البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفصل الثالث آثار مراعاة آداب الفتوى

المبحث الثالث أثر مراعاة آداب الفتوى على المجتمع

122 مشاهدة

يمكن إجمال أثر مراعاة آداب الفتوى على المجتمع فيما يلي:

1- لسؤال أهل الذِّكْر الوارد في الأمر القرآني: {فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} [النحل: 43]، أَثرٌ في نشر ثقافة الوعي في المجتمع، فينبغي على عامة الناس إذا نزل بهم نازلة أن يسألوا المفتي العالم المتخصص في الإفتاء، فليس كلُّ مُدَّعٍ للعلم أو المعرفة بالعلوم الشرعية يصحُّ أن يتصدَّر للإفتاء؛ بل لا بد أن يكون مؤهلًا لهذا المقام.

يقول العلامة الشاطبي: “إنَّ المقلد إذا عرضت له مسألة دينية فلا يسعه في الدين إلا السؤال عنها على الجملة؛ لأن الله لم يتعبد الخلق بالجهل”([1]).

2- مراعاة أدب الالتزام بتقوى الله عز وجل له أثر في تربية نفوس الناس على الصدق وقول الحق، حتى لو كان هذا على حساب المصالح الدنيوية، فمراقبةُ المولى سبحانه وتعالى في القول والفعل وكل ما يصدر عن الإنسان هي أساس النجاح والفلاح، ومن باب أولى أن يكون المستفتي صادقًا في إخبار المفتي ما يحتاج إلى معرفته ليدله ويرشده على الصواب وحكم الشرع في تلك المسألة؛ فعن أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أَلْحَنُ بحُجَّته من بعض، فمن قضيتُ له بحق أخيه شيئًا بقوله، فإنما أقطعُ له قطعةً من النار فلا يأخذها))([2]). يقول العلامة ابن حجر العسقلاني في شرح الحديث: “وقوله: ((فإنما أقطع له قطعة من النار)): أي إن أخذها مع علمه بأنها حرام عليه دخل النار”([3]).

3- مراعاة إخلاص النية له أثر في تربية النفوس: بأن يكون المستفتي واضعًا نصب عينيه رضا المولى سبحانه وتعالى، ويقصد بمعرفة الحكم الشرعي العمل بما يوافق الحق الصواب؛ يقول العلامة بدر الدين ابن جماعة: “حسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله تعالى، والعمل به، وإحياء الشريعة، وتنوير قلبه، وتحلية باطنه، والقرب من الله تعالى يوم القيامة، والتعرُّض لما أعد لأهله من رضوانه وعظيم فضله”([4]).

4- مراعاة تعلُّم كيفية السؤال له أثرٌ مهم في نشر ثقافة تقديم الأهم فالأهم، فليس كل ما يَرِدُ على ذهن المستفتي حَرِيًّا بأن يسأل فيه؛ فعن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: جاء ابن عجلان إلى زيد بن أسلم، فسأله عن شيء، فخلط عليه، فقال له زيد: اذهب فتعلم كيف تسأل، ‌ثم ‌تعال ‌فسل([5]).

5- مراعاة الاستئذان في الدخول على المفتي له أثر في نشر ثقافة مراعاة حال الآخرين وظروفهم؛ فلا يصحُّ اقتحام مجلس العلماء والكبار دون استئذانهم، يقول العلامة بدر الدين ابن جماعة: “أن لا يدخل على الشيخ في غير المجلس العام إلا باستئذان سواء كان الشيخ وحده أو كان معه غيره، فإن استأذن بحيث يعلم الشيخ ولم يأذن له انصرف ولا يكرر الاستئذان”([6]).

6- مراعاة الرجوع إلى أهل العلم المتخصصين له أثر في نشر ثقافة احترام التخصص، وهي من الأمور التي نحتاج إلى نشرها في مجتمعاتنا في عصرنا الحاضر؛ فمراعاة المستفتي البحث عن أهل العلم من الفقهاء والمفتين والمتخصصين أمر حتمي لا بد منه؛ فعن محمد بن سيرين رحمه الله، قال: “إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم”([7]).

7- مراعاة الدعاء للمفتي له أثرٌ في نشر ثقافة حفْظ الوُد والجميل بين أفراد المجتمع وبين أهل العلم والفضل، فلا بد أن تكون العلاقةُ بين المفتي والمستفتي مبنيَّةً على قدر كبير من الود والاحترام؛ يقول العلامة الخطيب البغدادي فيما ينبغي أن يقوله المستفتي في عرض مسألته على المفتي: “ما تقول رضي الله عنك، أو رحمك الله، أو وفقك الله؟ ولا يحسن في هذا: ما تقول؟ رحمنا الله وإياك، بل لو قال: ما تقول رحمك الله ورحم والديك؟ كان أحسن”([8]).

8- مراعاة البحث عن المفتي المشهود له بالعلم له أثرٌ كبير في الوصول إلى الحق والصواب، فلا يصحُّ أن يستسهل المستفتي في سؤال مجهول الحال دون البحث عن مدى تمكُّنه من الإفادة والتوجيه الصحيح للمستفتي؛ يقول العلامة أبو المظفر السمعاني: “فأما المستفتي فلا يجوزُ له أن يستفتيَ من شاء على الإطلاق؛ لأنه ربما يستفتي من لا يعرف الفقه، بل يجب أن يتعرفَ حالَ الفقيه في الفقه والأمانة، ويكفيه في ذلك خبرُ العدل الواحد”([9]).

9- مراعاة أدب تقليد المستفتي لمن شاء من المفتين المجتهدين له أثرٌ في نشر ثقافة تقبُّل المجتمع قول أي مفتٍ من جهة رسميَّة متخصصة في الإفتاء، فالأمرُ سهلٌ لا يحتاج إلى تعقيدات، فالعلماء نصوا على أنه يجوز للمستفتي العامي أن يقلد من شاء من أهل العلم المتخصصين؛ يقول العلامة القاضي أبو يعلى الفراء: “للعامي أن يقلد من شاء من المجتهدين: وإذا ثبت أن له التقليد، فليس عليه أن يجتهد في أعيان المقلَّدين، بل يقلد من شاء؛ لأنه لَمَّا لم يكن عليه الاجتهاد في طلب الحكم، كذلك في المقلَّد”([10]).

10- مراعاة الأخذ بقول أي مفتٍ دون عناء البحث عن الأعلم له أثر في نشر ثقافة التيسير على العامة، فلا نكلفُ الشخصَ العاميَّ أن يبحث عن الأعلم من المفتين ليسأله عن مسألته، فهذا أمرٌ شاقٌّ على المستفتين، والصواب أنه يجوز للمستفتي أن يقلد من شاء من المفتين دون أن يكلف نفسه عناء البحث عن الأعلم بينهم؛ يقول العلامة إمام الحرمين الجويني: “فصل: هل يجب تقليد الأعلم؟ والقول في تعارض الفتيا: … والصحيح أنه له أن يقلد من شاء منهم… والذي يوضح الحق في ذلك أنَّ الصحابة رضي الله عنهم انقسموا إلى الفاضل والمفضول، وكان الصديق رضي الله عنه أفضلهم على مذاهبِ أهل الحق، ثم لم يكلفوا المستفتين ألا يستفتوا غيره، بل لم يجمعوا السائلين على أحد منهم تعيينًا منهم وتخصيصًا، فوضح بذلك أنه لا يتعين على المستفتي التعرض للأعلم”([11]).

11- مراعاة جواز رجوع المستفتي عن تقليد بعض المفتين له أثرٌ في نشر ثقافة استفتاء مفتٍ آخر في مسائلَ أخرى تقع للمستفتي، فلا يشترط أن يرجع المستفتي إلى نفس المفتي في كل نازلة تعرض له، فإذا ذهب المستفتي مثلًا إلى جهة الإفتاء، ولم يجد المفتي الذي سبق دخوله عليه واطمأن إلى جوابه أن يكرر الدخول عليه في كل مسألة يحتاج إلى الجواب عنها، فربما يكون هذا المفتي الأول ليس موجودًا، أو ربما يكون مشغولًا بمستفتين آخرين، فلا حرج أن يدخل إلى مفتٍ آخر يسأله عن مسألته الجديدة، ولا يتعنت ليدخل على المفتي الأول؛ يقول العلامة الآمدي: “إذا اتَّبَعَ العَامِّيُّ بعض المجتهدين في حكم حَادِثَةٍ من الحوَادِثِ، وعمل بقوله فيها: اتفقوا على أنه ليس له الرُّجُوعُ عنه في ذلك الحكم بعد ذلك إلى غيره، وهل له ذلك في حكم آخر؟… منهم من أجازه، وهو الحق؛ نظرًا إلى ما وقع عليه إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة، وأنه لم ينقل عن أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الحجر على العامة في ذلك، ولو كان ذلك ممتنعًا لما جَازَ مِنَ الصَّحَابَةِ إِهْمَالُهُ وَالسُّكُوتُ عَنِ الإِنكَارِ عَلَيهِ، ولأن كل مسألة لها حكم لم يَتَعَيَّن الأَوَّلُ للاتِّبَاعِ فِي المَسأَلَةِ الأُولَى إلا بعد سؤاله، فكذلك في المسألة الأخرى”([12]).

12- مراعاة جواز اعتماد المستفتي على اجتهاد سابق للمفتي له أثر في نشر ثقافة الاستفادة مما قاله المفتي أو الجهة المختصَّة بالإفتاء في مسائلَ تكرر حدوثها بنفس الظروف والملابسات، وكأنَّ الحادثة المتكررة هي نفسُها الحادثة الأولى بكل ما يحيطُ بها ويشملها من تفاصيل، وقد ذكر العلامة الآمدي في تلك المسألة عدة أقوال، فقال: “المسألة الرابعة: إذا استفتى العامي عالـمًا في مسألة فأفتاه، ثم حدث مثل تلك الواقعة، فهل يجب على المفتي أن يجتهد لها ثانيًا ولا يعتمد على الاجتهاد الأول؟ … والمختار إنما هو التفصيل؛ وهو أنه إما أن يكون ذاكرًا للاجتهاد الأول، أو غير ذاكر له، فإن كان الأول فلا حاجة إلى اجتهاد آخر كما لو اجتهد في الحال، وإن كان الثاني فلا بد من الاجتهاد؛ لأنه في حكم من لم يجتهد”([13]).

13- مراعاة السؤال فيما ينفع له أثرٌ كبير في حفظ وقت المفتي من الضياع والانشغال بسفاسف الأمور، فلا بد أن يكون وقت المفتي فيما يفيد المجتمع والاهتمام بما يستجدُّ من قضايا مهمة، ولنا في قول الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لتلميذه ومولاه عكرمة أسوة، فقد أرشده إلى قاعدة مهمة في أمر الفتوى، وذلك حين أمره أن يفتي الناس، فقال له: ” انْطَلِق فَأَفْتِ النَّاسَ، فمن سَألَكَ عَمَّا يَعْنِيهِ فَأَفتِه، وَمَنْ سَألَكَ عَمَّا لَا يَعْنِيه فَلَا تُفْتِه، فإنك تطرح عني ثُلُثَي مَؤُونَةِ الناس”([14]).

14- مراعاة تجنُّب إحراج المفتي ومغالطته له أثر مهم في تحديد العلاقة بين المفتي والمستفتي، فهي علاقة بين معلم وتلميذ، فلا يصحُّ للمستفتي أن يحرجَ المفتي، وأن يعرض عليه من الأغلوطات ما يلبس عليه، فهذا من سوء الأدب مع أهل العلم والفضل؛ فقد أخرج الإمام ابن عبد البر بسنده عن معاوية رضي الله عنه قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الأغلوطات)) فسره الأوزاعي قال: يعني صعاب المسائل([15]).

15- مراعاة البُعد عما يثيرُ السخرية له أثرٌ مهمٌّ في نشر ثقافة الاحترام، فينبغي على المستفتي أن تكون أسئلتُه ذات أهمية وفائدة على أرض الواقع، وليست أسئلة من محض الخيال؛ فقد ذكر الإمام أبو البركات الغزي: أن رجلًا سأل الإمام الشعبي عن المسح على اللحية، فقال: ‌خللها ‌بأصابعك، فقال الرجل: أخاف ألا تَبُلَّها، قال الشعبي: إن خفت فانقعها من أول الليل([16]).

16- مراعاة البُعد عن الجدال له أثرٌ في الحفاظ على المجتمع من الوقوع في الفوضى؛ لأن المجادلةَ مع أهل العلم والثقة يثير القلاقل بين أبناء المجتمع، واستقرار المجتمع مبنيٌّ على احترام أهل التخصُّص في جميع المجالات، وأهمها وأجلُّها مجال الفتوى؛ لأنه مقام التبليغ عن رب العالمين؛ فعن إسماعيل بن موسى ابن بنت السدي، قال: “دخلنا إلى مالك بن أنس ونحن جميعًا من أهل الكوفة، فحدثنا بسبعة أحاديث، فاستزدناه، فقال: من كان له دين فلينصرف، ‌فانصرفت ‌جماعة، وبقيت جماعة أنا فيهم، ثم قال: من كان له حياء فلينصرف، ‌فانصرفت ‌جماعة، وبقيت جماعة أنا فيهم، ثم قال: من كانت له مروءة فلينصرف، ‌فانصرفت ‌جماعة، وبقيت جماعة أنا فيهم، فقال: يا غلمان افقؤوهم -أي أخرجوهم- فإنه لا بقيا على قوم لا دين لهم، ولا حياء، ولا مروءة”([17]).

17- مراعاة عدم سؤال المفتي عن أفْقَهِ الناس له أثر في نشر ثقافة القناعة واحترام الذات؛ فلا بد أن يقتنعَ المستفتي بالمفتي قبل أن يسأله، ولا يصح بعد أن يجيب المفتي عن سؤال المستفتي أن يقول له: من أعلم أو أفقه الناس، فهذا فيه سوء أدب: فعن سعد بن إبراهيم قال: قيل له: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أتقاهم لربه عز وجل([18]).

18- مراعاة عدم الاحتجاج على المفتي بقول آخر له أثرٌ في نشْرِ ثقافةِ الاحترام المتبادل بين العلماء وأهل الفضل: فلا يجوز للمستفتي أن يواجهَ المفتي الذي أفتاه بخلاف هواه بقولِ مفتٍ آخر يوافق قوله هواه ونحو ذلك؛ يقول العلامة ابن الصلاح: “كل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأرباب سائر العلوم، ووجهه أنه لو جاز له اتباع أي مذهب شاء لأفضى إلى أن يلتقط رخص المذاهب متبعًا ‌هواه، ومتخيرًا بين التَّحريم والتجويز، وفي ذلك انحلال ربقة التكليف”([19]).

19- مراعاة تفهُّم اختلاف المفتين له أثر في نشر وإحياء ثقافة تقبُّل الخلاف من الآخر، وحمل هذا الاختلاف على أنه من باب التنوع وليس التضاد؛ يقول العلامة ابن حمدان: “ونحن نمهد طريقًا سهلًا، فنقول: ليس له أن يتبع في ذلك مجرد التشهي والميل إلى ما وجد عليه أباه وأهله قبل ‌تأمله والنظر في صوابه…، وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة الناخلين لمذاهب الصحابة والتابعين وغيرهم، القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها، الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها ومعرفة الوفاق والخلاف: كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأمثالهم، فإن اتفاقهم نعمة تامة، واختلافهم رحمة عامة”([20]).

20- مراعاة الرفق في طلب الفتوى له أثر في نشر ثقافة التأني وعدم الاستعجال، فكلما كان المستفتي رفيقًا في سؤاله كان هناك فرصة للمفتي أن يتصور سؤال المستفتي بشكل صحيح حتى يخرج الجواب بما يناسب حالة المستفتي، فيرشده بذلك إلى ما ينفعه في دنياه وآخرته؛ يقول العلامة ابن حجر: “طالب الحاجة لا ينبغي له أن يُلِحَّ في طلبها، بل يطلبها برفق وتأنٍّ، ويدخل في ذلك طالب الدنيا والدين من مستفتٍ وسائلٍ وباحثٍ عن علم”([21]).

21- مراعاة الاكتفاء بالإشارة المفهمة في الجواب له أثر كبير في إزالة الحرج عن المفتي فيما لا يحتاج معه إلى كثير عبارة أو كلام، بل ربما تكون الإشارةُ أجملَ وأوجزَ من الكلام، فلا يكلف المستفتي نفسه أولًا والمفتي ثانيًا عناء الكلام فيضيع وقت المفتي؛ فعن ‌ابن عباس رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل في حجته فقال: ذبحت قبل أن أرمي؟ فأومأ بيده قال: ولا حرج. قال: ‌حلقت ‌قبل ‌أن ‌أذبح؟ فأومأ بيده ولا حرج))([22]). يقول العلامة القسطلاني في شرح الحديث: “هذا (باب من أجاب الفتيا)؛ أي في بيان المفتي الذي أجاب المستفتي فيما سأله عنه (بإشارة اليد والرأس)… (فأومأ) فأشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (بيده) الشريفة (ولا حرج) أي صح فعلك ولا إثم عليك، ولم يحتج إلى ذكر؛ قال هنا: لأنه أشار بيده بحيث فهم من تلك الإشارة أنه لا حرج”([23]).

22- مراعاة طلب إعادة توضيح الجواب له أثر طيب في نشر ثقافة التواضع وعدم الحياء أو التكبُّر من طلب الحق وفهمه، فينبغي على المستفتي أن يستأذنَ المفتي في إعادة ما لم يتضح له بشكل جيد؛ يقول العلامة بدر الدين العيني: “لا عيب على الطالب للعلوم أو المستفتي أن يقول للعالم: أوضح لي الجواب”([24]).

23- مراعاة الاكتفاء بجواب المفتي في حالة تعجله له أثر في تفهُّم المجتمع وعامة الناس لما قد يصدر من المتصدر للإفتاء من جوابٍ ظاهرُه أن فيه نوْعَ تعجُّلٍ من المفتي، لكن في الحقيقة أن مثل هذا الفعل لا يصدر من المفتي المؤهل لهذا المنصب إلا على وجه الصواب، ويكون تعجله لسبب وجيه؛ كأن يكون عنده درس أو لقاء مهم يريد اللحاق به قبل فوات موعده، ونحو ذلك؛ يقول العلامة ابن حجر: “سؤال العالم على قارعة الطريق عما يحتاج إليه السائل لا نقص فيه على العالم إذا أجاب، ولا لوم على السائل”([25]).

24- مراعاة العمل بما اتفق عليه المفتون له أثر في نشر ثقافة احترام ما اتفق عليه العلماء، فلا يصحُّ أن يبحث المستفتي العامي بعد ذلك على قول من يوافق هواه ممن لا يعتدُّ بخلافه؛ يقول العلامة القاضي أبو يعلى الفراء: “وإن استفتى عالمين: فإن اتفقا على الجواب عمل بما قالاه”([26]).

25- مراعاة العمل بفتوى العالم الموجود له أثر في نشر ثقافة الاكتفاء بالمفتي الموجود في البلدة أو القرية، ولا يوجد سواه، فلا يحتاج المستفتي أن يكلف نفسه عناءَ السفر ليسأل مفتيًا آخر عن مسألته؛ يقول العلامة إمام الحرمين الجويني: “إذا لم يكن في البلدة التي فيها المستفتي إلا عالم واحد، فيقلده، ولا يكلف الانتقال عنه”([27]).

26- مراعاة العمل بالفتوى المترجمة له أثر في نشر ثقافة قبول المستفتي قول المفتي، أيًّا كان لغة المستفتي، ما دام أن الفتوى مترجمة بشكل يؤدي الغرض المطلوب بكل دقة وجودة؛ يقول العلامة القاضي أبو يعلى الفراء: “يكفي في الفتوى مترجم واحد، فإن كان المقلد يعرف لسان المفتي سمع منه، وعمل بقوله عليه، وإن كان لا يعرف لسانه أجزأه مترجم واحد”([28]).

27- مراعاة تكرر سؤال المستفتي للمفتي له أثر طيب على المجتمع؛ حيث إن الحوادثَ والنوازل الفقهية قد تتكرَّر، لكنها في بعض الأحيان قد تختلف ظروفها أو حال من تكررت معه؛ لذا ينبغي أن يرجع المستفتي في كل مرة إلى سؤال المفتي؛ فربما يرشده إلى شيءٍ جديدٍ لم يدله عليه في المرات السابقة، وذلك تبعًا لاختلاف الفتوى باختلاف جهاتها: الزمان، والمكان، والأشخاص، والأحوال: يقول العلامة القاضي أبو يعلى الفراء: “على العامي أن يستفتي في كل حادثة تقع، وإن استفتى عاميٌّ عالـمًا في حكمٍ وأفتاه، ثم حدث حكم آخر مثل ذلك، فعليه أن يكرر الاستفتاء، ولا يقتصر على الأول”([29]).

28- مراعاة ذكر عيوب الأشخاص في بعض حال الفتوى له أثر في تقبُّل الشخص أن هذا الأمر ليس من باب الغيبة، بل يُعدُّ من الأمور الضرورية لتوضيح المشكلة حتى يستطيع المفتي توضيح الحق والدلالة على الصواب؛ يقول العلامة ابن حجر: “أحد المواضع التي تباح فيها الغيبة…: جواز استماع كلام أحد الخصمين في غيبة الآخر”([30]).

29- مراعاة التعجيل بسؤال المفتي له أثر في نشر ثقافة الاهتمام بمعرفة الحكم الشرعي في النوازل التي تستجدُّ في مجتمع الناس ليتمكنوا من كيفية التعامل معها؛ يقول العلامة أبو المظفر السمعاني: “مسألة: ويجب على العامي أن يستفتيَ إذا وقعت له الحادثة، ولم يحتمل التأخير فيلزمه تعجيل السؤال”([31]).

30- مراعاة التعامل مع المفتي بإجلال وإكبار له أثر في نشر ثقافة الاحترام لأهل العلم وتقديرهم وإعطائهم المنزلة التي تليق بهم، وهذا إنما يدلُّ على مدى عظمة المجتمع الذي يجلُّ العلماء؛ يقول العلامة بدر الدين ابن جماعة: “أن ينظره بعين الإجلال، ويعتقد فيه درجة الكمال، فإن ذلك أقْربُ إلى نفعه به، وكان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشيء وقال: اللهم استرْ عيبَ شيخي عني ولا تذهب بركة علمه مني”([32]).

31- مراعاة عدم الانشغال عن كلام المفتي وجوابه بشيء آخر له أثرٌ في نشر ثقافة الانتباه لمعرفة ما ينفع المجتمع من خلال الوقوف على العلم بالحكم الشرعي في النازلة، وعدم الالتفات عن قول المفتي أثناء كلامه، فربما يقول شيئًا مهمًّا والمستفتي مشغول بأمر آخر، فيضيع عليه الفائدة التي كان يحتاج إليها من المفتي؛ يقول حمدان بن الأصفهاني: “كنت عند شريك، فأتاه بعض ولد المهدي، فاستند إلى الحائط، فسأله عن حديث، فلم يلتفتْ إليه، وأقبل علينا ثم أعاد، فعاد بمثل ذلك، فقالوا: أتستخف بأولاد الخلفاء، قال: لا، ولكن العلم أجلُّ عند أهله من أن يضيعوه، قال: فجثا على ركبتيه ثم سأله، فقال شريك: هكذا يُطلب العلم”([33]).

32- مراعاة تحمل جفوة وشدة المفتي له أثر في نشر ثقافة الصبر مع أصحاب العلم والمنزلة العالية، فالواجب تحمُّلُ ما قد يصدر منهم من شدَّة في بعض الأوقات؛ لأنها قد يكون سببها الخوف على المستفتي ونصحه بما يجلب له الخير والنفع والصلاح في دنياه وآخرته، وربما يكون سبب الشدة والجفوة ما قد يعتري البشرَ في بعض الأحيان من مصاعبِ الحياة وأكدارها، فالمفتي بشرٌ يصدر منه ما يعتري أي شخص؛ يقول العلامة بدر الدين ابن جماعة: “أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه أو سوء خلق، ولا يصده ذلك عن ملازمته وحسن عقيدته، ويتأول أفعاله التي يظهر أن الصواب خلافها على أحسن تأويل، ويبدأ هو عند جفوة الشيخ بالاعتذار والتوبة مما وقع والاستغفار، وينسب الموجب إليه، ويجعل العَتْبَ عليه، فإن ذلك أبقى لمودَّة شيخه، وأحْفظُ لقلبه، وأنْفعُ للطالب في دنياه وآخرته”([34]).

33- مراعاة شكر المفتي وإظهار فضله له أثرٌ في إعطاء أصحاب الفضل منزلتهم ومكانتهم التي يستحقونها؛ يقول العلامة بدر الدين ابن جماعة: “أن يشكر الشيخ على توقيفه على ما فيه فضيلة، وعلى توبيخه على ما فيه نقيصة، أو على كسل يعتريه، أو قصورٍ يعاينه، أو غير ذلك…، ويعدُّ ذلك من الشيخ من نعم الله تعالى عليه باعتناء الشيخ به ونظره إليه، فإنَّ ذلك أمْثلُ إلى قلب الشيخ، وأبْعثُ على الاعتناء بمصالحه”([35]).

34- مراعاة الاهتمام بحسن الثياب وطيب الرائحة في الدخول على المفتي له أثرٌ في نشر ثقافة الاهتمام بحسن الهيئة عند مقابلة أهل العلم والفضل؛ يقول العلامة بدر الدين ابن جماعة: “وينبغي أن يدخلَ على الشيخ كامل الهيئة، متطهر البدن والثياب، نظيفهما…، لا سيما إن كان يقصد مجلس العلم فإنه مجلس ذكر، واجتماع في عبادة”([36]).

 

([1]( الموافقات، للشاطبي (5/ 283)، مرجع سابق.

([2]( أخرجه البخاري (3/ 180).

([3]( فتح الباري، لابن حجر (12/ 339)، مرجع سابق.

([4]( تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، لابن جماعة (ص 68)، ط. دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، سنة ١٣٥٤هـ.

([5]( الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي (1/ 213)، مرجع سابق.

([6]( تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، لابن جماعة (ص93- 94)، مرجع سابق.

([7]( أخرجه مسلم (1/ 14).

([8]( الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي (2/ 383)، مرجع سابق.

([9]( قواطع الأدلة في الأصول، لأبي المظفر السمعاني (2/ 357)، مرجع سابق.

([10]( العدة في أصول الفقه، لأبي يعلى الفراء (4/ 1226)، مرجع سابق.

([11]( التلخيص في أصول الفقه، للجويني (3/ 465)، مرجع سابق.

([12]( الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (4/ 238)، مرجع سابق.

([13]( الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (4/ 233)، مرجع سابق.

([14]( حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصبهاني (3/ 327)، ط. دار السعادة، مصر، سنة ١٣٩٤هـ – ١٩٧٤م.

([15]( جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (2/ 1056)، مرجع سابق.

([16]( المراح في المزاح، لأبي البركات الغزي (ص 85)، ط. دار ابن حزم، بيروت، الطبعة: الأولى، سنة ١٤١٨هـ – ١٩٧٧م.

([17]( الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي (1/ 215)، مرجع سابق.

([18]( الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي (2/ 48)، مرجع سابق.

([19]( أدب المفتي والمستفتي، لابن الصلاح (ص 162)، مرجع سابق.

([20]( صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، لابن حمدان (ص 72- 73)، مرجع سابق.

([21]( فتح الباري، لابن حجر (9/ 216).

([22]( أخرجه البخاري (1/ 28).

([23]( إرشاد الساري، للقسطلاني (1/ 183)، ط. المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، الطبعة السابعة، سنة 1323هـ.

([24]( عمدة القاري، للعيني (1/ 310)

([25]( فتح الباري، لابن حجر (1/ 223)، مرجع سابق.

([26]( العدة في أصول الفقه، لأبي يعلى الفراء (4/ 1227)، ط. كلية الشريعة بالرياض، الطبعة الثانية، سنة ١٤١٠هـ – ١٩٩٠م.

([27]( التلخيص في أصول الفقه، للجويني (3/ 465)، مرجع سابق.

([28]( العدة في أصول الفقه، لأبي يعلى الفراء (4/ 1228)، مرجع سابق.

([29]( العدة في أصول الفقه، لأبي يعلى الفراء (4/ 1228)، مرجع سابق.

([30]( فتح الباري، لابن حجر (9/ 509)، مرجع سابق.

([31]( قواطع الأدلة في الأصول، لأبي المظفر السمعاني (2/ 358)، مرجع سابق.

([32]( تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، لابن جماعة (ص 88)، مرجع سابق.

([33]( الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه، لأبي الهلال العسكري (ص 85)، ط. المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٦هـ – ١٩٨٦م.

([34]( تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، لابن جماعة (ص 91)، مرجع سابق.

([35]( تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، لابن جماعة (ص 92، 93)، مرجع سابق.

([36]( تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، لابن جماعة (ص 95)، مرجع سابق.

اترك تعليقاً