البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفصل الثالث: مناهج الفتوى

30 views

تمهيد وتقسيم:

بعد أن تناولنا مفهوم مناهج الإفتاء وبينا أهميتها وتطور نشأتها وأسسها ومرتكزاتها التي تقوم عليها، نستعرض في هذا الفصل مناهج الإفتاء من حيثيتين:

الأولى: من حيث التشدد والتساهل، وهي بهذا الاعتبار تنقسم إلى:

  1. منهج التشدد.
  2. منهج التساهل.
  3. منهج التوسط.

الثانية: من حيث منهجية الاختيار الإفتائي، وهي بهذا الاعتبار تنقسم إلى:

  1. منهج الالتزام بمذهب معين.
  2. منهج الاختيار من المذاهب الأربعة.
  3. منهج الاختيار من المذاهب الفقهية.

وقبل الحديث عن تلك المناهج الإفتائية المختلفة و المتنوعة نمهد بذكر تلك العوامل المختلفة التي تؤثر على المفتي سواء كان مؤسسة أو هيئة أو فردًا في اختيار أحد هذه المناهج دون غيره، مبينين أهم تلك العوامل المؤثرة والمحددة لاختيار منهج بعينه.

المبحث الأول

العوامل المؤثرة في اختيار منهجية الفتوى

هناك عدة عوامل تؤثر في اختيار منهجية الفتوى، بعضها يرجع إلى البيئة التي تصدر فيها الفتوى، وبعضها يرجع إلى حال المستفتي، وإدراك هذه العوامل يجعل المفتي قادرا على اختيار المنهج الأنسب، فيقرر: هل الأنسب الالتزام بمذهب فقهي واحد، أم الاختيار من المذاهب الأربعة، أم توسيع دائرة الاختيار ليشمل المذاهب الأربعة وغيرها من المذاهب الفقهية الأخرى وهكذا.

وقد تقرر لدى الراسخين من أهل العلم والفقهاء أن الفتوى ليست عبارة عن مجرد حكم شرعي متجرد عما حوله من الظروف والأحداث والمستجدات؛ لذلك فالفتوى لا تأخذ صورة واحدة جامدة على مر العصور؛ بل تتفاعل بما حولها من عوامل ومؤثرات قد تغير الفتوى تغيرًا كليًا أو جزئيًا طبقًا لتلك العوامل والمؤثرات؛ لذا فقد اعتبر العلماء أن الجمود على صورة واحدة من الفتوى دون اعتبار لما حولها من مؤثرات هو أمر خطير في منهجية التعامل مع الفتوى، وهذا الخطأ والإشكال المنهجي يجرد الفتوى من صلاحيتها ويجعلها تتعارض مع قواعد الشريعة و مقاصدها، يقول القرافي: “فمهما تجدد في العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك واسأله عن عرف بلده وأجره عليه وأفته به دون عرف بلدك ودون المقرر في كتبك فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين”(1).

ويقول أيضًا: “قد اختلفت الأحكام والشرائع بحسب اختلاف الأزمان والأحوال وظهر أنها سنة الله في سائر الأمم وشرع من قبلنا شرع لنا، فيكون ذلك بيانًا على الاختلاف عند اختلاف الأحوال في زماننا وظهر أنها من قواعد الشرع وأصول القواعد”(2).

ويؤكد الإمام الشاطبي على ضرورة مراعاة تغير الواقع ومدى تأثير ذلك على موافقة الفتوى للواقع المسؤول عنه فيقول: “لا يصح للعالم إذا سئل عن أمر كيف يحصل في الواقع إلا أن يجيب بحسب الواقع، فإن أجاب على غير ذلك؛ أخطأ في عدم اعتبار المناط المسئول عن حكمه، لأنه سئل عن مناط معين؛ فأجاب عن مناط غير معين”(3).

من هنا كان من المناسب أن تكون مناهج الفتوى مختلفة ومتنوعة تبعًا لما حولها من عوامل ومؤثرات، وهي في الحقيقة لا تخرج في مجموعها عن نفس العوامل المؤثرة في تغير الفتوى، وهي ما يسمى بجهات تغير الفتوى، وقد حصرها العلماء إجمالًا في أربع جهات أساسية، هي:

أ- الزمان.

ب- المكان.

ج- الأشخاص.

د- الأحوال.

وهذه الجهات الكلية يندرج تحتها ضمنًا العديد من العوامل المؤثرة الأخرى، منها:

أ- العرف والعادة.

ب- فقه الواقع.

ج- مراعاة المآلات.

د- الموازنة بين المصالح والمفاسد.

ه- الجوانب السياسية و الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

و- مراعاة مقاصد الشريعة.

فهذه العوامل تؤثر حتمًا على المنهج الإفتائي الذي يختاره المفتي –فردًا كان أو مؤسسة- في ممارسة العملية الإفتائية، فمما لاشك فيه أن المجتمع البسيط كالمجتمع البدوي أو القبلي يختلف تمام الاختلاف عن غيره كالمجتمع الحضري مثلًا، فهذا المجتمع يتمتع بقيم و أعراف وعادات حاكمة وضابطة لتفاصيل الحياة مختلفة تمام الاختلاف عن غيره من المجتمعات، من حيث طبيعة المشكلات ولأفكار السائدة ووجود المستجدات وطبيعتها، فغالبًا ما تتمتع هذه النوعية من المجتمعات بالمحافظة وقلة التنوع فيها مما يجعل منهج الالتزام بمذهب واحد أكثر ملائمة وتناسبًا مع هذا الوضع، بل إن طبيعة البيئة نفسها بما فيها من طبيعة صحراوية تلقي بظلالها من قسوة وشدة على المنهج الإفتائي المتبع في مثل هذه البيئة من جنوح إلى الشدة والغلظة.

ويقال مثل هذا الكلام على الأوضاع الاقتصادية والسياسية في تأثيرها على اختيار المنهج الإفتائي الملائم لهذه الطبائع والعوامل المختلفة، بل إن وضع المسلم في المجتمع المسلم يختلف عنه تمام الاختلاف في الدول ذات الأغلبية غير المسلمة من حيث المنهج الإفتائي المناسب والمتبع، فغالبًا ما يكون منهج الاختيار الإفتائي من مذاهب المجتهدين هو الأكثر مناسبة في مثل هذه الظروف

والأوضاع؛ لما فيه من سعة ويسر يتناسب وأوضاع الأقليات المسلمة.

ونحب في هذا المضمار أن نؤكد على أن اختيار المنهج الإفتائي المناسب من حيث الشدة واليسر هو منهج النبي ؛ فقد كان النبي  يفتي الصائم الشاب بعدم جواز التقبيل حال الصيام في حين كان يبيح هذا للشيخ؛ وذلك تبعًا لاختلاف الظروف والأحوال، روى الإمام أحمد: “عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كنا عند النبي ، فجاء شاب فقال: يا رسول الله، أقبل وأنا صائم؟، قال: “لا”، فجاء شيخ فقال: أقبل وأنا صائم؟، قال: “نعم”، قال؟ فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله : “قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه”(4).

وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يختلف منهجهم في الفتوى أيضًا تبعا لاختلاف العوامل المؤثرة من اختلاف الظروف والأحوال وغير ذلك، وهذا ما فعله سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في اتباعه منهج الشدة والحزم مع الناس في مسألة إيقاع الطلاق ثلاثًا دفعة واحدة لما رأه من استهتار وتلاعب بين الناس في الطلاق، روى الإمام مسلم عن ابن عباس قال: ” كان الطلاق على عهد رسول الله ، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم”(5).

يقول ابن القيم : “فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أن ما كانوا عليه في عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وعهد الصديق وصدرًا من خلافته كان الأليق بهم؛ لأنهم لم يتتابعوا فيه، وكانوا يتقون اللَّه في الطلاق، وقد جعل اللَّه لكل من اتقاه مخرجًا، فلما تركوا تقوى اللَّه وتلاعبوا بكتاب اللَّه وطلّقوا على غير ما شرعه اللَّه ألزمهم بما التزموه عقوبةً لهم؛ فإن اللَّه تعالى إنما شرع الطلاق مرَّة بعد مرَّة، ولم يشرعه كله مرة واحدة، فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدَّى حدود اللَّه، وظلم نفسه، ولعب بكتاب اللَّه، فهو حقيق أن يُعَاقَبَ، ويُلزم بما التزمه، ولا يُقرّ على رخصة اللَّه وسعته، وقد صعّبها على نفسه، ولم يتق اللَّه ولم يطلق كما أمره اللَّه وشَرَعه له، بل استعجل فيما جعل اللَّه له الأناة فيه رحمة منه وإحسانًا، ولبّس على نفسه، واختار الأغلظ والأشد؛ فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان، وعلم الصحابةُ -رضي اللَّه عنهم- حُسْنَ سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما أَلْزم به”(6).

وقد روى عن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال: لمن قتل مؤمنا توبة؟، قال: «لا إلا النار، فلما ذهب» قال له جلساؤه: ما هكذا كنت تفتينا، كنت تفتينا أن لمن قتل مؤمنا توبة مقبولة، فما بال اليوم؟ قال: «إني أحسبه رجل مغضب يريد أن يقتل مؤمنا» قال: فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك “(7).

ومثل ذلك كثير في كتب الفقه والمذاهب من مراعاة منهج الفتوى المناسب للزمان والمكان، فقد رأى متأخروا الحنفية أنه لا يكتفى بالعدالة الظاهرة في الشهود بل لا بد من التزكية، يقول الكاساني موضحًا علة اختلاف هذا عما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة: “عن مشايخنا من قال: هذا الاختلاف اختلاف زمان لا اختلاف حقيقة؛ لأن زمن أبي حنيفة – رحمه الله – كان من أهل خير وصلاح؛ لأنه زمن التابعين، وقد شهد لهم النبي – عليه الصلاة والسلام – بالخيرية بقوله «خير القرون قرني الذي أنا فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب.. الحديث”، “فكان الغالب في أهل زمانه الصلاح والسداد، فوقعت الغنية عن السؤال عن حالهم في السر، ثم تغير الزمان وظهر الفساد في قرنهما فوقعت الحاجة إلى السؤال عن العدالة، فكان اختلاف جوابهم لاختلاف الزمان، فلا يكون اختلافا حقيقة”(8).

1 الفروق( ١/١٩١)

2 الذخيرة (١٠/ ٤٧).

3 الموافقات(٣/ ٣٠١).

4 سبق تخريجه.

5 أخرجه مسلم (ح١٤٧٢).

6 إعلام الموقعين عن رب العالمين (٤/ ٣٨٩).

7 رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، رقم (٢٧٧٥٣).

8 بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، الكاساني (٦/ ٢٧٠).

المبحث الثاني

مناهج الفتوى من حيث التشدد والتساهل

تظل الفتوى- على أهميتها- في نهاية المطاف منتجًا بشريًا، يعتريه ما يعتري البشر من خطأ أو خلل أو نقص، فإذا كانت مناهج الفتوى كما ذكرنا في المبحث السابق تتأثر بعوامل خارجية من الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، فإنها كذلك قد تتأثر بعوامل أخرى تتعلق بالسمات والطباع الشخصية للمفتي من شدة وغلظة أو تساهل وتسرع أو تعصب وغلبة هوى، فمما لاشك فيه أن مثل هذه الصفات النفسية للمفتي تلقي بظلالها على المنهج الإفتائي المتبع لدى المفتي، وحول هذا المعني يقول النووي: “اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر كبير الموقع كثير الفضل لأن المفتي وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقائم بفرض الكفاية لكنه معرض للخطأ”(1).

وقد تعامل العلماء مع هذا الحقيقة، وعالجوا في مصنفاتهم هذه المشكلة التي تعتور المناهج الإفتائية بذكر الضوابط والقواعد التي يمكننا أن نحكم من خلالها على هذا المنهج أو ذاك بكونه متشددًا أو متساهلًا، وأوضحوا السمات والمظاهر المتعلقة بكل منهج، يقول الشاطبي: “المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور؛ فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة؛ فإنه قد أمر أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين؛ خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين”(2).

ونستعرض في السطور التالية مناهج المفتين من حيث منهج الشدة والتساهل والتوسط بينهما.

أولًا: منهج التشدد في الفتوى:

تعريف التشدد:

يرتبط التشدد في لغة العرب بالصلابة والقوة في الشيء، جاء في معجم مقاييس اللغة لابن فارس: “الشين والدال أصل واحد يدل على قوة في الشيء، وفروعه ترجع إليه”(3).

وقال الزبيدي: “الشدة، بالكسر، اسم من (الاشتداد) وهي الصلابة تكون في الجواهر والأعراض”(4).

أما في اصطلاح أهل العلم فيقصد بمنهج التشدد في الفتوى: هو ذلك المنهج الذي يتسم بالغلظة والغلو والقسوة بحيث يؤدي في نهاية الأمر إلى وقوع الناس في حرج وعسر وضيق مخالفًا بذلك أصول الشريعة وقواعدها.

موقف الشرع من منهج “التشدد”:

النصوص الشرعية من الكتاب والسنة ناضحة بنبذها لمنهج التشدد ليس في الفتوى فقط بل في كل مناحي الحياة؛ ويرجع ذلك إلى ما يترتب على ملازمة هذا المنهج سواء في الفتوى أو غيرها من آثار جسام، قد تجعل الناس يتحللون من الأحكام ويفرون من الدين.

والغرض الأساس من التكليف هو تهذيب النفس البشرية، وتعويدها على الاستقامة، من غير أن يكون هناك عنت أو مشقة؛ لأن المقصود تحقيق الصلاح والاستقامة للمسلم في الدنيا والآخرة يقول سبحانه وتعالى: ﴿ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﴾. [البقرة ١٨٥]

ويقول سبحانه: ﴿ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ﴾[المائدة :٦] .

ويقول سبحانه مخاطبًا نبيه: ﴿ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﴾
[آل عمران ١٥٩] .

وقد جاءت نصوص السنة النبوية المطهرة مؤكدة لما ورد في القرآن الكريم من إرادة التيسير وتجنب التشدد قولًا وعملًا، فمن ذلك قوله: “إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة»(5).

وقال : «يسروا ولا تعسروا، وبشروا، ولا تنفروا»(6).

وقال : «يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين، فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»(7).

وكان النبي  يخفف في صلاته وسجوده إذا سمع صوت بكاء الطفل الصغير، ومن ذلك ما رواه البخاري: “قال رجل: يا رسول الله إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان فيها، فغضب رسول الله ، ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضبا منه يومئذ، ثم قال: «يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فمن أم الناس فليتجوز، فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة»(8).

وقد روى الإمام أحمد أنه دخل أعرابي المسجد، فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا!!، فالتفت إليه النبي ، فقال: “لقد تحجرت واسعا”، ثم لم يلبث أن بال في المسجد!!، فأسرع الناس إليه، فقال لهم رسول الله -: “إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين، أهريقوا عليه دلوا من ماء، أو سجلا من ماء”(9).

وكان النبي وسلم إذا رأى مظهرًا من مظاهر التشدد في سلوك أصحابه وأفعالهم عالج هذا السلوك فورًا وقومه بما يرجعه إلى جادة الصواب، فمن ذلك ما وراه أنس بن مالك رضي الله عنه، يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ، يسألون عن عبادة النبي ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله  إليهم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»(10).

وعن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله  في سفر، فرأى رجلا قد اجتمع الناس عليه، وقد ظلل عليه، فقال: «ما له؟» قالوا: رجل صائم، فقال رسول الله : «ليس البر أن تصوموا في السفر»(11).

وعن عكرمة، عن ابن عباس، قال: بينا النبي  يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي : «مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه»(12).

مظاهر منهج التشدد في الفتوى:

هناك مجموعة من الملامح العامة والمظاهر التي نستطيع من خلالها أن نحكم على المنهج الإفتائي بأنه يميل إلى التشدد في الفتوى، وأهم هذه المظاهر ما يلي:

١. المسارعة إلى التحريم:

ويعد هذه المعلم من أهم المعالم الظاهرة بغض النظر عن الأسباب أو البواعث الدافعة لهذا كقلة البضاعة في العلم أو عدم فقه و إدراك مقاصد الشرع العليا أو غير ذلك، وهذا المنهج -على خطورته- يجافي الشريعة مجافاة تامة، فإن التسرع في الحكم على الأشياء بالتحريم أمر جلل وعظيم لطالما حذرنا الله تعالى منه، يقول سبحانه: ﴿ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﴾[النحل: ١١٦] .

وقد كان منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم الحذر من التفوه بلفظ التحريم قدر الاستطاعة لإدراكهم خطورة هذا، فكان بعضهم يقول: لا أحب هذا أو أكره هذا أو مكروه أو غير ذلك من الألفاظ، وقد كان الإمام مالك يقول: “لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا، ولا أدري أحدا أقتدي به يقول في شيء هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك وإنما كانوا يقولون: نكره هذا ونرى هذا حسنا، ونتقي هذا ولا نرى هذا، وزاد عتيق بن يعقوب، ولا يقولون حلال ولا حرام أما سمعت قول الله عز وجل: ﴿ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﴾[يونس: ٥٩] ، الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله”.

قال أبو عمر: «معنى قول مالك هذا أن ما أخذه من العلم رأيا واستحسانا لم يقل فيه حلال ولا حرام، والله أعلم»، وقد روي عن مالك أنه قال في بعض ما كان ينزل فيسأل عنه فيجتهد فيه رأيه: إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين”(13).

يقول الشاطبي: “وأما المتقدمون من السلف: فإنه لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحا أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام، ويتحامون هذه العبارة خوفا مما في الآية من قوله: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال هذا حرام لتفتروا على الله الكذب}”(14).

٢. عدم مراعاة ضرورات الناس واحتياجاتهم:

من أهم معالم التشدد في المنهج الإفتائي: عدم القدرة على معرفة متطلبات الناس من الضرورات والاحتياجات الواقعية والمصالح المرعية، وهو نوع من أنواع فقد إدراك الواقع المعيش بمتطلباته وتغيراته، فتجد هذا المنهج لا يراعي تلك الضرورات والمصالح المعتبرة ويتجاهلها ولا يشعر بما يحصل للناس جراء هذا من ضيق وحرج شديدين.

إن الأحكام الشرعية التي أوجبها الله سبحانه على المكلفين إنما هي لسعادة و صلاح الدارين واستقامتهما، لذا فقد قرر الشرع مجموعة من القواعد الضابطة لحالة الضرورة أو الاستثناء، كقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، والضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتسع وغير ذلك…، لأن الشرع ما قصد للعباد العنت والمشقة، وإنما سلك بهم مسلك التيسير ورفع الحرج، قال تعالى: ﴿ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﴾[الحج: ٧٨] ، وقال تعالى:﴿ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﴾[المائدة: ٦] .

وكل منهج إفتائي أدى إلى وقوع المستفتين في حرج ومشقة وضيق وتضييع لمصالحهم فهو مجاف للحق والصواب، يقول ابن القيم: “هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله  أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام”(15).

٣. الإلزام بالورع والإسراف في سد الذرائع:

إن إلزام الناس بمنهج الورع في التعامل مع الأحكام الشرعية، يعد نوعًا من أنواع الغلو والتشدد المخالف لمنهج الصواب، فالشرع قد جعل أحكامه للناس كافة، والناس تتفاوت مراتبهم في تحمل مشاق العبادة، فمنهم القوي والضعيف وما بينهما، و حملهم على مذهب الورع فيه من الشدة و العنت مالا يخفى، نعم يمكن للمرء أن يلتزم بهذا في خاصة نفسه ويكون أمرًا محمودًا، لكن ليس من الفقه والكيس أن يجعل هذا مذهبًا ومنهجًا يسير عليه مع المستفتين، لقد تواتر أن السلف الصالح رضوان الله عنهم كانوا أورع ما يكونوا فيما بينهم وبين الله، وأحوالهم في هذا مشهورة معلومة لكن فيما يخص الناس كانوا يتعاملون معهم بمنهج التيسير المنضبط بالضوابط الشرعية، فكان بعضهم يترك سبعين بابًا من الحلال مخافة أن يقع في باب من الحرام ، و يقولون: “لن يدرك العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس”.

أما فيما يتعلق بالناس فيقول ابن القيسراني: “عن عمير بن اسحق قال: كان من أدركت من أصحاب النبي  أكثر من مائتين لم أر قوما أهدى سيرة، ولا أقل تشديدا منهم”(16).

ويقول سفيان الثوري وقد روي عن غيره أيضًا مثل هذا:” إنما العلم عندنا الرخصة من الثقة أما التشديد فيحسنه أي أحد”.

ومثل الكلام الذي قيل في المبالغة في الورع يقال مثله في المبالغ في سد الذرائع مما يكون له أثر سيء على المستفتين من حيث وقوعهم في الشدة والضيق والعنت، لذا فقد اعتبر العلماء أن المبالغة في سد الذرائع هو أم مخالف للمنهج الصواب، يقول ابن حزم : ” كل من حكم بتهمة أو باحتياط لم يستيقن أمره أو بشيء خوف ذريعة إلى ما لم يكن بعد فقد حكم بالظن وإذا حكم بالظن فقد حكم بالكذب والباطل وهذا لا يحل وهو حكم بالهوى وتجنب للحق نعوذ بالله من كل مذهب أدى إلى هذا مع أن هذا المذهب في ذاته متخاذل متفاسد متناقض لأنه ليس أحد أولى بالتهمة من أحد وإذا حرم شيئا حلالا خوف تذرع إلى حر فليخص الرجال خوف أن يزنوا وليقتل الناس خوف أن يكفروا وليقطع الأعناب خوف أن يعمل منها الخمر”(17).

٤. المبالغة في الاحتياط:

الاحتياط هو عبارة عن احتراز المكلف عن فعل ما اشتبه في كونه منهيًا عنه، وعن ترك ما اشتبه في كونه مأمورًا به ، فهو بهذا المعنى قريب من الورع، ولكن العز بن عبد السلام يفرق بينه و بين الورع ، فيجعل الاحتياط أعم من الورع؛ حيث قال في “قواعد الأحكام”: الاحتياط ضربان: أحدهما: ما يندب إليه، ويعبر عنه بالورع؛ كغسل اليدين ثلاثًا إذا قام من النوم قبل إدخالهما الإناء وكالخروج من خلاف العلماء عند تقارب المأخذ، وكإصلاح الحكام بين الخصوم في مسائل الخلاف، وكاجتناب كل مفسدة موهمة…، والضرب الثاني: ما يجب من الاحتياط لكونه وسيلة إلى تحصيل ما تحقق تحريمه فإذا دارت المصلحة بين الإيجاب والندب، والاحتياط، حملها على الإيجاب؛ لما في ذلك من تحقق براءة الذمة، فإن كانت عند الله واجبة فقد حصل مصلحتها، وإن كانت مندوبة فقد حصل على مصلحة الندب وعلى ثواب نية الجواب”(18).

فالاحتياط بهذا المعنى أعم من الورع، وفي كل الأحوال فالمقصود هنا الاحتياط المذموم والذي يؤدي إلى وقوع المستفتين في حرج وضيق وشدة، أو إلى الوسوسة والتنطع والغلو وهذا هو الذي يعد سمة من سمات ومعالم منهج التشدد، أما الاحتياط الذي لايؤدي إلى الإخلال بمقاصد الشريعة كالأخذ بأرجح أقوال العلماء وأبعدها عن احتمال الخطأ، ومنه الخروج من الخلاف قدر الإمكان فهذا مستحب بالاتفاق.

فعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب في ركب فيهم عمرو بن العاص وأن عمر بن الخطاب عرس ببعض الطريق قريبا من بعض المياه فاحتلم عمر وقد كاد أن يصبح فلم يجد مع الركب ماء فركب حتى جاء الماء فجعل يغسل ما رأى من ذلك الاحتلام حتى أسفر فقال له عمرو بن العاص أصبحت ومعنا ثياب فدع ثوبك يغسل فقال عمر بن الخطاب واعجبا لك يا عمرو بن العاص لئن كنت تجد ثيابا أفكل الناس يجد ثيابا والله لو فعلتها لكانت سنة بل أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر”(19).

فترك سيدنا عمر الاحتياط هنا لما يترتب على فعله من المتابعة فيقع الناس في شدة وضيق، يقول الزرقاني: “قال الباجي: قول عمر ذلك لعلمه بمكانه من قلوب المسلمين ولاشتهار قوله –  -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» فخشي التضييق على من ليس له إلا ثوب واحد” (20).

فالمفتي له أن يحتاط في خاصة نفسه ويكون هذا شيئًا محمودًا، لكن جعله هذا منهجًا إفتائيًا مطردًا مع جميع المستفتين فهذا يؤدي إلى نوع من الضرر والمشقة عليهم، فعن مطرف بن عبد الله قال: كان مالك بن أنس يعمل في نفسه بما لا يلزمه الناس، ولا يفتيهم به , ويقول: «لا يكون العالم عالما حتى يعمل في خاصة نفسه بما لا يلزمه الناس ولا يفتيهم به , بما لو تركه لم يكن عليه فيه إثم»(21)

ثانيًا: منهج التساهل في الفتوى:

يعتبر العلماء “التساهل في الفتوى” من الإشكاليات التي تحوط المنهج الإفتائي وتجعل صاحبه غير جدير ولا مؤهل بالقيام بهذه المهمة العظيمة، وقد يصطلحون على هذا التساهل بمصطلحات أخرى كالتعجل في الفتوى أو التسرع في الفتوى باعتبار هذه الصورة من أهم صوره، ونظرًا لخطورة هذا الأمر على العملية الإفتائية برمتها فقد حرموا أخذ الفتوى ممن كان منهجه يتسم بهذا التساهل والتعجل، يقول النووي: “يحرم التساهل في الفتوى ومن عرف به حرم استفتاؤه”، ثم ذكر أهم صورة لهذا المنهج فقال: “فمن التساهل أن لا يتثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر”(22).

ويقول ابن حمدان: ” يحرم التساهل في الفتوى واستفتاء من عرف بذلك إما لتسارعه قبل تمام النظر والفكر أو لظنه أن الإسراع براعة”(23).

والتساهل في الفتوى هو أن يتسرع المفتي في فتواه متتبعًا أراء معينة دون تثبت ونظر مخالفًا بذلك الأصول الشرعية والقواعد المرعية.

وغالبًا ما يكون الحامل على هذا التساهل إتباع الهوى أو أغراض فاسدة لدى المفتي كاتباعه للحيل المحرمة ونحو ذلك، يقول النووي: “ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلبا للترخيص لمن يروم نفعه أو التغليظ على من يريد ضره، وأما من صح قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها لتخليص من ورطة يمين ونحوها فذلك حسن جميل وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا كقول سفيان إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد”(24).

مظاهر منهج التساهل في الفتوى:

يأخذ منهج التساهل في الفتوى صورًا عديدة وأشكالًا مختلفة ذكرها أهل العلم في كتبهم وأفاضوا في الحديث عنها والتحذير منها باعتبارها تمثل خللًا منهجيًا في فعل صاحبها يؤدي إلى نزع الموثوقية منه وعدم الاعتداد بفتواه، ومن أهم هذه المظاهر ما يلي:

١. التلفيق وتتبع الرخص:

التلفيق كما عرفه أهل العلم هو: الإتيان بكيفية لا يقول بها مجتهد، وذلك بأن يجمع بين تقليد إمامين أو أكثر في فعل له أركان أو جزئيات لها ارتباط ببعضها لكل منها حكم خاص كان موضع اجتهادهم وتباين آرائهم فيقلد أحدهم في حكم ويقلد آخر في حكم آخر فيتم الفعل من حيث التقليد ملفقًا بين مذهبين أو أكثر”(25).

والمقصود بتتبع الرخص هنا: الرخص بمعناها اللغوي أي رخص المذاهب وليس الرخص الشرعية، والعلماء يرون أن التقليد وتتبع رخص المذاهب طالما أنه ليس بناء على أدلة شرعية أو قواعد أصولية بل بمجرد الهوى و التشهى فهو ممنوع، لما يترتب على ذلك من تلاعب واستهتار بدين الله ، كما أن جعل هذا منهجًا مطردًا في الفتوى قد يؤدي إلى إسقاط التكاليف والتحلل منها ورقة الدين بل و إلى الزندقة والفسق في الدين، يقول الشاطبي: “وهذا المقلد قد تنازع في مسألته مجتهدان؛ فوجب ردها إلى الله والرسول، وهو الرجوع إلى الأدلة الشرعية، وهو أبعد من متابعة الهوى والشهوة؛ فاختياره أحد المذهبين بالهوى والشهوة مضاد للرجوع إلى الله والرسول، وهذه الآية نزلت على سبب فيمن اتبع هواه بالرجوع إلى حكم الطاغوت، ولذلك أعقبها بقوله: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﴾ [النساء: ٦٠] ، وهذا يظهر أن مثل هذه القضية لا تدخل تحت قوله: “أصحابي كالنجوم” وأيضًا فإن ذلك يفضي إلى تتبع رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي، وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن ذلك فسق لا يحل.

وأيضا؛ فإنه مؤد إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها؛ لأن حاصل الأمر مع القول بالتخيير أن للمكلف أن يفعل إن شاء، ويترك إن شاء وهو عين إسقاط التكليف، بخلاف ما إذا تقيد بالترجيح فإنه متبع للدليل؛ فلا يكون متبعا للهوى ولا مسقطا للتكليف”(26).

وأقوال العلماء في تتبع رخص المذاهب وزلات العلماء والتلفيق بمجرد التشهي مشهورة في المنع والتحذير من سلوك هذا المنهج، قال سليمان التيمي: «لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله، قال ابن عبد البر: «هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا»(27).

ويقول النووي: “لو جاز اتباع أي مذهب شاء لأفضى إلى أن يلتقط رخص المذاهب متبعا هواه ويتخير بين التحليل والتحريم والوجوب والجواز وذلك يؤدي إلى انحلال ربقة التكليف”(28). قال إسماعيل بن إسحاق القاضي: دخلت على المعتضد فدفع إليّ كتابا. نظرت فيه فكأنه قد جمع له الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم لنفسه، فقلت له: يا أمير المؤمنين، مصنف هذا الكتاب زنديق، فقال: لم تصحّ هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلّا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب”(29).

٢. الانسياق وراء الواقع:

إذا كنا قد اعتبرنا عدم إدراك الواقع ومراعاته من علامات الخلل في المنهج الإفتائي حيث يعتبر من معالم منهج التشدد في الفتيا، فإن الإغراق في الواقع و اتباع نهج التبرير والتسويغ الدائم له في منهج الفتيا هو أمر خطير وخلل كبير لا يقل عن الأول، إننا مع مناداتنا الدائمة بمراعاة الواقع لا يعني هذا أن يكون بدون ضوابط أو قيود، بل لابد أن يكون هذا في ظلال القواعد والأصول الشرعية، فالشرع في النهاية هو الحاكم لا المحكوم والمتبوع لا التابع.

إن اعتبارنا لجهات التغير في الفتوى من مصلحة و عرف ومآلات، ليس معناها أن نتخطى الأصول الشرعية أو نتجاوز القواعد المرعية أو نجعلها خاضعة لأهوائنا وأحوالنا، بل العكس هو الصحيح، وإن الفقهاء المجتهدين النابهين هم الذين يقع على عاتقهم القيام بهذه الموازنة الدقيقة وضبطها دون إفراط و تفريط، أو تشدد وتساهل، يقول الشاطبي:” المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور؛ فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة؛ فإنه قد أمر أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين؛ خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين” (30)

٣. إنتقائية الفتوى:

ونعني بالانتقائية في الفتوى أن يأخذ المفتي منهج الترخص و التساهل لطائفة معينة من المستفتين ومنهج التشدد والغلظة لطائفة أخرى من أجل غرض فاسد أو منفعة دنيوية، وهو من أسوء صور مظاهر التساهل في الفتوى كما نبه عليه العلماء، يقول النووي: “ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلبا للترخيص لمن يروم نفعه أو التغليظ على من يريد ضره وأما من صح قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها لتخليص من ورطة يمين ونحوها فذلك حسن جميل”(31).

يقول القرافي مبينًا صورة من صور التساهل ومظهرًا من مظاهره لأجل غرض فاسد: “ولا ينبغي للمفتي إذا كان في المسألة قولان أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تخفيف: أن يفتي العامة بالتشديد، والخواص من ولاة الأمور بالتخفيف، وذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين، والتلاعب بالمسلمين، ودليل فراغ القلب من تعظيم الله تعالى وإجلاله وتقواه، وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقرب إلى الخلق دون الخالق! نعوذ بالله تعالى من صفات الغافلين”(32).

٤. التوسع في تقدير الضرورات و اعتبار عموم البلوى:

من صور التساهل في الفتوى التوسع في تقدير الضرورات، فالضرورات كما عرفها العلماء هي التي إذا لم يفعلها الإنسان هلك أو شارف على الهلاك، فهذا التعريف الدقيق الذي وضعه أهل العلم فيه تلك المحددات التي تنطبق على وصف الحال بالضرورة من عدمها، وكذلك هناك شروط وضوابط للضرورة التي يستباح بها المحظور: ككون الضرورة متحققة بالفعل وكونها ملجئة وكونها لا يترتب على فعلها ضرر أكبر وغير ذلك..، فعدم استيفاء الحال لشروط وضوابط الضرورة المقررة عند أهل العلم لا يجعل الوضع وضع ضرورة شرعية، لذلك فالتوسع في هذا بالمخالفة لقواعد الضرورة الشرعية يعد صورة من صور التساهل في الفتوى ويمثل إشكالية في المنهج الإفتائي، فالمفتي لا يمكنه أن يلحق التحسينيات والترفيهيات بالضرورات مخالفًا للقواعد الشرعية، فينبغي عليه أن يراعي مراتب المصالح من الضرورات والحاجيات و التحسينيات، وكل له حده وشرطه وحكمه، ومثل ذلك في اعتبار عموم البلوى، فلا بد أن يراعي شروط اعتبارها من كونها حقيقية غير متوهمة، وعدم معارضته لنص شرعي وغير ذلك ..، ومع ذلك فإن الضرورة وعموم البلوى إذا استوفوا الشروط والضوابط، فهناك قواعد حاكمه لهذه الحال منها: الضرورة تقدر بقدرها، وتقييد العمل بعموم البلوى بالحال المترخص فيه حيث يزول بزواله.

الفرق بين التيسير في الفتوى والتساهل:

هناك فارق جوهري بين التساهل والتيسير في الإفتاء؛ فالتساهل ينشأ عن فوضى وتقصير في البحث وعدم اتباع منهج علمي منضبط قائم على أصول وقواعد، فهو في حقيقته منهج اتباع الهوى، وهو نوع من الاستهتار والتلاعب، ولذا كان منهجًا مرفوضًا عند أهل العلم، بينما التيسير ينشأ عن رسوخٍ في العلم، وإدراكٍ لمقاصد الشريعة وأدلتها وطرائق الترجيح بينها، وعن درايةٍ بأحوال الناس وحاجتهم وواقعهم، فالتيسير نوع من إعمال القواعد العلمية المدروسة والمقننة بعنايةٍ من قِبل علماء الإسلام وأئمة الفقه، ولهذا كان منهج التيسير من المناهج المرتضاة المقبولة عند أهل العلم الراسخين.

قال ابن حمدان : “يحرم التساهل في الفتوى واستفتاء من عرف بذلك إما لتسارعه قبل تمام النظر والفكر أو لظنه أن الإسراع براعة وتركه عجز ونقص، فإن سبقت معرفته لما سئل عنه قبل السؤال فأجاب سريعا جاز، وإن تتبع الحيل المحرمة كالسريجية أو المكروهة أو الرخص لمن أراد نفعه أو التغليظ على من أراد مضرته فسق.

وإن حسن قصده في حيلة لا شبهة فيها ولا تقتضي مفسدة ليتخلص بها المستفتي من يمين صعبة أو نحوها جاز لقوله تعالى لأيوب: ﴿ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﴾ [ص: ٤٤]، لما حلف ليضربن امرأته مئة جلدة، وقد قال سفيان الثوري إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد”(33).

ثالثًا: المنهج الوسطي في الفتوى

“وسطية الإسلام”:

جعل الله خصائص لهذا الدين الحنيف تكفل له الديمومة والصلاحية باختلاف الأعصار والأمصار، ومن أهم هذه الخصائص التي يتمايز بها ديننا الحنيف “الوسطية”، فهذه الوسطية تسري في كل ما جاء به الإسلام من عقائد و تشريعات و أخلاق، وهذه الخصيصة الكامنة فيه تجعله متوافقًا مع الطبيعة البشرية التي خلق الله عز وجل الناس عليها والفطرة التي فطروا عليها، و “الوسطية” في أبسط معانيها هي “العدل” و “الاستقامة”، لذلك جعل الله من خصائص الأمة المحمدية كونهم “وسطًا”، يقول سبحانه وتعالى:﴿ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﴾[البقرة: ٤٣]،قال القرطبي: “والوسط: العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها. وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي  في قوله تعالى:” وكذلك جعلناكم أمة وسطا” قال: (عدلا). قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي التنزيل:” قال أوسطهم ” أي أعدلهم وخيرهم…، ووسط الوادي: خير موضع فيه وأكثره كلأ وماء. ولما كان الوسط مجانبا للغلق والتقصير كان محمودا”(34) ، يقول ابن قيم الجوزية عن “معنى وسطية الإسلام”: فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النمط الأوسط، الذين ارتفعوا عن تقصير المفرطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين، وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطا، وهى الخيار العدل، لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدل هو الوسط بين طرفي الجور والتفريط، والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف، والأوساط محمية بأطرافها، فخيار الأمور أوساطها”(35).

منهج “الوسطية في الفتوى”:

نقصد بمنهج الوسطية في الفتوى: هو ذلك المنهج الذي يحمل المستفتي على الأحكام الشرعية التي أمر الله بها دون تشدد و تساهل، أو إفراط و تفريط، أو غلو تقصير، وذلك وفق الأصول الشرعية والقواعد المرعية، وكلما كان المنهج الإفتائي أقرب إلى “منهج الوسطية” كلما كان هذا دلالة على رسوخ المفتي و إتقانه وتشربه لروح الشريعة و مقاصدها، يقول الإمام الشاطبي:” االمفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور؛ فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال،والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة؛ فإنه قد مر أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين؛ خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين، وأيضا فإن هذا المذهب كان المفهوم من شأن رسول الله  وأصحابه الأكرمين، وقد رد عليه الصلاة والسلام التبتل، وقال لمعاذ لما أطال بالناس في الصلاة: “أفتان أنت يا معاذ”،وقال: “إن منكم منفرين” ،وقال: “سددوا، وقاربوا، واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا” ،وقال: “عليكم من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا”،وقال: “أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه وإن قل”،ورد عليهم الوصال، وكثير من هذا.

وأيضا؛ فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل، ولا تقوم به مصلحة الخلق، أما في طرف التشديد؛ فإنه مهلكة، وأما في طرف الانحلال؛ فكذلك أيضا؛ لأن المستفتي إذا ذهب به مذهب العنت والحرج بغض إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة، وهو مشاهد؛ وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى، واتباع الهوى مهلك، والأدلة كثيرة”(36)

أصول وقواعد المنهج الوسطي في الفتوى:

المحافظة على الثوابت واعتبار المتغيرات:

من أهم أصول وقواعد المنهج الوسطي في الفتوى محافظته على الثوابت الشرعية في الفتوى، ويقصد العلماء بالثوابت القطعيات ثبوتًا ودلالة أو مواطن الإجماع وقد يعبرون عنها بالمعلوم من الدين بالضرورة، وذلك مثل أصول العقائد والعبادات غير المعللة والأخلاق، إن هذه الثوابت هي هوية الدين وحقيقته لذا فهي ليست مجالًا لإعمال الرأي والاجتهاد، و هذا المنهج في الفتوى كما أنه يحافظ على الثوابت فإنه يعتبر المتغيرات الشرعية، ويقدر أنها مساحة الاجتهاد وإعمال الرأي والاختلاف المحمود، والذي هو في حقيقته رحمة وسعة بالأمة المحمدية، يقول ابن القيم-رحمه الله-:” الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها. لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود، المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.

والنوع الثانى: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالاً، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها. فإن الشارع بنوع فيها بحسب المصلحة”(37).

أن منهج الفتوى في هذه القضية يمثل وسطًا بين منهجين متطرفين أحدهما متشدد فيجنح إلى تحويل المتغيرات إلى ثوابت،بدون إدراك إلى مقصد الشريعة في ترك هذه المساحة من السعة والمرونة لاستيعاب اختلاف الناس في الاستنباط والفهم فيحصل بذلك الاختلاف بين المفتين والذي يراعي اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص، فهو في حقيقته رحمة ويسر وسعة، لذلك كان الإصرار على معاملة المتغيرات الشرعية من الظنيات وغيرها معاملة الثوابت القطعية أمر مخالف لمقصود الشرع، فيترتب عليه شدة و ضيق وحرج يضر بمصلحة الناس، وهذا المنهج المذكور هو ما دأبت عليه تلك الجماعات المتشددة فأدى إلى وقوع الناس في ضيق وحرج وربما نفر بعضهم وتفلت من التكاليف الشرعية، وعلى العكس من ذلك نرى منهجًا آخر متساهلًا منفلتًا من الثوابت، يريد أن يحول تلك الثوابت إلى متغيرات تقبل النقاش والحوار والجدل بدون منهج علمي متبع بل متبعًا الهوى والتشهى، وغالبًا ما يكون هذا تحت دعوى ” تجديد الدين” ، فينكر فرضية الحجاب أو وقوف عرفة وغير ذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة.

والخلاصة أن من أصول وقواعد المنهج الوسطي في الإفتاء هو المحافظة على الثوابت مع مراعاة مساحة المتغيرات في الشريعة، فهو وسط بين منهجي إفراط وتفريط، تشدد وتساهل، فهو منهج يدعوا إلى التجديد لا إلى التبديد، وإلى الاجتهاد في الفروع لا الأصول، والثوابت لا المتغيرات.

الربط بين الكليات والجزئيات وفق مقاصد الشريعة

من معالم المنهج الوسطي أن يكون المفتي على وعي كامل بالعلاقة ما بين كليات الشريعة وجزئياتها، وأن تكون عنده على السواء ويجد فيها التوافق والتكامل والتناسق، ومن لم يجد ذلك، فلا بد أن يكون أحد شخصين:

الأول: غارق في الفروع لا يتجاوزها ولا يعدوها كما هو مشاهد من بعض مقلدي المذاهب والفروعيين الذين من كثرة انكبابهم علي التفريعات الجزئية قد يغفلون معها عن أصول الشريعة وأسرارها، والتي كانت نصب أعين أئمتهم؛ فيخرجون بأحكام في مسائل فرعية نافرة كل المنافرة عن المقاصد الشرعية، ويوضح ذلك القرافي أتم توضيح فيقول:” كل شيء أفتى فيه المجتهد؛ فخرجت فتياه فيه على خلاف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح، لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس، ولا يفتي به في دين الله تعالى … فعلى هذا يجب على أهل العصر تفقد مذاهبهم، فكل ما وجدوه من هذا النوع يحرم عليهم الفتيا به، ولا يعرى مذهب من المذاهب عنه، لكنه قد يقل وقد يكثر، غير أنه لا يقدر أن يعلم هذا في مذهبه إلا من عرف القواعد والقياس الجلي والنص الصريح وعدم المعارض لذلك، وذلك يعتمد تحصيل أصول الفقه والتبحر في الفق؛ فإن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه، بل للشريعة قواعد كثيرة جدا عند أئمة الفتوى والفقهاء لا توجد في كتب أصول الفقه أصلا، وذلك هو الباعث لي على وضع هذا الكتاب لأضبط تلك القواعد بحسب طاقتي، ولاعتبار هذا الشرط يحرم على أكثر الناس الفتوى؛ فتأمل ذلك فهو أمر لازم”(38).

والثاني: مكتف بمقاصد توهمها شرعية يرد إليها الفروع المختلفة رامٍ قواعد الاستنباط واستنباطات المجتهدين عرض الحائط، بدعوى مخالفتها لما توهمه، وعلى سبيل المثال قد صنف أحدهم كتابا في المقاصد الشرعية أسماه “مقاصد الشريعة: التشريع الإسلامي المعاصر بين طموح المجتهد وقصور الاجتهاد” يهدم فيه الأحكام الشرعية بزعم أنها متوارثة قاصرة عن العصر الحالي يقول فيها:” المسلم اليوم لم يعد يستسيغ الكثير منها كتعدد الزوجات والجلد والرجم … أو كما في العدة التي تلزم فيها المرأة المطلقة بأن تعتد ثلاثة قروء، والأرملة بأن تتربص أربعة أشهر وعشرا والمقصد الأساسي من هذا الاحتياط إنما هو التثبت من حصول الحمل أو من عدمه والحال أن وسائل الكشف تمكننا من معرفة ذلك يقينا خلال نصف أقصر العدتين”(39).

وما هذا إلا تبديل للدين، والخروج عن جملة الشريعة بالكلية.

وأما المفتي الكامل هو الذي يراعي الأصول الكلية للشريعة يرد إليها كل الجزئيات، ولا يكتف بواحد منهما على حساب الآخر، مع مراعاته المقاصد الشرعية في كل منهما، فلا ينقض بأحدهما الآخر، فهذا هو القسط بينهما، ولله در الإمام ابن تيمية حينما قال: “ونحن نذكر قاعدة جامعة لسائر الأمة فنقول: لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم”(40).

اتباع منهج التيسير وفق الضوابط الشرعية

إن من أجل النعم والخصائص التي خص بها الإسلام أن جعله دين اليسر، فهو مقصد من مقاصد الحق سبحانه، ومراد من مراداته في جميع أمور الدين، قال تعالى: ﴿ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال تعالى لخاتم الرسل: ﴿ ﯤ ﯥ ﴾ [الأعلى: ٨]، ويقول النبي : “إن الدين يسر” فقد شرّع المولى –سبحانه وتعالى- الأحكام على وجه روعيت فيه قدرة المكلف على امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، مع رفع الحرج عن المكلف قال تعالى: ﴿ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰﮱ ﴾ [الحج: ٧٨].

ومن القواعد الخمس الكبرى ا لتي هي دعائم الفقه كله، وترجع وتُرَد مسائل الفقه إليها، قاعدة “المشقة تجلب التيسير”.

والفتوى ما دامت إخبار عن الحكم الشرعي فلا بد أن تكون على وجه يدفع الحرج عن المستفتي على وفق الأدلة الشرعية.

فالمفتي الماهر عند اختياره من أقوال الفقهاء لا يغفل عن الأيسر للمستفتي الذي لا يوقعه في الحرج، بما لا يخالف الضوابط الشرعية فلا يقع في التساهل المذموم، فالتيسير المنضبط لا إفراط فيه ولا تفريط، بل هو الذي يرفع المشقة عن المكلف، ويحقق المقاصد الشرعية، محافظا على ثوابت الدين، غير مائل مع أهواء المستفتين، أو متبعا لرخص العلماء على وجه تسقط به التكاليف الشرعية، ولا يكون سببا لارتكاب محظورات الدين.

مراعاة جهات التغير في الفتوى

قد ذكرنا سابقا العلاقة ما بين الفقه والفتوى، وذكرنا أن الفتوى لا تأخذ صورة واحدة ثابتة بل هي تتغير عبر تفاعلها بما حولها من عوامل ومؤثرات، وهذا إعمال لما أمرت به الشريعة، وراعته في أصولها الكلية وجزئياتها الفرعية؛ فالفتيا لها حيثيات يختلف معها الحكم فإذا تغيّرت الحيثيّة فلا بد أن يكون له أثر على الفتيا، ولذلك عُد من المبادئ المستقرة والمقررة عند أهل الفتيا “أن الفتيا تتغير بتغير موجباتها”، ولذلك كره بعض الأئمة أن يكتب تلاميذه الفتاوى خشية أن يأخذها البعض ويطبقها على واقع مختلف، قال الشاطبي:” وقد كره مالك كتابة العلم -يريد ما كان نحو الفتاوى-؛ فسئل: ما الذي نصنع؟ فقال: تحفظون وتفهمون حتى تستنير قلوبكم، ثم لا تحتاجون إلى الكتاب”(41).

فانظر إلى كيف أرشدهم الفهم وفقه النفس فهذا لا يمكن تحصيله من الكتاب وحده، فمن يعتبر ذلك من المفتين ويدقق ويتحرى معرفة هذه العوامل قبل صدور فتواه فهذا هو المنهج العدل والقسط، وأما من كانت الفتوى عنده تأخذ صورة واحدة ولا يعتبر المؤثرات فهذا بعيد كل البعد عن الفتوى بل هو حافظ لفروع فقهية أخذها من الكتب يذكرها للناس، غافلا عن منهاج الفتيا السليم، وهذا جهل وظلم يجره على الشريعة وهي من ذلك براء، يقول ابن القيم: “ومَنْ أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عُرْفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعْظَمَ من جناية من طَبَّبَ الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطبِّ على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضَرُّ ما على أديان الناس وأبدانهم”(42).

1 آداب الفتوى والمفتي والمستفتي (ص١٣).

2 الموافقات (٥/ ٢٧٦).

3 مقاييس اللغة (٣/ ١٧٩)، مادة «شدد».

4 تاج العروس من جواهر القاموس (٨/ ٢٣٩)، مادة «شدد».

5 أخرجه البخاري (ح٣٩).

6 أخرجه البخاري (ح٦٩).

7 أخرجه ابن ماجه (ح٣٠٢٩).

8 أخرجه البخاري (ح٧٠٤).

9 أخرجه أحمد في مسنده، رقم (٧٢٥٥).

10 أخرجه البخاري (ح٥٠٦٣).

11 أخرجه مسلم (ح١١١٥).

12 أخرجه البخاري (ح٦٧٠٤).

13 جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٠٧٦).

14 الاعتصام (٢/ ٥٣٧ ).

15 إعلام الموقعين عن رب العالمين (٣/ ١١).

16 كتاب السماع، ابن القيسراني (ص٩٠).

17 الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ١٣).

18 قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز بن عبد السلام (٢/ ١٨، ١٩).

19 رواه مالك في الموطأ ، رقم (١٣٧ -رواية أبي مصعب).

20 شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، الزرقاني (١/ ٢٠٨).

21 الفقيه والمتفقه (٢/ ٣٣٩).

22 آداب الفتوى والمفتي والمستفتي،(ص٣٧).

23 صفة الفتوى والمفتي والمستفتي (ص٣١).

24 آداب الفتوى والمفتي والمستفتي، (ص٣٧).

25 تبصير النجباء بحقيقة الاجتهاد والتقليد والتلفيق والإفتاء ، د/ محمد إبراهيم الحفناوي،(ص٢٦٢).

26 الموافقات (٥/ ٨٢).

27 جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٢٧).

28 المجموع شرح المهذب (١/ ٥٥).

29 تاريخ دمشق (٧٢/ ٢٠٣).

30 الموافقات (٥/ ٢٧٦).

31 آداب الفتوى والمفتي والمستفتي، (ص٣٧).

32 الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، القرافي (ص٢٥٠).

33 صفة الفتوى والمفتي والمستفتي (ص٣١، ٣٢).

34 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (٢/ ٤٣٣، ٤٣٤).

35 إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ١٨٢).

36 الموافقات ، (٥/ ٢٧٦، ٢٧٧).

37 إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ٣٣٠، ٣٣١).

38 الفروق (٢/١٠٩)

39 مقاصد الشريعة: التشريع الإسلامي المعاصر بين طموح المجتهد وقصور الاجتهاد، نور الدين بوثوري (ص ١١٥)

40 مجموع فتاوى ابن تيمية (١٩/٢٠٣)

41 الموافقات (٥/٢٤)

42 إعلام الموقعين (٤/٤٧٠)

المبحث الثالث

مناهج اختيار الفتوى

أولا: منهج الإفتاء بمذهب معين:

نقصد بمنهج الإفتاء بمذهب معين: التقيد بمذهب فقهي واحد من المذاهب الفقهية المعتمدة، والالتزام بما هو منصوص عليه في المذهب بأنه معتمد الفتوى، وما لم يكن منصوصا عليه في كتب المذهب، يلتزم المفتي أصول المذهب في الاستنباط ويتقيد بها في معالجة المستجدات.

وقد اعتنى علماء المذاهب الفقهية عناية كبيرة بصناعة الفتوى، وتوالت جهودهم للتنظير والتأصيل لأسس تلك الصناعة وضوابطها، وأثمرت تلك الجهود التراكمية في نهاية المطاف عن امتلاك كل مذهب من المذاهب الفقهية لمنهج إفتائي، له أدواته الخاصة، وسماته المميزة، واستقرت تلك المناهج الإفتائية ونقحت ودوِّنت، ونالها نصيب لا بأس به من التصنيفات كـ (رسم المفتي- نور البصر- والفوائد المدنية- والمدخل لابن بدران) ونحوها.

وسنتناول في هذا المطلب أسس وأصول مناهج الفتوى التي قامت عليها المذاهب الفقهية الأربعة المتبوعة:

  1. المذهب الحنفي
  2. المذهب المالكي
  3. المذهب الشافعي
  4. المذهب الحنبلي

١- منهج الإفتاء بالمذهب الحنفي

يعتبر المذهب الحنفي هو أقدم المذاهب الفقهية الإسلامية المدونة، وهو منسوب للإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله.

فصناعة الفتوى على منهج الحنفية –أو على أيٍّ من المذاهب الفقهية عمومًا- لا تتم إلا من خلال منهج واضح المعالم ومحدد الأركان، مسبوق ببعض الإدراكات التي تمثل مدخلًا وتوطئة هامة لا غنى للباحث والمتصدر للفتوى عنها.

أولًا: الإدراكات اللازمة للمتصدر للفتوى على مذهب الحنفية:

وهي مجموعة المعارف الخاصة بالمذهب، والتي يجب أن يحيط بها المتصدر للفتوى على هذا المذهب، ومن خلالها يتمكن من صناعة الفتوى وفق منهج منضبط دون خلل أو اضطراب، وتنقسم تلك الإدراكات إلى قسمين رئيسيين، القسم الأول مصطلحات المذهب، والقسم الثاني: مصنفات المذهب المعتمدة:

القسم الأول: أهم مصطلحات ورموز المذهب:

وتعد مصطلحات المذهب بمثابة كلمات المرور، التي من خلال معرفتها يتمكن الباحث أو المتصدر للإفتاء من معرفة مراد المصنفين من إطلاقاتهم.

وأبرز المصطلحات التي اختص بها المذهب الحنفي:

(الإمام الأعظم):

ويطلق على إمام المذهب أبي حنيفة النعمان.

(عامة المشايخ):

والمراد به أكثر علماء المذهب.

(الأئمة الثلاثة):

المراد بهم أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن.

(الشيخان):

والمشهور إطلاق مصطلح الشيخين على أبي حنيفة، والقاضي أبي يوسف كما ذكر اللكنوي، وهو ما ذكره في مجمع الأنهر، قال «ومتى للشرط هنا ذكرت لفظ التثنية كقوله خلافًا لهما أو قالوا أو عندهما من غير قرينة تدل على مرجعهما، فهو لأبي يوسف ومحمد، أما لو ذكر مثلا محمدًا ثم ذكر التثنية فالمراد الشيخان». وكذا ورد في إطلاق ابن عابدين.

واستعمل ابن نجيم لفظ (الشيخان) للدلالة على أبي يوسف ومحمد بن الحسن، قال في البحر الرائق: «ثم اختلف الشيخان في حكم تبرعاته فقال أبو يوسف من جميع المال كتصرف من وجب عليه القصاص وقال محمد هو بمنزلة المريض فتكون من الثلث لكونه على شرف التلف». وكذا ذكر في مواضع أُخَر ما يدل على أن المراد بهما صاحبا أبي حنيفة.

(الطرفان):

والمراد بهما أبو حنيفة ومحمد بن الحسن.

(الصاحبان):

ويراد بهما أبو يوسف ومحمد بن الحسن.

(الإمام الثاني):

يطلق على القاضي أبي يوسف، وقد كثر استعماله بهذا الاسم في “الفتاوى البزازية” على وجه الخصوص.

(الحسن):

ويراد به الحسن بن زياد عند الإطلاق.

ضمير التثنية في (عندهما- لهما- قالا…) ونحو ذلك:

يراد به أبو يوسف ومحمد، إلا إذا سبق لثالثهما ذكر، فيكون الضمير دالًّا على الاثنين الآخرين، يعني إذا قال: قال أبو حنيفة كذا، وقالا، فالمراد: أبو يوسف ومحمد، وإذا قال: عند أبي يوسف كذا، وعندهما كذا، فالمراد أبو حنيفة ومحمد، وهكذا.

حرف (ح):

إشارة إلى أبي حنيفة في “الكنز” و”الوافي”، وإشارة إلى مصطفى الحلبي في كتاب “تحفة الأخيار” عند ابن عابدين.

حرف (ز) و(س) و(م) و (سم):

(ز) إشارة إلى زفر، و(س) إلى أبي يوسف، و(م) إلى محمد بن الحسن، و(سم) إلى أبي يوسف ومحمد. وهذه الرموز استعملت في كتب “كنز الدقائق” و”المختار” و”الوافي”.

حرف (ط):

إشارة إلى الطحطاوي.

(الأصل):

ويراد به كتاب المبسوط، لمحمد بن الحسن.

(الأصول):

وهي كتب ظاهر الرواية، وستأتي.

(الكتاب):

ويطلق ويراد به مختصر القدوري.

(المبسوط):

عند الإطلاق ينصرف إلى مبسوط السرخسي.

(المتون الثلاثة):

مختصر القدوري- والوقاية- وكنز الدقائق.

(المتون الأربعة):

مختصر القدوري- والوقاية – وكنز الدقائق- والمختار.

(رواية الأصول ومسائل الأصول):

هي مسائل ظاهر الرواية.

(السلف):

يراد به أئمة المذهب إلى محمد بن الحسن.

(الخلف):

يطلق على أئمة الحنفية من بعد محمد بن الحسن إلى شمس الأئمة الحلواني.

(شمس الأئمة):

ويطلق على عدة علماء، ولكن عند الإطلاق ينصرف إلى الإمام السرخسي صاحب المبسوط.

القسم الثاني: مصنفات المذهب المعتمدة:

وقد خلف فقهاء الحنفية عددًا كبيرًا من المصنفات الفقهية، ويمكن تصنيف المؤلفات المعتمدة في المذهب الحنفي تحت ثلاث فئات رئيسية:

أ – كتب المسائل والروايات:

وهي التي تضم المسائل المروية عن أئمة المذهب الأوائل (أبو حنيفة – أبو يوسف- محمد بن الحسن- زفر…)

وتنقسم تلك المصنفات إلى ثلاث طبقات:

كتب ظاهر الرواية:

والمراد بكتب ظاهر الرواية هي الكتب الستة التي ألفها الإمام محمد بن الحسن الشيباني (١٨٩هـ)، وهي:

  • المبسوط (الأصل)، وهو أكبر ما وصل إلينا من مؤلفات محمد بن الحسن.
  • الزيادات.
  • الجامع الصغير.
  • الجامع الكبير.
  • السير الصغير.
  • السير الكبير.

وسميت تلك المسائل أو الكتب بظاهر الرواية؛ لأنها مسائل رويت عن الإمام محمد بن الحسن بروايات الثقات، فهي ثابتةٌ عنه؛ إما متواترة، أو مشهورة.

وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب وهم: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد ويلحق بهم: زفر والحسن بن زياد وغيرهما ممن أخذ عن الإمام، لكن الغالب الشائع في ظاهر الرواية أنها روايات عن الأئمة الثلاثة (أبو حنيفة والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن).

وترجع أهمية مصنفات ظاهر الرواية -للمتصدر للفتوى بمذهب أبي حنيفة- إلى أنها هي الكتب التي تضم رأي الأئمة الثلاثة (أبي حنيفة والقاضي أبي يوسف ومحمد بن الحسن)، واتفاقهم على حكم في مسألة ما، هو أعلى درجات المذهب اعتمادًا، يقول الحصفكي: «ما اتفق عليه أصحابنا في الروايات الظاهرة يفتى به قطعًا».

مسائل النوادر:

وهي مسائل مروية عن أئمة الحنفية شأنها شأن مسائل ظاهر الرواية، إلا أنها تفترق عن مسائل ظاهر الرواية من جهتين بأنها قد تكون مروية في كتب محمد بن الحسن، إلا أنها لم ترو عنه بروايات ظاهرة ثابتة صحيحة كالكتب الأولى مثل مجموعة كتبه:

  • الكيسانيات.
  • الهارونيات.
  • الجرجانيات.

أيضًا قد تكون في كتب غير كتب محمد بن الحسن، كالمحرر للحسن بن زياد وغيره ومنها كتب الأمالي المروية عن أبي يوسف.

مسائل الواقعات:

وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عنها ولم يجدوا فيها رواية، وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد وأصحاب أصحابهما، وهلم جرَّا، وهم كثيرون، فمن أصحابهما عصام بن يوسف وابن رستم ومحمد بن سماعة وأبي سليمان الجرجاني وأبي حفص البخاري، ومن بعدهم مثل محمد بن سلمة ومحمد بن مقاتل ونصير بن يحيى وأبي النصر القاسم بن سلام.

وقد يتفق لهم أن يخالفوا أصحاب المذهب لدلائل وأسباب ظهرت لهم، ومن تلك الكتب:

  • النوازل لأبي الليث السمرقندي.
  • مجموع النوازل والواقعات للناطفي.
  • الواقعات للصدر الشهيد.

ب- كتب المختصرات والمتون:

وهي الكتب المختصرة التي نقلت المسائل المروية عن الأئمة بشكل مختصر، وترجع أهمية تلك المتون في أنها اعتمدت على كتب الرواية المعتمدة، وجمعت آراء الأئمة ودققتها، مما جعل ما صححته تلك المتون هو قمة الآراء المعتمدة في المذهب. وأشهر تلك المتون:

كتاب الكافي:

للحاكم الشهيد: وهو اختصار لكتب ظاهر الرواية لمحمد بن الحسن، يعني أن المحيط به يكون قد أحاط بمسائل ظاهر الرواية، ومن هنا تكمن أهميته للمتصدر للفتوى، ولأجل ذلك كان من أهم الكتب المعتمدة عند الحنفية.

مختصر القدوري (٤٢٨هـ):

وهو من أشهر متون الفقه الحنفي وأكثرها تداولًا على الإطلاق، فاعتمد عليه طلبة العلم في الدرس والتحصيل، وجعله علماء الحنفية نواة للشرح والتعليم، فكان من أهم مقررات المذهب الحنفي على الإطلاق، وفي هذا المختصر يقارن القدوري بين آراء الأئمة الثلاثة (أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن) مما يضع المتصدر للفتوى أمام معطيات منتجة للفتوى الصحيحة.

المختار:

لابن مودود الموصلي: وهو جمع لأقوال الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وشرحه ابن مودود نفسه، وسماه “الاختيار في تعليل المختار”.

مجمع البحرين:

لمظفر الدين الساعاتي: وهو كتاب جمع فيه مسائل القدوري، ومسائل منظومة النسفي، مع بعض الزيادات، ويذكر في آخر كل كتاب منه: ما شذ عنه من المسائل المتعلقة بذلك الكتاب.

كنز الدقائق:

لأبي البركات النسفي، وهو مختصر لكتاب الوافي الذي عمد فيه إلى جمع مسائل الجامع الصغير والجامع الكبير والزيادات لمحمد بن الحسن، مع مسائل الفتاوى والواقعات، فلخصه في كنز الدقائق.

بداية المبتدي:

لأبي الحسن المرغيناني: وجمع فيه كتاب مختصر القدوري مع كتاب الجامع الصغير لمحمد بن الحسن.

وقاية الرواية:

لتاج الشريعة، محمود المحبوبي، وهو مختصر للهداية للمرغيناني.

ج- كتب الشروح والفتاوى:

المبسوط:

لشمس الأئمة السرخسي، وهو أفضل الشروح لكتاب الكافي، للصدر الشهيد، قال الطرسوسي: مبسوط السرخسي لا يعمل بما يخالفه، ولا يركن إلا إليه، ولا يفتى ولا يعول إلا عليه.

الهداية:

للإمام المرغيناني، وهو شرح لمتن بداية المبتدي، وهو من أهم الشروح المعول عليها في المذهب الحنفي.

شرح الوقاية:

لتاج الشريعة عبيد الله بن مسعود، وهو شرح لمتن “وقاية الرواية”.

تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق:

لفخر الدين الزيلعي، أحد الشروح الهامة على متن “كنز الدقائق”.

العناية شرح الهداية:

لأكمل الدين البابرتي، وهو شرح على “الهداية” للمرغيناني.

فتح القدير:

للكمال ابن الهمام، وهو أشهر شروح “الهداية”، وعليه المعتمد في الشروح.

الترجيح والتصحيح:

لقاسم بن قطلوبغا، وهو شرح لـ “مختصر القدوري”.

البحر الرائق شرح كنز الدقائق:

لزين الدين بن نجيم، وهو شرح على “كنز الدقائق”، وقد لاقى الكتاب اهتمامًا كبيرًا من الحنفية حتى صار عمدة لهم.

مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر:

لعبد الرحمن بن محمد، شيخي زاده، وهو شرح لمتن “ملتقى الأبحر”.

رد المحتار على الدر المختار:

لابن عابدين، وهو أبرز الكتب المتأخرة في تحرير المذهب وضبطه، وهو شرح لكتاب “الدر المختار”.

منهج الفتوى على المذهب الحنفي:

وإذا أحاط المتصدر للفتوى بمصطلحات المذهب وجمع مصنفاته المعتمدة، فإنه يشرع في صناعة فتواه، والتي يجب أن تتم وفق منهج منضبط محدد المراحل والخطوات بما يضمن إنتاج فتوى محررة رشيدة صحيحة.

وتتلخص مراحل صناعة الفتوى على المذهب في مرحلتين رئيسيتين؛ المرحلة الأولى استخراج معتمد المذهب، وهي المرحلة الرئيسية، وبها تقوم الفتوى، والمرحلة الثانية، مرحلة توثيق المعتمد أو الفتوى، وهي مرحلة تكميلية للمرحلة الأولى.

المرحلة الأولى

استخراج معتمد المذهب في المسألة محل الفتوى

واستخراج المعتمد من المذهب له طرق أربعة، يسلكها المتصدر للفتوى –على حسب تأهله وقدراته- على الترتيب الآتي ذكره، فإن تحقق مقصوده باستخراج المعتمد من الطريق الأول، فقد تم المراد له، وإن لم يتحقق، انتقل إلى الطريق التالي له.

الطريق الأول: تخريج المعتمد المنصوص عليه من كتب المتأخرين:

وهذا الطريق هو الطريق الأوَّلِي لاستخراج معتمد المذهب، حيث يكون محل السؤال أو الفتوى أحد الفروع أو المسائل التي نصَّ عليها علماء المذهب، وهو أسهل الطرق لتخريج المعتمد، ويكون عن طريق البحث في المتون والشروح المعتمدة…

فيتوجه الباحث أولًا إلى المتون المعتمدة، وهي:

(الوقاية- كنز الدقائق- مختصر القدوري – المختار – مجمع البحرين- بداية المبتدي- النقاية- ملتقى الأبحر)

وأشهرهم وأَوْلاهم في التقديم هي المتون الأربعة الأولى:

(الوقاية- كنز الدقائق- مختصر القدوري – المختار)

إلَّا أن المتصدر للفتوى يحتاج إلى النظر في جملة هذه المتون بدرجة واحدة من الفحص والتحري والعناية.

ويبحث فيها عن المسألة المستفتى فيها، فإذا وقف على مسألته في تلك المتون، أو بعضها، منصوصًا عليها بلا خلاف بينهم، فهذا هو معتمد المذهب؛ لأن تلك المتون اعتمدت ذكر الصحيح والمقدم في المذهب.

ومثاله: مسألة وجوب الحكومة في الشارب، فإن تلك المسألة ذُكرت في “الكنز و”ملتقى الأبحر” و”المختار” و”بداية المبتدي” وكلهم اتفقوا على حكمها، وقال صاحب البداية: «وفي الشارب حكومة عدل وهو الأصح».

فالمعتمد في المذهب بلا ريب هو ذلك، لأن المتون المعتمدة قد قدَّمته ولم يذكروا فيه خلافًا، ونصَّ أحد تلك المتون على التصحيح.

فإن سئل المتصدر للفتوى عما يجب في الشارب إذا اعتدي عليه، أفتى بأن الواجب فيه حكومة عدل، ووثَّق فتواه على المصدر أو المصادر التي خرَّج منها معتمد المذهب بضوابط التوثيق الآتية.

وهذا ما لم ينقدح في نفس المتصدر للفتوى ريب من معارضة المعتمد للعادة والعرف، أو أن ثمة ضرورة تمنع من الفتوى بالمعتمد، فمتى شعر المتصدر للفتوى بذلك، رفع الفتوى لمن هو أعلى منه، وهذا القيد مطرد في منهج الفتوى في الطريق الأول بوجه عام.

فإن لم يجد مسألته في المتون، انتقل للبحث في الشروح، وأهمها:

(الهداية للمرغيناني- الاختيار لتعليل المختار – تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق- جامع الفصولين- فتح القدير- الترجيح والتصحيح- البحر الرائق- مجمع الأنهر- رد المحتار).

فإن ظفر بمسألته منصوصًا عليها، ولم يجد فيها خلافًا، فهو معتمد المذهب أيضًا، وسلك في الفتوى نفس المسلك السابق، بنفس الضوابط والقيود السابقة.

الطريق الثاني: استخراج المعتمد المنصوص عليه المختلف فيه بين المتأخرين:

وفي هذه الحالة يجد المتصدر للفتوى معتمد المذهب منصوصًا عليه، إلا أنه مختلف فيه بين المصنفات المعتمدة المتأخرة، فيقوم المتصدر للفتوى بالترجيح بين المتون والشروح المعتمدة، مراعيًا الآتي:

  • أولًا: إن وجد الخلاف بين المتون وبين الشروح، فيقدم تصحيح ما في المتون؛ لأن ما في المتون هو المقدم.

قال ابن عابدين: «معلوم أن ما في المتون مقدم على ما في الشروح وما في الشروح مقدم على ما في الفتاوى فالظاهر تقديم ما هو ظاهر المتون».

ويستثنى من تقديم المتون على الشروح صورتان:

  • أن يجد التصحيح في الشروح أو الفتاوى، ولا يجد تعليقًا على المسألة في المتون، فيقدم ما في الشروح أو الفتاوى.
  • أن يجد في المتون تصحيح مقابل المسألة، ويجد في الشروح تصحيح المسألة نفسها، فيقدم ما في الشروح؛ لأن تصحيح المسألة فيها تصحيح صريح، وما في المتون تصحيح التزامي، فيقدم التصحيح الصريح.

وينبغي على الباحث أن يعلم الألفاظ التي يستعملها أئمة المذهب في الترجيح والتصحيح، وأبرزها:

عليه الفتوىالفتوى عليهبه يفتى
فتوى مشايخناالمختار في زمانناعليه الاعتماد
المختار للفتوىعليه عمل اليومعليه عمل الأمة
هو الصحيحهو الأصحهو الأظهر
هو الأشبههو الأوجهعليه عمل الناس
المأخوذ به
  • ثانيًا: إن وجد بعض العلماء استعمل في التصحيح لفظ الفتوى مثل:

(عليه الفتوى- به يفتى – الفتوى عليه) ونحوها، واستعمل المخالف ألفاظ التصحيح مثل: (الصحيح- الأوجه – الأصح- الأشبه) ونحوها، فيقدم ما استعمل فيه لفظ (الفتوى)؛ وذلك لأمرين:

الأول: أن لفظ الفتوى وما تصرف منها يفيد الإذن بالفتوى، وهو المطلوب.

الثاني: أن لفظ: (عليه الفتوى)، أو (وبه يفتى) ونحوه، يقتضي تصحيح ما أفتى به، لأنه لا يفتي إلا بالصحيح أو الأصح، فكان أقوى من ألفاظ التصحيح كـ (الصحيح- الأوجه – الأصح- الأشبه) ونحوها.

  • ثالثًا: إن وجد بعضهم استخدم لفظ (وعليه الفتوى) واستخدم غيره (والفتوى عليه) فيقدِّم ما أفاد الحصر بتقديم الجار والمجرور مثل: (وعليه الفتوى- وبه يفتى- وعليه عمل الناس)، على قوله: (الفتوى عليه- والفتوى به…) ونحوه.
  • الحالة الرابعة: أن يقع الخلاف بين مستخدمي لفظ التصحيح، بأن يقول أحدهم هذا الصحيح، ويقول الآخر على مقابل قوله: “وهذا الأصح”، فيقدم قوله: “الأصح” على “الصحيح”.

وهذا الإجراء الذي يتخذه المتصدر للفتوى أثناء الترجيح يجب أن يستصحب فيه دائمًا قيد العادة والضرورة، فإن استشعر المتصدر للفتوى أن هناك ضرورة تمنع من تلك المسالك الترجيحية، فيجب أن يقدر تلك الضرورة، ويأخذ في الاعتبار العرف والعادة في الترجيح، وهذا إن كان أهلًا لذلك بطبيعة الحال، وإلا رفع الفتوى لمن يستطيع مراعاة تلك المتغيرات.

الطريق الثالث: استخراج المعتمد غير المنصوص عليه عند المتأخرين:

ويلجأ المتصدر للفتوى إلى هذا الطريق عندما لا يجد مسألته في المتون والشروح المتأخرة.

وحقيقة هذا الطريق وما ينطوي عليه: أن المتصدر للفتوى يقوم فيه بعمل أصحاب المتون في المذهب، بمعنى أنه يسلك طريقهم في تحرير المذهب وتصحيحه، فيتولى هو بنفسه إظهار المعتمد من المذهب بالنظر في كتب الرواية، والكتب المتقدمة، لا بالاعتماد على ما صححه أصحاب المتون من المتأخرين لعدم إيرادهم له.

ولذلك فإن المقومات العلمية للمتصدر لهذا الطريق تختلف بطبيعة الحال عن الطريق الأول.

ويكون معتمد المتصدر هنا هو كتب المتقدمين، وفي حالة المذهب الحنفي هي الكتب المعنية بنقل الروايات، وأهما في النظر الأول:

(الكافي للصدر الشهيد، وكتب ظاهر الرواية، وكتب النوادر والمسائل والواقعات، وكتاب المبسوط للسرخسي).

ووظيفة المتصدر للفتوى الأولى في هذا الطريق هي استخراج أقوال صاحب المذهب وأئمته الأوائل، فيبحث عن قول الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، ثم يبحث عن قول زفر والحسن بن زياد إن لم يجد للثلاثة نصًّا، ثم يبحث عن قول الأئمة الكبار من الحنفية إن لم يجد في المسألة نصًّا لزفر أو الحسن.

  • فإذا عرضت المسألة عليه فيبحث أولًا في كتاب “الكافي” لأنه عمد إلى اختصار كُتُب ظاهر الرواية، فكان أجمع وأكثر تركيزًا، ثم يبحث في “المبسوط” للسرخسي، لأنه أفضل شروحه، فإن لم يجد نظر في كتب “ظاهر الرواية” رأسًا.
  • فإن لم يقف على تلك المسألة منصوصًا عليها في كتاب “الكافي” و”المبسوط”، وكتب “ظاهر الرواية” وسَّع قاعدة بحثه لتضم كتب “النوادر”.
  • فإن لم يقف على قول الأئمة الثلاثة أو أحدهم، انتقل إلى كتب “الواقعات”، وبحث عن قول زفر في المسألة أو قول الحسن بن زياد، فإن لم يجده استخرج أقوال الأئمة الكبار منها.
  • ثم وسع قاعدته لتضم مصنفات المذهب المتقدمة كـ (بدائع الصنائع- شرح مختصر الطحاوي- التجريد للقدوري).

فإذا أتمَّ المتصدر للفتوى الخطوة الأولى، انتقل إلى الخطوة الثانية، وهي إعمال قواعد المذهب في تلك الأقوال المستخرجة؛ للخروج بالمعتمد، ويتبع في ذلك الآتي:

  • إذا وجد أن الأئمة الثلاثة (أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد بن الحسن) قد اتفقوا على الحكم في مسألة، فيجزم بأن هذا المعتمد في المذهب بلا ريب.

قال قاضي خان: «المفتي في زماننا من أصحابنا إذا استفتي في مسألة وسئل عن واقعة، إن كانت المسألة مروية عن أصحابنا في الروايات الظاهرة بلا خلاف بينهم فإنه يميل إليهم يفتي بقولهم، ولا يخالفهم برأيه، وإن كان مجتهدًا متقنًا، لأن الظاهر أن يكون الحق مع أصحابنا، ولا يعدوهم، واجتهاده لا يبلغ اجتهادهم، ولا ينظر إلى قول من خالفهم، ولا يقبل حجته، لأنهم عرفوا الأدلة وميزوا بين ما صح وما ثبت وبين ضده».

ومثاله:

قول المصلي المنفرد: “ربنا ولك الحمد” فإنهم متفقون على أنه يقولها، جاء في المبسوط: «فإن كان وحده قال: ربنا لك الحمد في قولهم جميعًا».

يعني في قول الأئمة الثلاثة، ففي مثل ذلك يجزم المتصدر للفتوى بأن ذلك هو المعتمد في المذهب ما لم يقف على ما يخالفه في المتون المعتبرة، أو يمنع من اعتماده ضرورة أو عرف.

  • فإن وجد اختلافًا بين الأئمة الثلاثة، فإن هذا الخلاف لا يخرج عن ثلاث صور:

الصورة الأولى: أن يختلف كل منهم على رأي وحده:

فيقدم قول أبي حنيفة عليهما، إذا لم يجد في كتب المتون والشروح المتأخرة ما يصحح قول أحدهم.

ومثاله:

مسألة إجزاء الوضوء بالنبيذ عند عدم الماء، فقال أبو حنيفة يجزئه، وقال أبو يوسف: يتيمم ولا يتوضأ، وقال محمد يتوضأ ويتيمم.

فإن القواعد هنا تقتضي تقديم قول أبي حنيفة، وهو ما يجب على المتصدر للفتوى فعله، إلا أن المتأخرين صححوا قول أبي يوسف، قال في ملتقى الأبحر: «وإن لم يوجد إلا نبيذ التمر يتيمم ولا يتوضأ به عند أبي يوسف وبه يفتى».

الصورة الثانية: أن يتفق مع الإمام أبي حنيفة أحدهما:

فيقدم قول أبي حنيفة أيضًا، ومثاله التيمم بغبار الثوب مع القدر على الصعيد، فأجازه أبو حنيفة ومحمد، ومنعه أبو يوسف، فمقتضى القواعد تقديم قول أبي حنيفة، فيكون هو المعتمد، وهو ما اعتمده المتأخرون كما في ملتقى الأبحر، ورد المحتار.

الصورة الثالثة: أن يتفقا على رأي في مقابل أبي حنيفة:

فينظر المتصدر للفتوى، فإن كان اختلافهم لاختلاف الزمان والعرف قدَّم قولهما، كما في مسألة الإكراه، فإن أبا حنيفة لم يصحح الإكراه إلا من السلطان، وصححاه من غير السلطان، فقدمت المتون قولهما واعتمدته كما في مختصر القدوري، وقال في مجمع الأنهر: «والفتوى على قولهما».

فإن كان الاختلاف ليس اختلاف زمان وعرف، فإن المتصدر للفتوى يختار بينهما وفق ما يظهر له من دليل كل منهما، فإن لم يستطع الترجيح، قدم قول الإمام أبي حنيفة.

قال في منحة الخالق: «والحاصل أن الإنصاف الذي يقبله الطبع السليم أن المفتي في زماننا ينقل ما اختاره المشايخ وهو الذي مشى عليه العلامة ابن الشلبي في فتاويه حيث قال الأصل أن العمل على قول أبي حنيفة – رحمه الله تعالى – ولذا ترجيح المشايخ دليله في الأغلب على دليل من خالفه من أصحابه، ويجيبون عما استدل به مخالفه، وهذا أمارة العمل بقوله وإن لم يصرحوا بالفتوى عليه إذ الترجيح كصريح التصحيح؛ لأن المرجوح طائح بمقابلته بالراجح، وحينئذٍ فلا يعدل المفتي ولا القاضي عن قوله إلا إذا صرح أحد من المشايخ بأن الفتوى على قول غيره فليس للقاضي أن يحكم بقول غير أبي حنيفة في مسألة لم يرجح فيها قول غيره، ورجحوا فيها دليل أبي حنيفة على دليله فإن حكم فيها فحكمه غير ماض ليس له غير الانتقاض والله تعالى أعلم، وهو الذي مشى عليه الشيخ علاء الدين الحصكفي أيضًا في صدر شرحه على التنوير حيث قال: وأما نحن فعلينا اتباع ما رجحوه وما صححوه كما لو أفتوا في حياتهم فإن قلت قد يحكون أقوالًا بلا ترجيح، وقد يختلفون في التصحيح قلت: يعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف وأحوال الناس وما هو إلا رفق، وما ظهر عليه التعامل وما قوي وجهه ولا يخلو الوجود ممن يميز هذا حقيقة لا ظنًّا وعلى من لم يميز أن يرجع لمن يميز لبراءة ذمته».

ومثاله:

العدد المشترط في انعقاد الجمعة، فقال أبو حنيفة ثلاثة سوى الإمام، وقال أبو يوسف ومحمد: اثنان سوى الإمام، فيكون المذهب المعتمد قول أبي حنيفة، كما قدمه في الدر المختار.

ويُقَيَّد كل ما سبق بقاعدة مستقرة في المذهب:

وهي: تقديم قول الإمام أبي حنيفة في العبادات، وقول الإمام أبي يوسف في مسائل القضاء عامة، وقول الإمام محمد بن الحسن في مسائل توريث ذوي الأرحام.

وما سوى هذه الأبواب الثلاثة يتبع فيها القواعد السابقة.

  • فإن لم يجد المتصدر للفتوى قولًا لأبي حنيفة في المسألة، قدَّم قول أبي يوسف، فإن لم يجد قولًا لأبي يوسف، قدَّم قول محمد بن الحسن، فإن لم يجد قولًا للثلاثة، اعتمد قول زفر أو الحسن بن زياد.
  • فإن لم يجد قولًا لهما اعتمد قول أئمة المذهب الأكبر فالأكبر، فيعتمد قول أبي جعفر الطحاوي وأبي الليث وأبي حفص، ويعول على الأكثر منهم.

الطريق الرابع: التخريج على المذهب:

وهو آخر الطرق لتخريج معتمد المذهب وما عليه الفتوى به، وهو أصعب الطرق وأكثرها حرفية، وفيه يتم تخريج المعتمد غير المنصوص عليه كليًّا سواء كان في كتب المتون والشروح أو في غيرها من كتب الروايات.

ويقوم المتصدر للفتوى بإلحاق الفرع أو المسألة محل الفتوى بأقرب الفروع الفقهية عن الإمام، فتلحق بالمذهب تخريجًا لا نصًّا.

٢- منهج الإفتاء بالمذهب المالكي

والمذهب المالكي هو المنسوب للإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى، والذي انتشر مذهبه وتعددت مدارسه في العراق والحجاز ومصر وبلاد المغرب.

أولًا: الإدراكات اللازمة للمتصدر للفتوى على مذهب المالكية:

القسم الأول: أبرز مصطلحات ورموز المذهب:

(المتقدمون):

يراد بهم شيوخ المذهب قبل ابن أبي زيد القيرواني.

(المتأخرون):

يراد بهم شيوخ المذهب بعد ابن أبي زيد القيرواني.

(المدنيون):

ابن كنانة، وابن الماجشون، ومطرف، وابن مسلمة، ونظراؤهم.

(المصريون):

ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وأصبغ بن الفرج، وابن عبد الحكم، ونظراؤهم.

(العراقيون):

يشار بهم إلى القاضي إسماعيل والقاضي أبي الحسن بن القصار وابن الجلاب والقاضي عبد الوهاب والقاضي أبي الفرج والشيخ أبي بكر الأبهري ونظرائهم.

(المغاربة):

يشار بهم إلى الشيخ ابن أبي زيد وابن القابسي وابن اللباد والباجي واللخمي وابن محرز وابن عبد البر وابن رشد وابن العربي والقاضي سند والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، ونظرائهم.

(الأخوان):

مطرف وابن الماجشون، وسميا بذلك لكثرة ما يتفقان عليه من الأحكام.

(القاضيان):

القاضي عبد الوهاب بن نصر، والقاضي ابن القصار، وإذا أفرد يراد به القاضي عبد الوهاب.

(القرينان):

أشهب وابن نافع، قرن أشهب مع ابن نافع لعدم بصره.

(المحمدان):

ابن المواز وابن سحنون وإذا قيل محمد فهو ابن المواز.

(الفقهاء السبعة):

سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وسليمان بن يسار واختلف في السابع فقيل أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وقيل سالم بن عبد الله وقيل أبو بكر بن عبد الرحمن.

(المحمدون):

هم الذين اجتمعوا في عصر واحد من أئمة مذهب مالك ما لم يجتمع مثلهم في زمان، اثنان قرويان: ابن عبدوس، وابن سحنون، واثنان مصريان: ابن عبد الحكم، وابن المواز.

(الإمام):

عند الإطلاق يراد به الإمام المازري.

(الصقليان):

أبو بكر بن يونس، وعبد الحق بن محمد، وإذا أفرد أريد به أبو بكر بن يونس.

(الشيخان):

أبو محمد عبد الله بن أبى زيد، وأبو الحسن على القابسي، كما في الشرح الكبير للدردير.

(الاتفاق):

اتفاق أهل المذهب.

(الأظهر):

ما كان فيه إشعار بأن مقابله فيه ظهور أيضًا لأن الأظهر اسم تفضيل يقتضى المشاركة وزيادة.

(المشهور):

ما كثر قائلوه، وقيل ما صح وقوي دليله على خلاف في المذهب.

(الصحيح):

يقابله الضعيف.

(الأصح):

إشارة إلى الصحيح، ولكنه يشعر بصحة مقابله، لأنه اسم تفضيل كالأظهر، فيكون مقابله صحيحًا أيضًا إلا أن هذا هو الأصح منه.

الرموز المستخدمة في مصنفات المذهب المعتمدة:

ويعد فقهاء المالكية المتأخرون أكثر الفقهاء استعمالًا للرموز في مصنفاتهم، فقد مثل استعمال الرموز الدالة على الكتب وعلى المؤلفين منهجًا وسمة عامة ومميزة لمصنفات المالكية لا سيما من القرن الثامن الهجري، ونظرًا لهذا الانتشار الواسع لاستعمال الرموز، ذكرنا أهم الرموز لكل كتاب من الكتب الهامة.

رموز شرح الزرقاني على مختصر خليل:

(عج) الأجهوري(تت) التتائي(مق) ابن مرزوق التلمساني
(ح) الحطاب(د) ابن أبي فجلة(غ) ابن غازي المكناسي
(طخ) الطخيخي(صر) ناصر الدين اللقاني(شيخنا ق) برهان الدين اللقاني

رموز شرح زروق على الرسالة:

(ع) ابن عرفة(س) محمد عبد السلام الهواري
(خ) خليل بن إسحاق(م) بهرام بن عبد الله

رموز كفاية الطالب الرباني

(ك) الفاكهاني(ق) الأقفهسي(ع) أبو الحجاج الأنفاسي
(ج) ابن ناجي(د) زروق

رموز الأجهوري في شرح الرسالة

(خ) خليل بن إسحاق(تت) التتائي(ق) المواق
(د) ابن أبي فجلة(ح) الحطاب(ص) ناصر الدين اللقاني
(ج) ابن ناجي(ك) الفاكهاني(ع) أبو الحجاج الأنفاسي

رموز الرهوني في حاشية شرح الزرقاني

(تو) التاودي(مب) أبو عبد الله البناني(ج) الجنوي
(جس) محمد بن قاسم جسوس(بب) أحمد بابا بن أحمد

رموز الدسوقي في حاشية الشرح الكبير:

(بن) البناني(طفى) أبو الخيرات الرماصي(ح) الحطاب
(شيخنا) أبو الحسن العدوي(عبق) الزرقاني(شب) أبو إسحاق الشبرخيتي
(خش) الخرشي(مج) أبو عبد الله السنباوي

رموز علي بن أحمد العدوي في حاشية شرح الخرشي على مختصر خليل:

(ك) الشرح الكبير(عج) الأجهوري(محشي تت) أبو الخيرات الرصاصي

رموز أحمد الصاوي في بلغة السالك:

(حاشية الأصل) حاشية الدسوقي(الأصل) الشرح الكبير(الحاشية) حاشية الصعيدي
(بن) أبو عبد الله البناني(ر) الرماصي(عب) الرزقاني
(شب) أبو إسحاق الشبرخيتي

القسم الثاني: المصنفات المعتمدة في المذهب المالكي:

شغلت قضية الكتب المعتمدة عقول محرري وفقهاء المذهب المالكي، واتخذوا موقفًا حاسمًا منها، فرفضوا وبشكل قاطع الاعتماد على الكتب غير المعتمدة المجهولة المؤلف، أو المنسوبة لغير أهل العلم الموثوقين، قال القرافي: «كان الأصل يقتضي ألا تجوز الفتيا إلا بما يرويه العدل عن العدل، عن المجتهد الذي يقلده المفتي حتى يصح ذلك عند المفتي، كما تصح الأحاديث عند المجتهد، لأنه نقل لدين الله تعالى في الموضعين. وغير هذا كان ينبغي أن يحرم. غير أن الناس توسعوا في هذا العصر فصاروا يفتون من كتب يطالعونها من غير رواية، وهو خطر عظيم في الدين وخروج عن القواعد».

وقال أيضًا: «وعلى هذا تحرم الفتوى من الكتب الغريبة التي لم تشتهر، حتى تتظافر عليها الخواطر ويعلم صحة ما فيها، وكذلك الكتب الحديثة التصنيف إذا لم يشتهر عزو ما فيها من النقول إلى الكتب المشهورة، أو يعلم أن مصنفها كان يعتمد هذا النوع من الصحة، وهو موثوق بعدالته، وكذلك حواشي الكتب تحرم الفتوى بها لعدم صحتها والوثوق بها».

ويتبين من عبارة القرافي أمران:

  • أولًا: أن الإفتاء اعتمادًا على المصنفات والكتب الفقهية أمر شائع ومستقر في المذهب، ولذلك حرص الفقهاء المالكيين على التنبيه على عدم الاعتماد على المصنفات غير الموثوقة، لكونها مصدرًا للفتاوى.
  • ثانيًا: أن معيار الحكم على المصنف بالاعتماد واحد من أمرين:
  • أن يصح إسناد صاحب المصنف إلى العالم أو المجتهد الذي ينقل عنه.
  • أن يشتهر المصنف وينتشر بشكل يجعل من وقوع التصحيف والتحريف فيه أمرًا بعيدًا.

وقال في نور البصر: «وحاصل الأمر في الكتب التي يعتمد عليها في الفتاوى والأحكام والعبادات والمعاملات أنها يطلب فيها أن يثبت عن العامل فيها والمفتي أمران:

أحدهما: صحة نسبتها إلى مؤلفها، وثانيهما: صحتها في نفسها.

أما الأول فيثبت بروايته سماعًا بسند صحيح، وهو الأصل، وبما يتنزل منزلته وهو اشتهار الكتاب بين العلماء معزوًا للمؤلف، وتواطؤ نسخه شرقًا وغربًا على مضمنه.

وأما الثاني: فيثبت بموافقته لما يجب به العمل».

وفي هذا الإطار نستعرض أهم الكتب المعتمدة في المذهب المالكي والتي تحقق فيها معيار الاعتماد من صحة الإسناد إلى الإمام المجتهد، أو الشهرة المانعة من وقوع التحريف.

أولًا: الأمهات الأربعة:

وهي أمهات كتب المالكية في الفقه، والتي دار عليها فقههم، وتصنيفاتهم.

قال الخرشي: «الأمهات أربع: المدونة والموازية والعتبية والواضحة؛ فالمدونة لسحنون والعتبية للعتبي، والموازية لمحمد بن المواز، والواضحة لابن حبيب».

  • المدونة:

وهي أهم مصنفات المالكية الفقهية على الإطلاق، وهي أصل المذهب المرجح روايتها على غيرها، وإياها اختصر مختصروهم وشرح شارحوهم، وبها مناظرتهم ومذاكرتهم.

والمدونة عند المالكية ككتاب سيبويه عند أهل النحو، وموضعها من الفقه موضع أم القرآن من الصلاة، تجزئ من غيرها ولا يجزئ غيرها منها، وكانت مؤلفة على مذهب أهل العراق، فاختار أسد بن الفرات منها أسئلة وقدم بها المدينة ليسأل عنها مالكًا ويردها على مذهبه، فألفاه قد توفي، فأتى ابن القاسم فجعل يسأله: مسألة مسألة، فما كان عنده فيها سماع عن مالك قال سمعت مالكًا يقول فيها كذا وكذا، وما لم يكن عنده من مالك فيه إلا بلاغ قال لم أسمع من مالك في ذلك شيئًا وبلغني عنه أنه قال فيها كذا وكذا، وما لم يكن عنده سماع ولا بلاغ قال لم أسمع من مالك في ذلك شيئًا ولا بلغني والذي أراه فيه كذا وكذا حتى أكملها.

فرجع إلى بلده فانتسخها سحنون ثم رحل بها إلى ابن القاسم، فقرأها عليه، فرجع منها من مسائل وكتب إلى أسد بن فرات أن يصلح كتابه على ما في كتاب سحنون. فأنف أسد من ذلك وأباه، فبلغ ذلك ابن القاسم فدعا عليه أن لا يبارك له فيها، وكان مجاب الدعوة، فأجيبت دعوته ولم يشتغل بكتابه ومال الناس إلى قراءة مدونة سحنون ونفع الله بها.

  • الواضحة:

لمحمد بن حبيب، وهي أصل العتبية استخرج فيها المعاني والقواعد التي قامت عليها الفروع، وانتشرت انتشارًا واسعًا في الأندلس.

  • المستخرجة أو (العتبية):

لمحمد بن عبد العزيز العتبي، وهي المسائل التي استخرجها العتبي من سماعات فقهاء المالكية الكبار (ابن القاسم، وأشهب، وابن نافع المدني، ويحيى بن يحيى، وسحنون، وأصبغ، وعيسى بن دينار، وموسى بن معاوية، وزونان عبد الملك بن الحسن، ومحمد بن خالد، وعبد الرَّحمن بن أبي الغمر). وهي من أمهات الكتب المالكية، إلا أن المشهور أنها تضم الكثير من الروايات الشاذة والضعيفة عن الإمام مالك، قال ابن وضاح: «سألت ابن وهب عن مسألة، فذكر لي فيها عن أصبغ رواية. فمررت بالعتبي، فسألته عنها فلم يحفظ فيها رواية. فأخبرته بما قال لي عبد الأعلى، عن أصبغ. فدعا بالمستخرجة، فكتبها فيها. ثم لقيت بعد عبد الأعلى، فقال لي: وهمت في المسألة عن أصبغ، ليست كذلك». وضعف رواياتها غير واحد من فقهاء المالكية، وقد شرحها ابن رشد في البيان والتحصيل.

  • الموازية:

لمحمد بن إبراهيم ابن المواز، وهو رابع أمهات مصنفات المالكية، وقد تميز كتاب ابن المواز بقصده من بناء الفروع على أصول المذهب، وهو من أجلِّ الكتب التي ألفها المالكيون وأصحها وأوعبها، وقد رجحه أبو الحسن القابسي على سائر الأمهات الأخرى، وقال: لأن صاحبه قصد إلى بناء فروع أصحاب المذهب، على أصولهم، في تصنيفه، وغيره إنما قصد بجمع الروايات ونقل مقصور السماعات.

ثانيًا: موارد خليل:

والمراد الكتب التي اعتمدها خليل بن إسحاق في صناعة مختصره الذي مثَّل أهم مدونات المعتمد وما يعول عليه في الفتيا عند المالكية، وهي كتاب التبصرة للخمي، والجامع لابن يونس، وكتب ابن رشد والمازري:

  • التبصرة:

لأبي الحسن علي بن محمد اللخمي، وهو أحد الكتب الأربعة التي اعتمد عليها خليل بن إسحاق في تحرير مختصره الذي استقرت عليه الفتوى عند المالكية.

  • الجامع لمسائل المدونة والمختلطة:

لأبي بكر محمد بن عبد الله بن يونس اختصر فيه المدونة والمختلطة، وشرح ما أشكل من مسائلهما وأورد الأدلة على تلك المسائل، واحتفى بهذا الكتاب فقهاء المالكية، وسموه مصحف المذهب لما اتسم به من ضبط لمسائله.

  • التهذيب للبرادعي (٤٠٠هـ):

وهو تهذيب للمدونة لخلف بن أبي القاسم الأزدي المعروف بالبرادعي، وهو من أشهر معتمدات المذهب، وذكره خليل في مقدمة مختصره وأشار إلى أنه من موارده.

  • المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات:

لأبي الوليد بن رشد (٥٢٠هـ) وهو من أهم الشروح الفقهية التي اعتنت على وجه الخصوص بشرح ما انغلق أو أُشكل من فواتح كتب المدونة، وله اختياراته الكثيرة في هذا الكتاب.

  • البيان والتحصيل:

لأبي الوليد بن رشد الجد، صاحب المقدمات الممهدات وهو شرح وتوجيه وتعليل لمسائل المستخرجة، وهو من أهم مصادر الفقه المالكي، وعليه اعتمد خليل في مختصره.

فتاوى ابن رشد:

وهي فتاوى جمعها ابن الوزان عن شيخه ابن رشد، ورواها عنه هو وغير واحد كابن مسرة، وابن خير.

  • شرح التلقين:

لأبي عبد الله محمد بن علي بن عمر المازَري (٥٣٦هـ) من أوسع وأشهر وأنفع الشروح التي وُضعت على كتاب “التلقين” للقاضي عبد الوهاب بن نصر، وقد سلك المازري في تصنيفه طريقه فريدة، واعتمد في كتابه على العديد من كتب الخلاف في المذهب ومن المذاهب الأخرى.

ثالثًا: شروح خليل:

  • التاج والإكليل:

التاج والإكليل شرح مختصر خليل، لأبي عبد الله محمد بن يوسف المواق، وهو شرح لمختصر خليل، قال في مقدمته شارحًا لمنهجه: فآتي بلفظ خليل بنصه، ثم أنقل بإزائه نص غيره، وأتخير من النصوص ما يكون أقرب للفهم وأوجز في اللفظ، ولا أزيد على ما شهر إلا لأمر ما أو يكون مضاهيًا له في الشهرة أو أشهر…».

  • مواهب الجليل:

للحطاب الرعيني، وهو أحد شروح مختصر خليل المعتمدة المتأخرة، أراد الحطاب على حد تعبيره أن يشرح ما بقي في الكتاب من المواضع التي تحتاج إلى التنبيه عليها بعد كل ما تناولته الشروح على المختصر، فألف كتابه لأجل ذلك الغرض.

  • شرح حلولو على مختصر خليل:

لأحمد بن عبد الرحمن المعروف بـ “حلولو”، له شرحان على المختصر، قال في نيل الابتهاج: كبير في ستة أسفار وقفت على أجزاء منه حسن مفيد فيه أبحاث وتحرير، يعتني بنقل التوضيح وابن عبد السلام وابن عرفة ويبحث معهم وينقل الفقه المتين.

  • الدرر في شرح المختصر:

لابن بغازي المكناسي، وهو شرح على مختصر خليل.

رابعًا: كتب ابن أبي زيد القيرواني:

وهي ثلاثة مصنفات، كان للثلاثة أثرها الكبير في الفقه المالكي:

  • الرسالة:

وهي أشهر مختصرات المالكية على الإطلاق، تعاقب عليه المالكية بالعناية والشرح، ومثل المتن وشروحه مصدرًا من مصادر المعتمد في المذهب.

  • مختصر المدونة:

وهو من أوائل المصنفات التي اعتنت بالمدونة والمختلطة بعد كتاب تهذيب البرادعي، واختصار ابن أبي زيد من أبرز مختصراتها، قال عنه عياض: وكتاب مختصـر المدونة، مشهور، وعلى كتابيه –يعني المختصر والنوادر- هذين المعوَّلُ بالمغرب في التفقه، وهو من مصادر ابن رشد الهامة في البيان والتحصيل.

طبعة مركز نجيبويه، بتحقيق: أحمد عبد الكريم نجيب، ٢٠١٣م.

  • النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات:

لابن أبي زيد القيرواني، جمع فيه النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات، من مسائل مالك وأصحابه، وقال في صنيعه فيه: وذكرت ما كثر عليك من دواوينهم، مع رغبتك في نوادرها وفوائدها وشرح مشكل في بعضها، واختلاف من الأقاويل يشتمل عليه كثير منها.

خامسًا: باقي المعتمدات:

  • التفريع:

لابن الجلاب: وهو كتاب مختصر، اشتغل به المنتسبون للمذهب وأولوه عنايه كبيرة، واعتمده ابن رشد في المقدمات الممهدات.

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام:

لبرهان الدين بن فرحون (٧٩٩هـ)، وموضوعه متصل بعلم القضاء بشكل رئيسي، وهو من معتمدات المذهب.

المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي أهل إفريقية والأندلس والمغرب

أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي (٩١٤هـ)، وهو كتاب يضم مجموعة ضخمة من فتاوى فقهاء القيروان، وبجاية، وتلمسان، وقرطبة، وغرناطة، وسبتة، وفاس، ومراكش، وهو من أوعب كتب النوازل الفقهية عمومًا والمالكية خصوصًا.

  • المتيطية:

لأبي الحسن المتيطي، واسمها: النهاية والتمام، اختصرها القاضي أبو إسحاق بن عبد الرفيع، وسمى اختصاره معين الحكام.

  • المنتقى:

لأبي الوليد سليمان بن خلف، الباجي، انتقاه من تأليفه على الموطأ الذي سماه: الاستيفاء.

  • تحرير المقالة في شرح الرسالة:

لأحمد بن محمد القلشاني (٨٦٣هـ)، وهو شرح لرسالة ابن أبي زيد القيرواني، شرح فيه القلشاني كلام ابن أبي زيد، ونقل كلام الشراح وشيوخ المذهب فيها.

قال الهلالي: «من الكتب المعتمدة في المذهب… شرح القلشاني للرسالة».

  • مختصر ابن عرفة:

وهو مختصر لمذهب مالك، قال في عون المحتسب: «فلعل من اتسع نظره وتحصيله إذا طالعه كله لا يبقى عليه من المذهب إلا ما لا حاجة فيه؛ لأنه اختصر المذهب كله».

منهج الفتوى على المذهب المالكي:

المرحلة الأولى

استخراج معتمد المذهب في المسألة محل الفتوى

وله أربعة طرق:

الطريق الأول: استخراج المعتمد المنصوص عليه بلا خلاف:

ويكون ذلك من مصنفات المذهب المعتمدة، وغرض المتصدر للفتوى هنا هو الوصول للمسألة محل الفتوى منصوصًا عليها بلا خلاف بين علماء المذهب فيها.

  • ويكون أول ما يتوجه إليه في ذلك (مختصر خليل) وشروحه المعتمدة كـ:

(التاج والإكليل- مواهب الجليل- شرح حلولو- الشرح الكبير للدردير- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير)

نظرًا لما عليه “المختصر” من الإغلاق وغموض العبارة، فصعب الاقتصار عليه في هذا الشأن.

  • ووظيفة المتصدر للفتوى هنا هو البحث عن مسألته في تلك المصنفات خالية عن الخلاف، فيبحث ابتداء عن المسألة المتفق عليها أو المحكي فيها الرجحان أو الشهرة، يعني سواء كانت المسألة متفقًا عليها أو راجحة مصححة أو مشهورة بين علماء المذهب، فإنها تعتبر من المعتمد ما لم ينقل فيها خلاف.

ومثاله:

إمامة الجالس لمثله إن كان لعذر، فجاء في التاج والإكليل: «يؤم الجالس لعذر مثله اتفاقًا». فحكي الاتفاق فيها، ولم ينقلوا فيها خلافًا، فمثل ذلك يجزم بكونه معتمد المذهب.

  • ويوسع المتصدر للفتوى قاعدة المصنفات التي يبحث فيها إن لم يجد مسألته في مختصر خليل وشروحه، فيضم إليها بعدها:

(مختصر ابن عرفة- شرح زروق على الرسالة – تبصرة الحكام- عقد الجواهر الثمينة- النهاية والتمام للمتيطي).

فإن لم يجد المسألة انتقل إلى الكتب المعتمدة الأكثر تقدمًا، فيبحث في:

(التبصرة- الجامع لابن يونس- المقدمات الممهدات- البيان والتحصيل- كتب المازري).

فإن وقف في كل ذلك على المسألة محل الفتوى منصوصًا عليها، ونصُّوا على الاتفاق فيها فهي معتمد المذهب.

  • ويجب أن ينتبه الباحث إلى أن فقهاء المذهب يعبرون عن المتفق عليه في المذهب بقولهم: (متفق عليه- أو اتفاقًا) فإذا وجد المتصدر للفتوى أحد هذه الكلمات المعبرة عن الاتفاق أفتى به بلا تردد. وقد يعبر عن المتفق عليه بقولهم (هو المذهب) في بعض الأحيان، ويستخدمون نفس العبارة للدلالة على المشهور، فينبغي أن يتوقف عند قولهم (هو المذهب) ويبحث في مصنفاتهم المعتمدة؛ ليعلم المراد بقولهم (هو المذهب) في المسألة المعينة، هل يدل على الاتفاق أو لا؟

ومثال تعبير المالكية بـ (المذهب) على المشهور: قول الحطاب: «وحرم اجتماع بيع وصرف، وهو المشهور خلافًا لأشهب قال في التوضيح وعلى المشهور فإن وقع فقيل: هو كالعقود الفاسدة فيفسخ ولو مع الفوات وقيل: هو من البياعات المكروهة فيفسخ مع القيام لا مع الفوات ابن رشد، وهو المذهب انتهى».

فابن رشد عبر عن حرمة اجتماع البيع والصرف بأنه (المذهب)، وهو المشهور لا المتفق عليه، لثبوت خلاف أشهب.

ومثال ورود قولهم (المذهب) بمعنى المتفق عليه، قول الخرشي: «وتضم القطاني – وهي كل ما له غلاف كالفول والحمص ونحوها- يعني أن القطاني يضم في الزكاة بعضها لبعض فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق زكاها بناء على أنها جنس واحد في الزكاة، وهو المذهب».

فعبر عن حكم ضم القطاني بأنه (المذهب) وهو متفق عليه في المذهب لا خلاف فيه.

الطريق الثاني: استخراج المعتمد المنصوص عليه المختلف فيه:

وينتقل المتصدر للفتوى إلى هذا الطريق عندما يجد أن مسألته قد وقع فيها خلاف بين فقهاء المذهب.

ووظيفته هنا الترجيح بين الأقوال المتعارضة في المذهب، ويسلك أثناء الترجيح الترتيب الآتي:

أولًا: تقديم ما جرى عليه العمل:

فيقدم ما نصوا على جريان العمل على وفقه، يعني هل جرى العمل على وفق الواقعة محل الفتوى، أو على خلافها؟

فإن وجد مسألة نص فيه البعض على المشهور، وخالفهم البعض الآخر في الحكم، وقالوا بأنه جرى العمل على خلاف ذلك المشهور، فإن المرجح يقدم ما جرى عليه العمل، لأنه في المرتبة الأولى.

ويمر الإفتاء بما جرى عليه العمل بمرحلتين:

  • الأولى: البحث عنه وثبوته في المسألة محل الفتوى، فيبحث في المسألة المطروحة أمامه في الكتب المعتمدة، هل ثبت فيها جريان عمل أم لا؟ فإذا ثبت في الواقعة محل الفتوى جريان العمل، بأن نص أحد العلماء المعتبرين على أن الحكم الذي جرى عليه العمل في هذه المسألة كذا، فالواجب الإفتاء بذلك وعدم الخروج عليه، ولكن قبل الإفتاء به ينتقل إلى المرحلة الثانية.
  • الثانية: وهي أن يتأكد من حصول الشروط اللازمة للإفتاء بما عليه العمل، وهذه الشروط هي:
  • معرفة أن من أجرى ذلك العمل من الفقهاء المعتبرين.
  • معرفة نوع العمل، يعني هل هو خاص ببلدة معينة، فلا يطبق خارجها، أو هو عام مرتبط بالعرف العام.
  • معرفة السبب الذي من أجله جرى العمل على خلاف المشهور.

أما الشرط الأول، فحتى يحصل الاطمئنان بجريان العمل والقضاء في المسألة المعنية، لأن غير المعتبرين لا يعتد بنقلهم مثل ذلك.

وأما الشرط الثاني والثالث؛ فلأن ما جرى عليه العمل قد يكون العمل به مؤقتًا، لأنه ثبت على خلاف المشهور لعارض من مصلحة ونحوها، أو قد يكون ثبت على خلاف المشهور لعرف خاص أو عام، فينبغي أن يعلم نوع العمل، وسبب جريانه على خلاف المشهور، حتى ينظر المتصدر للفتى في تلك الأسباب، فإن كانت ما زالت قائمة أفتى بما جرى عليه العمل، وإن لم تكن قائمة، فيعلم أنه يرجع للفتوى بالمشهور، ويترك ما جرى عليه العمل، لأنه جرى لسبب معين، وقد انقطع ذلك السبب.

فعلم أن القاضي أو المفتي لا يجوز له الاسترسال في الإفتاء بما به العمل، ويظن أنه حكم مؤبد بل هو مؤقت، ما دامت المصلحة أو المفسدة التي لأجلها خولف المشهور، فإذا ذهبت رجع الحكم للمشهور.

ومثاله:

تقليد الميت، فإن المشهور من مذهب المالكية كما حكاه البرزلي وغيره، عدم جواز تقليد الميت، ولكن جرى العمل على جواز تقليده.

فإذا افترضنا متصدرًا للفتوى على المذهب المالكي، وقد سئل عن جواز تقليد أحد العلماء الذين ماتوا، فإنه يفتي بما جرى عليه العمل، وهو الجواز، ولكن إن تحققت في ذلك شروط، وهي معرفة الناقل لما جرى عليه العمل وكونه من الفقهاء المعتبرين، والثاني معرفة نوع العمل، والثالث معرفة أسبابه، واستمرار أسبابه إلى وقت إفتائه.

فأما الناقل لجريان العمل هنا، فهم جماعة كبيرة من الفقهاء المعتبرين كابن ناجي والتادلي وغيرهم كثير.

وأما نوع العمل، فهو عام كما يظهر.

وأما سبب جريان العمل على خلاف المشهور، فلأنه لو تمسك بالمشهور من عدم جواز تقليد الميت، لقلد من لا يستحق أن يقلد، لا سيما وقد فسدت العقول وتبدلت وكثرت البدع وانتشرت، فكان الرجوع إلى سلف المسلمين وأئمة الدين الذين ماتوا أولى وأصلح، وهو الواجب على المقلدين وهذا السبب ما زال قائما إلى الآن، فعلى ذلك تصح الفتوى بجواز تقليد الميت على ما جرى عليه العمل.

ثانيًا: تقديم الراجح إن لم يقف على ما جرى به العمل:

والعمل بالراجح متعين في المذهب، فيبحث المتصدر للفتوى على تصحيح المسألة في الكتب المعتمدة، ومن العلماء المعتبرين، فإن صرحوا بالترجيح والتصحيح، كان هو معتمد المذهب.

ثالثًا: العمل بالمشهور واعتماده: يعني العمل بقول الأكثر من الفقهاء.

قال في نور البصر: «الذي تجوز به الفتيا أربعة أشياء، أحدها القول المتفق عليه في المذهب، ثانيها القول الراجح، وهو ما قوي دليله ثم إذا كان المفتي أهلًا للترجيح أفتى بما اقتضت العادة ترجيحه عنده، وإلا قلد شيوخ المذهب في الترجيح فأفتى بما رجحوه، وثالثها المشهور، وهو ما كثر قائله كما يناسب معناه لغة، فالفرق بينه وبين الراجح مع أن كلا منهما له قوة في مقابله هو أن الراجح نشأت قوته من الدليل نفسه من غير نظر للقائل، والمشهور نشأت قوته من القائل، فإن اجتمع في قول سبب الرجحان والشهرة ازداد قوة، وإلا كفى أحدهما، فإن تعارضا بأن كان في المسألة قولان، أحدهما راجح والآخر مشهور، فمقتضى نصوص الفقهاء والأصوليين أن العمل بالراجح واجب، وقيل المشهور ما قوي دليله فيكون مرادفا للراجح، ولا يعتبر صاحب هذا القول كثرة القائلين كما لم يعتبر في تعارض البينتين كثرة شهود أحدهما، ويحتمل أن يكون أطلق الدليل على ما يشمل كثرة القائلين، فيكون أعم من الراجح بإطلاق».

الطريق الثالث: استخراج المعتمد غير المنصوص عليه:

والعبء الحاصل على مستخرج المعتمد غير المنصوص عليه من المذهب المالكي أكبر نسبيًّا من غيره من المذاهب، لأمرين:

  • الأول: اتساع قاعدة المصنفات المعتمدة.
  • الثاني: عدم وجود قواعد حاكمة للاعتماد والترجيح بين أقوال المتقدمين، فعلى الرغم من اعتماد المتأخرين لتقديم مشاهير المصريين كابن القاسم وابن وهب وأشهب، على المدنيين كمطرف وابن الماجشون، وتقديم المدنيين على المغاربة كابن أبي زيد ثم أخيرًا العراقيين، وتقديم قول المازري والقاضي عبد الوهاب وابن رشد في التشهير خصوصًا.

إلا أن مخالفة المشهور أمر في غاية الشهرة عند المالكية، ولشيوخ المذهب المتأخرين كابن عتاب وابن رشد وأبي الأصبغ بن سهل وابن العربي واللخمي اختيارات وتصحيحات لبعض الروايات والأقوال عدلوا فيها عن المشهور وجرى باختيارهم عمل الحكام والفتيا لما اقتضته المصلحة وجرى به العرف، والأحكام تجري مع العرف والعادة كما قال القرافي.

فيتضح من ذلك أن المعول على اجتهاد المتصدر للفتوى في المسائل التي لم ينص فيها على المعتمد، لا سيما أن الضرورة والعادة لها دخل كبير في تحديد المعتمد عند المالكية.

وفي هذا الطريق ينظر المتصدر للفتوى في أمهات كتب المالكية (المدونة- العتبية – الموازية) في المقام الأول، مع المصنفات التي عنت بنقل الروايات والخلاف.

الطريق الرابع: التخريج على المذهب:

ويقوم المتصدر للفتوى بإلحاق الفرع أو المسألة محل الفتوى بأقرب الفروع الفقهية عن الإمام، فتلحق بالمذهب تخريجًا لا نصًّا.

٣. منهج الإفتاء بالمذهب الشافعي

أولًا: الإدراكات اللازمة للمتصدر للفتوى على مذهب الشافعية:

وهي أهم المصطلحات التي استعملها أئمة الشافعية في مصنفاتهم، وأهم المصنفات المعتمدة في المذهب.

  • أهم مصطلحات المذهب:

استعمل الفقهاء الشافعية العديد من المصطلحات المميزة لهم، وأبرز تلك المصطلحات:

  • (القول القديم):

ما قاله الشافعي بالعراق إفتاءً وتصنيفًا، سواء رجع عنه أو لم يرجع عنه.

  • (القول الجديد):

ما قاله بمصر إفتاءً وتصنيفًا، ويسمى بالمذهب الجديد، وأبرز رواته البويطي والمزني.

  • (المشهور):

يستعمل مصطلح المشهور مرادفًا للراجح، يعني القول الذي قوي دليله.

  • (الوجه):

هو استنباط أحد فقهاء الشافعية على ضوء أصول وقواعد المذهب.

  • (النص):

القول المنصوص عليه في كتاب الأم، للشافعي.

  • (التخريج):

ويطلق عندما يرد نصَّان مختلفان عن صاحب المذهب في صورتين متشابهتين، ولم يظهر بينهما ما يصلح فارقًا، فيخرِّجون نصَّه في كل واحدة من الصورتين في الصورة الأخرى لاشتراكهما في المعني فيحصل في كل واحدة من الصورتين قولان؛ منصوص ومخرج: فالمنصوص في هذه هو المخرج في تلك، والمنصوص في تلك هو المخرج في هذه، فيقولون فيهما قولان بالنقل والتخريج، أي نقل المنصوص في هذه الصورة إلى تلك وخرج فيها وكذلك بالعكس.

  • (الإمام):

حيث أطلق “الإمام” عند الشافعية، فالمراد به إمام الحرمين، أبو المعالي الجويني.

  • (القاضي):

حيث أطلق “القاضي” فالمراد به القاضي حسين.

  • (الطرق):

يطلق على اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب، فيقول بعضهم فيه قولان، ويقول آخرون لا يجوز إلا وجه واحد، أو قول واحد.

  • (الأصح- الأظهر- الصحيح):

وهي المصطلحات التي تعبر عن الراجح في المذهب، وقد بدأ الإمام الرافعي المحرر الأول للمذهب بالترجيح بين الروايات والتعبير بـ (الأظهر- الأصح- الصحيح) وجرى على هذه الاصطلاحات الإمام النووي من بعده، حتى ثم تداولت هذه المصطلحات وشاعت.

  • (المختار):

هو الراجح دليلًا، ولكن قالت به طائفة قليلة، قال النووي في التحقيق: «ومتى جاء بشيء رجحته طائفة يسيرة، وكان الدليل الصحيح يؤيده، قلت المختار كذا، فيكون المختار تصريحًا بأنه الراجح دليلًا، وقالت به طائفة قليلة، وأن الأكثر الأشهر في المذهب بخلافه». وتعبير النووي بـ “المختار” في روضة الطالبين، يدل على المعتمد مطلقًا دون مراعاة المعنى السابق للمختار.

  • (الأشبه):

الحكم الأقوى شبهًا بالعلة.

  • (محتمل):

بفتح الميم الثانية مشعر بالترجيح، وبكسرها لا يشعر بالترجيح.

  • (أبو العباس):

هو أبو العباس بن سريج، في كلام الشيرازي.

  • (أبو سعيد):

هو أبو سعيد الاصطخري في كلام الشيرازي.

  • (القفال):

دون تقييد فالمراد به المروزي في كلام النووي.

  • (القاضيان):

يراد بهما الروياني والماوردي.

  • (الشارح):

يراد به جلال الدين المحلي شارح المنهاج، في غالب مصنفات الشافعية، إلا في “شرح الإرشاد” فالمراد به عند الإطلاق الجوجري شارح الإرشاد.

  • (الشيخان):

الرافعي والنووي.

  • (الشيوخ):

الرافعي والنووي والسبكي.

  • (شيخنا):

هو شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في كلام الخطيب الشربيني، وهو مراد الرملي عند قوله: “الشيخ”.

  • (شيخي):

شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في كلام شهاب الدين الرملي، والشهاب الرملي في كلام الخطيب الشربيني.

  • (المعتمد- الأرجح- الوجه):

وسائر صيغ التصحيح تدل على معتمد المذهب.

  • (أصل الروضة):

عبارة النووي في الروضة التي لخصها واختصرها من العزيز.

  • (زوائد الروضة):

زيادة الروضة على ما في العزيز.

  • (سكت عليه):

أي ارتضاه وأقره.

  • (على ما شمله كلامهم) أو (على ما قاله فلان) أو (على ما اقتضاه كلامهم):

إشارة إلى التبري من هذا القول، أو أنه مشكل، إلا أن ينبه على تضعيفه أو ترجيحه، فيكون له حكم ما نبه به عليه.

  • (كما- لكن):

كلاهما يدل على المعتمد، إلا أن ينبهوا على التضعيف.

وإذا جمعوا بينهما فإن كان لفظ “لكن” تقييدًا لمسألة بلفظ “كما” فما قبل “لكن” هو المعتمد، وإن لم يكن لفظ “كما” فما بعد “لكن” هو المعتمد.

  • (المتأخرون):

في كلام النووي والرافعي من كان بعد سنة ٤٠٠هـ، وفي كلام من بعدهما فالمراد بالمتأخرين من بعد النووي والرافعي.

أهم المصنفات المعتمدة في مذهب الشافعية:

  • العزيز شرح الوجيز:

وهو أبرز وأهم كتب الإمام الرافعي بجانب (المحرر- والشرح الصغير) ولم يطبعا بعد، وهو شرح لكتاب الوجيز للغزالي، قال النووي عنه: «ونقح المذهب أحسن تنقيح، وجمع منتشره بعبارات وجيزات، وحوى جميع ما وقع له من الكتب المشهورات».

  • التنقيح شرح الوسيط:

وهو شرح على وسيط الغزالي، من آخر ما ألف الإمام النووي، ولم يتمه وتوقف فيه عند باب شروط الصلاة، قال الإسنوي: «وهو كتاب جليل، من أواخر ما صنف، جعله مشتملًا على أنواع متعلقة بكلام “الوسيط” ضرورية، كافية لمن يريد المسائل الموجودة والمرور على الفقه كله في زمن قليل.

  • روضة الطالبين وعمدة المفتين:

اختصر فيه الإمام النووي كتاب فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي، وهو من معتمدات المذهب، ومن أبرز كتب الإمام النووي رحمه الله.

  • منهاج الطالبين وعمدة المفتين:

وهو مختصر كتاب المحرر للرافعي، وهو كتاب مختصر معتمد من حيث بيان المفتى به، وقد توالت عليه الشروح والحواشي.

  • فتاوى النووي (المسائل المنثورة):

وهي ترتيب علاء الدين ابن العطار تلميذ الإمام النووي، قال في مقدمتها: «فقد استخرت الله تعالى في ترتيب “الفتاوى” التي لشيخي وقدوتي إلى الله تعالى، أبي زكريا يحيى بنِ شرف النووي العالمِ الرباني -تغمده الله تعالى برحمته، وجمع بيني وبينه في دار كرامته- على أبواب الفقه ليسهل على مطالعها كشفُ مسائلها، ويظهرَ له تحقيقُها ودقائقُ دلائلها. والحق فيها من المسائل ما كتبته عن الشيخ رحمه الله في مجلسه، مما سئل عنه ولم يذكره فيها، وما كان فيها من المسائل مما لا تعلق له بالفقه أورده في أبواب في آخرها».

  • شرح صحيح مسلم:

وهو أشهر الشروح التي وضعت على صحيح مسلم، وأكثرها انتشارًا وتداولًا بين الناس، وتناول فيه الإمام النووي الأحكام الفقهية المستنبطة من الأحاديث وشرح غريبها وفوائدها.

  • تصحيح التنبيه:

وهي تعليقات وضعها الإمام النووي على كتاب التنبيه لأبي إسحاق الشيرازي، فتعرض لمسائله في التنبيه ورجح وصحح فيها ما يوافق معتمد المذهب.

  • نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج:

لشهاب الدين الرملي، أحد الكتابين اللذين استقر عليهما الفتوى والمعتمد في المذهب الشافعي، وهو شرح لمنهاج الطالبين.

  • تحفة المحتاج في شرح المنهاج:

لابن حجر الهيتمي، وهو الكتاب الثاني مع نهاية المحتاج وعليهما العمل والمعتمد والفتوى في المذهب، وهو شرح لمنهاج الطالبين.

  • الغرر البهية شرح البهجة الوردية:

لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وهو شرح على البهجة الوردية، وضعه عليها ليحل ألفاظها ويبرز دقائقها ويحقق مسائلها ويحرر دلائلها.

  • فتح الجواد بشرح الإرشاد:

لابن حجر الهيتمي، وهو شرح على متن الإرشاد.

  • فتح الوهاب شرح منهج الطلاب:

لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وهو شرح على متن منهج الطلاب، وهو من تأليف المؤلف لنفسه، اختصره من منهاج الطالبين. والكتاب من معتمدات المذهب المقدمة.

  • مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج:

شرح على منهاج الطالبين، للخطيب الشربيني، وهو أحد الشروح المعتمدة في المذهب، يأتي في الرتبة التالية مباشرة لكتاب تحفة المحتاج ونهاية المحتاج.

  • أسنى المطالب بشرح روض الطالب:

لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وهو شرح لمتن روض الطالب.

  • المهذب لأبي إسحاق الشيرازي:

قال النووي: ثم إن أصحابنا المصنفين رضي الله عنهم أجمعين وعن سائر علماء المسلمين أكثروا التصانيف كما قدمنا وتنوعوا فيها كما ذكرنا واشتهر منها لتدريس المدرسين وبحث المشتغلين المهذب والوسيط وهما كتابان عظيمان صنفهما إمامان جليلان.

  • الحاوي الكبير:

لأبي الحسن الماوردي، وهو من أكبر كتب المذهب وأغناها من حيث الاستدلال وعرض الأدلة ومناقشتها، وعنى فيه بذكر الخلاف والوجوه.

  • بحر المذهب:

لأبي المحاسن عبد الواحد الروياني، وهو يشبه كتاب الماوردي إلى حد كبير، قال السبكي: «وهو وإن كان من أوسع كتب المذهب إلا أنه عبارة عن حاوي الماوردي مع فروع تلقاها الروياني عن أبيه وجده ومسائل أخر فهو أكثر من الحاوي فروعًا وإن كان الحاوي أحسن ترتيبًا وأوضح تهذيبًا».

  • نهاية المطلب في دراية المذهب:

لإمام الحرمين، أبي المعالي الجويني، وهو في الأصل شرح لمختصر المزني، وهو كتاب غني بالمناقشات والفوائد والضوابط، وعلى كتابه قامت ركائز الفقه الشافعي، يقول ابن حجر الهيتمي: «منذ صنف الإمام كتابه “النهاية” الذي هو شرحه لمختصر المزني الذي رواه من كلام الشافعي (رضي الله عنه) وهي في ثمانية أسفار حاوية لم يشتغل الناس إلا بكلام الإمام؛ لأن تلميذه الغزالي اختصر النهاية المذكورة في مختصر مطول حافل، وسماه “البسيط”، واختصره في أقل منه وسماه “الوسيط”، واختصره في أقل منه وسماه “الوجيز”، فجاء الرافعي وشرح الوجيز شرحًا مختصرًا، ثم شرحًا مبسوطًا ما صنف في مذهب الشافعي مثله، وأسفاره نحو العشرة غالبًا، ثم جاء النووي واختصر هذا الشرح ونقحه وحرره واستدرك على كثير من كلامه مما وجده محلًّا للاستدراك، وسمى هذا المختصر “روضة الطالبين” وأسفاره نحو أربعة غالبًا، ثم جاء المتأخرون بعده فاختلفت أغراضهم…».

منهج الإفتاء على المذهب الشافعي:

المرحلة الأولى

استخراج المعتمد من المذهب

وله طرق أربعة:

الطريق الأول: استخراج المعتمد المنصوص المتفق عليه من كتب المتأخرين:

  • ويتوجه المتصدر للفتوى في هذا الطريق ابتداءً إلى كتابي:

(تحفة المحتاج- نهاية المحتاج)

فعليهما مدار الفتوى، فينظر فيهما المتصدر للفتوى، فإن وجد المسألة متفق عليها فيهما، جزم بكون ذلك هو المعتمد في المذهب.

  • ومثاله:

مسألة زكاة الحلي المباح: فلو سئل المتصدر للفتوى عن الحلي المباح، يعني ما يباح لبسه للزينة من الذهب، هل تجب فيه زكاة؟

فإنه إذا توجه إلى الكتابين وجد النص على أن ليس في الحلي مباح زكاة في الأصح، فيجزم هنا بأن المعتمد عدم وجوب الزكاة في الحلي المباح، ويفتي به.

  • فإن لم يجد المتصدر للفتوى مسألته في (تحفة المحتاج- ونهاية المحتاج) وسَّع دائرة بحثه، ليشمل الكتب الآتية على الترتيب المذكور:
  • كتب ابن حجر الهيتمي: (فتح الجواد بشرح الإرشاد- الإمداد بشرح الإرشاد).
  • كتب شيخ الإسلام زكريا الأنصاري (شرح البهجة – شرح المنهج- أسنى المطالب).
  • كتب الخطيب الشربيني (مغني المحتاج- الإقناع).
  • حاشية الزيادي.
  • حاشية ابن قاسم.
  • حاشية عميرة.
  • حاشية الشبراملسي.

ومراد المتصدر للفتوى في هذا الطريق هو الوصول للمسألة منصوصًا عليها في أحد تلك المصادر أو في أكثر من مصدر، بلا خلاف فيها.

الطريق الثاني: وهو استخراج المعتمد المنصوص عليه المختلف فيه بين

المتأخرين (الترجيح):

  • ويتعين هذا الطريق إن حصل الخلاف بين طبقتين متساويتين من طبقات المتأخرين، كأن يقع الخلاف بين (تحفة المحتاج ونهاية المحتاج)، أو يقع الخلاف بين (شرح المنهج ومغني المحتاج)، فإن وقع الخلاف على هذه الصورة، فإن التعاطي معه يختلف باختلاف حال المتصدر للفتوى، وهي حالتان:
  • الحالة الأولى: أن يكون المتصدر للفتوى غير أهل النظر في الوجوه والترجيح، فإن الواجب عليه رفع الفتوى لمن هو أعلم منه، فإن اضطر للفتوى تخير بينهما.
  • الحال الثاني: وهو أن يكون المتصدر للفتوى من أهل النظر والترجيح ومعرفة الوجوه وعللها، فإنه يفتي بما ظهر له من الترجيحات.

وقد اتفق أئمة المذهب على أن المعول عليه والمأخوذ به كلام الشيخ ابن حجر والرملي، في التحفة والنهاية، إذا اتفقا، فإن اختلفا فيجوز للمفتي الأخذ بأحدهما على سبيل التخيير، إلا إذا كان فيه أهلية الترجيح، وظهر له ترجيح أحدهما بطريق من الطرق، كأن كان عليه أكثر الأصحاب، أو الأحاديث الصحيحة، تدل عليه، أو نحو ذلك من المرجحات، فلا يفتي إلا به، وإن لم يظهر له شيء فيتخير(1).

فيتبين مما سبق أن من مسالك الترجيح التي يسلكها المتصدر للفتوى:

  • أن يكون أحد القولين موافقًا لقول جمهور أهل المذهب.
  • أن يكون أحد القولين موافقًا للأئمة الثلاثة.
  • أن يكون أحد القولين موافقًا للأحاديث الصحيحة.

وينبغي أن يضع في اعتباره المصطلحات الدالة على المعتمد والتصحيح ومعرفة الفرق بينهما كـ:

الأظهرالصحيحالأصحالوجه
لكنلا يبعدالاختيارالمختار

ونحو ذلك مما تقدم بيانه في مصطلحات المذهب.

الطريق الثالث: استخراج المعتمد غير المنصوص عليه في كتب المتأخرين:

وفيه يسلك المتصدر للفتوى مسلك محرري المذهب من المتأخرين، فيستخرج هو معتمد المذهب، ويبدأ بالنظر في كتب الإمام النووي والرافعي:

(العزيز شرح الوجيز- التحقيق- المجموع- التنقيح- روضة الطالبين- منهاج الطالبين- فتاوى النووي- شرح صحيح مسلم- تصحيح التنبيه).

والطريق المتفق عليها بين أهل مذهب الشافعية وهم مطبقون عليها هي أن المذهب لا يخرج عن كلام الرافعي والنووي.

  • فينظر المتصدر للفتوى، فإن اتفقا على حكم المسألة فهي معتمد المذهب وعليه الفتوى، وهذا بطبيعة الحال على فرض أن المتأخرين لم يؤثر عنهم شيء فيها.

قال ابن حجر الهيتمي: «الذي أطبق عليه محققو المتأخرين ولم تزل مشايخنا يوصون به وينقلونه عن مشايخهم وهم عمن قبلهم. وهكذا أن المعتمد ما اتفقا عليه أي ما لم يجمع متعقبو كلامهما على أنه سهو»(2).

وعند البحث في كلام الشيخين فإنه ينظر في كتب النووي بالترتيب الآتي:

  • التحقيق، ويبدأ من كتاب الطهارة، وينتهي عند باب صلاة المسافر.
  • المجموع شرح المهذب، ويبدأ من كتاب الطهارة إلى كتاب البيوع.
  • التنقيح شرح وسيط الغزالي، ويبدأ من كتاب الطهارة إلى باب شروط الصلاة.
  • روضة الطالبين وعمدة المفتين، وهو كامل من بداية الكتاب لنهايته.
  • منهاج الطالبين وعمدة المفتين، وهو مكتمل.
  • فتاوى النووي، أو المسائل المنثورة.
  • شرح صحيح مسلم.
  • تصحيح التنبيه.
    • فإن تعارض كلام النووي نفسه بين أحد تلك المصنفات، روعي ما اتفق عليه الأكثر منها، وإلا رجح بينهم بالترتيب السابق.
    • فإن اختلفا فيقدم قول النووي على قول الرافعي، إن لم يظهر للمتصدر للفتوى ضرورة أو اقتضت العادة الجارية ترجيح قول الرافعي.

فإن لم يجد انتقل إلى المصنفات المتقدمة وبدأ بكتابي:

(الوسيط للغزالي- والمهذب للشيرازي)

قال النووي: ثم إن أصحابنا المصنفين رضي الله عنهم أجمعين وعن سائر علماء المسلمين أكثروا التصانيف كما قدمنا وتنوعوا فيها كما ذكرنا واشتهر منها لتدريس المدرسين وبحث المشتغلين المهذب والوسيط وهما كتابان عظيمان صنفهما إمامان جليلان: أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي: وأبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي رضي الله عنهما وتقبل ذلك وسائر أعمالهما منهما وقد وفر الله الكريم دواعي العلماء من أصحابنا رحمهم الله على الاشتغال بهذين الكتابين وما ذاك إلا لجلالتهما وعظم فائدتهما وحسن نية ذينك الإمامين، وفي هذين الكتابين دروس المدرسين وبحث المحصلين المحققين، وحفظ الطلاب المعتنين فيما مضى(3).

فإن لم يجد المسألة في تلك المصنفات بحث في روايات الإمام المنقولة عنه في (الأم- الإملاء- مختصر المزني- نهاية المطلب) وفي الوجوه والأقوال في (الحاوي الكبير- بحر المذهب للروياني- كفاية النبيه) ونحوهم.

قال ابن حجر الهيتمي: الكتب المتقدمة على الشيخين لا يعتمد شيء منها إلا بعد مزيد الفحص والتحري حتى يغلب على الظن أنه المذهب ولا يغتر بتتابع كتب متعددة على حكم واحد فإن هذه الكثرة قد تنتهي إلى واحد ألا ترى أن أصحاب القفال أو الشيخ أبي حامد مع كثرتهم لا يفرعون ويؤصلون إلا على طريقته غالبًا، وإن خالفت سائر الأصحاب فتعين سبر كتبهم هذا كله في حكم لم يتعرض له الشيخان أو أحدهما، وإلا فالذي أطبق عليه محققو المتأخرين ولم تزل مشايخنا يوصون به وينقلونه عن مشايخهم وهم عمن قبلهم(4).

الطريق الرابع: التخريج على المذهب:

وفيه يلحق المتصدر للفتوى الفرع غير المنصوص عليه في كتب علماء المذهب بأحد الفروع المنصوص عليها تخريجًا.

٤. منهج الإفتاء بالمذهب الحنبلي

الإدراكات اللازمة للمتصدر للفتوى على مذهب الحنبلي:

أهم مصطلحات ورموز المذهب:

  • (المتقدمون):

هم في اصطلاحهم: من تلامذة الإمام أَحمد إلى الحسن ابن حامد.

  • (المتوسطون):

هم في اصطلاحهم من تلامذة- ابن حامد- آخر طبقة المتقدمين- وعلى رأسهم تلميذه القاضي أَبو يعلى، المتوفى سنة (٤٥٩ هـ) إِلى البرهان ابن مفلح صاحب المبدع ت سنة (٨٨٤ هـ).

  • (المتأخرون):

هم في اصطلاحهم: من العلامة العلاء المرداوي ت: سنة (٨٨٥ هـ) إلى الآخر.

  • (القاضي):

عند إطلاقه فالمراد به أبو يعلى محمد بن الحسين، أما في إطلاق الإقناع والمنتهى، فيراد به المرداوي علاء الدين.

  • (المنقح): علاء الدين المرداوي، وسمي بذلك لكتابه “التنقيح المشبع”.
  • (الشيخان): ويطلق مصطلح الشيخين على المجد ابن تيمية، والموفق ابن قدامة، ويكثر ذلك في كتب المتوسطين والمتأخرين.
  • (الشيخ): موفق الدين ابن قدامة، ويطلق كثيرًا عند المتأخرين ويراد به ابن تيمية كما نص على ذلك الحجاوي في الإقناع، وكذا عند ابن قندس في حاشيته على الفروع، وغيرهم من المتأخرين.
  • (شيخنا): المراد به “القاضي أبو يعلى” في إطلاق ابن عقيل وأبي الخطاب الكلوذاني، ويراد به “ابن تيمية” في إطلاق ابن مفلح وابن القيم.
  • (الشارح):

شمس الدين ابن قدامة، ويطلق عليه أيضًا (ابن أبي عمر- صاحب الشرح) والشرح المراد هو “الشرح الكبير”.

  • (الرواية):

ما روي عن الإمام أحمد بن حنبل نصًّا أو تخريجًا من الأصحاب، وفي معناه (نصًّا- منصوص عليه- عنه- النص).

  • (رواية الجماعة)، أو (رواه الجماعة):

المراد بهم أصحاب الإمام المبرزين، وهم: (عبد الله بن حنبل، وصالح بن حنبل، وحنبل ابن عم الإمام- وإسحاق- وأَبو بكر المروحي، وإبراهيم الحربي، وأَبو طالب، والميموني).

  • (ظاهر المذهب):

هو المشهور من المذهب، سواء كان رواية، أو وجهًا، ونحوه.

  • (القول):

هو ما كان رواية عن الإمام أحمد، أو وجهًا عن الأصحاب.

  • (الاحتمال):

يكون: إما لدليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه. أو لدليل مساو له. ولا يكون التخريج أو الاحتمال إلا إذا فهم المعنى.

  • (ولو …)

يعني إن قال المتأخرون: “ولو كان كذا…” ونحو ذلك دل ذلك على وقوع الخلاف، مثل قول الحجاوي: «ويكرهان يعني الأذان والإقامة ولو بلا رفع الصوت» فهذا يدل على وقوع الخلاف في أذان النساء بلا رفع صوت. وهكذا.

  • (قيل) (وقيل):

إن قالها في منتهى الإرادات فتعني: عدم الوقوف على مصحح لهذا القول.

  • (مصطلحات الفروع):

“على الأصح” أي على أصح الروايتين.

“في الأصح” أي أصح الوجهين.

“وعنه كذا” أو “وقيل كذا”: يعني أن المقدم في المذهب خلاف ذلك.

“يتوجه” “يقَوَّى”، “عن قول”، “رواية وهو”، “هي أظهر” “أشهر”، “متجه”، “غريب”، “فدل”، “هذا يدل”، “ظاهره”، “يؤيده”، “المراد كذا”.

كل هذه الألفاظ تدل على أن هذا المقول من عند ابن مفلح.

“المنصوص”، “الأصح”، “الأشهر”، “المذهب كذا”.

وهذه الألفاظ تعني أن ابن مفلح نقلها عن قول أحد الأئمة.

“ع” ما كان فيه إجماع من المسائل، أو وافق عليه الأئمة الثلاثة.

“خ” ما خالف فيه الأئمة الثلاثة الحنابلة.

“هـ” خلاف أبي حنيفة.

“م” خلاف مالك.

“ش” خلاف الشافعي

“ر” إشارة إلى أن ذلك المنقول عن أحد الأئمة الثلاثة رواية عنه.

“ق” إشارة للقولين.

“و” إشارة إلى وفاق أحد الأئمة.

رموز أخرى في حواشي المتأخرين:

  • (م ص): منصور بن يونس البهوتي، وتطلق ويراد به شرح منتهى الإرادات، وقد يطلق على الشرح خصوصًا: (ش م ص).
  • (م خ): محمد الخلوتي.
  • (تاج): يراد به تاج الدين البهوتي، تلميذ ابن النجار الفتوحي صاحب المنتهى.
  • (ع): يرمز به للإقناع في العديد من حواشي الروض المربع.
  • (ع ن): حاشية عثمان النجدي على المنتهى.

القسم الثاني: مصنفات المذهب المعتمدة:

  • مختصر الخرقي:

لأبي القاسم عمر بن الحسين الخرقي، وهو من أشهر متون المذهب التي لاقت اهتمامًا كبيرًا من فقهاء الحنابلة، وانصرفت هممهم لشرحه، حتى وصلت عدد الشروح عليه إلى ثلاثمائة شرح.

  • الرعايتان: (الرعاية الكبرى- الرعاية الصغرى):

لأحمد بن محمد بن حمدان، ذكرهما المرداوي في الكتب المعتمدة في المذهب على خلاف ابن مفلح وابن رجب وابن بدران، الذين عدوهما من الكتب غير المحررة. قال ابن بدران بعده: وبالجملة فهذان الكتابان غير محررين. وقال ابن رجب: فيهما نقول كثيرة جدًّا لكنها غير محررة.

  • الهداية:

لأبي الخطاب الكلوذاني (٥١٠هـ). وهو من المصنفات التي اعتنت بنقل روايات الإمام أحمد، وكان في بعضها يرجح بينها ويظهر اختياره فيها.

  • المحرر في الفقه:

لمجد الدين ابن تيمية (٦٥٢هـ)، وطريقته فيه قريبة من طريقة أبي الخطاب الكلوذاني في الهداية، وهو من معتمدات المذهب نظرًا لاتفاقهم على تقديم قول المجد ابن تيمية ووجهه في المذهب.

  • المستوعب:

لمحمد بن عبد الله السامري، جمع فيه مسائل (مختصر الخرقي- التنبيه، للخلال- والإرشاد، لابن أبي موسى- والخصال، لابن البنا- والهداية لأبي الخطاب- والتذكرة، لابن عقيل).

  • المغني شرح مختصر الخرقي:

أشهر مصنفات الفقه الحنبلية، شرح العظيم مستمد من شرح القاضي أبي يعلى لمختصر الخرقي، وزاد ابن قدامة عليه، لا سيما كثرة الفروع في المذهب التي لم يذكرها الخرقي، وقال في المقصد الأرشد: وهو كتاب بليغ في المذهب، تعب فيه وأجاد فيه، وجمل به المذهب، وقرأه عليه جماعة، وأثنى ابن غنيمة على مؤلفه فقال: ما أعرف أحدًا في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق، وقال العز بن عبد السلام: ما رأيت في كتب الإسلام مثل “المحلى” و”المجلى” لابن حزم، وكتاب “المغني” للشيخ موفق الدين في جودتهما.

  • الكافي في فقه الإمام أحمد:

ثاني كتب ابن قدامة من حيث الطول، ألفه للمتوسطين، وبناه على رواية واحدة مقرونة بالدليل، وذكر في مواضع: تعدد الرواية في المذهب للتمرين.

  • المقنع:

وهو ثالث كتب ابن قدامة، ألفه لمن ارتفع عن درجة المبتدئين، فعدد فيه الرواية، وجرده من الدليل؛ ليتمرن الفقيه على الاجتهاد في المذهب وعلى التصحيح، والبحث عن الدليل.

  • العمدة:

أصغر كتب ابن قدامة الفقهية، وهو متن فقهي، أجراه على رواية واحدة للمبتدئين.

  • الفروع:

لشمس الدين ابن مفلح، أحد محرري المذهب المعتمدين، وهو كتاب مجرد من الدليل، قدم فيه الراجح في المذهب، فإن اختلف الترجيح أطلق الخلاف، وله اصطلاح خاص ذكره في مقدمة الكتاب.

  • منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات:

لتقي الدين أحمد بن علي بن إبراهيم ابن النجار، الفتوحي (٩٧٢هـ).

وقد جمع فيه بين المقنع لابن قدامة، والتنقيح المشبع للمرداوي، وهو كتاب مشهور عمدة المتأخرين في المذهب وعليه الفتوى، واشتغل به عامة الطلبة في عصره واقتصروا عليه.

  • الإقناع لطالب الانتفاع

لموسى بن أحمد بن موسى الحجاوي (٩٦٨هـ)

أحد معتمدات المذهب المعول عليها فيه.

  • غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى:

لمرعي الكرمي، جمع فيه بين الإقناع والمنتهى، وأورد فيه اتجاهات له كثيرة يعنونها بلفظ ويتجه، وجعله البعض حكمًا بين الإقناع والمنتهى حال اختلافهما.

  • كشاف القناع على متن الإقناع:

شرح للبهوتي على الإقناع للحجاوي، مزج فيه بين المتن وشرحه مزجًا تامًّا، وقال في مقدمته: حتى صارا كالشيء الواحد لا يميز بينهما إلا صاحب بصر أو بصيرة، لحل ما قد يكون من التراكيب العسيرة وتتبعت أصوله التي أخذ منها كالمقنع والمحرر والفروع والمستوعب وما تيسر الاطلاع عليه من شروح تلك الكتب وحواشيها، كالشرح الكبير والمبدع والإنصاف وغيرها مما من الله تعالى بالوقوف عليه كما ستراه، خصوصًا شرح المنتهى والمبدع، فتعويلي في الغالب عليهما.

  • شرح منتهى الإرادات، للبهوتي:

وهو شرح على منتهى ابن النجار، استمد البهوتي شرحه من شرح المنتهى لابن النجار نفسه، ومن شرحه هو على الإقناع.

  • معونة أولي النهى (شرح منتهى الإرادات):

وهو شرح منتهى الإرادات لمؤلفه ابن النجار الفتوحي.

منهج الفتوى على المذهب الحنبلي:

المرحلة الأولى

استخراج معتمد المذهب في المسألة محل الفتوى

الطريق الأول: استخراج معتمد المذهب المنصوص والمتفق عليه:

وينظر المتصدر للفتوى ابتداء في كتب:

(منتهى الإرادات- الإقناع- التنقيح المشبع- غاية المنتهى)

وغرضه البحث فيهم عن المسألة محل الفتوى، لينظر اتفاقهم عليها من عدمه.

فإن اتفقوا على حكم المسألة، فهو المذهب بلا نزاع، فيتحصل عنده معتمد المذهب.

فإن لم يجد في تلك المصنفات انتقل إلى:

(الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف)

وينظر فيه عن مسألته، فإن ذكرها المرداوي مقدِّمًا لها، ومرجحًا أو حاكيًا نفي الخلاف والاتفاق عليها، فهو المذهب أيضًا.

فإن لم يجد مسألته، انتقل إلى مصنفات البهوتي:

(شرح المنتهى- كشاف القناع- الروض المربع)

مع مصنفات عثمان النجدي:

(هداية الراغب- حاشية المنتهى) بالإضافة إلى (مطالب أولي النهى) للرحيباني.

الطريق الثاني: استخراج المعتمد المنصوص عليه المختلف فيه بين معتمدات المتأخرين:

وهذا إذا وجد المتصدر للفتوى خلافًا بين أصحاب المصنفات الأربعة السابقة، فإنه يتبع الآتي:

  • إن اتفق أكثرهم على الحكم، بأن يتفق ثلاثة منهم في مقابل واحد، فيرجح قول الأكثر.
  • إن تساويا، كأن يختلف اثنان في مقابل اثنين، فيرجح الطرف الذي فيه منتهى الإرادات.

الطريق الثالث: استخراج معتمد المذهب غير المنصوص عليه:

وفي هذا الطريق يقوم المتصدر للفتوى بعمل محرري المذهب في استخراج المعتمد من كتب المتوسطين والمتقدمين، ويتبع في ذلك منهج المرداوي في الإنصاف، لأنه عمدة المتأخرين وصاحب قواعد التحرير الفاصلة، فيتبع الخطوات الآتية:

  • إن رأي المسألة متفقًا عليها بين سائر الأصحاب أو أغلبهم، فإنه يحكم بأنه المعتمد.

فإن وجد فيها اختلافًا بينهم، فينظر في كلام: المجد ابن تيمية، وابن قدامة، وعبد الرحمن بن قدامة، وابن مفلح، وابن رجب، والدجيلي، وابن حمدان، وابن تيمية، وابن عبدوس.

وأهم المصنفات التي يحتاجها للنظر في أقوال هؤلاء:

(المحرر في الفقه- المغني- الكافي- الشرح الكبير- الفروع- القواعد الفقهية- مجموع الفتاوى).

فإن اختلف هؤلاء، قدم ما في الفروع لابن مفلح مطلقًا.

فإن أورد ابن مفلح الخلاف دون ترجيح، قدم ما اتفق عليه المجد ابن تيمية، وابن قدامة، فإن اختلفا، فالمذهب ما قدمه ابن رجب الحنبلي، أو ابن تيمية.

فإن لم يجد ذلك قدم قول ابن قدامة ثم قول المجد بن تيمية، فإن لم يعثر على ترجيح لهما، اتبع قول ابن رجب، ثم الوجيز، ثم ابن حمدان.

فإن لم يجد قولًا لعلماء المذهب مع بحثه، انتقل للبحث في روايات الإمام أحمد رأسًا:

فإن وجد المسألة في أحد أجوبة الإمام أحمد، كانت هي المذهب، وإن وجد عنه روايتين، فيحاول الجمع بينهما بطرق الجمع المعروفة في أصول الفقه، من حمل المطلق على المقيد أو العام على الخاص، فإن تعذر ذلك وعلم تاريخ القولين، فالرواية المتأخرة هي المذهب، وإن جهل التاريخ فمذهبه أقرب الروايتين من الأدلة.

ثانيا: منهج الاختيار من المذاهب الأربعة:

من المسلم به عند أهل العلم والفتوى أن المذاهب الفقهية الأربعة (الحنفية-المالكية- الشافعية- الحنابلة) هي أكثر المذاهب خدمة وتحقيقًا وتدقيقًا؛ حيث توارد عليها أجيال كثيرة من العلماء المحققين عبر أمصار وأعصار مختلفة، وأشبعوها دراسة وتأصيلًا و تحقيقًا حتى انتهى الأمر لها بالقبول عند جمهور الأمة، فما من عالم إلا وهو منتسب إلى إحدى هذه المدارس المذهبية.

ومن هنا كان “منهج الاختيار من المذاهب الأربعة” هو المنهج الملائم والمتبع لدي بعض الهيئات و المؤسسات الإفتائية؛ حيث يلتزم صاحبه معتمدات هذه المذاهب الأربعة المذكورة لا يتعداها إلى غيرها، والفرق بين هذا المنهج والمنهج السابق (منهج الالتزام بمذهب معين)، هو أن هذا المنهج لا يلتزم صاحبه بمذهب معين، حيث يستطيع صاحبه أن يخرج في منهجه في الفتوى عن مذهبه الملتزم به إلى معتمد ومقررات المذاهب الأربعة المتبوعة بحيث لا يخرج عنها إلى غيرها، وأصل هذا المنهج مبني على القول بحرمة الخروج على المذاهب الأربعة؛ وهو مذهب عدد كبير من أهل العلم، وقد ألف في ذلك ابن رجب الحنبلي رسالته المشهورة “الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة”، وحشدها بالنقولات والأدلة التي تعضد هذا المذهب، ونستعرض في النقاط التالية أقوال بعض أهل العلم المؤيدين هذا المنهج:

أ – قال ابن رجب : “فإن قيل : نحن نسلّم منع عموم النّاس من سلوك طريق الاجتهاد، لما يفضي ذلك إلى أعظم الفساد ، لكن لا نسلّم منع تقليد إمام متبع من أئمة المجتهدين غير هؤلاء الأئمة المشهورين ، قيل : قد نبهنا على علة المنع من ذلك وهو أنّ مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط ، فربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه ، وليس لمذاهبهم من يذبّ عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها ، بخلاف هذه المذاهب المشهورة ، فإن قيل : فما تقولون في مذهب إمام غيرهم قد دوّن مذهبه وضبط وحفظ كما حفظ هؤلاء ، قيل : أولا : هذا لا يعلم وجوده الآن ، وإن فرض وقوعه الآن وسلّم جواز اتباعه والانتساب إليه ، فإنّه لا يجوز ذلك إلاّ لمن أظهر الانتساب إليه والفتيا بقوله والذّبّ عن مذهبه”.(5)

ب- قال شهاب الدين النفراوي المالكي: “وقد انعقد إجماع المسلمين اليوم على وجوب متابعة واحد من الأئمة الأربعة (أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل) رضي الله عنهم، وعدم الخروج عن مذاهبهم، وإنما حرم تقليد غير هؤلاء الأربعة من المجتهدين -مع أن الجميع على هدى- لعدم حفظ مذاهبهم لموت أصحابهم وعدم تدوينها”(6).

جـ – يقول بدر الدين الزركشي رحمه الله تعالى: “والحق أن العصر خلا عن المجتهد المطلق، لا عن مجتهد في مذهب أحد الأئمة الأربعة، وقد وقع الاتفاق بين المسلمين على أن الحق منحصر في هذه المذاهب، وحينئذ فلا يجوز العمل بغيرها، فلا يجوز أن يقع الاجتهاد إلا فيها”(7).

د- وجاء في مواهب الجليل: “قال القرافي في شرح المحصول: قال إمام الحرمين: أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب الصحابة -رضي الله عنهم- بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا وبوبوا؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يعتنوا بتهذيب المسائل والاجتهاد وإيضاح طرق النظر بخلاف من بعدهم ثم قال القرافي: ورأيت للشيخ تقي الدين بن الصلاح ما معناه أن التقليد يتعين لهذه الأئمة الأربعة دون غيرهم؛ لأن مذاهبهم انتشرت وانبسطت حتى ظهر فيها تقييد مطلقها وتخصيص عامها وشروط فروعها فإذا أطلقوا حكما في موضع وجد مكملا في موضع آخر وأما غيرهم فتنقل عنه الفتاوى مجردة فلعل لها مكملا أو مقيدا أو مخصصا لو انضبط كلام قائله لظهر فيصير في تقليده على غير ثقة بخلاف هؤلاء الأربعة” (8)

ه- قال ابن مفلح الحنبلي: “وفي الإفصاح: إنّ الإجماع انعقد على تقليد كل من المذاهب الأربعة، وأنّ الحق لا يخرج عنهم ، وسيأتي لزوم التمذهب بمذهب وجواز الانتقال عنه”(9).

و- ونختم الحديث في هذا الشأن بما ورد عن ابن تيمية رحمه الله، حيث قال: ” وقول القائل: لا أتقيّد بأحد من هؤلاء الأئمة الأربعة، إن أراد أنّه لا يتقيّد بواحد بعينه دون الباقين فقد أحسن بل هو الصواب من القولين، وإن أراد أنّي لا أتقيّد بها كلّها ، بل أخالفها فهو مخطئ في الغالب قطعاً ، إذ الحق لا يخرج عن هذه الأربعة في عامة الشريعة(10) “.

آلية الإفتاء بالاختيار من المذاهب الأربعة:

بذل أئمة المذاهب الأربعة المجتهدون الوسع والجهد للوصول لحكم الله تبارك وتعالى، ونتج عن اجتهاداتهم اختلاف في الفروع الفقهية، ولذلك اختلف الأصوليون في مسألة تصويب المجتهدين أم أن الحق واحد ومخطئه معذور بعد استفراغ الوسع وهو مأجور على اجتهاده، ويظهر أثر هذه المسألة في آلية الفتوى بمنهج الاختيار من المذاهب الأربعة المتبوعة، بين سلوك مذهب التخيير بينها أم الترجيح مع اختلافهم في طرق الترجيح نجملها فيما يلي:

الاتجاه الأول: يرى أن كل مجتهد مصيب.

هذا الاتجاه يجعل المذاهب الأربعة كلها على حق، وأن المفتي له حق التخير من بينها فكلها صواب، وأن العامي إذا وافق منها مذهبا فلا حرج عليه وفعله صحيح، وجعل هذا نعمة وخصيصة للأمة المحمدية.

وقد انتصر لهذا الاتجاه الإمام السيوطي في رسالته “جزيل المواهب” قال فيها: “إعلم أن اختلاف المذاهب في هذه الملة نعمة كبيرة وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون وعمي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجهال يقول: النبي  جاء بشرع واحد فمن أين مذاهب أربعة؟ ومن العجب أيضًا من يأخذ في تفضيل بعض المذاهب تفضيلًا يؤدي إلى تنقيص المفضل عليه وسقوطه، وربما أدى إلى خصام بين السفهاء وصارت عصبية وحمية الجاهلين، والعلماء منزهون عن ذلك، وقد وقع الخلاف في الفروع بين الصحابة رضي الله عنهم وهم خير الأمة، فما خاصم أحد منهم أحدًا، ولا عادى أحد أحدًا ولا نسب أحد أحدًا إلى خطأ ولا قصور…فعرف بذلك أن اختلاف المذاهب في هذه الملة خصيصة فاضلة لهذه الأمة وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة فكانت الأنبياء قبل ذلك تبعث بشرع واحد وحكم واحد، لم يكن فيها تخيير في كثير من الفروع التي شرع فيها التخيير في شريعتنا…، فمن سعتها أن كتابها أنزل على سبعة أحرف ، يقرأ بأوجه، والكل كلام الله عز وجل ووقع فيها الناسخ والمنسوخ ؛ ليعمل بهما جميعا في هذه الملة ، وبالجملة فكأنه عمل فيها بالشرعين جميعًا، ووقع فيها بالتخيير بين أمرين، شرع كل منهما في ملة: كالقصاص والدية، فكأنها جمعت الشريعتين معًا وزادت حسنًا بشرع ثالث وهو التخيير الذي لم يكن في أحد من الشريعتين، فكانت المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة كل مأمور بها في هذه الشريعة، كأنها عدة شرائع بعث النبي  بجميعها، وفي ذلك توسعة زائدة لها وفخامة عظيمة لقدر النبي  وخصوصية له على سائر الأنبياء؛ حيث بعث كل منهم بحكم واحد وبعث هو  في الأمر الواحد بأحكام متنوعة، يحكم بكل منها ينفذ ويصوب قائله ويؤجر عليه ويهدي به، وهذا معنى لطيف فَتَح الله به، يستحسنه كل من له ذوق وإدراك لأسرار الشريعة”(11).

ولأهل هذا الاتجاه طريقتان:

  • الطريقة الأولى: التخيير المطلق للمفتي والمستفتي بأي منها فلا حرج على المفتي أن يفتي بأي قول منها، وكذا المستفتي له أن يختار من بينها ويعمل بها.
  • الطريقة الثانية: جعل المستفتين على مرتبتين أهل العزيمة وأهل الرخصة، وتقسيم أقوال الأئمة الأربعة على مرتبتين أيضا تخفيف وتشديد، فأهل الرخصة لهم التخفيف وأهل العزيمة لهم التشديد.

وممن التزم ذلك الإمام الشعراني في كتابه “الميزان”، فيقول: “مجموع الشريعة يرجع إلى أمر ونهي وكل منهما ينقسم عند العلماء على مرتبتين تخفيف وتشديد، وأما الحكم الخامس الذي هو المباح فهو مستوى الطرفين وقد يرجع بالنية الصالحة إلى قسم المندوب، وبالنية الفاسدة إلى قسم المكروه…ثم إن لكل من المرتبتين رجالا في حال مباشرتهم للتكاليف فمن قوي منهم من حيث إيمانه وجسمه خوطب بالعزيمة والتشديد الوارد في الشريعة صريحا أو المستنبط منها في مذهب ذلك المكلف أو غيره، ومن ضعف منهم من حيث مرتبة إيمانه أو ضعف جسمه خوطب بالرخصة والتخفيف الوارد كذلك في الشريعة صريحا أو المستنبط منها في مذهب ذلك المكلف أو مذهب غيره…فلا يؤمر القوي المذكور بالنزول إلى مرتبة الرخصة والتخفيف وهو يقدر على العمل بالعزيمة والتشديد لأن ذلك كالتلاعب بالدين…وكذلك لا يكلف الضعيف المذكور بالصعود إلى مرتبة العزيمة والتشديد والعمل بذلك مع عجزه عنه، لكن لو تكلف وفعل ذلك لا نمنعه إلا بوجه شرعي فالمرتبتان المذكورتان على الترتيب الوجوبي لا على التخيير كما قد يتوهمه بعضهم”(12).

الاتجاه الثاني: يرى أن الحق واحد:

هذا الاتجاه يرى أن الحق فيها ولكنه لا على التخيير بل فيها الصواب والخطأ وعلى المفتي أن يتحرى الحق منها، يقول الشاطبي: ” الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها وإن كثر الخلاف، كما أنها في أصولها كذلك؛ ولا يصلح فيها غير ذلك، والدليل عليه أمور:

أحدها: أدلة القرآن، من ذلك قوله تعالى: ﴿ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ﴾ [النساء: ٨٢]؛ فنفى أن يقع فيه الاختلاف البتة، ولو كان فيه ما يقتضي قولين مختلفين لم يصدق عليه هذا الكلام على حال.

وفي القرآن: ﴿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﴾[النساء: ٥٩] وهذه الآية صريحة في رفع التنازع والاختلاف؛ فإنه رد المتنازعين إلى الشريعة، وليس ذلك إلا ليرتفع الاختلاف، ولا يرتفع الاختلاف إلا بالرجوع إلى شيء واحد؛ إذ لو كان فيه ما يقتضي الاختلاف لم يكن في الرجوع إليه رفع تنازع، وهذا باطل.

وقال تعالى: ﴿ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯﮰ ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، والبينات هي الشريعة، فلولا أنها لا تقتضي الاختلاف ولا تقبله البتة لما قيل لهم: من بعد كذا، ولكان لهم فيها أبلغ العذر، وهذا غير صحيح؛ فالشريعة لا اختلاف فيها”(13). إلى آخر ما ذكره من أدلة.

ولأهل هذا الاتجاه طرق:

  • الطريقة الأولى: الترجيح بقوة الدليل عن طريق الموازنة بين الأدلة والترجيح بينها كما هو مبين في الأصول، وهي طريقة مشهورة ومتبعة في دراسة الفقه المقارن.
  • الطريقة الثانية: الترجيح بالكثرة، أي بقول الجمهور في كل مسألة، وقد يكون ابتداء أو إذا تعذر الترجيح، يقول الدكتور وهبة الزحيلي: “قد أذكر ترجيحاً بين الآراء بحسب ما يبدو لي، وبخاصة في مقابلة الحديث الضعيف، أو لما أرى في مذهب ما من تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة ومضرة وإذا لم أصرح بالترجيح، فالأولى العمل برأي الأكثرين أو الجمهور؛ لأن الكثرة يحصل بها الترجيح، فيقدم رأي الجمهور إلا إذا لم يكن ملائماً لظروف الحياة الشرعية المعاصرة في المعاملات أو لم يترجح لدى مجتهد ما”(14).
  • الطريقة الثالثة: ترجيح مذهب منها في الأعم الأغلب مع الخروج عنه في مسائل توقع في الحرج والمشقة، فينتقل إلى غيره للضرورة، كما فعله غير واحد في مسائل تعم بها البلوى، ومن ذلك ما فعله الإمام شرف الدين البارزي الشافعي في مسائل تحليل الحائض من الإحرام، فقال في أول الجواب: “فسألت الله تعالى التوفيق والإرشاد إلى ما فيه التيسير على العباد، من مذاهب العلماء الأئمة، الذين جعل الله اختلافهم رحمة للأمة؛ فظهر لي من الجواب، والله أعلم بالصواب: أنه يجوز تقليد كل واحد من الأئمة الأربعة رضي الله عنهم، ويجوز لكل أحد أن يقلد واحدا منهم في مسألة ويقلد إماما آخر في مسألة أخرى؛ ولا يتعين عليه تقليد واحد بعينه في كل المسائل، وإذا عرف هذا؛ فيصح حج كل واحدة من الأصناف المذكورة على قول بعض الأئمة…”(15)ثم شرع في بيان أقوال الأئمة.

ثالثا: منهج الاختيار من سائر المذاهب الفقهية:

ظلَّت صناعة الفتوى تتطور تطورًا تدريجيًّا عبر القرون السابقة، إلى أن اكتملت مناهجها واستقرت في المذاهب الفقهية الإسلامية، إلا أن هذا التطور والنضج، والذي أثمر عن تلك المناهج -التي فصلناها فيما سبق- لم يكن كافيًا ليعصم صناعة الفتوى عن التحديات الضخمة التي واجهتها في العقود الأخيرة، فالتطور المذهل الذي شهدته تلك العقود الأخيرة على الجانب الصناعي والاقتصادي والتكنولوجي، وما تبع ذلك من تغييرات نوعية على الجانب السياسي والاجتماعي، أنتج عددًا رهيبًا من التساؤلات والنوازل الفقهية المرتبطة بواقع شديد التركيب والتعقيد، وصارت المعطيات الخارجية المحيطة بالمستفتي تختلف بشكل جذري عن نظيرتها في القرون السابقة، فضلًا عما أفرزته تلك التغيرات -السياسية على وجه الخصوص- من سيولة كبيرة في الجماعات والأفكار والتي تبنت كل منها منهجا فكريًّا له غايات وأهداف، مثَّلت الفتوى أحد أهم أدواتها للوصول إلى تحقيق تلك الغايات. كل تلك العوامل مثلت تحديًا حقيقيًّا لصناعة الفتوى، وأنذرت بالحيدة بها عن مسارها الرشيد.

ولعل ذلك ما يفسر العدد الضخم من المصنفات التي تناولت قضية الإفتاء بشتى جوانبها وحاولت الدفع في اتجاه تصحيح مسار الفتوى وضبطها وترشيدها بما يحقق أغراضها من تحقيق مقاصد الشريعة وجلب المصالح ودفع المفاسد عن الأمة.

وأمام تلك التحديات الكبيرة برزت أهمية منهج “التخيير بين المذاهب الفقهية” كأحد أبرز المناهج الإفتائية التي اعتمدتها العديد من المؤسسات الإفتائية، ورأت في ذلك أداة فاعلة في التعامل مع النوازل الفقهية التي أفرزها التطور الكبير في العقود الأخيرة.

وليس كما قد يُظن أن منهج التخير بين المذاهب منهج حديث أو معاصر، بل إن التخير بين المذاهب اتجاه فقهي تبناه وأقره العديد من الفقهاء والعلماء، قال الشعراني: «وقد بلغنا أنه كان يفتي الناس بالمذاهب الأربعة الشيخ الإمام الفقيه المحدث المفسر الأصولي الشيخ عبد العزيز الديريني وشيخ الإسلام عز الدين ابن جماعة المقدسي والشيخ العلامة الشيخ شهاب الدين البرلسي والشيخ علي النبتيتي الضرير، ونقل الشيخ الجلال السيوطي رحمه الله عن جماعة كثيرة من العلماء أنهم كانوا يفتون الناس بالمذاهب الأربعة لا سيما العوام الذين لا يتقيدون بمذهب ولا يعرفون قواعده ولا نصوصه ويقولون حيث وافق فعل هؤلاء العوام قول عالم فلا بأس به».

وذكر التاج السبكي في طبقات الشافعية في ترجمة إمام الحرمين ما مثاله والإمام لا يتقيد بالأشعري ولا بالشافعي لا سيما في البرهان وإنما يتكلم على حسب تأدية نظره واجتهاده: وذكر في ترجمة أبيه الجويني أنه ألف كتابًا سماه المحيط لم يتقيد فيه بمذهب وأنه التزم أن يقف على مورد الأحاديث لا يتعداها ويتجنب جانب العصبية للمذاهب: كما قدمه الشعراني، وذكر في ترجمة ابن جرير أن المحمديين الأربعة – ابن جرير وابن خزيمة وابن نصر وابن المنذر كانوا يذهبون مع اجتهادهم المطلق وكان كل منهم مجتهدًا مطلقًا لا يقلد أحدًا ولهم من الاختيارات ما دونه السبكي في تراجمهم وهذا باب يطول استقصاؤه، وكان الزناتي من أئمة المالكية يقول: يجوز تقليد كل من أهل المذاهب في النوازل.

بل إن ظاهرة الخروج عن المذهب المعتمد هي ظاهرة مسلم بها في داخل المذاهب الفقهية نفسها، فقد يكون المفتي ملتزمًا بمذهبه الفقهي، ولكن يخرج عن مذهبه في بعض المسائل التي يرى أن ثمة مسوغ يقتضي ترك معتمد مذهبه إلى مذهب آخر، كما أفتى الحنفية بجواز الاستئجار على تعليم القرآن مع مخالفته لمعتمد مذهبهم وموافقته لمذهب الشافعية، وكذلك أفتى الحنفية بجواز رد المبيع بغبن فاحش إذا كان فيه غرر موافقة لمذهب المالكية، وهكذا.

فصناعة الفتوى تعتمد في الأساس على التراث الفقهي، ولا شك أن توسيع قاعدة المعتمد الفقهي باتباع منهج التَّخير بين المذاهب؛ ليشمل المذاهب المعتبرة مع أقوال الفقهاء المجتهدين، ينتج مرونة كبيرة تمكن المتصدر للفتوى من إصدار الفتوى المناسبة لمقتضيات الواقع والضرورة والأعراف، ومراعاة كافة الضوابط التي من شأنها أن تخرج بالفتوى موافقة لمقاصد التشريع.

فحقيقة منهج التخير بين المذاهب، هو عدم تقيد المتصدر للفتوى بمذهب معين، وإنما ينظر في معتمدات المذاهب الفقهية وأقوال الفقهاء المجتهدين على مر القرون، ويتخير من كل ذلك التراث الفقهي ما يتناسب وحال المستفتي ويحقق مقاصد الشرع، وفي نفس الوقت لا يخرج عن أصول الشريعة الإسلامية.

آلية الفتوى على منهج التخير بين المذاهب:

وتختلف آلية الفتوى على منهج التخير بين المذاهب عن آلية الفتوى على مذهب معين؛ فالمعتمد المفتى به هنا لا يستخرج بالطريقة السالفة في بيان معتمد المذهب، وإنما يكون عن طريق النظر في المسألة محل الفتوى، ومراجعة المذاهب وأقوال الفقهاء فيها، ثم الإفتاء بما يراه مناسبًا مراعيًا في ذلك الزمان والمكان وما يقتضيانه من ضرورات ومصالح بما يحقق مقاصد الشريعة، ومن ثم يكون معتمد الفتوى، الذي يسير عليه المتصدرون للإفتاء في المؤسسة.

فالمتصدر للفتوى هنا يروم إلى تحقيق استفادة شاملة من التراث الفقهي الغزير الذي خلفه الفقهاء، وتطويع تلك الثروة الفقهية في صناعة الفتوى مع مراعاة مقتضيات الزمان والمكان بما يحقق مقصود الفتوى، ولتحقيق هذا يجب أن يراعى عند ممارسة هذا المنهج أمران:

أن تتم عملية الاختيار من المتأهلين لها في المؤسسة الإفتائية:

فعملية الاختيار لا يمكن أن توكل إلا للمتأهلين لها، فالإفتاء اعتمادًا على منهج التخيير بين المذاهب يعتمد على استظهار أدلة المذاهب وأقوال الفقهاء، والترجيح بينها من جهة، ومن جهة أخرى يعتمد على قدرة المتصدر للفتوى على النظر في المسألة وملابساتها ومراعاة الجهات الأربع المؤثرة في تغير الفتوى (الزمان-المكان-الأحوال-الأشخاص).

الالتزام بمقررات المجامع الإسلامية المعتبرة:

وذلك لأن منهج الاختيار بين المذاهب يعتمد في أحيان كثيرة على “الاجتهاد الجماعي” وعلى رأس تلك المجامع: مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة؛ ويتأكد هذا الالتزام بشكل خاص في القضايا العامة في الأمور المستحدثة وتشتد حاجة الناس للفصل فيها بشكل جماعي.

وعليه فإن آلية الإفتاء وفق منهج التخير بين المذاهب يكون عن طريق الخطوات الآتية:

المرحلة الأولى:

النظر في المسألة محل الفتوى والبحث عنها في معتمد المؤسسة التابع لها: فإن وجده أفتى به، وإن لم يجده، نظر في قرارات وفتاوى المجامع المعتمدة، فإن وجد المسألة قد قطع فيها في أحد المجامع أفتى بها إلا أن يستشعر أن ثمة معارضًا لذلك؛ من تغير عرف أو حدوث ضرورة أو مصلحة تقتضي إعادة النظر في المسألة، أو مخالفة تلك الفتوى ومعارضتها لغيرها من معتمدات المؤسسة، فيحيلها إلى المستوى الأعلى (مفتي الضرورة).

المرحلة الثانية:

ويقوم بها المستوى الإفتائي الأعلى، فيقوم:

  • أولًا: بجمع الآراء الفقهية في المسألة محل الفتوى فينظر في معتمدات المذاهب المعتبرة، وأقوال الفقهاء المجتهدين فيجمعها جميعًا ويحرر محل الخلاف بين الفقهاء.

وفي تلك الخطوة يعتمد المتصدر للفتوى على مجموعة متنوعة من المصادر:

أ – كتب معتمدات المذاهب والتي سبقت الإشارة إليها في كل مذهب على حدة، فيعتمد عليها المتصدر للفتوى لحصر الأقوال في المذاهب.

ب- المصادر المعنية بنقل أقوال الفقهاء المجتهدين من الصحابة والتابعين وغيرهم، ككتب ابن المنذر (الأوسط- والإشراف)، وابن عبد البر (التمهيد- الاستذكار) واختلاف الفقهاء للمروزي، واختلاف الفقهاء، للطبري، واختلاف الأئمة العلماء، لابن هبيرة.

  • ثانيًا: النظر في أدلة الفقهاء ومداركهم ووجه الضعف والقوة في تلك الأدلة، ليتمكن من خلال وضع ذلك أمام عينه من ترجيح الرأي الأقرب للصواب.

وفي تلك الخطوة يحتاج المتصدر للفتوى لمجموعة من المصادر المتنوعة، مثل الكتب المذهبية المتوسعة في نقل الأدلة والمناقشة الفقهية مثل (التجريد- بدائع الصنائع والمبسوط) للحنفية، و(شرح التلقين- والبيان والتحصيل والذخيرة) للمالكية، و(الحاوي الكبير ونهاية المطلب) للشافعية، و(المغني وشرح الزركشي) للحنابلة، بالإضافة إلى المحلى لابن حزم، وكتب ابن المنذر وابن عبد البر، ومختصر اختلاف العلماء، للطحاوي، وهذه المصادر ونحوها يتمكن من خلالها المتصدر للفتوى من بيان أدلة الفقهاء ومداركهم ووجه الضعف في تلك الأدلة والمناقشات التي يهتدي بها في الترجيح بين الأقوال.

  • ثالثًا: الترجيح، وفيه ينظر المتصدر للفتوى في أدلة كل قول أو اتجاه ويقارن بين الأدلة وقوتها، ويرجح بين تلك الأقوال، ومن ثم يكون ما رجحه هو المعتمد في موضوع الفتوى، ويراعي المتصدر للفتوى حال الترجيح جانب قوة الأدلة والجوانب المؤثرة في الفتوى (الجهات الأربعة) لأن مراعاة تلك الجهات هو الدافع الأبرز لتوسيع قاعدة الاختيار الفقهي ليشمل المذاهب وأقوال الفقهاء المجتهدين من الأساس.

المرحلة الثالثة:

إصدار الفتوى وتوثيقها:

وفي تلك المرحلة يراعي المتصدر للفتوى الآتي:

أ – أن يتجنب ذكر الخلاف في المسألة وذكر أقوال الفقهاء إن كانت المسألة من المسائل التي لا يترك فيها الاختيار للمستفتي.

ب – إن كانت المسألة من المسائل التي سيترك فيها الاختيار للمستفتي، ذكر الأقوال فيها ودليل كل قول اختصارًا بلا استقصاء.

ج- إن كانت الفتوى بحثية استقصى المتصدر للفتوى الأقوال وأدلتها ومناقشة تلك الأدلة.

د – يجب أن ينبه المتصدر للفتوى على المستفتي أن الخروج من الخلاف مستحب وأن الاحتياط للدين مندوب إن كانت المسألة مما يترك فيها الاختيار للمستفتي.

هـ – يوثق المتصدر للفتوى كل قول من أكثر المصادر التي نقلت القول وضوحًا.

و – إذا كان الرأي الراجح مخالفًا لما هو مشهور عند أهل العلم، بيَّن المتصدر للفتوى وجه الاختيار ليطمئن المستفتي وكل من اطلع على الفتوى وتعرض لذات المسألة.

ز – يبين المتصدر للفتوى في حالات الضرورة والمصلحة جهة المصلحة ووجه الضرورة.

1 انظر: مختصر الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية، السقاف (ص٧٤) وما بعدها.

2 تحفة المحتاج في شرح المنهاج، ابن حجر الهيتمي (١/ ٣٩).

3 المجموع شرح المهذب (١/ ٣)

4 تحفة المحتاج في شرح المنهاج (١/ ٣٩).

5 مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي «رسالة الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة» (٢/ ٦٢٦، ٦٢٧).

6 الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، النفراوي (٢/ ٣٥٦).

7 البحر المحيط (٦/٢٠٩)

8 مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، الحطاب (١/ ٣٠).

9 كتاب الفروع، ابن مفلح (١١/ ١٠٣).

10 مختصر الفتاوى المصرية ، بدر الدين البعلي (ص٦١).

11 جزيل المواهب في اختلاف المذاهب (ص ٢٥: ٢٩).

12 الميزان، الشعراني (١/ ٦٧، ٦٨).

13 الموافقات (٥/٦٠) .

14 الفقه الإسلامي وأدلته ، وهبة الزحيلي (١/٢٤).

15 مسائل تحليل الحائض من الإحرام، ابن البارزي (ص٣٤، ٣٥).

اترك تعليقاً