البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الباب الأول المستقبليات والشريعة الإسلامية

الفصل الثاني تأصيل استشراف المستقبل في القرآن والسنة

122 مشاهدة

(وفيه ثلاثة مباحث):

١ـ تأصيل استشراف المستقبل في القرآن الكريم.

٢ـ تأصيل استشراف المستقبل في السنة النبوية.

٣ـ نماذج من استشراف المستقبل في السنة النبوية.

يزعم أعداء الأمة الإسلامية أن الحضارة الإسلامية تفتقر إلى العقلية المستقبلية، فهي غير قادرة على إرساء قواعد علمية للدراسات المستقبلية، وهذا زعم باطل وادعاء كاذب؛ فشريعة الإسلام تتميز بأن مصدرها إلهي سالم من الخطأ والضعف والوقتية؛ فلا غرو ألا تُهمل هذه الشريعة أمر المستقبل بل يكون لها منهجها الخاص معه.

المبحث الأول

تأصيل استشراف المستقبل في القرآن الكريم

إن النظر المستقبلي في القرآن يفوق الحصر، والحديث فيه يطول، لذا فإننا سنتعرض إلى إشارات للدلالة على وجود النظر المستقبلي في القرآن الكريم، وذلك فيما يأتي:

الآيات القرآنية الدالة على الاستشراف والتخطيط المستقبلي:

-تتردد في القرآن الكريم كلمات «الدهر»، و«الغد»، و«الحين»، «والوقت»، وجميع هذه الكلمات تدعو إلى الالتفات إلى الزمن وإلى الاهتمام بالمستقبل.

قال تعالى: ﴿ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ﴾ [الحشر:١٨]. قال الإمام الشوكاني: «أي: لتنظر أي شيء قدمت من الأعمال ليوم القيامة، والعرب تكني عن المستقبل بالغد»(1).

فمن هذه الآية الكريمة يتبين حرص الإسلام على تربية الفرد المسلم على العناية بمستقبله عناية لا تقل عن العناية بحاضره، وحثه على أن يكون استشراف المستقبل على الصعيد الدنيوي أو الأخروي قيمة من قيمه الحضارية، ومقومًا من مقومات شخصيته.

-وقد أرشد القرآن الكريم إلى التخطيط الاستراتيجي، والاستعداد للمستقبل فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ﴾ [الأنفال: ٦٠].

فهذه الآية الكريمة دعوة للإدارة الإسلامية بالعمل والتخطيط والاستعداد بقوة لمواجهة أمر مستقبلي قد يحدث لدار الإسلام وأمته، والقوة في الآية مطلقة تفهم بمفهوم العصر؛ فتفهم بالقوة الفكرية والمهارية في بناء الأفراد والكوادر، والقوة البدنية ببناء الرجال الأشداء الأقوياء في إيمانهم وأبدانهم، وقوة السلاح بكل أنواعه، حتى القوة والطاقة الذرية، وذلك ببناء المصانع النووية الإسلامية وحمايتها من ضرب الأعداء لها، وذلك كله لإرهاب عدو الله وأعداء الإنسانية، وحماية دار الإسلام من الأعداء، ويتضح من قوله تعالى: ﴿وأَعِدُّوا لهم﴾ مفهوم التخطيط الطويل الأجل الذي يجب أن تأخذ به الدولة الإسلامية وإدارتها الحكيمة حتى تحمي شوكة وقوة الإسلام(2).

-وفي حديث القرآن عن السنن الإلهية شاهد جلي على ملاءمة هذا الكتاب الكريم لتكوين نظرة مستقبلية نافذة تتجاوز الخلل في المنظورات البشرية، وتحقق ما أمرنا به من السير في الأرض والنظر والاعتبار.

والذي يقترب من دراسة المنظور المستقبلي هو ذلك الشق المتعلق بسنن الله في الأمم والمجتمعات؛ أي تلك السنن التي تتعلق بسلوك البشر وأفعالهم ومعتقداتهم وسِيَرهم في الدنيا وفق أحوال الاجتماع والعمران البشري، وما يترتب على ذلك من نتائج في العاجل والآجل(3).

قال تعالى: ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪﯫ ﯬ ﯭ ﯮﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ﴾ [الروم:١-٥].

لقد رأى بعض المفسرين أن القرآن الكريم يعدُّ الوعي الإسلامي الناشئ والجماعة المسلمة الفتية إلى التعاطي بالشئون الدولية، وإلى إدراك أبعاد الصراع القائم بين القوتين العظميين في ذلك الوقت؛ لكي تستعد القوة الإسلامية الجديدة الصاعدة لحسم هذا الصراع لصالحها، ليس بنصر قوة على أخرى، وإنما بإبعاد القوتين معًا عن مركز الصدارة لصالح القوة المسلمة.

والبشارة في الآية للمؤمنين بالنصر هي في الواقع بشارة النصر للجماعة الإسلامية على المدى البعيد، وإن اتخذت صفة الإشارة للنصر المؤقت الذي سيحرزه الروم في بضع سنين في صراعهم مع الفرس على أن يأتي أمر الله في النهاية بنصر رسالة الحق والقائمين بها، يتأكد ذلك من الآية الكريمة التالية للآيات المذكورة، وهي الآية الحاسمة والمؤيدة لهذا التفسير، وهو قوله تعالى:

﴿ ﭑ ﭒﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾ [الروم:٦].

فوعد الله هنا بالنصر هو للجماعة المسلمة في نهاية المطاف وليس لقياصرة الروم البيزنطيين، وقد تحقق وعده سبحانه في واقع التاريخ عندما هزمت القوة المسلمة القوتين العظميين معًا في وقت واحد تقريبًا، إلا أن وعده سبحانه تحقق أولًا بعودة الروم للانتصار على الفرس في المدى القريب، وجاء هذا النصر متزامنًا مع بداية النصر الإسلامي في معركة بدر الكبرى، فأخل هذا التزامن بمعنويات المشركين على الصعيدين الداخلي والخارجي في وقت واحد.

وهذه الإشارة القرآنية الكريمة فيها معنيان: معنى الإنباء بالغيب، وذلك من اختصاص الله سبحانه عالم الغيب والشهادة، أما المعنى الثاني فهو توجيه الوعي الإنساني للتفكير في مصير البشرية ومصير العالم، وما سيشهده من أحداث تستدعي الحكمة أن يكون الإنسان المسلم متحسبًا لها حماية لدينه ومصيره ومصلحته، وهو ما يسمى بالتفكير المستقبلي؛ الذي لا يمكن أن يستشرف آفاق الغد إلا إذا أدرك القوانين والسنن الكونية والتاريخية التي يسير بمقتضاها العالم، والتي تؤثر في مصائر الأمم ومنعطفات التاريخ.

لذلك أتت آية تالية في السورة نفسها تستحثنا إلى النظر في السنن والقوانين التاريخية لطبيعة سير العالم، وهي قوله تعالى: ﴿ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ﴾ [الروم: ٩].

وفي السورة نفسها أيضًا: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ﴾ [الروم: ٤٢].

والتعبير القرآني المتكرر «سيروا في الأرض» و«فانظروا»، وما يأتي بنصه أو ما يقرب منه يحمل طابع الدعوة إلى الاستقراء العلمي التجريبي الذي كان ميزة من ميزات العقل والفكر الإسلامي في الحضارة الإسلامية؛ فالسير في الأرض دعوة عملية وعقلية لاستقراء وتتبع ورصد آثار الحضارات الماضية مع مظاهر الحضارات القائمة من واقع التجر بة الإنسانية.

والتأمل في المصائر التي آلت إليها طبقًا للسنن التي قررها الله لهذا الكون هي هنا قوانين التاريخ الفاعلة فيه من البداية، والتي ستظل تؤثر فيه إلى النهاية، وسنة الله لا تتبدل، وهذا يعني أنه من إدراك سنن الله في الماضي نستطيع أن نستشرف فعلها وأثرها في المستقبل، ومن هنا فإن دعوة القرآن الكريم للسير في الأرض واستخلاص مصائر الأمم من آثارها تتضمن وتترتب عليها الدعوة للتفكير في المستقبل أيضًا؛ انطلاقًا من سنن الله الفاعلة في الماضي والحاضر، وذلك ما يتوافق تمامًا مع ما هو متعارف عليه لدى مفكري المستقبل وعلومه في عصرنا الحاضر من أن إدراك فلسفة التاريخ أي القوانين المؤثرة في ماضي البشرية هو المنطلق والبداية لاستشراف توجهات المستقبل(4).

-وقد أشار القرآن الكريم إلى ضرورة الالتزام بتنفيذ الخطط لتحقيق النتائج المرسومة؛ إذ تعد مرحلة تنفيذ الخطة هي الاختبار الحقيقي لجودة التخطيط وسعة خيال فريق التخطيط ومدى حذقهم في وضع الخطط التطبيقية، وإسناد الأعمال إلى المنفذين، وما الذي يجب عمله بدقة، وهذه المرحلة بالغة الأهمية والصعوبة؛ فقد تُرسم أفضل الخطط الاستراتيجية بصورة نظرية لكنها إذا لم تُدعم بالانضباط والتغيير الملائم لها سيكون مصيرها الفشل.

وقد ذكر القرآن الكريم حادثتين، إحداهما عن الالتزام بالخطة، والأخرى بإهمال تنفيذها، ويتضح من خلال التأمل في هاتين الحادثتين أهمية وخطورة الالتزام بالخطط المرسومة في تحقيق النتائج المرجوة.

الصورة الأولى: مخالفة الرماة في غزوة أحد لخطة النبي صلى الله عليه وسلم في إدارة المعركة:

حيث يقول سبحانه عن الخطة التي أدار بها النبي معركة أحد، واستشرف الموقع الاستراتيجي للمعركة من أجل النصر: ﴿ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴾ [آل عمران: ١٢١].

«ولا بد لكل قائد حربي من وضع خطة استراتيجية للمعركة التي يخوضها مع الأعداء، ولا بد من تنظيم صفوف المقاتلين وترتيب مواقعهم وإنزالهم في أماكن معينة يتم من خلالها لقاء المحاربين، وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بوصفه قائد الحرب في معركة أحد، كما أشارت الآية:
﴿ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﴾(5).

وجاءت الآية الأخرى تبين الضعف في تنفيذ هذه الخطة، وذلك في قوله تعالى: ﴿ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ﴾ [آل عمران: ١٥٢، ١٥٣].

وفي الحديث عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرَّجَّالة يوم أحد، وكانوا خمسين رجلًا عبد الله بن جبير، فقال: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم»، فهزموهم، قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن، قد بدت خلاخلهن وأسوقهن، رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: والله لنأتين الناس، فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلًا، فأصابوا منا سبعين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا(6).

«ولا بد للبشر في كل أمورهم من اتخاذ الأسباب والقيام بواجباتهم المعتادة سواء في حال السلم أو في حال الحرب والقتال، ومنها إعداد القوة وتعبئة الجيش وتنظيم المقاتلين.

ومن اتخاذ الأسباب المطلوبة في الظاهر والفعل: إطاعة أوامر الله والقائد، فقد انتصر المسلمون في بدر، وأمدَّهم الله تعالى بالملائكة فعلًا، وشاركوهم في القتال، لما صبروا وثبتوا واتقوا وأطاعوا الله سبحانه، وهُزموا في أحد لما خالفوا أوامر النبي صلى الله عليه وسلم وتركوا مواقعهم في جبل الرماة، وهذا دليل واضح على أثر التقوى والصبر في غزوتي بدر وأحد، كما أن لهما أثرًا في التعامل مع الأعداء، فإن يصبروا ويتقوا لا يضرهم كيدهم شيئًا، كما في الآية(7).

ولقد كان العصيان وحب الدنيا مبررين كافيين لفشل الخطة التي رسمها النبي عليه الصلاة والسلام في بداية المعركة، وقد انتهى المطاف لصالح خطة خالد بن الوليد آنذاك، وقُتل فيها بقية الرماة.

الصورة الثانية: إدارة النبي يوسف عليه السلام للأزمة الاقتصادية في مصر:

بعد أن فسَّر يوسف عليه السلام الرؤيا، وأمرهم باتخاذ التدابير اللازمة طلب من عزيز مصر أن يجعله على خزائن الأرض ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].

قال القرطبي: (قال ابن عباس وغيره: لما أصاب الناس القحط والشدة، ونزل ذلك بأرض كنعان بعث يعقوب عليه السلام ولده للميرة، وذاع أمر يوسف عليه السلام في الآفاق، للينه وقربه ورحمته ورأفته وعدله وسيرته، وكان يوسف عليه السلام حين نزلت الشدة بالناس يجلس للناس عند البيع بنفسه، فيعطيهم من الطعام على عدد رؤوسهم، لكل رأس وسقًا)(8).

وقد وصفت الآيات الكريمة يوسف عليه السلام بالصفات التي إذا توافرت في شخص فإنه يكون جديرًا بتأهيله للقيام برسم الخطط وتنفيذها؛ فقد وصفته الآيات بأنه ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦]، ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، وقد ذكرت الآيات أيضًا قوة الذاكرة التي يتمتع بها يوسف عليه السلام كما في قوله تعالى: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨]، وكذا الذكاء والنباهة كما في قوله: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠].

وغيرها من المؤهلات والصفات التي تمكِّن صاحبها من تولي المسئوليات ورسم الخطط وتنفيذها.

وبالنظر في أهم المواصفات الواجب توافرها في القائمين بالمهام والأعمال نجد أن القوة والأمانة هما أبرزها، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﴾ [القصص: ٢٦].

وتختلف طبيعة القوة باختلاف المواقع الإدارية، والأمانة تعني الشعور بالمسئولية والقيام بها خير قيام؛ حيث إن العائق الأول في تنفيذ الخطط هي أن تكون القدرات ومهارات مناسبة لنوعية المهام.

وفي المؤسسات المعاصرة إذا أريد إنجاح خطة بعد اعتمادها فإنه يجب حصر كل العوائق التي تحول دون نجاح هذه الخطة من حيث المهارات والهيكل التنظيمي ووضوح الخطة وعدمه بالنسبة للمنفذين ونحو ذلك.

* صور من الاستشراف المستقبلي في رسالات الأنبياء:

-ولقد عرض القرآن الكريم صورًا للاستشراف المستقبلي تدل على اهتمام القرآن به في بيان رسالات الأنبياء إلى قومهم.

أ-ملمح الاستشراف المستقبلي في قصة نوح عليه السلام:

ففي قصة نوح عليه السلام نلحظ ملمح الاستشراف المستقبلي لأعمال قومه بواسطة قِيَمهم وطباعهم؛ فلقد مكث نوح عليه السلام يدعو قومه -كما وردت بذلك الآيات- ألف سنة إلا خمسين عامًا، ولم يؤمن بدعوته إلا قليل، فبعد أن توارثت الأجيال الطباع والكفر دعا نوح ربه تعالى بقوله: ﴿ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ﴾ [نوح: ٢٦، ٢٧].

قال القاسمي: «وإنما قاله لاستحكام علمه بما يكون منهم ومن أعقابهم، بعدما جرَّبهم، واستقرأ أحوالهم قريبًا من ألف سنة»(9).

ب-ملمح الاستشراف المستقبلي في قصة يوسف عليه السلام:

وفي قصة يوسف عليه السلام نلحظ ملمح الاستشراف الاقتصادي بواسطة قانون السببية، نجد ذلك في قوله تعالى: ﴿ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴾ [يوسف: ٤٧، ٤٨].

فنحن هنا أمام طريقة من طرق الاستشراف المستقبلي بقانون السببية والاستقراء، والذي يعني أن الاستفادة من الزرع المحصود بعد انتهاء السنوات السبع السمان لن يتأتى إلا بإبقائه في سنبله؛ حيث يعد إخراجه منها هلاكًا له، وقد أثبت العلم الحديث أن القمح إذا خُزِّن في سنابله فتلك حماية ووقاية له من السوس.

فقد أشارت الآيات الكريمة إلى أهمية إعمال قانون السببية في تقدير مآلات الأمور.

وقصة يوسف عليه السلام دليل واضح على بناء الخطط طويلة الأجل كأهم أسس النجاح في إدارة وتدبير الأمور، وخاصة موارد الدولة الاقتصادية.

ج-ملمح الاستشراف المستقبلي في قصة موسى عليه السلام:

يقول الله تعالى عن موسى عليه السلام في بيان دعوة فرعون: ﴿ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﴾ [طه: ٢٤-٣٦].

وقال تعالى: ﴿ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﴾ [الشعراء: ١٣-١٩].

لقد أرسل الله تعالى موسى عليه السلام إلى فرعون الذي طغى وادعى الألوهية؛ وذلك حتى يدعوه إلى الإيمان بالله تعالى ويمنع طغيانه واستعباده لبني إسرائيل، فكان رده عليه السلام بقوله: ﴿ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ﴾ لأعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون ﴿ ﯝ ﯞ ﯟ﴾ يقول: وسهِّل عليَّ القيام بما تكلفني من الرسالة، وتحملني من الطاعة ﴿ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴾ يقول: وأطلق لساني بالمنطق ﴿ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ﴾ يقول: واجعل لي عونًا من أهل بيتي ﴿ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﴾ يقول: اشدد به أمري، وقوِّني به، فإن لي به قوة(10).

فقد قام موسى عليه السلام بطلب الإعانة من الله لتبليغ الرسالة.

وقد أشارت الآيات الكريمات إلى أهمية استشراف ردود الأفعال من قِبَل الآخرين، وألمحت إلى أهمية سد الثغرات التي يُتوقع ولوج الخصم منها؛ فعند التأمل فيما قاله موسى عليه السلام نجد أنه حكى عن عوائق أمام تنفيذ مهمة أو خطة البلاغ فأوضح عن خطر يتوقع صدوره من فرعون وهو خوفه من أن يقتادوا للرجل الذي قتله موسى، وذكر عائقًا ذاتيًّا وهو عقدة لسانه وضعف منطقه –مقابل فصاحة أخيه هارون- والتي قد تعيق فقه فرعون وقومه لحديثه، وسأل تقويته وشد أزره بأخيه هارون.

وقد استجاب الله تعالى لطلبه فقال: ﴿ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ﴾.

وتتضح المهارة الحوارية من موسى عليه السلام بعدما حل الله عقدة لسانه، فعندما سأله فرعون: ﴿ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ﴾ فقد أجاب موسى عليه السلام: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢] أي: وما أحسنت إلي وربيتني إلا وقد أسأت إلى بني إسرائيل قومي، فجعلتهم عبيدًا وخدمًا، يقومون في أعمالك وأعمال رعيتك الشاقة، فهل الإحسان إلى رجل واحد منهم له قيمة بالنظر إلى الإساءة إلى مجموعهم؟ فليس ما ذكرتَه شيئًا بالنسبة إلى ما فعلتَ بهم(11).

وأما بخصوص الذنب الذي اقترفه موسى عليه السلام فقد أجاب عنه عليه السلام بقوله:
﴿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ﴾ [الشعراء: ٢٠].

أي قال موسى لفرعون: فعلتُ تلك الفعلة السيئة -وهي قتل القبطي في تلك الحال- وأنا من المخطئين لا المتعمدين قبل أن يوحى إلي وينعم الله علي بالرسالة والنبوة، كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل، أو: وأنا من الجاهلين بأن ضربتي تؤدي إلى القتل، فإني تعمدت الوكز دفاعًا وتأديبًا، فأدى ذلك إلى القتل، أي إن القتل الذي تعاتبني عليه لم يكن مقصودًا مني(12).

ويتأكد من هذه الآيات الكريمة أهمية التأهيل التربوي والمهاري للمكلفين بتنفيذ البلاغ الدعوي بوجه خاص، أو تنفيذ الخطط وإسناد المهام للأكفاء من الناس، والعمل على تدريب وتطوير الضعفاء وذوي الخبرة القليلة قبل إسناد الأعمال إليهم في المستقبل حتى لا يكون مصيرها الفشل.

1 «فتح القدير» للإمام الشوكاني (٥/٢٤٤).

2 انظر: التخطيط والرقابة أساس نجاح الإدارة، لعبد الفتاح حسين ذياب، ص٩٧.

3 إعجاز النظم القرآني في اقتران السنن الاجتماعية بالسنن الكونية، للدكتور توفيق بن علي زبادي (ص١٨).

4 انظر: رؤية قرآنية للمتغيرات الدولية، للدكتور محمد جابر الأنصاري (ص٢٢-٢٤).

5 انظر: التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، للدكتور وهبة بن مصطفى الزحيلي (٤/ ٧٦).

6 أخرجه البخاري، (٣٠٣٩).

7 انظر: التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج (٤/٧٥، ٧٦).

8 الجامع لأحكام القرآن، (١١/ ٣٩١).

9 محاسن التأويل، القاسمي، (٩/٣٢٧).

10 انظر: جامع البيان في تأويل آي القرآن، الطبري، (١٨/٢٩٩-٣٠١).

11 التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، (١٩/١٣٣).

12 التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج (١٩/١٣٢).

المبحث الثاني

تأصيل استشراف المستقبل في السنة النبوية

لقد ندبت السنة النبوية المطهرة إلى استشراف المستقبل، ورغَّبت في التخطيط المستقبلي، وأكدت دوره في صنع القرار، وتطوير مجالات الحياة المختلفة، وكان لنظرة النبي صلى الله عليه وسلم المستقبلية وإعداد العدة لكثير من الأحداث أثر كبير في تطور الدولة الإسلامية، ولم يكن ازدهار الحضارة الإسلامية إلا أثرًا لاستشراف المستقبل في العهد النبوي.

نماذج من استشراف النبي للمستقبل:

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم دائم النظر إلى المستقبل حتى في أحلك المواقف وأكثرها حرجًا؛ فها هو يقول لخباب بن الأرت لما شكا له الشدة التي أصابت الصحابة في العهد المكي: «والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون»(1).

ومن أبرز الأحاديث النبوية الداعية إلى التخطيط للمستقبل حديث أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها»(2).

فالناظر في هذا الحديث يتساءل: إذا غرست هذه الفسيلة وقامت الساعة ومات الناس جميعًا فمن سيستفيد منها؟ ويبدو جليًّا أن الرسول يريد أن يعلِّم أمته درسًا، وهو أننا علينا العمل وبذل الجهد ولسنا علينا تحصيل النتائج.

ومن خلال هذا الحديث يتضح أن الرسول يدعو أمته إلى التخطيط للأعمال المستقبلية، حتى لو شعروا بدنو القيامة أو بالقيامة نفسها، على الرغم من أن فسيلة النخل لا تثمر إلا بعد سنين.

إن الحديث يشير بوضوح إلى التخطيط الدقيق لمستقبل الأمة، والتطلع إلى الأجيال القادمة؛ فالذي يغرس قد لا يأكل من غرسه، ولكن ذلك من باب «غرس غيرنا فأكلنا، ونحن نغرس ليأكل غيرنا».

ولا شك أن السنة النبوية ميدانها واسع فيجد كل صاحب بغية فيها مبتغاه، والنماذج الدالة على استشراف المستقبل كثيرة لا تحصى، سنقتصر منها على ما يأتي:

استشراف المستقبل التشريعي: التخفيف في الصلاة: فعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل في حجرته، وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخصَ النبي صلى الله عليه وسلم فقام أناس يصلون بصلاته فأصبحوا فتحدثوا بذلك، فقام الليلة الثانية فقام معه أناس يصلون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثًا حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يخرج، فلما أصبح ذكر ذلك الناس فقال: «إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل»(3).

قال ابن حجر: (إن الرسول صلى الله عليه وسلم توقع ترتب افتراض الصلاة بالليل جماعة على وجود المواظبة عليها)(4).

استشراف المستقبل السياسي: عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ كأنها تقول: الموت، قال صلى الله عليه وسلم: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر»(5).

يقول الإمام النووي: (فليس فيه نص على خلافته وأمر بها، بل هو إخبار بالغيب الذي أعلمه الله تعالى به والله أعلم)(6).

استشراف المستقبل الدعوي: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بال دعوى الجاهلية» قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: «دعوها فإنها منتنة» فسمع بذلك عبد الله بن أبي، فقال: فعلوها، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقام عمر فقال: يا رسول الله: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»(7).

فهذا استشراف منه صلى الله عليه وسلم لمستقبل هذا الفعل ونظر في مآله. ولقد أحسن القاضي عياض في بيان هذا الاستشراف النبوي حين قال: (فيه ترك تغيير بعض الأمور التي يجب تغييرها، مخافة أن يؤدى تغييرها إلى أكثر منها)(8).

فبالتأمل في هذا النص النبوي الكريم نجد أن من الأمور التي تجب مراعاتها في استشراف المستقبل هو اعتبار المسبَّبات عند فعل الأسباب، وهذا ما قرره الإمام الشاطبي حين قال: (فإن الأعمال -إذا تأملتها- مقدمات لنتائج المصالح، فإنها أسباب لمسببات هي مقصودة للشارع، والمسببات هي مآلات الأسباب، فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب، وهو معنى النظر في المآلات)(9).

ومما يؤكد على اهتمام الشريعة الإسلامية باستشراف المستقبل أنها ألزمت المفتي بمعرفة مآلات الفتوى وذرائعها المفضية إليها، فإن مما يتعين على من يتصدر للإفتاء أنه حين يقوم بتنزيل الحكم على الواقعة فإنه لا بُدَّ له من إمعان النظر في هذه الواقعة بأن يلتفت إلى عواقب ومآلات ما يقرره، بأن يحافظ على مقاصد الأحكام المقررة، المتفق على أن الأحكام شرعت لتحقيقها، والتي تقررها النصوص الشرعية عمومًا، وإلا جانبت فتواه الصواب؛ لأن النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة. يقول الإمام ابن القيم: (فالحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات، ودلائل الحال، ومعرفة شواهده، وفي القرائن الحالية والمقالية، كفقهه في جزئيات وكليات الأحكام – أضاع حقوقًا كثيرة على أصحابها، وحكم بما يعلم الناس بطلانه، لا يشكون فيه اعتمادًا منه على نوع ظاهر لم يلتفت إلى باطنه وقرائن أحواله)(10).

استشراف المستقبل المعيشي: لتدبير حياة الأسرة وتلبية مطالبها: فعن عمر رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم»(11).

قال الإمام ابن حجر: (قال ابن دقيق العيد: في الحديث جواز الادخار للأهل قوت سنة. وفي السياق ما يؤخذ منه الجمع بينه وبين حديث «كان لا يدخر شيئًا لغد»، فيحمل على الادخار لنفسه، وحديث الباب على الادخار لغيره ولو كان له في ذلك مشاركة، لكن المعنى أنهم المقصد بالادخار دونه حتى لو لم يوجدوا لم يدخر)(12).

«وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ندخر لأسرنا، وفيه تنبيه على الادخار لما هو أكبر منها كالشعب أو الأمة؛ لهذا ينبغي للدولة المسلمة أن تكون لها سياسة مدروسة للادخار المستقبلي في جميع المجالات، خاصة تلك التي تتعلق بالنواحي الاستراتيجية في حياة الأمة، أو ما يطلق عليه: الأمن الغذائي والأمن الدفاعي والأمن السكاني.. إلخ»(13).

-ويرتبط بذلك استشراف مستقبل الأبناء من أجل تلبية مطالب حياتهم، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال: «يرحم الله ابن عفراء»، قلت: يا رسول الله، أوصي بمالي كله؟ قال: «لا»، قلت: فالشطر، قال: «لا»، قلت: الثلث، قال: «فالثلث، والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم»(14).

وفي ذلك إشارة للأمة للعمل والتخطيط من أجل الأجيال القادمة؛ فتشريعاته صلى الله عليه وسلم ليست لزمن واحد بل لكل الأزمان.

1 أخرجه البخاري، (٣٦١٢).

2 أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٢٩٠٢)، (١٢٩٨١).

3 أخرجه البخاري، (٧٢٩).

4 فتح الباري شرح صحيح البخاري، للإمام ابن حجر (٣/ ١٣).

5 متفق عليه: أخرجه البخاري، (٣٦٥٩)، ومسلم، (٢٣٨٦).

6 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، (١٥/١٥٥) .

7 متفق عليه: أخرجه البخاري، (٤٩٠٥)، ومسلم، (٢٥٨٤).

8 إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض (٨/٥٤).

9 الموافقات، (٥/١٧٨).

10 الطرق الحكمية، للإمام ابن قيم الجوزية (ص٤).

11 أخرجه البخاري، (٥٣٥٧).

12 فتح الباري شرح صحيح البخاري (٩/٥٠٣).

13 استشراف المستقبل في الحديث النبوي، للدكتور إلياس بلكا، (ص١٢٩، ١٣٠).

14 متفق عليه: أخرجه البخاري، (٢٧٤٢)، ومسلم، (١٦٢٨).

المبحث الثالث

نماذج من استشراف المستقبل في السيرة النبوية الشريفة

التخطيط للمستقبل من بعد الهجرة إلى قُبيل غزوة بدر:

لقد أولى النبي صلى الله عليه وسلم عناية خاصة بالتخطيط للمستقبل لدرجة جعلته يتفوق على واضعي الخطط والإستراتيجيات الذين جاءوا من بعده.

فقد حفلت السنتان الأوليان من الهجرة بجملة من الأعمال تنبئ عن بصيرة ورؤية ثاقبة للرسول في التنظيم الاجتماعي والتخطيط العسكري المبنيان على نظر مستقبلي.

ويمكن تلخيص هذه الأعمال فيما يأتي:

١-تأمين الجبهة الداخلية:

لقد كان أول ما عمد إليه النبي بعد الهجرة هو أن وحَّد صف الأنصار من الأوس والخزرج، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وعقد معاهدة بين المسلمين واليهود والمشركين في المدينة، وقد أدى ذلك إلى تماسك الجبهة الداخلية للمدينة، وتمكينها من صد أي هجوم يستهدف المدينة.

٢-دراسة مسرح العمليات:

كانت الغارات شكلًا للقتال قبل الإسلام، وهي محدودة منحصرة في أرض العدو، ولقد تغيَّر شكل الصراعات بعد الهجرة النبوية، فقد اتسع مسرح عمليات المسلمين فشمل الجزيرة العربية كلها، وقد بدأ الرسول في دراسة هذا المسرح مبكرًا ففي غضون عشرة أشهر قاد بنفسه -قبل معركة بدر الكبرى- أربع غزوات، وبعثَ أربع سرايا، جرى فيها تغطية الطرق المؤدية إلى المدينة.

التخطيط للمستقبل من بعد الهجرة إلى قُبيل غزوة بدر:

لقد أولى النبي صلى الله عليه وسلم عناية خاصة بالتخطيط للمستقبل لدرجة جعلته يتفوق على واضعي الخطط والإستراتيجيات الذين جاءوا من بعده.

فقد حفلت السنتان الأوليان من الهجرة بجملة من الأعمال تنبئ عن بصيرة ورؤية ثاقبة للرسول في التنظيم الاجتماعي والتخطيط العسكري المبنيان على نظر مستقبلي.

ويمكن تلخيص هذه الأعمال فيما يأتي:

١-تأمين الجبهة الداخلية:

لقد كان أول ما عمد إليه النبي بعد الهجرة هو أن وحَّد صف الأنصار من الأوس والخزرج، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وعقد معاهدة بين المسلمين واليهود والمشركين في المدينة، وقد أدى ذلك إلى تماسك الجبهة الداخلية للمدينة، وتمكينها من صد أي هجوم يستهدف المدينة.

٢-دراسة مسرح العمليات:

كانت الغارات شكلًا للقتال قبل الإسلام، وهي محدودة منحصرة في أرض العدو، ولقد تغيَّر شكل الصراعات بعد الهجرة النبوية، فقد اتسع مسرح عمليات المسلمين فشمل الجزيرة العربية كلها، وقد بدأ الرسول في دراسة هذا المسرح مبكرًا ففي غضون عشرة أشهر قاد بنفسه -قبل معركة بدر الكبرى- أربع غزوات، وبعثَ أربع سرايا، جرى فيها تغطية الطرق المؤدية إلى المدينة.

٣-معاهدة القبائل المجاورة:

أدت معاهدة النبي لعدد من القبائل المجاورة إلى نتائج إستراتيجية منها كفالة حرية المسلم في نشر الدعوة، وحرمان قريش من الحصول على معاونة هذه القبائل، وتحييد القبائل التي بينها وبين قريش موادعة.

٤-إضعاف قوة العدو الاقتصادية:

سعى الرسول إلى تهديد تجارة قريش، ونجح في ضرب حصار اقتصادي عليها، بحرمانها من طريق (مكة-الشام) وطريق (مكة-العراق).

٥-الاحتكاك المباشر بالعدو:

فقد تحقق للمسلمين قبل معركة بدر قدر من الاحتكاك المباشر لا يصل إلى حد نشوب القتال، ولكنه ينمي في المسلمين ثقتهم في قدرتهم على الدفاع عن عقيدتهم وأنفسهم عند الحاجة، وهو ما يطلق عليه في العلوم العسكرية (تطعيم المقاتلين ضد شدائد المعركة)، وهكذا كان المسلمون قادرين على مواجهة المشركين في بدر(1).

-الأساليب المستقبلية المستخدمة في غزوة بدر الكبرى:

استخدم صلى الله عليه وسلم لخوض معركة بدر جملة من الأساليب المستقبلية، وقد تعددت هذه الأساليب نظرًا لأن هذه المعركة أول لقاء للمؤمنين مع الباطل، فكان لا بد من الإعداد الجيد والتهيئة المناسبة، لا سيما مع تفوق العدو في العدد والعدة.

وأبرز هذه الأساليب ما يأتي:

  1. إشراك الجميع بالرأي والتخطيط لمستقبل المعركة.
  2. إخباره صلى الله عليه وسلم بوعد الله له بإحدى الطائفتين: قافلة أبي سفيان ومن معه، وجيش مكة الذي خرج لحماية القافلة.
  3. تبشيره صلى الله عليه وسلم بقتال الملائكة معهم.
  4. تحديده صلى الله عليه وسلم في ساحة المعركة لمواضع مصارع أفراد العدو.
  5. مخاطبته صلى الله عليه وسلم من معه بحديث الواثق من النصر، حيث قال: «هذه مكة ألقت إليكم أفلاذ كبدها». ولهذا أثره في زيادة الشجاعة والإقدام على القتال.
  6. رَمْي الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين بالحصباء، وهذه معجزة نبوية، تدل على نصر المؤمنين.
  7. إلحاحه صلى الله عليه وسلم بالدعاء بالنصر، فقد جعل صلى الله عليه وسلم يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض»، فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك»(2).

وقد أسهمت تلك الأساليب -بعد توفيق الله تعالى وعنايته- في صناعة مستقبل المعركة(3).

-عناية الرسول بالإحصاء والعد كوسيلة في استشراف المستقبل:

يعد الإحصاء من الأمور الرئيسة في الدراسات المستقبلية، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم عناية بهذا الجانب في بعض غزواته؛ ففي بداية الإسلام بمكة كان عدد المسلمين ثمانية وثلاثين رجلًا، وألح أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور بدينهم، فقال: «يا أبا بكر إنا قليل»(4).

وفي المدينة طلب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُحصَى عدد المسلمين، فعن حذيفة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس»، فكتبنا له ألفًا وخمس مائة رجل، فقلنا: نخاف ونحن ألف وخمس مائة، فلقد رأيتُنا ابتُلينا، حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف(5).

فهذا الحديث من الأدلة القوية في مشروعية الدراسات المستقبلية؛ فالنبي يريد أن يعرف عدد المسلمين ليستشرف مدى قدرتهم على مواجهة عدوهم؛ فيبني الخطة المناسبة وفقًا للاستشراف المستند على نتيجة الإحصاء.

قال الإمام ابن حجر في سبب طلب الإحصاء: «وكأن ذلك وقع عند ترقب ما يخاف منه ولعله كان عند خروجهم إلى أحد أو غيرها(6)»(7).

-استشراف النبي للمستقبل في غزوة الأحزاب:

في السنة الخامسة للهجرة جاء الأحزاب لغزو المدينة، وقد استفاد الرسول والصحابة مما أصابهم من خسائر في غزوة أحد، لذلك كان الرأي عدم الخروج خارج المدينة لقتال الأحزاب؛ فأشار النبي بحفر خندق حول المدينة آخذًا برأي سلمان الفارسي، وأثناء حفر الخندق اعترضت صخرة عمل الصحابة في حفر الخندق، فضربها سلمان بالمعول عدة مرات ولم يقدر عليها فضربها الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث ضربات، وقد وعد أصحابه بفتح الشام وفارس واليمن.

فعن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، قال: وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق، لا تأخذ فيها المعاول، قال: فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عوف: وأحسبه قال: وضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة، فأخذ المعول فقال: “بسم الله” فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: “الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا”. ثم قال: “بسم الله” وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: “الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا” ثم قال: “بسم الله” وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر فقال: “الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا»(8).

لقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه أهدافًا جليلة بعيدة المدى، ثم استحث النفوس الحية والهمم العالية للوصول إليها دون أن تصاب بالإحباط أو اليأس لعارض طارئ من العوارض القريبة، فهي دعوة لتوسيع الأفق وتعميق النظر والانطلاق إلى تلك الرحاب الواسعة لاستشراف آفاق المستقبل غير المنظور، ومن ثم السعي الحثيث لاستثمار الحاضر بكل إمكاناته لبناء المستقبل وترسيخه وإزالة عوائقه ومشكلاته.

وقد تحققت بشارة النبي صلى الله عليه وسلم عند اتساع الفتوحات الإسلامية في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذه الواقعة تدل على المعاني الآتية:

١-الشعور بالمسئولية وتشجيع العمل الجماعي.

٢-معالجة الأزمات.

٣-النظرة الإيجابية في المواضع الحرجة.

٤-أثر التحفيز في مواصلة المسيرة(9).

-استشراف النبي للمستقبل في صلح الحديبية:

خرج النبي في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة معتمرًا، وكان معه –كما جاء في الصحيحين- خمسمئة وألف رجل، ولم يخرج لقتال أحد، فما دنا النبي من مكة علم أن أهلها مانعوه من دخولها، ومقاتلوه إن أراد ذلك؛ فنزل بالحديبية قرب مكة، ودارت مفاوضات بينه وبين قريش انتهت إلى الصلح، وكان من أهم بنوده ما يلي:

١-أن من جاء من المسلمين إلى الكفار لا يردُّونه إليهم.

٢-أن من جاء من الكفار إلى المسلمين ردوه إليهم، وإن كان مسلمًا.

٣-أن يرجع هذا العام ويعتمر من العام المقبل، ويمكث بمكة ثلاثة أيام فقط.

٤-وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس.

وقد أثار الشرطان الأولان حمية المسلمين، واستبعدوا موافقة الرسول عليهما، فقالوا: يا رسول الله! أنكتب هذا؟ قال: «نعم. إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا».

وكان من أشد الصحابة معارضة لهذا الصلح عمر بن الخطاب صاحب النظر المستقبلي، لكن شاء الله تعالى أن يتغلب النظر المستقبلي للنبي صلى الله عليه وسلم على نظرة عمر ومن كان على رأيه.

والذي يظهر أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم خلال مجريات الصلح كانت اجتهادًا منه لا بالوحي.

وكان هذا الصلح في ظاهره ضيمًا وهضمًا للمسلمين، وفي باطنه عزًّا ونصرًا، وكان الرسول ينظر إلى ما وراءه من الفتح والنصر والعز، وكان يعطي المشركين كل ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها كثير من أصحابه، وهو صلى الله عليه وسلم يعلم ما في ضمن هذا المكروه من محبوب، فكان واثقًا من نصر الله له، وأن العاقبة له، وأن تلك الشروط واحتمالها هو عين النُّصرة.

ولما رجع النبي إلى المدينة نزلت سورة «الفتح» فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر إلى آخرها، فقال عمر: يا رسول الله، أو فتح هو؟ قال: «نعم»(10).

وكان «فتح مكة» بعد عقد الصلح بعامين اثنين، ظهر فيهما تفسير ﴿فتحًا مبينًا﴾ واقعًا مشاهدًا؛ فقد كان عدد المسلمين في عمرة الحديبية خمسمئة وألف رجل، بينما خرجوا –كما يقول ابن إسحاق- لفتح مكة وعددهم عشرة آلاف.

فكان هذا الصلح مقدمة للفتح الأعظم «فتح مكة»، وقد ظهر من كان مختفيًا بالإسلام، وتمكن من يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة من ذلك، كما وقع لخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما.

وقد اعترفت قريش رسميًّا بأن النبي وأصحابه أصبح لهم دولة لها خطرها.

وقد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلح أن يتحرك بحرية باتجاه الشمال ففتح خيبر، وما كان له –بمقياس العلوم العسكرية- أن يقابل عشرة آلاف من اليهود، على بُعد خمسة أيام من المدينة إلا بعد أن أَمِنَ بالصلح جانب أعظم خصومه؛ فتوجه إلى خيبر دون أن يترك قوة في المدينة، واستطاع كذلك مد المواجهة إلى أرض الروم، فأرسل جيشًا بقيادة خالد بن الوليد، وتمكن صلى الله عليه وسلم من توسيع دائرة الدعوة إلى خارج الجزيرة العربية فراسل عددًا من الملوك ووجَّه إليهم الدعاة.

ولذلك كانت مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شر منه؛ ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما.

ولقد لفت القرآن نظر الذين لم يدركوا الحكمة من هذا الصلح فعارضوه إلى أن هذا الذي كرهوه له مكاسب عظيمة وأنه انتصار للجماعة الإسلامية فقال تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧].

وهذه الحادثة تصعِّب مهمة الدراسات المستقبلية؛ فإذا كان الصحابة أهل البصيرة وأصحاب الفراسة وقعت منهم معارضة شديدة لعقد الصلح، وكان المباشر له الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف بالمختصين في الدراسات المستقبلية وهم من سائر الناس، هل سيكون لآرائهم قبول؟ أم ستلقى معارضة ورفضًا؟

وفي هذا درس للمسلمين أن يستشرفوا دائمًا أبعاد معركتهم، وأن يتفهموا الآراء المطروحة أمامهم، وألا يتعجلوا في الحكم على تصرفات القادة المسئولين(11).

-استشراف النبي للمستقبل في معركة مؤتة:

أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يثأر لمقتل الحارث بن عمير الأسدي الذي قتله شرحبيل بن عمر الغساني عامل الروم على البلقاء من أرض الشام، والذي بعثه النبي إلى عظيم بصرى؛ فجهز جيشًا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة زيد بن حارثة.

فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة»(12).

ويقول ابن كثير: وجاء النعمان بن فُنْحُص اليهودي فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس، فقال رسول الله: “زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قُتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة، فإن قُتل عبد الله بن رواحة فليرتضِ المسلمون بينهم رجلًا فليجعلوه عليهم”.

فقال النعمان: أبا القاسم، إن كنت نبيًّا فلو سمَّيت من سميت قليلًا أو كثيرًا أصيبوا جميعًا، إن الأنبياء من بني إسرائيل كانوا إذا سمَّوا الرجل على القوم فقالوا: إن أصيب فلان ففلان، فلو سموا مائة أصيبوا جميعًا، ثم جعل اليهودي يقول لزيد: اعْهَدْ فإنك لا ترجع أبدًا إن كان محمد نبيًّا. فقال زيد: أشهد أنه نبي صادق بار(13).

وتحرك الجيش الإسلامي ليحقق ما استشرفه الرسول، ونزل «معان» بأرض الشام، وحينئذ وردت الأخبار بأن هرقل إمبراطور الروم توجه بمئتي ألف من الروم والعرب لملاقاة المسلمين، وحار المسلمون أمام هذا العدد الكبير، وأرادوا التريث حتى يطلبوا من الرسول المدد، ولكن عبد الله بن رواحة شجع الناس على القتال وذكَّرهم بأنهم لا يقاتلون بعدد ولا عدة، وإنما يقاتلون بهذا الدين.

والتقى الفريقان في مؤتة، وقد تحققت قراءة المستقبل لهذه المعركة، فقد أخذ الراية زيد بن حارثة فلم يزل يقاتل حتى قُتل، ثم أخذ الراية جعفر ولما أرهقه القتال نزل عن فرسه وعقرها ثم قاتل حتى قطعت يمينه فأخذ الراية بشماله، ولم يزل يقاتل حتى قطعت شماله فاحتضنها بعضديه، فلم يزل رافعًا لها حتى قُتل، ولما قُتل جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قُتل.

وبعد مقتل القادة الثلاثة اصطلح الناس على خالد بن الوليد فأخذ الراية وقاتل حتى انكسرت في يده تسعة أسياف.

ونجح خالد في الصمود أمام جيش الروم حتى المساء، وفي الصباح غيَّر خالد بن الوليد مواقع المقاتلين وتأخر حتى انحاز بالمسلمين عن الروم ثم رجعوا إلى المدينة.

وبناء على ما تقدم نجد أن استشراف الرسول للمستقبل حقق عدة معانٍ نذكر منها:

  1. أنها ثبتت المسلمين معنويًّا وعسكريًّا، وأحبطت معنويات الروم برغم قلة عدد المسلمين وكثرة عدد الروم.
  2. أعطت فرصة للمسلمين لمعرفة حقيقة قوة الروم ومعرفة أساليبهم في القتال.
  3. أن التخطيط له أثر كبير في تثبيت المسلمين في المعركة(14).

الحكمة من إخبارات الرسول عما سيكون بعده من أحداث المستقبل:

والقول بأن ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم من أحداث المستقبل هو من قبيل الوحي المعصوم لا يقدح في تناول الحديث عن الاستشراف والتخطيط المستقبلي في ضوء السنة النبوية، وذلك لأن الوحي هو من أعظم وأرقى أساليب الاستشراف للمستقبل، مع الاعتراف بأن استعمال كلمتي الاستشراف والتخطيط بالنسبة للأخبار الغيبية فيه تجوز وتوسع، ولكن الذي يبرر استخدام هذه اللفظة هو أن نَحْمل ما ورد من الأخبار والأحداث الغيبية على أنه تعليم لنا لنستشرف المستقبل ونخطط له؛ استنادًا على فهم دقيق للسنن الكونية، ودراسة للماضي وفهم للحاضر.

فإذا ما أحسن المسلمون قراءة ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أمور مستقبلية، وفهموا ماضيهم وحاضرهم والسنن الفاعلة فيهما استطاعوا أن يستشرفوا ويخططوا لمستقبلهم.

ومما يجدر الإشارة إليه أن إخبارات الرسول عما سيكون بعده من أحداث المستقبل من أحاديث الفتن والإخبار عن أشراط الساعة لا ينبغي أن تفهم على أنها إخبار عن مستقبليات فقط، بل إنها ترمي إلى تحقيق حكمة آنية، وهي التوجيه والتحذير للأمة من أسباب الفساد وعوامل الانحلال، ومن أن تقع فيما سيقع فيه الناس في آخر الزمان؛ فهو استشراف وتوجيه.

أما ما جاء من بشارات في الأحاديث النبوية فمن وظيفتها شحن الأمة بالأمل في فترات ضعفها وتقهقرها، وذلك لكي لا يستحوذ عليها اليأس فتنهزم نفسيًّا(15).

ولذلك يقول الشيخ محمد رشيد رضا: «إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخبر أمته بما سيقع فيها من التفرق والشيع، وركوب سنن أهل الكتاب في الإحداث والبدع، وبغير ذلك من أخبار الفتن الخاصة بهم والمشتركة بينهم وبين الأمم – إلا لأجل أن يكونوا على بصيرة في مقاومة ضرها واتقاء تفاقم شرها، لا لأجل أن يتعمدوا إثارة تلك الفتن والاصطلاء بنارها، والاقتراف لأوزارها، فمثله صلى الله عليه وسلم في ذلك كمثل الطبيب الذي يخبر المسافرين إلى أرض مجهولة لهم بما فيها من الأمراض؛ لأجل أن يبذلوا جهدهم في اتقاء وقوعها بهم، ثم في مداواة من يصاب بها منهم، لا لأجل أن يجعلوا أنفسهم عرضة لها بإتيان أسبابها، وتوطين النفس على الهلاك بترك التداوي منها. وقد كان أهل الصدر الأول يفهمون ذلك من النصوص، كما صرحت به عائشة في حديث لعن أهل الكتاب لاتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، فإنها عللته بقولها: يحذِّر ما صنعوا»(16).

ومن الأمثلة على ذلك: الدعوة إلى التخلص من أسباب الذل والهوان وتسلط الأعداء، كما في قوله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»(17).

قال الشوكاني: (وسبب هذا الذل والله أعلم أنهم لما تركوا الجهاد في سبيل الله الذي فيه عز الإسلام وإظهاره على كل دين عاملهم الله بنقيضه، وهو إنزال الذلة فصاروا يمشون خلف أذناب البقر بعد أن كانوا يركبون على ظهور الخيل التي هي أعز مكان)(18).

وعن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن»، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا، وكراهية الموت»(19).

قال الطيبي: (يريد أن حب البقاء في الدنيا وكراهية الموت يدعوهم إلى إعطاء الدنية في الدين واحتمال الذل عن العدو)(20).

وهذا الحديث وسابقه فيه استشراف للمستقبل، ووجه ذلك: أن الأمة يوم تكره الحياة الذليلة وتحب الموت في سبيل دينها والحفاظ على كرامتها، وتترك التعلق بالدنيا فإن أعداءها لن يستطيعوا أن يتمكنوا منها أو يتداعوا عليها، وإن فعلوا فلن ينالوا منها شيئًا، وليس المراد من الحديث توصيف الواقع والاستسلام للقدر.

ومن الأمثلة أيضًا: الدعوة إلى اجتماع الكلمة ونبذ أسباب الخلاف والفرقة، كما ورد في حديث عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «إنه ستكون هَنَاتٌ وهَنَاتٌ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنًا من كان»(21).

ففي هذا الحديث دلالة على تعظيم أمر الجماعة ووحدة الصف، وعلى حرص الإسلام على أن يكون للمسلمين شوكة وقوة في دفع الأعداء، فإذا خرج شخص يريد تفريق شمل المسلمين فإن قتله أهون شرًّا من تفرق الأمة وذهاب بيضتها.

قال الإمام النووي: (قوله صلى الله عليه وسلم: «ستكون هنات وهنات»: الهنات جمع هنة، وتطلق على كل شيء، والمراد بها هنا الفتن والأمور الحادثة… وفي الحديث الأمر بقتال من خرج على الإمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك، وينهى عن ذلك فإن لم ينته قوتل وإن لم يندفع شره إلا بقتله فقتل كان هدرًا)(22).

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «إنه ستكون هَنَاتٌ وهَنَاتٌ» إخبار بأن ذلك سيقع، وهذا يستوجب من المسلمين الاستعداد له، من خلال جمع الكلمة، ونبذ أسباب الفرقة والخلاف.

1 انظر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٤١٩، ٤٢٠).

2 أخرجه مسلم، (١٧٦٣).

3 انظر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٤٢١، ٤٢٢).

4 انظر: السيرة النبوية، ابن كثير(١/٤٣٩).

5 أخرجه البخاري، (٣٠٦٠).

6 فتح الباري شرح صحيح البخاري (٦/١٧٨).

7 انظر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٤٢٢، ٤٢٣).

8 أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٨٦٩٤)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٣٦٨٢٠).

9 انظر: نماذج من استشراف المستقبل في السيرة النبوية، للدكتور حاتم فزع شنيتر، مجلة مداد الآداب، كلية الآداب بالجامعة العراقية، العدد الخامس، ٢٠١١م، ص٤٠٢-٤٠٤.

10 متفق عليه: أخرجه البخاري، (٣١٨٢)، ومسلم، (١٧٨٥).

11 انظر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٤٢٤-٤٢٧).

12 أخرجه البخاري، (٤٢٦١).

13 البداية والنهاية، ابن كثير (٦/٤١٢، ٤١٣).

14 انظر: نماذج من استشراف المستقبل في السيرة النبوية، ص٤٠٣-٤٠٥.

15 انظر: استشراف المستقبل في الحديث النبوي،(ص١٧٨، ١٧٩).

16 تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا (٧/٤١٦).

17 أخرجه أبو داود، (٣٤٦٢).

18 نيل الأوطار، الشوكاني، (٥/٢٤٦).

19 أخرجه أبو داود، (٤٢٩٧).

20 شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمى بـ(الكاشف عن حقائق السنن)، (١١/ ٣٣٩٤).

21 أخرجه مسلم، (١٨٥٢).

22 انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١٢/٢٤١).

اترك تعليقاً