البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

فتاوى محمد رشيد رضا

23 views

 

التعريف بالمؤلف:

  • اسمه ونسبته:

هو الشيخ/ محمد رشيد بن علي رضا، مؤسس مجلة المنار ورئيس تحريرها مدة حياته، لبناني الجنسية.

  • نشأته ودراسته وأهم مصنفاته:

ولد الشيخ محمد رشيد رضا يوم الأربعاء 27 جمادى الأولى 1282هـ، الموافق: 18 أكتوبر 1865م، في قرية “القلمون” على شاطئ البحر المتوسط من جبل لبنان، وكان أبوه “علي رضا” شيخًا للقلمون وإمامًا لمسجدها، فعُني بتربية ولده وتعليمه؛ فحفظ القرآن وتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب، ثم انتقل إلى طرابلس، ودخل المدرسة الرشيدية الابتدائية -وكانت تابعة للدولة العثمانية-، وتعلم فيها النحو والصرف ومبادئ الجغرافيا والحساب، وكان التدريس فيها باللغة التركية، وظل بها عامًا، ثم تركها إلى المدرسة الوطنية الإسلامية بطرابلس سنة (1299هـ-1882م)، وكانت أرقى من المدرسة السابقة، والتعليم فيها بالعربية، وتهتم بتدريس العلوم العربية والشرعية والمنطق والرياضيات والفلسفة الطبيعية، وقد أسس هذه المدرسة وأدارها الشيخ حسين الجسر -أحد علماء الشام الأفذاذ ومن رواد النهضة الثقافية العربية-، كما تلقى الحديث وباقي العلوم على يد الشيخ محمود نشابة، و الشيخ عبد الغني الرافعي، والشيخ محمد القاوجي، والشيخ محمد الحسيني، وغيرهم.

ثم كان لقاؤه بالشيخ محمد عبده في بيروت -وقت أن كان الشيخُ المصري منفيًّا هناك لاتهامه بالمشاركة في الثورة العرابية-، وكان رشيد رضا شديد الإعجاب بالشيخ، وهذا ما حمله على السفر إليه في مصر والاستقرار معه لمواصلة العمل الإصلاحي والدعوي، فجاء إلى مصر في الثامن من رجب 1315ه، الموافق: 3 يناير 1898م، وبعدها بقليل أنشأ مجلة المنار، فصدر العدد الأول منها في شوال 1315هـ، مارس 1898م، وكان يحرر معظم مادة مجلته على مدى عمرها المديد، فكتب مئات المقالات والدراسات التي تهدف إلى إعداد الوسائل للنهوض بالأمة وتقويتها، وخص العلماء والحكام بتوجيهاته؛ لأنهم بمنزلة العقل المدبر والروح المفكر من الإنسان، وأن في صلاح حالها صلاح حال الأمة.

وله عدة مصنفات مهمة في الفقه والدعوة والفكر بين كتبٍ ورسائلَ ومقالاتٍ، منها: فتاويه المجموعة في ستة أجزاء –والتي نعرف بها هنا-، وكتاب: “تفسير المنار” الذي استكمل فيه ما بدأه شيخه محمد عبده الذي توقف عند الآية (125) من سورة النساء، وواصل رشيد رضا تفسيره حتى بلغ سورة يوسف، وحالت وفاته دون إتمام تفسيره، وكتاب: “الوحي المحمدي”، وكتاب: “حقيقة الربا”، ورسالة: “نداء للجنس اللطيف، وكتاب: “تاريخ الأستاذ الإمام”، وكتاب: “السنة والشيعة”، وكتاب: “مناسك الحج”، وغير ذلك من الكتب والمقالات المهمة.

ج ـ وفاته:

وبعد حياة حافلة بالعلم والدراسة والدعوة والترحال بين بلاد الإسلام حضرته الوفاة في القاهرة العامرة، في يوم الخميس الموافق 23 جمادى الأولى 1354هـ، الموافق: 22 أغسطس 1935م([1])..

التعريف بالكتاب وموضوعاته:

  • وكتاب «فتاوى محمد رشيد رضا» عبارة عن أجوبة أجاب بها المؤلف في مجلة المنار -التي أنشأها وقام على تحريرها- عما ورد إليه من مسائل واستفتاءات مهمة من بلاد عدة، ووضح فيها الأحكام الشرعية في شؤون العبادات والمعاملات، وما استجد من مسائل بسبب احتكاك المسلمين بالغرب في سنوات الاحتلال، وقد اعتمد في فتاويه على القرآن والسنة ثم اجتهاده الشخصي مراعيًا القواعد العامة كالتيسير ورفع الحرج ودفع الضرر ولَمَّا كانت هذه الفتاوى متفرقة في الأعداد التي صدرت عن مجلة المنار –وطبيعيٌّ أن تكون تلك الأعداد غير متوفرة عند معظم الناس- كانت الحاجة ماسَّة إلى ضرورة استخراجها وجمعها في كتابٍ واحدٍ، فقام المحققان صلاح الدين المنجد ويوسف خوري بجمعها في هذا الكتاب وتحقيق وتخريج نصوصه والتعليق عليه، محافظين على الترتيب التاريخي لتلك الفتاوى([2])..

ويتضمن كتاب «فتاوى محمد رشيد رضا» استفتاءاتٍ قاربت الألفَ سؤالٍ في موضوعات فقهية كثيرة، في العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية، كما اشتمل الكتاب على بحوثٍ حررها المؤلف من غير استفتاء من أحد، وغالبها عن القضايا المستجدة كطهارة العطور المشتملة على الكحول، وحياة المسلمين في ديار الغرب، وشركات التأمين، وما يتعلق بالطب والتصوف وعقائد الفرق، وشرعية الدساتير والقوانين ونحو ذلك، كما أنه كان ينقل أحيانًا آراءَ بعض من سبقوه من علماء الأمة القدامى أو القريبين من عصره كالشيخ محمد عبده في بعض المسائل ويتناوله بالشرح والمناقشة.

القيمة العلمية للكتاب:

يمثل كتاب «فتاوى محمد رشيد رضا» نموذجًا من نماذج التواصل العلمي بين العالِم المقصود للفُتيا والمجتمع المحيط به، فغالبية الفتاوى التي اشتمل عليها الكتاب لم تكد تخلو منها حياة إنسان في الوقت الذي عاش فيه المؤلف، وكثير منها يحتاج إليه الكثيرون إلى الآن، ولما كان المؤلف صريحًا في بيان عدم التزامه في فتاواه بمذهب معين، بل يتخير ما يراه مناسبًا ويميل هو إلى صحته؛ فإن هذا يجعلنا نقف أمام مرحلة مخصوصة من تطور الفقه الإفتائي في تلك الفترة من تاريخ الأمة العلمي، سواءً كانت اختياراتُه موافقة للراجح المعمول به في المذاهب أو لا، كما يعتبر الكتابُ مصدرًا ثريًّا للآراء الموروثة عن بعض العلماء قد لا يسهل الوصول إليها.

هذا كله إلى جانب ما امتاز به الكتاب من بساطة تعبيرية ووضوحٍ خِطابي -مع جزالة الألفاظ ورصانة الأسلوب- في عرض الفتاوى والأجوبة بما يتناسب مع طبيعة السائل والمجتمع الذي تُوجَّه إليه هذه الأحكام.

ويضاف إلى كل هذا جمعُ الكتاب بين الأجوبة على المسائل الواقعة في حياة الناس من مختلِف الأقطار والأمصار والبيئات، وبين البحوث المتصلة بموضوعات تلك المسائل والاستفتاءات، بما يماثل المذكرات التفسيرية التي تُحرر لشرح مواد معيّنة في القوانين، وهذا منهجٌ فريدٌ في تناول الفتاوى بما يُشبِع رُوحَ السائل ويفتح في عقله آفاقًا أوسعَ من مُجرَّد كون استفتائه سؤالًا يحتاج إلى جواب مختصر.

نماذج من فتاوى الكتاب:

1- هل يجوز للمسافر في السكك الحديدية الجمعُ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء إن سافر في وقت الظهر أو في وقت المغرب، وكان متحققًا من كونه لن يصل إلى وجهته إلا بعد خروج الوقت، ولا سبيل له إلى الصلاة أثناء السفر؟ أم لا بد له من الوقوف عند ما تقرر في الفقه الموروث في هذه المسألة؟

الجواب: “للمسافر في هذه السكك ما له في غيرها؛ لأن الشارع لم يشترط في السفر الذي تباح فيه الرخص ما يخرج المسافر فيه هذه السكك عنه، على أن الجمع بين الصلاتين مما ورد في الحديث الصحيح إباحتها للمقيم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة كما ورد في صحيح مسلم وسنن الشافعي، وقد أوَّل فقهاء المذاهب ذلك بتأويلاتٍ عديدة، ولكن كل هذه التأويلات لا تخرج المسألة عن أصل الإباحة؛ فإن ابن عباس رضي الله عنهما راوي الحديث قد قال في تعليل ذلك: “أراد ألا يُحرِج أمتَه”، فعُلِم أن تلك رخصة مطلقة تباح عند الحاجة إليها”([3]).

2- سؤالٌ من السيد محمد سالم الكيلاني بدولة سنغافورة: “اختلف أهلُ طرفِنا فيما إذا غربت الشمس رأي العين في البحر فأفطر من بالساحل وصلَّى المغرب، ثم صعد في منطادٍ هوائي إلى عُلْوٍ بعيد فرأى الشمس بيضاءَ نقيَّة لم تغرب في كبد السماء، هل يبطل صومه؟ وهل إذا غربت في نظره بعد ذلك تجب عليه إعادة صلاة المغرب؟ وإذا لم يكن قد صلَّى العصر أصلًا فصلَّاها في منطاده على حاله من رؤية الشمس: هل تقع أداءً أم قضاءً؟ وإذا كان بالساحل بناءٌ عالٍ كبرج إيفل بفرنسا ونحوه مما تُرى الشمس من أعلاه مدة بعد تحقق غروبها عند من هو بالحضيض من تلك الشواهق: فهل لكلٍّ من الرائين حكمٌ؟ أم يعمهم حكمٌ واحد؟ أم أن الأمر قد اختلف؛ فبعد أن كنا نحكم بالغروب عند اختفاء الشفق عمن هم في الحضيض، صرنا لا بد أن ننتظر غيابها عمن هو فوق تلك القمم؟ أم أن العُلْوَ والسُفْلَ يكون بمثابة اختلاف المطالع؟ أفيدونا بارك الله فيكم.

الجواب: “المعتبر في غروب الشمس شرعًا: أن يَغيبَ قرصها تحت الأفق، ويذهب شعاعها عن جدران المباني والجبال، ولكل واحدٍ حكمُه بحسب ما يشاهده من ذلك؛ ومن أفطر وصلى المغرب ثم ارتفع في منطادٍ فرآها لم يفسد صومه يومذاك، ولا تجب عليه إعادة المغرب فيما يظهر لنا؛ لأنه لم يُكلَّف في يومٍ واحدٍ بتكرار فريضة واحدة، وقد مضت الأولى على الصحة، فلا يؤثر فيها ما يطرأ عليها بعد ذلك، وقريب من ذلك: الشك في الصلاة قبل السلام، يؤثر عليها ويترتب عليه حكمه من الاستدراك وسجود السهو، أما بعد السلام فلا يؤثر الشك؛ لأن الصلاة انتهت على الصحة، وإذا فاتته صلاة العصر بغير عذر يكون عاصيًا، ولا يرفع عنه المعصية رؤيتُه للشمس في المنطاد، بل تجب عليه التوبة -وإن كانت صلاته لها في المنطاد تكتب له أداءً-، ومثله الذي يفطر يومًا في أثناء رمضان ثم يسافر إلى بلدٍ تختلف مطالعه عن مطالع بلده فيجدهم قد صاموا بعد بلده بيومٍ فصام معهم آخر يومٍ وأتم به الأيام الثلاثين”([4]).

 

 

 

 

([1]) ينظر: مقدمة كتاب فتاوى محمد رشيد رضا، تحقيق: صلاح الدين المنجد ويوسف خوري، دار الكتاب الجديد، الطبعة الأولى، 1426هـ- 2005م، (ص 23)، وقد طبع الكتاب في ستة مجلدات.

([2]) ينظر: مقدمة كتاب فتاوى محمد رشيد رضا، تحقيق: صلاح الدين المنجد ويوسف خوري، دار الكتاب الجديد، الطبعة الأولى، 1426هـ- 2005م، (ص 24).

([3]) ينظر: المرجع السابق، (ص534، 535).

([4]) ينظر: المرجع السابق، (ص854).

اترك تعليقاً