البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الباب السادس تطبيق إدارة الموارد البشرية في المؤسسات الإفتائية

الفصل السادس تنمية المسار الوظيفي

93 مشاهدة

تعد تنمية المسار الوظيفي هي الخطوة التالية والمنطقية لتقييم أداء العاملين. وتعرف وظيفة «تنمية المسار الوظيفي» بأنها: «إحداث توافق وتطابق بين الفرد من جهة، وبين الوظائف التي يشغلها من جهة؛ وذلك بغرض أساسي هو تحقيق أهداف المؤسسة، وتحقيق أهداف الأفراد في الرضا عن العمل».

و«المسار الوظيفي» هو: «مجموعة الوظائف المتتالية التي يشغلها الفرد على امتداد عمره الوظيفي، والتي تتأثر باتجاهاته وطموحاته وآماله ومشاعره».

فالمسار الوظيفي يعبر عن نموذج الخبرات المرتبطة بالعمل، والذي يمتد عبر حياة إنسان ما؛ لذلك فمن الضروري بالنسبة إلى المديرين أن يتفهموا عملية تطوير المسار الوظيفي والاختلاف في احتياجات واهتمامات العاملين في كل مرحلة من المراحل، حتى تتحقق لجهودهم الفعالية.

ومن الأهمية بمكان إعطاء الموظفين معلومات كافية عن خطط التطور الوظيفي على مستوى المؤسسة، والتي توضح المسارات الوظيفية أو المهنية المتاحة بالمؤسسة، والتي تمثل الفرص المتاحة للتقدم والترقي، إلى جانب اطلاعهم على الوظائف التي ستكون متاحة في المستقبل القريب والبعيد. وبصفة عامة يجب أن يكون المسار المهني أو الوظيفي للموظف موضع اهتمام الإدارة، بحيث يكون مسارًا له معنى وقيمة في حياة الموظف العملية أو المهنية لاتفاقه مع اتجاهاته وقدراته، الأمر الذي يكفل تحسين معنوياته وإنتاجيته.

وتتجلي أهمية وجود برنامج طويل الأجل لتخطيط وتطوير المسارات الوظيفية للعاملين في الأمور التالية:

  1. تحقيق أهداف الأفراد والمؤسسة: فإذا كان الأفراد يهدفون إلى النمو في العمل والرضا عنه، فإن المؤسسات تسعى إلى تحقيق الجودة والتميُّز، وتخطيط المسار الوظيفي بما يحققه من وضع الرجل المناسب في المكان المناسب يساعد على تحقيق الهدفين معًا.
  2. التقليل من تقادم العمالة: فعدم الاهتمام بتدريب العاملين ونقلهم، أو حتى الاستغناء عنهم، يعني بقاء بعض العاملين في أماكنهم، حتى تتقادم مهاراتهم، وتقل دافعيتهم نحو العمل، ووجود أنشطة تخطيط وتنمية المسار الوظيفي -من خلال النقل والتدريب والاستغناء- يعني تنشيط مهارات العاملين وتجديدها، والإبقاء على ما يمكن الاستفادة منها من مهارات وقدرات.
  3. تقليل تكلفة العمالة:فما ينفق على أنشطة تخطيط وتنمية المسار الوظيفي يكون ذا عائد يفوق التكلفة، ففي مؤسسات ناجحة يمكن أن يكون المنفق على تخطيط وتنمية المسار الوظيفي كبيرًا، لكن إنتاجية العمالة والأرباح تفوق بمراحل هذا الإنفاق، وفي مؤسسات فاشلة لا يوجد ما ينفق على الأمر بينما تفوق تكلفة العمالة -ممثلة في الأجور والحوافز- العائد والربح، وتحقق بذلك خسائر فادحة.
  4. مساعدة الموظفين على تطوير مهاراتهم وقدراتهم: وذلك من أجل تحسين أدائهم وإنتاجيتهم، وسد الفجوة بين قدرات الفرد ومتطلبات الوظيفة.
  5. التعرف على الأفراد المؤهلين لتولي المناصب القيادية والمهنية الرفيعة:ومن ثم توجههم إلى برامج التدريب والتنمية التي تمكِّنهم من الوصول إلى هذه المناصب.
  6. الحفاظ على الموارد البشرية للمؤسسة: فإذا أدرك العاملون أن مؤسساتهم تعتني بمستقبلهم الوظيفي، فإنهم سوف يتمسكون بالاستمرار فيها ولن يتطلعوا إلى تركها والذهاب إلى مؤسسات أخرى، حاملين معهم ما تكون لديهم من خبرات ومهارات اكتسبوها في مؤسساتهم الأولى. فالمؤسسات التي تسعى إلى الاهتمام بالتطوير الوظيفي للعاملين بها وتخطيط هذا التطوير، ستكون بلا شك أكبر جاذبية من تلك المؤسسات التي لا تعطي أهمية لهذا الأمر، وستكون أكثر احتفاظًا بالعناصر البشرية الموهوبة والطموحة.

وهناك عدة أطراف مشتركة في تخطيط المسار الوظيفي، أبرزها: إدارة الموارد البشرية، والمدير التنفيذي.

فإدارة الموارد البشرية تقوم بالتالي:

  1. وضع رؤية دقيقة عن نظام المسار الوظيفي المناسب لمسميات ووظائف العاملين، تتضمن صيغ التمكين والتدريب المطلوبة لهم.
  2. متابعة الخدمة الوظيفية للعاملين وإعداد بطاقات المسار الوظيفي لهم.
  3. إعداد التقارير الدورية عن مستوى تطبيق المسار الوظيفي ومعوقاتها واقتراح الحلول والمعالجات التطويرية لها.
  4. تطوير أساليب وتقنيات العمل، وتعميم النظم الإلكترونية فيها، والعمل على تطبيق معايير الجودة والتميز.
  5. تدريب المديرين التنفيذيين على ملاحظة أي اختلال في التوافق بين الفرد ووظيفته.
  6. تدريب المديرين التنفيذيين على النصح والمشورة.
  7. ممارسة بعض الوسائل الخاصة بالمسار الوظيفي مثل النقل والترقية والتدريب والمختبرات وغيرها.

كما ينبغي على المديرين التنفيذيين القيام بما يلي:

  1. ملاحظة المرؤوسين للتعرف على مدى التوافق مع وظائفهم.
  2. تقديم النصح والخبرة والمشورة.
  3. التعرف على قدرات ومهارات الأفراد العاملين تحت إدارته.

ومن أهم أهداف تخطيط المسار الوظيفي ما يلي:

  1. تحقيق الفرص الملائمة للعمل.
  2. توفير فرص الترقية والتقدم.
  3. فتح آفاق وظيفية رأسية وأفقية يتحرك فيها الأفراد.
  4. استثارة حماس الأفراد وتكثيف رغبتهم في العمل.
  5. إشباع الحاجات النفسية والعقلية والاجتماعية لدي العاملين.
  6. تقليل معدلات دوران العمل والغياب والتأخير.
  7. تحريك دوافع الأفراد نحو التقدم والتطور والنمو.
  8. تعميق خبرات الأفراد وتنويع مهاراتهم ومعلوماتهم.
  9. توسيع إمكانية استفادة المؤسسة من العاملين.

وتلقى الموارد البشرية اهتمامًا متزايدًا من المؤسسات المعاصرة باعتبارها حجر الأساس في التنمية والتطوير وتفعيل الاستخدام المناسب للتقنيات والموارد المتاحة للمؤسسات؛ حيث إن المورد البشري هو مصدر الأفكار والأداة الرئيسة في تحويل الأفكار إلى منتجات وخدمات.

ولا تختلف المؤسسات الإفتائية عن غيرها من حيث اهتمامها بأهم عناصر مواردها البشرية؛ ألا وهم المتصدرون للفتوى؛ ويُساهم هؤلاء المتصدرون للفتوى مساهمة فعالة في تحقيق رسالة المؤسسة الإفتائية إذا توفرت الظروف الإيجابية لهم، وأهمها:

  • أن يُسند إلى المتصدر للفتوى العمل المناسب لتخصصه وعلمه ومهارته وخبراته.
  • أن يُسمح للمتصدر للفتوى بقدر من السلطة المناسبة مع المسئولية التي يتحملها حين ممارسة الإفتاء.
  • أن يحصل المتصدر للفتوى على التوجيه الإيجابي والإشراف المساند من رؤسائه.
  • أن يعمل المتصدر للفتوى في مجموعة عمل متجانسة.
  • أن تعمل المؤسسة الإفتائية على تمهيد الطريق لتلبية تطلعات وطموحات المتصدرين للفتوى.
  • ويتكامل في اهتمام المؤسسة الإفتائية بالمتصدرين للفتوى عنصر التخطيط وعنصر التنمية ليُمثِّلا زاويتي إدارة الموارد البشرية.

ويُعَد التخطيط للتدرُّج الوظيفي من أهم جوانب تنمية المتصدرين للفتوى؛ ذلك لأن التدرُّج الوظيفى طريقٌ لتحقيق الاستقرار والحفاظ على الكفاءات في المؤسسات الإفتائية؛ كما أنه وسيلة للتحفيز ونشر روح الولاء للمؤسسة في أوساط العاملين بالمؤسسات الإفتائية بصفة عامة والمتصدرين للفتوى بصفة خاصة؛ وعاملًا على مقاومة حالات التشويش والإحباط بينهم.

ولذا فعلى المؤسسة الإفتائية أن تضع خططًا للتدرُّج الفعَّال والانتقال بين المستويات الوظيفية والمواقع الوظيفية للمتصدرين للفتوى بحيث تعكس هذه الخطط موضوعية التدرُّج وتحقيقه لرسالة المؤسسة الإفتائية بما يضمن نشوء روح إيجابية في المؤسسة.

والتدرج الوظيفي للمتصدرين للفتوى في المؤسسات الإفتائية ينبغي أن يكون مبنيًّا على التخطيط والشفافية والعناية بهم وبما يؤدونه على حد سواء، وتُقرَن خطط التدرج الوظيفي بمسار تدريبي لسد الفجوة بين المهارات التي تتطلبها طبيعة عمل الوظيفة وتلك التي يُتقنها المتصدر للفتوى.

ويُعلَم مما سبق أن أولى مراحل التخطيط للتدرج الوظيفي هو تخطيط مسار وظيفي طويل المدى للمتصدرين للفتوى بالمؤسسة؛ هذا المسار ينبغي تحديده ووضع المدد الزمنية للانتقال في سياقه ثم إعلانه وحث المتصدرين للفتوى على ارتقائه بتنمية علومهم ومهاراتهم.

وفيما يتعلق بذلك يمكن إجمالاً تحديد أهم الوظائف والمستويات الأفقية والرأسية للمتصدرين للفتوى في المؤسسات الإفتائية؛ فأما أهم الوظائف الأفقية فتتحدد بما يلي:

    • أمين الفتوى.
    • متصدرو الفتوى الشفوية.
    • متصدرو الفتوى المكتوبة.
    • متصدرو الفتوى المسموعة.
    • متصدرو الفتوى المرئية.
    • متصدرو فتوى مواقع التواصل الاجتماعي.

أما التدرج الرأسي فيتحدد بناء على المهام الموكولة إلى المتصدرين للفتوى؛ وأولها تحديد المنهج العام للإفتاء من نحو الإفتاء بمذهب معين أو نحو ذلك، وهذا يخضع لرؤية رئيس هيئة الإفتاء (المفتي العام) بناء على الضوابط المقررة في الدولة، ثم يليه عدة مستويات وظيفية نتناولها فيما يلي:

المستوى الأول:

وهو المعني بتحديد مُعتَمَد الفتوى في المسائل بناء على المنهج العام للمؤسسة، ويسمى المتولي لهذه الوظيفة في بعض المؤسسات الإفتائية (أمين الفتوى).

المستوى الثاني:

وهو المعني بالإفتاء في مسائل الضرورة والعوائد، ويُعنى بالإفتاء للأقليات المسلمة ونحو ذلك.

المستوى الثالث:

وهو الذي يُفتي في المسائل التي لم ينص المستوى الأول على المعتمد فيها، ولكنه مقيد بالمنهج العام للمؤسسة وليس له الخروج عنه؛ ما لم يقف على ما يمنعه من الإفتاء طبقًا للمنهج العام من ضرورة حاصلة أو عادة جارية أو مصلحة مظنونة؛ فيتوقف ويحيل الفتوى للمستوى الأعلى.

المستوى الرابع:

وهو الذي يُفتي بما قرره المستوى الأول من معتمدات ولا يخرج عن ذلك ولو بالرجوع إلى المنهج العام للمؤسسة، وما لم يجده أو وقف على ما يمنعه من الإفتاء طبقًا للمعتمد من ضرورة حاصلة أو عادة جارية أو مصلحة مظنونة فيتوقف ويحيل الفتوى للمستوى الأعلى.

المستوى الخامس:

وهو المتدرب على الإفتاء.

كما يتم تقسيم المتصدرين للإفتاء في بعض المؤسسات الإفتائية طبقًا للتخصصات العلمية من عقائد وعبادات ومعاملات وأحوال شخصية وغير ذلك.

وتتشابك في غالب المؤسسات مع هذه المستويات العلمية مستويات أخرى إدارية علمية بعد تسكينها في الوظائف الأفقية، وتكثُر الدرجات الوظيفية مع عِظَم حجم المؤسسة، فتنقسم إدارات الفتوى المسموعة إلى مسجلة ومباشرة والمكتوبة إلى بحثية وموثقة وإلكترونية، والمباشرة إلى عقائد وعبادات وأحوال شخصية، ويحتاج كل قسم وكل مجموعة إلى رئيس ونائب؛ هذا التنوع يجعل المسار الوظيفي للمتصدرين للفتوى طويل المدى مناسبًا لتخصصاتهم ومهاراتهم وطموحاتهم.

نموذج مسار التدرج الوظيفي لمتدرب على الإفتاء

ويتطلب التخطيط للتدرج الوظيفي للمتصدرين للإفتاء في المؤسسات الإفتائية بصفة أساسية -إلى جانب تحديد المسار الوظيفي- التوصيف الوظيفي؛ ويقصد به تحديد المهارات المطلوبة لشغل المنصب فنية كانت أو إدارية أو سلوكية وبأسلوب يمكن منه تحديد الاحتياج التدريبي لتطوير تلك المهارات؛ فتشمل عناصر التوصيف الوظيفي: تعريف الوظيفة والمهام الأساسية لعملها والمهام المسندة والمهارات والحد الأدنى للتأهيل العلمي والخبرة العملية.

كما يتطلب التخطيط للتدريب الوظيفي تحديد البرامج التدريبية اللازمة لإكساب العلم والمهارة المطلوبة لكل مستوًى وظيفي؛ سواء برامج تأهيلية أو تطويرية للوظيفية أو برامج رفع المستوى الوظيفي أو برامج مساندة.

إن تحديد المسار الوظيفي للمتصدرين للإفتاء من أهم الأمور التي تساعد على توجيه وتنمية مهارات وخبرات المتصدرين للإفتاء، كما يؤدي إلى رفع مستوى رضاهم عن المؤسسة الإفتائية عن طريق إتاحة الفرص المناسبة في المناصب التي تحقق أهدافهم وطموحاتهم وخططهم، كما يفيد في إدراك الفرد وتقييمه لذاته وتحديد نواحي الضعف والقوة لديه واستكشاف مجالات وفرص التوظيف والتقدُّم، ومن هنا كان لتخطيط المسار الوظيفي للمتصدرين للإفتاء مكانته في نطاق تطوير المؤسسات الإفتائية بهدف السعي نحو تحقيق رسالتها في خدمة الفرد والمجتمع لعمارة الدنيا والآخرة.

اترك تعليقاً