فدمروا ضريح الشيخ الشعاب الدَّهماني في طرابلس، وانتهكوا حرمة القبر سنة (2012م) بالموازاة مع تدميرهم مقام الشيخ عبد السلام الأسمر، كذلك ضريح سيدي (محمد الأندلسي) الذي فجره المتشددون سنة (2013م)، بعد سلسلة من التفجيرات.

وهناك العديد من الصور الأخرى في العديد من البلدان العربية التي لهذه الجماعات تواجد بها، تلك الصور التي ترجمت سوء اعتقادهم وخبث طويتهم بحجة الدفاع عن العقيدة، تلك العقيدة التي ألبسوها لباس التكفير لجموع المسلمين والتفجير والقتل والهدم، وما كل ذلك إلا خدمة لهواهم ومصالحهم، وعدائهم لأهل التربية السلوكية والروحية التي غابت فيهم، ولو أنها وجِدت لما حدث كل ذلك منهم.

([1]) أخرجه الطيالسي (2181). وأحمد (12981). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (63/ 4): «رجاله أثبات ثقات».

([2]) الغياثي: غياث الأمم في التياث الظلم (ص 61) لعبد الملك الجويني، أبو المعالي الملقب بإمام الحرمين، تحقيق: عبد العظيم الديب، مكتبة إمام الحرمين، الطبعة: الثانية، 1401هـ.

([3]) انظر: الاقتصاد في الاعتقاد (ص 27) لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، دار الكتب العلمية- بيروت، لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤هـ- ٢٠٠٤م.

([4]) جزء من حديث أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب فيما يستحب من الجيوش والرُّفقاء والسرايا (2611)، والترمذي في كتاب السير، باب ما جاء في السرايا (1555)، وأحمد في مسنده (2682)، وأبو يعلى في مسنده (2587)، وابن خزيمة في صحيحه (2538)، وابن حبان في صحيحه (4717)، والحاكم في مستدركه (1621) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الترمذي: «حسن غريب». وقال الحاكم: «هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي.

([5]) مجموعة رسائل حسن البنا (ص 165) دار الفتح للإعلام العربي- 2012م.

([6]) انظر: في ظلال القرآن (2/ 1057) لسيد قطب إبراهيم، الناشر: دار الشروق- بيروت- القاهرة، الطبعة: السابعة عشر- 1412هـ.

([7]) المرجع السابق (3/ 1413).

([8]) في ظلال القرآن (2/ 1125، 1126).

([9]) العدلة الإسلامية في الإسلام (ص 182) لسيد قطب، دار الشروق- القاهرة، الطبعة الثالثة عشر- 1993م.

([10]) العدالة الإسلامية في الإسلام (ص 183).

([11]) المرجع السابق نفس الصفحة.

([12]) في ظلال القرآن (3/ 1735).

([13]) في ظلال القرآن (4/ 2009).

([14]) نواقض الإسلام، من مطويات داعش منشور على شبكة الإنترنت.

([15]) أخرجه البخاري تعليقًا في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، مقدمة باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم.

([16]) مجموع الفتاوى (14/ 120) لتقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف- المدينة المنورة، السعودية، 1416هـ- 1995م.

([17]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي(1)، وفي كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة (54)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنية (1907).

([18]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب التوبة (6309). ومسلم في كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها (2747).

([19]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار (3481)، ومسلم في كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (2756).

([20]) شرح النووي على صحيح مسلم (17/ 71) لمحيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي- بيروت، الطبعة: الثانية، 1392هـ.

([21]) انظر: غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر (3/ 304) لأبي العباس أحمد بن محمد شهاب الدين الحموي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1405هـ- 1985م.

([22]) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة، باب في فضل سقي الماء (1681)، وأحمد في مسنده (22459)، وابن خزيمة في صحيحه (2496)، وابن حبان في صحيحه (3348).

([23]) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب في دعاء الضيف (3578). وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الحاجة (1385). وأحمد في مسنده (17241). والنسائي في الكبرى (10420). وابن خزيمة في صحيحه (1219). والحاكم في مستدركه (1909). وليس عند الترمذي: «فصلِّ ركعتين». وقال الترمذي: «حسن صحيح غريب». وقال ابن ماجه: «قال أبو إسحاق: هذا حديث صحيح». وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». وقال الذهبي: «رواته ثقات».

([24]) أخرجه الطبراني في الكبير (24/351)، وفي الأوسط (189)، وعنه أبو نعيم في حلية الأولياء (3/121) من حديث أنس بن مالك به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (9/414): «رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه روح بن صلاح؛ وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح».

([25]) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، وعليه حاشية الشمني على الشفاء (2/ 286) للقاضي عياض اليحصبي، دار الفكر، 1409هـ- 1988م.

([26]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال (6104). ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر (60).

([27]) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب فضل اللهم ربنا لك الحمد (799).

([28]) أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب إذا ركع دون الصف (783).

([29]) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء (4036). والحاكم في المستدرك (8439) وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي.

([30]) انظر: موقع دار الإفتاء المصرية، فتوى رقم (4021) 20/ 3/ 2017.

([31]) انظر: موقع دار الإفتاء المصرية، فتوى رقم (6711)، 15/ 5/ 2022.

([32]) أخرجه الطبراني في الأوسط (2253). والبيهقي في الكبرى (17562).

([33]) أخرجه أبو داود في كتاب النوم، باب ما جاء في الختان (5271) وقال: «هذا الحديث ضعيف».

([34]) انظر: نيل الأوطار (146/1) لمحمد بن علي الشوكاني اليمني، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، دار الحديث- مصر، الطبعة: الأولى، 1413هـ- 1993م.

([35]) عون المعبود شرح سنن أبي داود (126/ 14) لمحمد أشرف الصديقي، العظيم آبادي، دار الكتب العلمية -بيروت، الطبعة: الثانية، 1415 هـ.

([36]) البناية شرح الهداية (333/ 1) لأبي محمد الغيتابي الحنفي بدر الدين العيني، دار الكتب العلمية- بيروت، لبنان، الطبعة: الأولى، 1420هـ- 2000م.

([37]) حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني (596/ 1) لأبي الحسن علي الصعيدي العدوي، تحقيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، دار الفكر- بيروت، 1414هـ- 1994م.

([38]) الفروق (29/ 3) لأبي العباس شهاب الدين أحمد المالكي الشهير بالقرافي، عالم الكتب.

([39]) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (ص 218) للقرافي المصري المالكي، دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع- بيروت، لبنان، الطبعة: الثانية، ١٤١٦هـ- ١٩٩٥م.

([40]) انظر: موقع دار الإفتاء المصرية، فتوى رقم (6711) حكم ختان الإناث والمساعدة على فعله- 15/ 5/2022.

([41]) القواعد الأول في صناعة الإنسان والدول (ص 52)، لعمر بن محمود (أبو قتادة الفلسطيني)، دار: النور للإعلام الإسلامي. منشور على موقع منبر التوحيد والجهاد على الإنترنت.

([42]) انظر: المركز الإعلامي، موقع دار الإفتاء المصرية 30/ 1/ 2019م (زواج القاصرات).

([43]) انظر: أحكام القرآن (2/ 346) لأحمد بن علي الجصاص الحنفي، تحقيق: محمد صادق القمحاوي، دار إحياء التراث العربي- بيروت، ط: 1405هـ. وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2/ 240) لعلاء الدين الكاساني الحنفي، دار الكتب العلمية، الطبعة: الثانية، 1406هـ- 1986م. والمحلى (9/ 459) لابن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري.

([44]) انظر: موقع دار الإفتاء المصرية، تنمية الأسرة 18/ 5/ 2022م (زواج القاصرات).

([45]) أخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب في ضرب النساء (2146). وابن ماجه في كتاب النكاح، باب ضرب النساء (1985). وابن حبان في صحيحه (4189). والحاكم في المستدرك (2765) وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي.

([46]) انظر: جامع البيان في تأويل القرآن- المسمى تفسير الطبري، لمحمد بن جرير الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420هـ- 2000م. وتنوير المقباس من تفسير ابن عباس، لمجد الدين الفيروزآبادي، دار الكتب العلمية- لبنان.

([47]) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق (2594).

([48]) انظر: هيكل الدولة عند داعش (ص2، 3) مصطفى أمين عامر، بحث منشور على موقع حفريات على شبكة الإنترنت.

([49]) مجموعة رسائل حسن البنا (ص 355)، دار الفتح للإعلام العربي- 2012م.

([50]) مجموعة رسائل حسن البنا (ص 361).

([51]) المصدر السابق (ص 367).

([52]) جزء من حديث أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب فيما يستحب من الجيوش والرُّفقاء والسرايا (2611)، والترمذي في كتاب السير، باب ما جاء في السرايا (1555)، وأحمد في مسنده (2682)، وأبو يعلى في مسنده (2587)، وابن خزيمة في صحيحه (2538)، وابن حبان في صحيحه (4717)، والحاكم في مستدركه (1621) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الترمذي: «حسن غريب». وقال الحاكم: «هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي.

([53]) مجموعة رسائل حسن البنا (ص 165).

([54]) ذكريات لا مذكرات عمر التلمساني (ص 56) دار الاعتصام.

([55]) انظر: النماذج الأربعة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعايش مع الآخر- الأسس والمقاصد (ص 5) للأستاذ الدكتور/ علي جمعة، دار الفاروق، الطبعة العربية الأولى، 2013م.

([56]) أخرجه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارات (3052) عن عدة، من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن آبائهم دنية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

([57]) أخرجه النسائي في كتاب القسامة، باب تعظيم قتل المعاهد (4749) عن رجل، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

([58]) انظر: Islamophobia- الموسوعة البريطانية (Britanica).

([59]) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يصلى عليه؟ وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ (1356).

([60]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب من قام لجنازة يهودي (1312). ومسلم في كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة (961).

([61]) مجموعة رسائل حسن البنا (107، 108) دار الفتح للإعلام العربي- الطبعة الأولى 2012م.

([62]) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب الدين يسر (39).

([63]) انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري (1/ 149) لابن رجب الحنبلي، مكتبة الغرباء الأثرية- المدينة النبوية، الطبعة: الأولى، 1417هـ- 1996م.

([64]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله (6787). ومسلم في كتاب الفضائل، باب مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام واختياره من المباح أسهله… (2327).

([65]) مجموعة رسائل حسن البنا (107، 108) دار الفتح للإعلام العربي- الطبعة الأولى 2012م.

([66]) معالم في الطريق (ص 19) لسيد قطب، دار الشروق، الطبعة السادسة- 1979م.

اترك تعليقاً