البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الباب الثاني: الفتوى واستشراف المستقبل

الفصل الثالث فوائد الفتوى المستقبلية ونماذج منها

116 مشاهدة

(وفيه مبحثان)

١ـ فائدة الدراسات المستقبلية واستشراف المستقبل بالنسبة للدعاة والمفتين.

٢ـ نماذج من الفتاوى الافتراضية في التراث الفقهي.

المبحث الأول

فائدة الدراسات المستقبلية واستشراف المستقبل بالنسبة للدعاة والمفتين

إن الدراسات المستقبلية هي جهد علمي منظم يرمي إلى تحديد احتمالات وخيارات مختلفة مشروطة لمستقبل قضية أو عدد من القضايا خلال مدة مستقبلية محددة بأساليب متنوعة اعتمادًا على الدراسات المعنية بالحاضر والماضي.

ودور الدراسات المستقبلية ليس في إصدار نبوءات، وإنما هدفها هو تحديد الاتجاهات والوصول إلى مستقبل مرغوب فيه واقتراح استراتيجيات لتحويله إلى مستقبل ممكن؛ فالأمر يتعلق بتسليط الأضواء على الاختيارات بغية مساعدة صانعي القرارات للتوجه نحو الأهداف الطويلة المدى، مع اطلاعهم على التدابير الواجب اتخاذها في الحين قصد الوصول إليها.

إنَّ ما عليه حال المسلمين اليوم هو نتيجة تراكمات حالهم وأوضاعهم في الماضي، وما سوف تئول إليه أحوالهم في المستقبل هو نتيجة ما هم عليه اليوم.

وإذا كانت الفكرة السائدة أن المستقبل لدين الإسلام فإننا يجب أن نتساءل كم أعددنا لهذا المستقبل، أم أن المستقبل سوف يأتي لنا جاهزًا على طبق من ذهب؟ وعلى هذا يمكن أن تكون أوضاعنا أفضل كأفراد وجماعات إذا أعددنا أنفسنا بأفضل ما نستطيع، أو بالتعبير القرآني (التقديم للنفس)، وهذا التقديم قد يكون بخير أو بشر، ولكل منهما عواقبه:

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: ١١٠].

{ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الأنفال: ٥١].

والمفتي الداعية إلى الله هو الأقدر بين الناس على تلمس مواطن الخير، والأنقى قلبًا، والأثقب نظرًا في الرؤية في المدلهمات؛ إذ هو ينظر بنور الله، {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام: ١٢٢]؛ فهذا النور المنبثق من قلب المؤمن الذي يمشي به في الناس كما هو التعبير القرآني يجعله قادرًا على اختراق حجب غيب النفس البشرية للمقابل فيلحظ ويكتشف التغيرات واللمحات والتعبيرات ولحن القول، ويتأيد هذا بقوله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فِراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله»(1).

والسكينة التي ترافق المؤمن واستقرار قلبه هي من عوامل النصر وزيادة الإيمان، ويدل لذلك سورة الفتح؛ فالنصر والفتح العزيز له مقدمات وله إعداد لكي يأتي نصر الله العزيز.

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الفتح: ٤].

فهذه السكينة لا تكون إلا لمؤمن متصل بالله يمشي على صراط مستقيم.

وزيادة الإيمان لا تنحصر في الجانب المعنوي، بل إن آثاره تمتد إلى التأثير الحياتي المعاش، وهذا هو الإيمان الفاعل الإيجابي؛ فالمؤمن يظل يعمل بالبركة الربانية ويطلبها ويعتمدها منهجًا في حياته.

إن أساس الدعوة الإسلامية هو الأخلاق، ومجرد التربية الدعوية الأخلاقية لا تعني في مجال الدعوة والإفتاء شيئًا كثيرًا ما لم تساندها وتعضدها تربية تخطيطية؛ فالخطاب الإسلامي في المرحلة القادمة ينتقل إلى مرحلة العالمية فالبقاء على الخطاب المحلي المرحلي سوف يخرجه من دائرة صنع القرار ويبقيه تابعًا لأولئك الذين يخططون ويدرسون المستقبل.

إن الدراسات المستقبلية تخرجنا من أسر التعصب للماضي بتبعاته إلى الفضاء المستقبلي الرحيب، وتجعل المفتي أكثر ارتباطًا بالواقع.

إن العمل الإسلامي لا تليق له الارتجالات والعفويات بل يحتاج إلى وقت طويل للنضج غير المتكلف، ويمكن غرس مهارات التخطيط واستشراف المستقبل منذ مرحلة مبكرة لدى بعض الدعاة وندعهم يمرون بالمراحل المتتابعة التي توصل إلى النضج والمهارة، ويمكن أن يُعان المفتي الذي يختاره تخصصًا له بتعليمه علم الإدارة وعلم القيادة وعلم الإبداع عبر دوراتٍ باعتبارها علومًا مساندة لعلم التخطيط.

وإذا كان هذا العلم واردًا من الغرب ويتساوى في استقباله وإتقانه الجميع إلا أن الداعية والفقيه يمتلك ما يتيح له أن ينفذ متطلباته بشكل أدق مما تقوم به الوزارات المعنية وغيرها، لا سيما الجزء المتعلق بالتناظر والقياس والإسقاط بالقرينة فإن الدعوة مرشحة لامتياز فيه أيضًا؛ لأن الفقه ديدن دعوي دائم، والفقه كله قياس وتعليل واشتغال بالأشباه والنظائر، ومنهجية التربية الدعوية تراعي ذلك جدًّا، وتجعل صنعة الاجتهاد رائجة، وهذا يعني امتلاك الدعاة دربة على القياس والاقتران، بينما تلميذ الدراسات التخطيطية لا تتوفر له دربة ولا حوارات فقهية فيكون أقل مهارة في هذا الباب، فيلجأ إلى تقليد ونقل حرفي عن غير بينة.

فهي تخرج المفتي من دائرة ردود الأفعال إلى دائرة الفعل والتحضير للفعل ضمن تصورات واضحة بدلًا من العفوية.

والدراسات المستقبلية تخفف من ثقل أعباء الحاضر، وتطلق العنان للخيال ضمن منهجيات معينة لكي ينساب المفتي في أرجاء الأفكار لسنوات قادمة لرسم تصورات وتشخيص عقبات، فهي سياحة فكرية مستقبلية ضمن مقاصد الشريعة وأهدافها السامية العليا في النفس والحياة من خلال خطوط رئيسة لا تغرق كثيرًا في التفاصيل والجزئيات(2).

ويفيد الفكر المستقبلي الداعية والمفتي والمجتهد في أمور متعددة أهمها ما يأتي:

١-تفيد الدراسات المستقبلية الدعاة إلى الله في تحصينهم وحمايتهم من بعض المواقف السلبية؛ فهناك مظهر سلبي عام ينتج من ضعف التكيف مع المستقبل، ويسبب التشاؤم والعزلة الاجتماعية وغيرهما من الأمراض النفسية يطلق عليه «صدمة المستقبل»، وهذه الصدمة هي العجز الذي يذهل عن التكيف الذي يأتي في ركاب الميلاد المبتسم للمستقبل.

وتختلف طرق الاستجابة لصدمة المستقبل باختلاف الأشخاص، كما تختلف أعراضها تبعًا للمرحلة التي وصل إليها المرض وحدَّة الإصابة به، وهذه الأعراض تبدأ بالقلق ومعاداة السلطة والعنف الذي يبدو بلا معنى، مرورًا بالمرض البدني والكآبة وفتور الشعور، كما يتذبذب أصحابها بين مختلف الاهتمامات وأساليب الحياة ويتبع ذلك رغبة في التقوقع من خلال الانسحاب الاجتماعي والثقافي والعاطفي.

ومن أمراض صدمة المستقبل المؤثرة على عمل الداعية الشعور بالوحدة النفسية، وهو إحدى المشكلات الناجمة عن التغيرات السريعة والتقدم المذهل في كثير من نواحي الحياة وتدني التزام الأفراد بالقيم الدينية والأخلاقية. ومفهوم الوحدة النفسية من المفاهيم التي لاقت اهتمامًا كبيرًا من قِبَل الباحثين في علم النفس، وهو يتمثل في عدم قدرة الفرد على المشاركة الاجتماعية وتمركزه حول ذاته ونفوره عن الآخرين.

وقد برهنت الدراسات العلمية على وجود ارتباط موجب بين الشعور بالوحدة والتشاؤم، ووجود ارتباط سالب بين التفاؤل والشعور بالوحدة، وهو ما يدل على وجود علاقة بين تفاؤل الداعية ومشاركته في المجتمع إيجابًا، ووجود علاقة بين تشاؤم الداعية وانعزاله عن المجتمع والتأثير فيه.

ويفيد إجراء الدراسات المستقبلية في منع تسلل التشاؤم –الذي تحدثه صدمة المستقبل- إلى نفس الداعية، وفي نقل الداعية المتشائم من المستقبل إلى حالة من التفاؤل المثمر، وذلك من خلال عرض مشاهد المستقبل عليه، وإقناعه بأن المستقبل في عقل الإنسان ليس واحدًا بل مستقبلات، وإعلامه بأن له أثرًا فاعلًا في جميع هذه المشاهد، إما أثرًا انطلاقيًّا أو دفاعيًّا أو محافظيًّا أو هجوميًّا؛ فهي تنبهه إلى طرق عديدة يمكن أن يسلكها بدل الدرب الطريق الذي كان يراه محتومًا؛ فالدراسات المستقبلية تغذي في المرء شعوره بالتفاؤل بجعلها أحد المشاهد يتصف بالتفاؤل، ومن خلال تعدد نظرها إلى المستقبل فهي تدل على مستقبلات لا مستقبل واحد، وفيها يتبين الإنسان قدرته على تغيير المسار السلبي في توجهات الأحداث أو تخفيفه أو مواجهته، فهي تولِّد التفاؤل تجاه المستقبل والقدرة على الفعل فيه. وبذلك نحافظ على فاعلية الدعاة واختلاطهم في المجتمع بصورة إيجابية وحمايتهم من العزلة السلبية وعدد من المظاهر الناتجة عن صدمة المستقبل.

وخلاصة القول: أن الدراسات المستقبلية تُحدث تغيرًا جيدًا في التفكير، وتذكِّر بقدرة الإنسان على الفعل والتغيير، وبخاصة لدى أصحاب التفكير السلبي إزاء المستقبل(3).

٢-إن إهمال النظرة المستقبلية والدراسات المستقبلية يؤدي إلى عدم منع المشكلات قبل نشوئها مما يؤدي إلى تفاقمها وصعوبة علاجها، فمن المواقف السلبية للدعاة إلى الله ترك بعض المشكلات حتى تحدث ثم يسعون في إيجاد علاج لها، والقاعدة الشرعية أن الدفع أولى من الرفع؛ فالمجتمع الإسلامي بحاجة إلى الدعاة والمفتين ممن يحملون نظرًا مستقبليًّا يستبقون به المشكلات قبل حدوثها، فيحسمون مادة وجودها، لا سيما المشكلات الكبرى والفتن العظمى، وإلا فستظل الجهود مركزة في محاولة التصدي للأحوال الطارئة أكثر من التخطيط للمستقبل، وهذا الأسلوب من شأنه أن يقلِّص إمكانيات التفكير المنهجي ذي المدى البعيد، ويشجع على أسلوب حل كل مشكلة بعد حلولها لا الاحتياط من نشوئها(4).

٣-من الصفات التي يجب توافرها في المفتي فهم الواقع والفقه فيه؛ فمن واجب المفتي أن يكون بصيرًا بزمانه فاهمًا لواقعه؛ لتكون فتاواه مبنية على تصور سليم واستنباط قويم، والمفتي الذي لا يعرف الواقع الذي يفتي فيه يخطئ في كثير من فتاويه ويعرض الناس إلى النفرة من الدين.

ومن المتفقهين من انشغل بطلب الفقه الماضي وقصَّر في الفقه الحاضر الذي يحتاجه أكثر الناس اليوم، وهذا تقصير في النظر يؤثر على حاجة الناس الحاضرة والمستقبلة.

وتقدِّم الدراسات المستقبلية بصفة عامة فهمًا متميزًا للواقع يفيد المجتهد والمفتي بالتعرف على حقيقة الواقع كما هو سياسيًّا كان أو اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا أو غير ذلك(5).

٤-من شروط المفتي والمجتهد أن يكون متيقظًا، وهذا مما توفره الدراسات المستقبلية.

٥-تحقيق مبدأ الشورى للمفتي والمجتهد بأفضل صورة ممكنة عن طريق استشارة المؤهلين المتخصصين؛ فإن المجتهدين وأهل الفتوى مهما بلغوا من سداد الرأي وسعة العلم فإنهم أقل صوابًا مما لو استبدوا برأيهم ولم يستشيروا من هم أهل للاستشارة.

وقد أمرت الشريعة الإسلامية بالرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص كل في تخصصه وحقله. وقد اقترح بعضهم أن تنبري طائفة من ذوي الأهلية والاختصاص في كل مجتمع مسلم لدراسة الواقع القائم وتحليل بياناته واتخاذها أساسًا للتنبؤ بالاحتمالات المستقبلية.

والمتأمل في أسلوب (دلفاي) الذي استخدمته المدرسة الأمريكية، والذي شاع استخدامه في الدراسات المستقبلية -وخاصة في المجال التربوي- يجد أن هذا الأسلوب مقتبس من مبدأ الشورى في الإسلام، فهو لا يعدو أن يكون استشارة لأهل الاختصاص والخبرة في الأمور المستقبلية المتعلقة بتخصصهم.

والواقع أن كثيرًا من الاجتهادات والفتاوى تمس المستقبل أكثر مما تمس الحاضر أو الماضي؛ لذا فإن الشورى هي أمثل الطرق لتحقيق الاقتراب من الصواب؛ فتحمي المستقبل من أخطاء الإفتاء والاجتهاد فتتحسن صناعة المستقبل الإسلامي(6).

٦-من الأمور المهمة للمجتهد النظر في مآلات الأفعال، وهذا هو ميدان الدراسات المستقبلية ومجالها الأساس.

يقول الشاطبي: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يئول إليه ذلك الفعل، مشروعًا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق محمود الغب، جارٍ على مقاصد الشريعة»(7).

وهذه الصعوبة تسهلها له الدراسات المستقبلية أو بعض أساليبها(8).

٧-من شروط المفتي عند بعض العلماء أن يكون فقيه النفس، ويُعد وصف (فقيه النفس) من أنفس صفات علماء الشريعة، وهي رتبة يصل إليها العالم عند تقدمه في العلم والطلب. ومن خاصة هذا العالم أمران: أحدهما: أنه يجيب السائل على ما يليق به في حالته على الخصوص إن كان له في المسألة حكم خاص، بخلاف من دونه من الفقهاء، فإنهم إنما يجيبون من رأس الكلية من غير اعتبار بخاص.

والثاني: أنه ناظر في المآلات قبل الجواب عن السؤالات، بخلاف من دونه من الفقهاء فإن الواحد منهم لا ينظر في ذلك، ولا يبالي بالمآل إذا ورد عليه أمر أو نهي أو غيرهما، وكان في مساقه كليًّا(9).

وفقه النفس قريب مما يطلق عليه في الدراسات المستقبلية (الحدس)، وإذا كانت لدى المفتي القدرة عليه فإنه يفيده في حدس حال من يستفتيه. قال الخطيب: «وإذا رأى المفتي من المصلحة عندما تسأله عامة أو سوقة أن يفتي بما له فيه تأول، وإن كان لا يعتقد ذلك، بل لردع السائل وكفه فعل؛ فقد روي عن ابن عباس أن رجلًا سأله عن توبة القاتل فقال: لا توبة له، وسأله آخر فقال: له توبة، ثم قال: أما الأول: فرأيت في عينيه إرادة القتل فمنعته، وأما الثاني: فجاء مستكينًا وقد قتل فلم أويسه»(10)(11).

1 سبق تخريجه.

2 انظر: فقه العواقب «الدراسات المستقبلية» والدور الحضاري للأمة الإسلامية في ضوء السنن الربانية وضرورته للمفتي، بحث محكم من إعداد: نضال محمد الغطيس، ضمن بحوث مؤتمر الفتوى واستشراف المستقبل (ص٥٥٤-٥٥٨).

3 انظر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٨٤٦-٨٥٢).

4 انظر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٨٥٢-٨٥٤).

5 انظر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٧٢٠، ٧٢١).

6 انظر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٧٢٢، ٧٢٣)، أسس دراسة المستقبل في التربية الإسلامية (ص١٥٩-١٦١).

7 الموافقات (٥/١٧٧، ١٧٨).

8 انظر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٧٢٤، ٧٢٥).

9 انظر: الموافقات (٥/٢٣٣).

10 الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي (٢/٤٠٧).

11 انظر: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٧٢٥، ٧٢٦).

المبحث الثاني

نماذج من الفتاوى الافتراضية في التراث الفقهي

لقد أعطى الله تعالى فقهاء هذه الأمة من نور البصر والبصيرة ما جعلهم يفترضون بعض المسائل الفقهية التي لم تقع في عصرهم، وذلك إما عن طريق السؤال عنها من قِبَل تلاميذهم، أو عن طريق الافتراض بدون سؤال، وكأنهم رحمهم الله كانوا يدركون أنه سيأتي وقت تقع فيه الحوادث التي توافق ما افترضوه من مسائل وأحكام، وسيجد المسلمون وقتها الحل فيما قاله هؤلاء الفقهاء الأجلاء.

ومن هنا نستطيع القول بأن الفقه الافتراضي لم يكن نوعًا من الترف الفقهي كما ادعى بعضهم، فإن هذا الادعاء خلاف الحقيقة لأن الوقائع والمستجدات الحديثة أثبتت خلاف ذلك.

كذلك يعتبر هذا الافتراض الفقهي رحمة من الله بهذه الأمة، وذلك حتى يثبت شمولية الفقه الإسلامي وصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وأن الفقهاء لم يتركوا شيئًا إلا وتحدثوا فيه سواء وقع أو لم يقع، وحتى لا يُترك المسلمون في حيرة من أمرهم إذا حدث لهم حادث فيكون ذلك طعنًا في الدين والشريعة ووصفهما بالعجز والقصور عن معالجة المستجدات والحوادث المعاصرة.

ومن يتأمل ما حوته كتب الفقه من الأحكام يتبين له جليًّا أن كثيرًا منها في الحقيقة فتاوى افتراضية وإن لم ينص مؤلفوها على ذلك، فما هي في الواقع إلا إجابات على فتاوى وجهت للمفتي، أو قد يكون المفتي نفسه افترض مسائلها ثم بين أحكامها كما سبقت الإشارة.

كما يتبين لمن يتأمل هذه الكتب أنها تضمنت كمًّا هائلًا من المسائل التي اعتبرها المفتي في عصره من ضروب المستحيلات ورغم ذلك بيَّن أحكامها، ومن هذه المسائل ما وقع في زماننا، مما يدل على عبقرية تلك العقول.

وسوف نورد نماذج من هذه المسائل فيما يلي:

١-إخراج الفضلات بتدخل طبي:

افترض الفقهاء القدامى مسألة صورتها: لو أخرج البول والغائط من غير مخرجهما هل ينتقض الوضوء.

وهذه أهم نصوص الفقهاء في هذه المسألة.

قال الإمام ابن قدامة الحنبلي (المتوفى: ٦٢٠هـ) في المغني: «مسألة: قال: وخروج البول والغائط من غير مخرجهما لا تختلف الرواية أن الغائط والبول ينتقض الوضوء بخروجهما من السبيلين ومن غيرهما، ويستوي قليلهما وكثيرهما، سواء كان السبيلان منسدين أو مفتوحين من فوق المعدة أو من تحتها»(1).

وقال الشيخ عليش المالكي (المتوفى: ١٢٩٩هـ) في منح الجليل شرح مختصر خليل: «فصل مخرج الخارج من غير مخرجه المعتاد له كخروج ريح من قبل أو بول من دبر فليس حدثًا… (أو) الخارج المعتاد من (ثقبة تحت المعدة) أي مستقر الطعام والشراب قبل انحدارهما للأمعاء فوق السرة إلى منخسف الصدر فالسرة تحتها فالخارج من ثقبة تحتها حدث ينقض الوضوء (إن انسدا) أي لم يخرج الخارج المعتاد من المخرجين المعتادين»(2).

فهذه المسألة الافتراضية تتعلق بمن انسد مخرجه الأصلي (القبل والدبر) وفُتح له مخرج آخر كمخرج طارئ غير معتاد، فهل يحكم بإقامة المخرج الطارئ (الفتحة) مقام المخرج الأصلي في أحكام الطهارة من اعتبار الحدث عند خروجه منهما أو نقض الوضوء عند لمسهما وغير ذلك من أحكام فقهية متعلقة بهما؟

وهذه المسألة تشبه ما يُعرف الآن من إخراج الفضلات بتدخل طبي مثل عملية الغسيل البريتوني، وهو استخلاص للمواد السامة والسوائل الزائدة عن حاجة الجسم، والتي عادة يكون استخراجها عن طريق البول والغائط، وذلك عن الطريق الغشاء البريتوني في البطن.

وتنطبق هذه المسألة الافتراضية تمامًا على نازلة الشرج الصناعي الذي يُفتح جراحيًّا في جدار البطن عوضًا عن الشرج الطبيعي لمعالجة بعض الأمراض مثل سرطان القولون. فنجد أن في الشرج الصناعي خروجًا لعين النجاسة من مخرج غير المخرج الأصلي(3).

٢-زراعة الأعضاء:

قال ابن نجيم الحنفي (المتوفى ٩٧٠ هـ) في البحر الرائق: «رجل قطعت أذنه أو قلعت سنه فأعاد أذنه إلى مكانها أو سنه الساقط إلى مكانها فصلى أو صلى وأذنه أو سنه في كمه يجزيه؛ لأن ما ليس بلحم لا يحله الموت فلا يتنجس بالموت»(4).

وقال المرداوي الحنبلي (المتوفى: ٨٨٥هـ) في الإنصاف: «فإن سقطت سِنه فأعادها بحرارتها، فثبتت فهي طاهرة، هذا المذهب، وعليه الجمهور، وقطع به أكثرهم. وعنه: أنها نجسة، حكمها حكم العظم النجس إذا جبر به ساقه»(5).

فهذه المسألة الافتراضية تتعلق بمن قُطع عضو من أعضائه أو سقط فأراد إعادته إلى مكانه هل يُحكم بطهارة ذلك العضو، ومن ثم جواز ذلك أم لا؟ ومجال ذلك ما كان من غير حد أو قصاص.

وهذه المسألة الافتراضية هي ما يتشابه مع ما يُعرف الآن بزراعة الأعضاء أو غرس الأعضاء، ويقصد بها نقل عضو سليم أو مجموعة من الأنسجة من متبرع إلى مستقبِل ليقوم مقام العضو أو النسيج التالف.

والمتبرع هو الشخص أو الحيوان الذي تؤخذ منه الأعضاء، ويمكن أن يكون المتبرع إنسانًا أو حيوانًا، ويمكن أن يكون المتبرع حيًّا؛ وذلك في الأعضاء المزدوجة أو التي يمكن تعويضها مثل الدم، ويمكن أن يكون المتبرع ميتًا.

تصنيف الغرائس:

١-غرائس ذاتية: وهي الغرائس المنقولة من منطقة إلى أخرى في نفس الجسم، ويحدث هذا كثيرًا في نقل الجلد، وبخاصة في الحروق، وهذه عادة ما يتقبلها الجسم ولا يرفضها.

٢-غرائس سوية (متماثلة): وهي المنقولة من متبرع إلى مستقبِل من نفس الجنس (بشر إلى بشر)، ومتماثلين في الصفات الوراثية كما في التوائم المتماثلة، وهذه عادة يتقبلها الجسم ولا يرفضها أيضًا، وهي أفضل أنواع الغرائس وأطولها عمرًا.

٣-غرائس مخالفة: وهي المنقولة من متبرع إلى مستقبِل من نفس الجنس، وغير متماثلة في الصفات الوراثية، وهذه عادة ما تُرفض، وشدة الرفض تختلف حسب درجة عدم التطابق النسيجي بين المعطي والمستقبل، ويتسبب رفض الغريسة بواسطة المستقبِل في إعطاء عقاقير خفض المناعة مدى الحياة، وهو أمر له خطره.

٤-غرائس غيرية: الغرائس المنقولة من متبرع إلى مستقبل من جنسين مختلفين (أرنب إلى إنسان)، وهذا النوع يُرفض بشدة، ولا يُصادَف في التطبيقات الطبية عادة.

وهذه المسألة الافتراضية نجد أنها تدور على طرف واحد، حيث تتعلق بالشخص نفسه دون غيره؛ فالعضو المعاد للشخص هو المقطوع منه معالجة للخلل وإصلاحًا له، دون تدخل من طرف آخر بالأمر بقطع عضو سليم ودفعه إلى مريض كما في النازلة.

وإذا نظرنا إلى أنواع الغرائس السابقة نجد أن الغرائس الذاتية ربما ينطبق عليها شيء من ذلك؛ فتأخذ حكم المسألة الافتراضية في الجواز والطهارة، حتى عند من قال بنجاسة العضو المبان؛ فقد استثنى صاحب العضو المبان منه، وهذا محل إجماع بين المعاصرين.

وأما في الغرائس المتماثلة والمخالفة فإننا نجد خلاف الفقهاء رحمهم الله في المسألة المفترضة بناء على طهارة العضو، وسبق القول بأن الجمهور على طهارته، وحتى من قال بالنجاسة فقد استثنى إذا عادت الحياة للعضو المبان، وعودة الحياة إلى العضو حاصلة في زراعة الأعضاء.

هذا من حيث الطهارة، وأما من حيث الحكم فنقل العضو من شخص سليم إلى مريض يرجع إلى مدى ملكية الإنسان لجسده، ويرجع كذلك إلى الموازنة بين المصالح والمفاسد في حفظ النفس الناتجة عن هذا النقل والتبرع.

٣– الولادة القيصرية:

افترض فقهاء الحنفية مسألة صورتها: إذا ولدت المرأة وخرج طفلها من غير المخرج المعتاد، كما لو شُق بطنها وخرج الطفل، ونزل من فرجها دم، فهل يعد الدم النازل دم نفاس أم هو دم جرح لا تثبت به أحكام النفاس؟

ومن أهم نصوص الفقهاء في هذه المسألة:

قال الزيلعي الحنفي (المتوفى: ٧٤٣ هـ) في تبيين الحقائق: «ولو ولدت من سرتها لا تصير نفساء إلا إذا سال الدم من فرجها، لكن تنقضي به العدة وتصير أم ولد به»(6).

فقد نص فقهاء الحنفية على أن من ولدت من سرتها لا تصير نفساء إلا إذا سال الدم من فرجها، وهو مقتضى مذهب المالكية والشافعية والحنابلة تخريجًا على تعريف النفاس بالدم الخارج من الفرج عقب الولادة، واستدلوا بأن سبب النفاس هو خروج الولد وقد وُجد فيثبت الحكم.

وهذه المسألة الافتراضية هي ما نعرفه الآن بالعملية القيصرية.

والمراد بهذه العملية: فتح جراحي أسفل السرة يكون خلاله شق جداري البطن والرحم لإخراج الجنين لوجود سبب يمنع خروجه من المخرج المعتاد، كاستقصاء رأس الجنين أو وجود توأمين ملتصقين أو غير ذلك.

وهي جراحة لا تخلو من مخاطر، أهمها: النزيف الشديد أثناء العملية، وتقليل نسبة الولادة للمرأة بحيث لا تتجاوز أربع مرات، والتهاب الجرح بعد الولادة، كما تؤدي العملية القيصرية أحيانًا إلى التسبب في جرح الأحشاء الداخلية.

وهذه المسألة التي افترضها الفقهاء تتطابق تمامًا مع نازلة العملية القيصرية، فتأخذ الحكم نفسه من ثبوت حكم النفاس لمن نفست بعملية قيصرية؛ فالدم الخارج بعد خروج الولد بالعملية القيصرية مماثل تمامًا للدم الخارج بعد خروجه من المخرج المعتاد، إلا أنه قد يخالفه في الكمية فقط؛ فيكون أقل نسبيًّا نظرًا لكثرة الأدوية القابضة للرحم التي تُعطى أثناء العملية.

وأما فيما يتعلق بحكم إخراج الولد عن طريق شق البطن فإنه يُنظر فيه إلى ما جاءت به الشريعة من الموازنة بين المصالح والمضار؛ فيرجع الحكم فيها إلى ما يقرره الطبيب من مصلحة أو مضرة(7).

٤-تشريح جثث الموتى:

افترض الفقهاء مسألة صورتها: هل يجوز شق بطن الميت لمصلحة الحي أو الـمُرجى حياته؟

ومن أهم نصوص الفقهاء في هذه المسألة:

قال ابن عابدين الحنفي (المتوفى: ١٢٥٢هـ) في حاشيته (رد المحتار على الدر المختار): «حامل ماتت وولدها حي يضطرب يشق بطنها من الأيسر ويخرج ولدها، ولو مات الولد في بطنها وهي حية وخيف على الأم قطع وأخرج، بخلاف ما لو كان حيًّا، ولو بلع مال غيره ولا مال له هل يشق؟ فيه قولان، والأولى نعم، وإن كانت حرمة الآدمي أعلى من صيانة المال لكنه أزال احترامه بتعديه، ولكن لو سقط في جوفه بلا تعد لا يشق اتفاقًا، كما لا يشق الحي مطلقًا لإفضائه إلى الهلاك»(8).

وجاء في المدونة في الفقه المالكي: «أيُبقر بطن الميتة إذا كان جنينها يضطرب في بطنها؟ قال: لا. قال سحنون: سمعت أن الجنين إذا استيقن بحياته وكان معقولًا معروف الحياة فلا بأس أن يُبقر بطنها ويستخرج الولد»(9).

وقال الخطيب الشربيني الشافعي (المتوفى: ٩٧٧هـ) في (مغني المحتاج): «لو دُفنت امرأة في بطنها جنين تُرجى حياته بأن يكون له ستة أشهر فأكثر نبشت وشق جوفها وأخرج تداركًا للواجب؛ لأنه يجب شق جوفها قبل الدفن، وإن لم ترج حياته لم تنبش»(10).

وقال فيه أيضًا: «ولو بلع مالًا لغيره وطلبه صاحبه ولم يضمن مثله أو قيمته أحد من الورثة أو غيرهم نُبش وشق جوفه وأُخرج منه ورد لصاحبه»(11).

هذه أهم نصوص الفقهاء في مسألة افتراضية تتعلق بشق بطن الميت، ولقد تعامل الفقهاء القدامى مع مسألة التشريح من باب الضرورة، سواء أكان ذلك لهدف الخوف على حي من الهلاك المتحقق كما في مسألة الجنين في بطن أمه، أو الخوف على هلاك ذي قيمة كما لو ابتلع درهمًا أو غيره.

وهذه المسألة الافتراضية تتطابق مع النازلة الفقهية وهي التشريح الطبي.

والتشريح في الطب: يطلق على العلم الذي بحث في تركيب الأجسام العضوية وتقطيعها عمليًّا وتشقيقها للفحص الطبي.

فهو علم تُعرف به أعضاء الإنسان بأعيانها وأشكالها وأقدارها وأعدادها وأصنافها وأوضاعها ومنافعها.

وقد يكون التشريح لتشخيص المرض وقصد العلاج، وهو مباح بلا خلاف، وهو ما يسمى بـ«التشريح المرضي» ليُعرف بدقة تأثير ذلك المرض في المتوفى.

أو يكون لهدف التعليم، وهو ما يسمى بـ«التشريح العلمي» ليكون على دراية تامة ومعرفة كاملة بأعضاء الجسم ووظائفه.

إلا أنه إذا كان مما يُستغنى عنه أو قد سبق من قبل المختصين فلا شك أنه قد يعتمد على الخبرة السابقة عن طريق من سبق في هذا الموضوع، والضرورة إن كانت فبقدرها لما في ذلك من سد للذرائع.

وقد يكون التشريح في حالة ما لو كانت الوفاة بسبب اعتداء لمعرفة المتهم، وهذا ما يسمى بـ«التشريح الجنائي»، وهذا النوع جائز ولكن بشرط عدالة المشرحين؛ لتكون معتبرة شرعًا ضمن الحدود المشروعة.

ومن نصوص الفقهاء القدامى السابقة يتضح أنه من الجائز شرعًا جواز شق بطن الحامل لاستخراج ولدها الذي تُرجى حياته؛ لأن مصلحة إنقاذ الحي أعظم من مفسدة هتك حرمة الميت؛ فقد أجاز فقهاء الحنفية والشافعية شق بطن الميتة لغرض أهم من انتهاك حرمة الميت، وذلك من أجل حي يضطرب في بطنها.

وإذا كان غالب أقوال الفقهاء القدامى يرمي إلى جواز شق بطن الميت لمصلحة الحي أو المرجى حياته فإنه ينطبق عليه كذلك تشريح الجثة لمصلحة راجحة إن وُجدت، وتلك مصلحة تتعلق بالحي، وهو أولى من الميت، حتى إن البعض ذهب إلى جواز شق البطن من أجل ابتلاع مال، وفي التشريح مصلحة إحياء نفوس قد تكون بريئة.

٥-إبرام العقود بوسائل الاتصال الحديثة:

يقول الإمام النووي الشافعي (المتوفى: ٦٧٦هـ) في (المجموع): «لو تناديا وهما متباعدان وتبايعا صح البيع بلا خلاف»(12).

فهذه المسألة من الفقه الافتراضي لدى فقيه كبير من فقهاء الشافعية.

وهي تعد تأصيلًا لنازلة فقهية هي: إبرام العقود بوسائل الاتصال الحديثة، حيث يتم إبرام التعاقد من خلال هذه الوسائل عن طريق اللفظ فيتم الإيجاب والقبول بين الطرفين، ففي قول الإمام النووي رحمه الله: «لو تناديا وهما متباعدان وتبايعا؛ صح البيع بلا خلاف» نجد أن العقد هنا كالعقد بين شخصين بعيدين لا يرى أحدهما الآخر ولكنه يسمعه.

والمقصود بوسائل الاتصال الحديثة الهاتف والفاكس والتلكس والإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.

ولتصوير هذه المسألة نقول:

للعقد في اصطلاح الفقهاء معنيان: عام وخاص.

فالمعنى العام يطلق على كل التزام تعهد به الإنسان على نفسه، سواء كان يقابله التزام آخر أو لا، وسواء كان التزامًا دينيًّا كالنذر أو دنيويًّا كالبيع ونحوه.

والمعنى الخاص للعقد هو ربط أجزاء التصرف بالإيجاب والقبول.

وهذا المعنى هو الشائع المشهور في كتب الفقه.

وعلى ذلك فإن الإيجاب والقبول هما شرط انعقاد العقد؛ فالانعقاد هو تعلق كل من الإيجاب والقبول بالآخر على وجه مشروع يظهر أثره في متعلقهما.

وأما فيما يتعلق باجتماع المتعاقدين فقد اشترط الجمهور وجود العاقدين اللذين يصدران العقد.

ومما صار معلومًا أن الوجود على نوعين:

النوع الأول: وجود حقيقي للمتعاقدين بنفسيهما في الزمان والمكان.

الثاني: وجود يعبر عن الوجود الحقيقي، وذلك في التعاقد عبر الإلكترونيات.

والإيجاب والقبول الذي اشترطه الجمهور لا يتحقق إلا بوجود العاقدين في مكان العقد، والتعاقد عن طريق الهاتف أو الراديو أو التليفزيون إذا كان في الأخيرين نقلًا حيًّا مباشرًا من قبيل التعاقد بين حاضرين، ومن ثم يكون مجلس العقد مجلسًا حقيقيًّا؛ وذلك لسماع كل من المتعاقدين الآخر في الوقت نفسه، وفَهْمه عبارة الآخر من غير فارق زمني بين صدور الإيجاب والعلم به، والإعلان عن القبول والعلم بحيث يتحقق في آن واحد، كما لو كانا في مجلس يجمعهما مكان واحد.

فهذه الأجهزة أو الوسائل جميعها تقوم باستقبال الإيجاب من الطرف الأول، والذي قد يكون مكتوبًا كما هو الحال في الفاكس والتلكس والبريد الإلكتروني، وقد يكون عبارة عن حوار صوتي فقط أو حوار صوتي مقترن بالصورة كما هو الحال في الهاتف والإنترنت، فيتم تحويلها إلى إشارات كهربائية أو موجات كهرومغناطيسية حسب نوع تقنية الجهاز المرسل، فتنتقل هذه الإشارات أو الموجات عبر الأسلاك أو الأقمار الصناعية ليتم استلامها من طرف جهاز المرسل إليه، والذي بدوره يقوم بترجمة هذه الإشارات والموجات بحسب نوع الجهاز إلى كتابات مطبوعة أو إلكترونية أو حوار صوتي مرئي أو صوتي فقط.

فاجتماع الطرفين متحقق في التعاقد عبر الهاتف وما يشبهه حكمًا، مع أن كلًّا منهما في مكان آخر غير المكان الذي يوجد فيه الآخر.

وهذا ما قرره المجمع الفقهي الإسلامي المنعقد في جدة، فقد جاء في القرار: «١-إذا تم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد، ولا يرى أحدهما الآخر معاينة، ولا يسمع كلامه، وكانت وسيلة الاتصال بينهما الكتابة أو الرسالة أو السفارة (الرسول)، وينطبق ذلك على البرق والتلكس والفاكس وشاشات الحاسب الآلي (الكومبيوتر)؛ ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه وقبوله.

٢ – إذا تم التعاقد بين طرفين في وقت واحد وهما في مكانين متباعدين، وينطبق هذا على الهاتف واللاسلكي، فإن التعاقد بينهما يعتبر تعاقدًا بين حاضرين، وتطبق على هذه الحالة الأحكام الأصلية المقررة لدى الفقهاء».

٦-فكرة «بنوك الحليب»:

افترض فقهاؤنا رحمهم الله مسألة صورتها: لو تحول اللبن إلى جبن وأكله في الخبز أو خُلط بماء أو بلبن آخر آدمي أو بهيمة، أو تم أخذه بحقنة، هل هذه الحالات تنطبق عليها أحكام الرضاعة من حيث التحريم؟

ومن أهم نصوص الفقهاء في هذه المسألة:

قال الكاساني الحنفي (المتوفى: ٥٨٧هـ) في كتاب (بدائع الصنائع): «وكذا يستوي فيه لبن الحية والميتة بأن حلب لبنها بعد موتها في قدح فأوجر به صبي يحرم عندنا. وقال الشافعي: لبن الميتة لا يحرم، ولا خلاف في أنه إذا حلب لبنها في حال حياتها في إناء فأوجر به الصبي بعد موتها أنه يثبت به الحرمة»(13).

وقال السرخسي الحنفي (المتوفى: ٤٨٣هـ) في كتاب المبسوط: «ولو وضع لبن امرأة في طعام فأكله الصبي، فإن كانت النار قد مست اللبن وأنضجت الطعام حتى تغير فليس ذلك برضاع، ولا يحرم؛ لأن النار غيرته فانعدم بها معنى التغذي باللبن، وإنبات اللحم، وإنشاز العظم، وإن كانت النار لم تمسه فإن كان الطعام هو الغالب لا تثبت به الحرمة في قول أبي حنيفة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد تثبت به الحرمة؛ لأن الحكم للغالب، والغالب هو اللبن ولم يغيره شيء عن حاله»(14).

وقال أيضًا: «فأما إذا خلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى ثم أوجر منه صبيًّا فعلى قول محمد تثبت الحرمة منهما جميعًا، وعند أبي يوسف تثبت به الحرمة بينه وبين من يكون لبنها غالبًا، وعن أبي حنيفة فيه روايتان: في إحداهما: اعتبر الأغلب، وفي الأخرى قال: تثبت الحرمة منهما، وهو قول زفر»(15).

وقال ابن قدامة الحنبلي في المغني: «وإن عُمل اللبن جبنًا ثم أطعمه الصبي ثبت به التحريم. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يحرم به؛ لزوال الاسم. ولنا: أنه واصل من الحلق، يحصل به إنبات اللحم وإنشاز العظم، فحصل به التحريم كما لو شربه»(16).

من هذه النصوص للفقهاء القدامى يتبين لنا أن الله تعالى آتاهم البصيرة وسعة الأفق وقوة الإدراك، فقد تحدثوا عن الرضاعة وسقي اللبن من غير التقام الثدي، بل إنهم تعرضوا إلى حكم اللبن لو تحول إلى جبن وأكله في الخبز أو خُلط بماء أو بلبن آخر آدمي أو بهيمة، أو تم أخذه بحقنة، وهل يؤدي ذلك إلى أن تنطبق عليه أحكام الرضاعة من حيث التحريم، وقد وقع ما توقعه فقهاؤنا؛ فظهرت نازلة فقهية في العصر الحديث هي نازلة «بنوك الحليب».

وتتلخص فكرة بنوك الحليب في جمع اللبن من أمهات متبرعات أو بأجرٍ مما في أثدائهن من اللبن، إما لكونه فائضًا عن حاجة أطفالهن، وإما لكون الطفل قد توفي وبقي في الثدي اللبن. ويؤخذ هذا اللبن بطريقة معقمة من المتبرعة، ويحفظ في قوارير معقمة بعد تعقيمه مرة أخرى في بنوك الحليب. ولا يجفف هذا اللبن، بل يبقى على هيئته السائلة حتى لا يفقد الخاصية التي وضعها الله تعالى فيه واختصه بها، وهي ما يحتوي عليه من مضادات الأجسام التي لا توجد إلا في اللبن الإنساني.

ثم يُعطى هذا اللبن أو يُباع لمن هم في أشد الحاجة إليه أو لأمهات الأطفال اللاتي لا يستطعن القيام بإرضاعهم.

وهذه الفكرة قامت على غرار فكرة بنوك الدم حيث يُجمع ويحفظ حسب الطرق والمواصفات العلمية ليقدم للمحتاجين إليه إنقاذًا لحياتهم؛ إذ إن لبن الأم هو أفضل غذاء للطفل لما يحتوي عليه من قيمة غذائية تتناسب مع تطور عمر الطفل، ولما يمنحه للطفل من مناعة ضد كثير من الأمراض.

ويكون هذا اللبن للأطفال الذين وُلدوا قبل تسعة أشهر، أو للأطفال ناقصي الوزن عند الولادة رغم أنهم قد أكملوا مدة الحمل الطبيعية أو غير ذلك.

والقصد من إنشاء بنوك اللبن هو إنقاذ الأطفال الذين هم بحاجة ماسة للبن الإنساني في وقت لا تستطيع فيه أمهاتهن القيام بالرضاعة.

وقد أُنشئت بنوك الحليب في أوروبا، ولا يوجد الآن إلا في مراكز معدودة في بعض البلاد المتقدمة، ولا يوجد في بلاد المسلمين لصعوبة تنفيذه ولعدم الحاجة إليه، وبرغم ذلك تعرض الفقهاء القدامى لهذه المسألة بما أوتوا من بصيرة وقوة إدراك.

والفقهاء المعاصرون تجاه هذه المسألة ما بين مبيح ومحرم(17).

٧-الصلاة في الطائرة:

نص الفقهاء القدامى على جواز الصلاة في الهواء وفي أرجوحة معلقة ما دام مستقرًّا، وقال بذلك الحنفية والشافعية خلافًا للحنابلة.

جاء في كشاف القناع للإمام البهوتي الحنبلي (المتوفى ١٠٥١هـ): «لا تصح الصلاة في أرجوحة أو معلق في الهواء أو ساجد على هواء ما قدامه أو على حشيش أو قطن أو ثلج ولم يجد حجمه ونحو ذلك؛ لعدم المكان المستقر عليه»(18).

وجاء في حواشي الشرواني الشافعي (المتوفى١٣٠١ هـ): «يجوز لو كان على سرير يحمله رجال وإن مشوا، أو في أرجوحة معلقة بحبال أو في الزورق الجاري، ولا يجوز لمن يصلي فرضًا في سفينة ترك القيام إلا من عذر كدوران رأس ونحوه، فإن حولتها الريح فتحول صدره عن القبلة وجب رده إليها، ويبني إن عاد فورًا وإلا بطلت صلاته»(19).

وقال الإمام الرملي الشافعي (المتوفى ١٠٠٤هـ) في نهاية المحتاج: «(ولو صلى) شخص (فرضًا) عينيًّا أو غيره (على دابة واستقبل) القبلة (وأتم ركوعه وسجوده) وبقية أركانه بأن كان فـي نحـو هودج (وهي واقفة) وإن لم تكن معقولة، أو كان على سرير يمشي به رجال أو في زورق أو أرجوحة معلقة بحبال (جاز) لاستقرار ذلك في نفسه» اهـ(20).

فهذه المسألة الافتراضية من الفقهاء القدامى تتفق مع نازلة فقهية هي الصلاة في الطائرة؛ حيث إن المصلي لا يكون مستقرًّا على الأرض بل تكون صلاته على سطح متحرك؛ وذلك –حسبما افترض الفقهاء- كما لو كان على ظهر دابة أو في هودج أو سرير يحمله رجال وإن مشوا أو في أرجوحة معلقة بحبال أو في زورقٍ جارٍ، وذلك بجامع التعليق في الهواء ولو في الصورة.

وهذا التعليل الأخير من الإمام الرملي مُطرد في الطائرة؛ فالبقعة التي يصلي عليها المصلي في الطائرة مستقرة في نفسها، واستقرار المصلي عليها وتمكينه لأعضاء سجوده من الأرض حاصل بلا إشكال، فتصح الصلاة فيها كما صحت في الزورق والأرجوحة، وبهذا أيضًا يندفع إيراد أن الطائرة لا تكون ساكنة مستقرة حال طيرانها، فهي وإن كانت غير مستقرة أو ساكنة في الظاهر إلا أن محل الصلاة مستقر في نفسه.

كما يمكن قياس الصلاة في الطائرة على الصلاة في السفينة؛ فالطائرة حال طيرانها تشبه السفينة في أن كلًّا منهما لا يتصل بالأرض مباشرة حال سيره، والصلاة في السفينة قد قرر العلماء صحتها من حيث الجملة، وممن أطلق صحة الصلاة في السفينة فقهاء الشافعية والحنابلة:

قال الإمام النووي من الشافعية: «وتصح الفريضة في السفينة الواقفة والجارية والزورق المشدود بطرف الساحل بلا خلاف إذا استقبل القبلة وأتم الأركان»(21).

وجاء في كشاف القناع من كتب الحنابلة: «(ومن أتى بالمأمور) أي بجميع ما أمر به (من كل ركن ونحوه) وهـو الشروط والواجبـات (للصلاة وصلى عليها) أي الراحلة (بلا عذر) من مطر ونحوه (أو) صلى (في سفينة ونحوها) كمحفة (ولو جماعة من أَمْكَنَه الخروج منها واقفة) كانت (أو سائرة صحت) صلاته لإتيانه بما يعتبر فيها»(22).

وعند التأمل فإنه لا يوجد بين الصلاة في السفينة والصلاة في الطائرة فرق مؤثر يوجب اختلافهما في الحكم، والمقرر في علم الأصول أن الأصل إذا لم يكن بينه وبين الفرع فارق مؤثر اتحدا في الحكم، وهو ما يسميه الأصوليون بالقياس في معنى الأصل أو الجمع بنفي الفارق، ومثاله: قياس البول في إناء وصبه في الماء الراكد على البول فيه في المنع بجامع أن لا فارق بينهما في مقصود المنع الثابت بالحديث الوارد في النهي أن يبال في الماء الراكد.

فكون الطائرة تجري في الهواء والسفينة تجري على الماء لا يعتبر هذا فارقًا مؤثرًا، فالماء كما أنه جِرمٌ فإن الهواء أيضًا يعتبر جِرمًا، وهذا هو المدرك بالحواس؛ كما في قربة تملأ هواء، فلو لم يكن الهواء جرمًا ما شغل حيزًا من الفراغ.

وقد علل بعض العلماء صحة الصلاة في السفينة بأنها لمسيس الحاجة الداعية إليها، وتعذر الخروج عنها للصلاة. قال الرافعي في الشرح الكبير: «وليست الدابة للاستقرار عليها، وكذلك القول في الأرجوحة المشدودة بالحبال؛ فإنها لا تُعد في العرف مكان التمكن، وهو مأمور بالتمكن والاستقرار، وهذا بخلاف السفينة حيث تصح الصلاة فيها وإن كانت تجري وتتحرك بمن فيها كالدواب تتحرك بالراكبين؛ لأن ذلك إنما يجوز لمسيس الحاجة إلى ركوب البحر وتعذر العدول في أوقات الصلاة عنه؛ فجعل الماء علي الأرض كالأرض، وجعلت السفينة كالصفائح المبطوحة علي الأرض»(23).

وهذا التعليل منطبق تمامًا على الصلاة في الطائرة، بل الحاجة إليه أشد والتعذر أقوى.

كما أن عدم السكون والاستقرار هو في السفينة أظهر؛ لأنها أكثر عرضة للاضطراب والأمواج، فإذا صحت فيها مع هذا فلأن تصح في الطائرة أولى لكون محل الصلاة مستقرًّا في نفسه، ولهذا أجمع المعاصرون على جواز الصلاة في الطائرة لمن خاف خروج الوقت(24).

٨-إدراك الوقت مرة أخرى بعد أداء الصلاة عند وصوله إلى البلد الآخر بالطائرة:

افترض فقهاؤنا رحمهم الله مسألة مفادها: لو أن رجلًا صلى العصر في المشرق ثم ذهب إلى المغرب فأدركه وقت العصر مرة أخرى فهل يجب عليه الإعادة؟

ومن أهم نصوص الفقهاء في هذه المسألة:

جاء في مواهب الجليل للإمام الحطاب المالكي (المتوفى ٩٥٤هـ): «مسألة من نوادر أحكام الأوقات: إذا زالت الشمس ببلد من بلاد المشرق وفيها ولي فطار إلى بلد من بلاد المغرب فوجد الشمس كما طلعت، فقال بعض العلماء: إنه مخاطب بزوال البلد الذي يوقع فيها الصلاة؛ لأنه صار من أهلها.

(قلت:) وانظر على هذا لو صلى الظهر في البلد الذي زالت عليه فيه الشمس ثم جاء إلى البلد الآخر، والظاهر أنه لا يطالب بإعادة الصلاة؛ لأنه كان مخاطبًا بزوال البلد الذي أوقع فيها الصلاة، وسقط عنه الوجوب بإيقاعها فيه، ولم يكلف الله بصلاة في يوم واحد مرتين فانظره»(25).

وقال الإمام ابن حجر الهيتمي (المتوفى ٩٧٣ هـ) في تحفة المحتاج: «ولو غربت الشمس في بلد فصلى المغرب، ثم سافر إلى بلد آخر فوجد الشمس لم تغرب فيه وجب عليه إعادة المغرب»(26).

وقد اختلف الفقهاء القدامى في هذه المسألة فمذهب المالكية أنه لا إعادة عليه، ومذهب الشافعية أنه تجب عليه الإعادة في البلد التي وصل إليها.

وهذه المسألة الافتراضية تنطبق تمامًا مع نازلة فقهية هي حضور الوقت مرة أخرى بعد أداء الصلاة عند وصوله إلى البلد الآخر بالطائرة، فمن صلى الظهر في بلده ثم سافر بالطائرة إلى بلد آخر ووجد أن وقت صلاة الظهر فيها لم يدخل بعد، فهل تجب عليه الصلاة مرة أخرى أم تجزئه الصلاة في البلدة التي سافر منها؟

وقد ذهب جمهور العلماء المعاصرين إلى عدم الإعادة على من صلى في بلد ثم انتقل إلى بلد آخر ووقت الصلاة لم يوجد بعد(27).

٩-من لم يجد علامة بعض أوقات الصلاة:

تعرض الفقهاء القدامى لمسألة افتراضية صورتها: من فقد علامة وقت أحد فروض الصلاة، كما لو كان في بلد يطلع فيه الفجر قبل أن تغرب الشمس أو يغيب الشفق، هل تجب عليه صلاة العشاء أم لا؟

ومما جاء من نصوص الفقهاء في هذه المسألة:

قال الإمام الزيلعي الحنفي (المتوفى ٧٤٣ هـ) في تبيين الحقائق: «(ومن لم يجد وقتهما لم يجبا) أي من لم يجد وقت العشاء والوتر، بأن كان في بلد يطلع الفجر فيه كما تغرب الشمس، أو قبل أن يغيب الشفق لم يجبا عليه لعدم السبب وهو الوقت. وذكر المرغيناني أن الشيخ برهان الدين الكبير أفتى بأن عليه صلاة العشاء، ثم أنه لا ينوي القضاء في الصحيح لفقد وقت الأداء، وفيه نظر؛ لأن الوجوب بدون السبب لا يعقل، وكذا إذا لم ينوِ القضاء يكون أداء ضرورة، وهو فرض الوقت، ولم يقل به أحد»(28).

وقال الإمام الحطاب المالكي (المتوفى ٩٥٤ هـ) في (مواهب الجليل): «ومثل ذلك الأيام التي تحجب الشمس فيها عن الطلوع عند إرادة الله -سبحانه وتعالى- طلوعها من مغربها، ذكره ابن فرحون في الألغاز، وقال: هذا الحكم نص عليه الشارع.

(قلت): ومثله ما ذكره القرافي في كتاب اليواقيت عن الشافعية في قطر يطلع فيه الفجر قبل غروب الشفق، قال: فكيف يصنع بالعشاء؟ وهل تصلى الصبح قبل مغيب الشفق؟ وهل يحكم على العشاء بالقضاء؟ فذكر عن إمام الحرمين أنه قال: لا تصلى العشاء حتى يغيب الشفق، ولا تكون قضاء لبقاء وقتها، ويتحرى بصلاة الصبح فجر من يليهم من البلاد، ولا يعتبر الفجر الذي لهم»(29).

وجاء في (تحفة المحتاج) لابن حجر الهيتمي: «لو أن قومًا مكثت الشمس طالعة عندهم مدة طويلة فإنهم يقدرون للصلاة»(30).

وجاء في (حاشية الروض المربع): «وفاقد وقتها كبُلْغار -اسم مدينة- مكلف بهما فيقدر لها كما يقدر في أيام الدجال؛ لما ثبت في صحيح مسلم قال: فاقدروا له، وأيام الدجال أربعون يومًا، يوم كسنة، فيصلي فيه صلاة سنة، ويوم كشهر، فيصلي فيه صلاة شهر، ويوم كجمعة فيصلي فيه صلاة جمعة، وباقي الأيام كأيامنا فيقدر في الثلاث الأول مقدار الوقت، فكذا في بلغار ونحوها فإنه يطلع الفجر في بلغار قبل غروب الشفق في أربعينية الشتاء»(31).

ويتبين من هذه النصوص وغيرها أن الفقهاء القدامى اختلفوا في وجوب صلاة الوقت الذي فُقدت علامته على قولين:

الأول: تجب صلاة الوقت، وهو مذهب الجمهور.

الثاني: تسقط ولا تجب صلاة الوقت، وهو قول متقدمي الحنفية.

وقد استدل القائلون بوجوب صلاة الوقت بحديث الدجال، وفيه: «قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره(32)». فقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم أداء جميع الصلوات عن طريق تقدير أوقاتها.

واستدل القائلون بسقوط وجوب صلاة الوقت بأن الله تعالى جعل لوجوب الصلاة أسبابًا وشروطًا، ومنها دخول الوقت وقد عُدم هنا، والوجوب بدون سبب لا يُعقل.

واختلف القائلون بالوجوب في معنى التقدير، والراجح هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو أنه تقدير بأقرب البلاد إليها ما لم يؤد اعتبار ذلك إلى خروج الوقت المحسوس للفريضة الأخرى.

وهذه المسألة الافتراضية تتشابه مع نازلة فقهية، وهي أن بعض بلاد العالم يستمر فيها الليل أو النهار ساعات طويلة وربما كان أشهرًا، وبعض البلاد بالعكس فيقصر فيها ذلك جدًّا بحيث لا يتسع لأوقات الصلوات الخمس، فكيف يمكن أن تؤدى صلوات النهار وصلوات الليل لمن ساد عندهم النهار أو الليل؟

وتنطبق هذه المسألة الافتراضية على البلاد التي يكون فيها فقد لعلامة أحد الأوقات كالعشاء أو الفجر، ومن باب أولى على البلاد التي قد يمتد فيها الليل أو النهار أشهرًا، وقد ذهب جمهور العلماء المعاصرين إلى وجوب الصلاة على من فقد علامة ولو وقتًا واحدًا بالتقدير إلى أقرب البلاد إليها التي تتمايز فيها أوقات الصلاة، وهذا القول هو الذي أقره المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة والتاسعة(33).

١٠-فسخ نكاح من أصيب بمرض الإيدز:

تحدث الفقهاء القدامى عن مسألة فسخ النكاح بين الرجل والمرأة بسبب العيوب.

وقد ذكرت المذاهب المختلفة العيوب ذاتها وإن اختلفت المصطلحات وطريقة التعبير عنها، إلا أن العبرة بالمسميات لا بالأسماء.

جاء في بدائع الصنائع للكاساني الحنفي: «قال محمد بن الحسن: كل عيب لا يمكنها المقام معه إلا بضرر كالجنون والجذام والبرص يمكنها الفسخ»(34).

وجاء في شرح الشيخ الدردير المالكي (المتوفى١٢٠١ هـ) على مختصر خليل: «أن العيوب في الرجل والمرأة ثلاثة عشر؛ أربعة يشتركان فيها، وهي: الجنون والجُذام والبَرَص والعِذْيَطة، وأربعة خاصة بالرجل: الجَب والخِصاء والاعتراض والعُنة، وخمسة خاصة بالمرأة، وهي: الرتَق والقَرَن والعَفَل والإفضاء والبَخَر»(35).

والعذيطة: حدث الغائط عند الجماع. والجب: هو قطع الذكر كله أو بعضه بحيث لا يبقى منه ما يتأتى به الوطء. والخصاء: هو فقد الخصيتين خلقة أو بقطعٍ أو سل لهما. والاعتراض: هو أن يكون بصفة من يطأ ولا يطأ، وربما كان في امرأة دون أخرى، أو بعد وطء. والعنة: هو كونه ذا ذكر لا يمكن به جماع؛ لشدة صغره، أو دوام استرخائه. والرتق: هو انسداد محل الجماع بلحم. والقرن: عظم يظهر في محل الجماع كقرن الشاة. والعفل: لحم يبرز في قبلها، وهو من الرتق. والإفضاء: اختلاط مسلكي المني والبول، أو مسلكي البول ومخرج الغائط. والبخر: هو نتن الفَرْج.

وجاء في المنهاج للإمام النووي الشافعي: «لو وجد أحد الزوجين بالآخر جنونًا أو جذامًا أو برصًا، أو وجدها رتقاء أو قرناء أو وجدته عنينًا أو مجنونًا ثبت الخيار في فسخ النكاح»(36).

ولم يتوقف الشافعية عند عدد معين من العيوب التي ذكروها بل قالوا: إنه يقاس بالعنين كبير الآلة بحيث لا تسع حشفته امرأة، كما عدوا من عيوب الرجل كونه مشعر الإحليل.

قال الخطيب الشربيني الشافعي (المتوفى ٩٧٧هـ) في مغني المحتاج: «وعلى هذا يقاس بالعنين كبير الآلة بحيث لا تسع حشفته امرأة، وبه صرح الغزالي في الديات، وأغرب الخفاف فعد في عيوب الرجل كونه مشعر الإحليل. قال الزركشي: وينبغي على قياسه كون المرأة خشنة المدخل بحيث يتأذى المدخل»(37).

وهذا يدل على عدم الاقتصار على عدد معين من العيوب، وإنما كانت هذه العيوب من باب التمثيل لا من باب الحصر والتحديد، فإن ما يشابهه من عيوب يدخل في إمكانية الفسخ بين الزوجين، وكانت هذه نظرة طبية ثاقبة مستقبلية من الشافعية، حيث إمكانية حدوث أمراض أخرى في أزمان متقدمة، وهذا ما يثبته المنطق والزمن.

يقول الإمام ابن القيم (المتوفى ٧٥١هـ) في زاد المعاد: «وأما الاقتصار على عيبين أو ستة أو سبعة أو ثمانية دون ما هو أولى منها أو مساوٍ لها فلا وجه له؛ فالعمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين، أو الرجلين أو إحداهما أو كون الرجل كذلك من أعظم المنفرات، والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش، وهو منافٍ للدين، والإطلاق إنما ينصرف إلى السلامة فهو كالمشروط عرفًا… والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار وهو أولى من البيع، كما أن الشروط المشترطة في النكاح أولى بالوفاء من شروط البيع، وما ألزم الله ورسوله مغرورًا قط ولا مغبونًا بما غر به وغبن به، ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما اشتمل عليه من المصالح لم يخف عليه رجحان هذا القول وقربه من قواعد الشريعة»(38).

فدل كلام الإمام ابن القيم على أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار، ويدخل في هذا -بلا شك- مرض الإيدز فهو مرض يسبب نفور الغير من المصاب به، كما أنه معدٍ لغيره من الناس وتنتقل العدوى بالاتصال الجنسي؛ فيصاب الصحيح بهذا الفيروس الخطير سواء كان رجلًا أو امرأة. فهو شبيه بالجذام والبرص مما يجعل أحد الزوجين يخاف من قربان الآخر خوفًا من انتقال العدوى.

١١-نقل الزكاة لبلد آخر للحملات الإغاثية:

ذكر الفقهاء القدامى في كتبهم مسألة افتراضية، وهي من حلت بماله الزكاة وأراد إخراجها إلى من هو أحوج في غير بلده، فهل له ذلك ويجزئه إن فعل أو لا يجزئه؟

ومما جاء من نصوص في هذه المسألة:

ما ذكره الزيلعي الحنفي (المتوفى ٧٤٣ هـ) في تبيين الحقائق فقال: «(وكره نقلها إلى بلد آخر لغير قريب وأحوج) أي كره نقل الزكاة إلى بلد آخر لغير قريب ولغير كونهم أحوج فإنْ نَقَلَها إلى قرابته أو إلى قوم هم إليها أحوج من أهل بلده لا يكره»(39).

وجاء في المدونة عن الإمام مالك: «ولو أن أهل المدن كانوا أغنياء وبلغ الإمام عن بلد آخر حاجة نزلت بهم أصابتهم سنة أذهبت مواشيهم أو ما أشبه ذلك، فنقلت إليهم بعض تلك الصدقة رأيت ذلك صوابًا لأن المسلمين أسوة فيما بينهم إذا نزلت بهم الحاجة»(40).

وجاء في المدخل لابن الحاج المالكي (المتوفى ٧٣٧هـ): «ويتعين عليه إذا وجبت عليه الزكاة في بلد فليخرجها في ذلك البلد الذي هو فيه. وكذلك يتعين عليه إذا كانت له سلعة في بلاد متفرقة أن يخرج الزكاة عنها في مواضعها التي هي فيها حتى يسلم من نقل الزكاة من الموضع الذي وجبت فيه الزكاة إلى غيره فإن ذلك لا يجوز. اللهم إلا أن تدعو ضرورة شرعية كغلاء يقع في موضع فتزيد حاجتهم بسبب ذلك فيجوز النقل إليهم والحالة هذه، وأما مع عدمها فيمنع من نقلها؛ لأنه غصب لما استحقه فقراء ذلك الموضع في عين ذلك المال فهم شركاء لهم فيه بذلك القدر الذي وجب لهم فيه فليحذر من ذلك»(41).

وفي اللباب في الفقه الشافعي لأبي الحسن ابن المحاملي (المتوفى ٤١٥ هـ): «ولا يجوز نقل الصدقة من بلد إلى بلد آخر مع وجود مستحقيها، وفيه قول آخر: أنه يجوز»(42).

وجاء في المغني لابن قدامة: «مسألة: قال: (ولا يجوز نقل الصدقة من بلدها إلى بلد تقصر في مثله الصلاة) المذهب على أنه لا يجوز نقل الصدقة من بلدها إلى مسافة القصر. قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن الزكاة يبعث بها من بلد إلى بلد؟ قال لا. قيل: وإن كان قرابته بها؟ قال: لا. واستحب أكثر أهل العلم أن لا تُنقل من بلدها»(43).

ومن هذه النصوص وغيرها يتضح أن الفقهاء اتفقوا على جواز نقل الزكاة إلى بلد آخر عند عدم وجود مستحق لها، كما لو كان أهل البلد أغنياء أو فضل عنهم فاضل.

بينما اختلفوا في نقلها بعد تمام الحول إلى بلد آخر لشدة حاجته أو لوجود قريب مع وجود مستحق لها في البلد على أقوال: هي الكراهة والجواز مطلقًا والحرمة.

وهذه المسألة الافتراضية تتشابه مع نازلة فقهية وهي نقل الزكاة لإغاثة الشعوب الإسلامية في بعض البلدان، حيث تشهد الأمة الإسلامية في عصرنا الحاضر كثيرًا من المآسي والمصائب في بعض البلدان، نتيجة للحروب الأهلية أو الثورات أو الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات؛ مما يترتب على ذلك من تشريد وفقر ومجاعات، واستجابة لأمر الله تعالى ورسوله في وجوب تكافل الأمة وتفريج كربات المسلمين تقوم بعض البلاد الإسلامية بإنشاء حملات إغاثية على مستوى البلد كافة لجمع الأموال ودفعها إلى البلد المنكوب.

وقد لا يجد من يشارك في هذا الخير سوى زكاة ماله فهل له دفعها إلى ذلك البلد المنكوب أم يجب صرفها على مستحقي بلده فقط؟

وتطبيق المسألة الافتراضية على هذه النازلة الفقهية يختلف بحسب كل بلد ومستوى غناه وفقره، وبناء على ذلك يجري فيها الخلاف الحاصل في نقل الزكاة.

وقد ذهب كثير من الفقهاء المعاصرين إلى جواز نقل الزكاة إن كان لمصلحة أعظم إلى بلد آخر غير بلد المزكي(44).

١٢-منظار المعدة وأثره على الصيام:

ذكر الفقهاء القدامى مسألة افتراضية صورتها: من أدخل في فمه ما ليس بأكل أو شرب أثناء صيامه ووصل إلى معدته فهل يؤثر هذا الداخل على صيامه أم لا؟

وفيما يأتي أهم نصوص الفقهاء في هذه المسألة:

جاء في المبسوط للإمام السرخسي الحنفي (المتوفى ٤٨٣ هـ): «ولو طعن برمح حتى وصل إلى جوفه لم يفطره؛ لأن كون الرمح بيد الطاعن يمنع وصوله إلى باطنه حكمًا، فإن بقي الزج في جوفه فسد صومه؛ لأنه صار مغيبًا حقيقة فكان واصلًا إلى باطنه، وهو قياس ما لو ابتلع خيطًا فإن بقي أحد الجانبين بيده لم يفسد صومه، وإن لم يبقَ فسد صومه»(45).

وفي البيان في مذهب الإمام الشافعي للعمراني (المتوفى ٥٥٨ هـ): «لو أخذ بيده خيطًا، وأدخله في حلقه حتى وصل شيء منه إلى جوفه أفطر به»(46).

وفي الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي الحنبلي: «ولو كان خيطًا ابتلعه كله أو بعضه، أو طعن نفسه، أو طعنه غيره بإذنه بشيء في جوفه، فغاب كله أو بعضه فيه فسد صومه»(47).

بينت هذه النصوص اختلاف الفقهاء في حكم ما يصل إلى المعدة ويستقر فيها مما هو ليس بأكل ولا شرب ولا في معناهما، كالحصاة والدرهم والخيط، والجمهور على أن الصائم يفطر بذلك، خلافًا لبعض الحنفية ومتأخري المالكية.

وهذه المسألة الافتراضية تتشابه مع نازلة فقهية هي منظار المعدة وأثره على الصوم، فإن الطبيب قد يلجأ إلى الكشف على النسيج الداخلي للجهاز الهضمي من المعدة والأمعاء وغيرها للمريض؛ لمعرفة أسباب المرض أو لأخذ عينة من العضو، وذلك يكون من خلال إجراء ما يسمى بالمنظار، وقد يكون هذا الإجراء للمريض حال صومه، وقياسًا على المسألة الافتراضية هل دخول منظار المعدة حال الصوم يكون مفسدًا للصيام أم لا؟

ومنظار المعدة جهاز طبي عبارة عن أنبوب طويل مرن غير سميك مزود بإضاءة وكاميرا صغيرة في نهايته، يدخل عبر الفم إلى البلعوم ثم إلى المريء ثم المعدة، لتصوير المعدة ليعلم ما فيها من قروح ونحوها، أو لاستخراج عينة صغيرة لفحصها أو لغير ذلك من الأغراض الطبية.

وتنطبق المسألة الافتراضية تمامًا على هذه النازلة الفقهية، من جهة دخول شيء لا غذاء فيه إلى جوف المعدة غير مستقر فيها مع بقاء طرف له في الخارج، وبناء على ذلك فالخلاف في هذه النازلة بين المعاصرين مبني على اختلاف الفقهاء القدامى في المسألة الافتراضية.

والذي عليه جمهور الفقهاء المعاصرين هو عدم الفطر بمنظار المعدة؛ معللين ذلك بأنه لا يفطر إلا المغذي وما استقر في المعدة(48).

١٣-زواج المسيار:

مما افترضه الفقهاء القدامى مسألة مفادها: لو تزوج امرأة على ألا يأتيها إلا نهارًا أو لا نفقة لها أو يعزل عنها، فهل يصح العقد؟

وفيما يلي أهم نصوص الفقهاء في هذه المسألة:

قال الإمام ابن نجيم الحنفي (المتوفى ٩٧٠ هـ) في البحر الرائق: «ولا بأس بتزوج النهاريات، وهو أن يتزوجها ليقعد معها نهارًا دون الليل، وينبغي أن لا يكون هذا الشرط لازمًا عليها، ولها أن تطلب المبيت عندها ليلًا لما عرف في باب القسم»(49).

وفي مواهب الجليل للإمام الحطاب المالكي (المتوفى ٩٥٤ هـ): «السادس: أن يتزوجها على أن لا يأتيها إلا نهارًا، أو على أن يؤثرها على غيرها، أو على أن لا يعطيها الولد، أو لا نفقة لها، أو لا ميراث بينهما، أو على أن أمرها بيدها؛ فهذه شروط لا يصح الوفاء بها. واختلف في النكاح فقيل: يفسخ قبل وبعد. وقيل: يفسخ قبل ويثبت بعد، ويمضي على سنة النكاح ويسقط الشرط»(50).

وفي الكافي في فقه الإمام أحمد للإمام ابن قدامة (المتوفى ٦٢٠ هـ): «فصل: القسم الثاني: فاسد، وهو ثلاثة أنواع:

أحدها: ما يبطل في نفسه، ويصح النكاح، مثل أن يشرط عليها أنه لا مهر لها، أو الرجوع عليها بمهرها، أو لا نفقة لها عليه، أو أن نفقته عليها، أو لا يطؤها، أو يعزل عنها، أو يقسم لها دون قسم صاحبتها، أو ألا يقسم لها إلا في النهار، أو ليلة في الأسبوع ونحوه، فهذه الشروط باطلة في نفسها؛ لأنها تتضمن إسقاط حق يجب بالعقد قبل انعقاده فلم يصح، كإسقاط الشفعة قبل البيع. وقد نقل عن أحمد في النهاريات والليليات: ليس هذا من نكاح أهل الإسلام، وهذا يحتمل إفساد العقد»(51).

ويسمي الفقهاء القدامى هذا النوع من النكاح (نكاح النهاريات) نسبة إلى اشتراط وقت المجيء فيه.

  • ومن النصوص السابقة وغيرها نجد أن الفقهاء قد اختلفوا في صحة هذا الزواج وحكمه على قولين:
  • الأول: يصح الشرط والعقد، وهو مذهب الحنفية.
  • الثاني: الشرط باطل، واختلفوا في العقد على ثلاثة أقوال:

١-ينفسخ النكاح مطلقًا قبل الدخول وبعده، وهو قول لبعض المالكية، ووجه عند الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد.

٢-ينفسخ النكاح قبل الدخول ويثبت بعده، وهو مذهب المالكية.

٣-يصح النكاح، وهو المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة.

وما ذكره الفقهاء القدامى يتشابه مع نازلة فقهية، وهي ما يُعرف بزواج المسيار.

وهذا الاسم لم يكن موجودًا في زمن الفقهاء القدامى، فهو مسمى جديد عرف في الزمن الحالي في بعض البلدان لا سيما الخليج العربي، ولعل من أشهر تعريفاته: هو الزواج الشرعي المستوفي للأركان والشروط المتعارف عليها عند جمهور الفقهاء، ويتضمن تنازل الزوجة عن بعض حقوقها الشرعية على الزوج، مع عدم إثبات ذلك في العقد غالبًا.

وكلمة مِسْيار: صيغة مبالغة على وزن مِفْعال، فتقول: رجل مسيار وسيار: أي الرجل الكثير السير.

وسمي هذا النوع من النكاح بهذا الاسم لأن الزوج يسير إلى زوجته في أي وقت شاء، ولا يلتزم بالحقوق الزوجية التي يلزمه بها الشرع، فكأنه زواج السائر الماشي الذي يتخفف في سيره من الأثقال والمتاع.

وقد ظهر هذا النوع من النكاح لعدة أسباب، من أهمها:

١-القضاء على ظاهرة العنوسة وحل مشكلة المطلقات والأرامل.

٢-حاجة بعض النساء إلى البقاء في غير بيت الزوج؛ وذلك كأن يكون لدى المرأة أولاد تربيهم وهي مشغولة بهم، ولا يناسبها إلا مثل هذا الزواج.

٣-رغبة بعض الرجال بزيادة الاستمتاع؛ فقد تكون الزوجة الأولى كبيرة في السن، أو مشغولة بأولادها وبيتها، ولا يجد الرجل عندها رغبته فيتزوج مسيارًا.

٤-غلاء المهور وارتفاع تكاليف الزواج.

وبرغم التشابه بين المسألة الافتراضية والنازلة الفقهية إلا أن ثمة فروقًا بينهما: ففي نكاح النهاريات يلتزم الزوج بالبقاء يوميًّا عند الزوجة إلا أن هذا البقاء قد يكون ليلًا أو نهارًا، بينما نكاح المسيار لا يلتزم فيه الزوج بالبقاء يوميًّا وإنما يأتيها بحسب رغبته.

كما أن سبب نكاح النهاريات انشغال الرجل أو المرأة عن المبيت في الليل، بينما سبب نكاح المسيار في الغالب قضاء المتعة والفرار من تبعات الزواج لدى كلا الزوجين.

كما أنه في نكاح النهاريات يسقط المبيت ليلًا فقط، وفي نكاح المسيار يسقط المبيت بالكلية كما تسقط النفقة وحق الولد وغير ذلك من الحقوق.

ومن الفروق كذلك أن نكاح النهاريات لا يدخله التأقيت، بينما الغالب في زواج المسيار نية التأقيت طالت أو قصرت، مما يجعله شبيهًا بالنكاح بنية الطلاق.

وقد اختلف المعاصرون في حكم نكاح المسيار على قولين:

الأول: الإباحة مع الكراهة، وهو قول الجمهور، وبه صدر قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي.

الثاني: التحريم، وهو قول لبعض الفقهاء(52).

١٤-رتق غشاء البكارة:

افترض الفقهاء القدامى إمكان حدوث إعادة غشاء البكارة، وقد وردت في كتبهم النصوص الدالة على ذلك:

جاء في مغني المحتاج للخطيب الشربيني الشافعي (المتوفى ٩٧٧ هـ): «(وليس له تزويج ثيب) بالغة وإن عادت بكارتها كما صرح به أبو خلف الطبري في شرح المفتاح (إلا بإذنها)»(53).

وجاء في شرح الزركشي الحنبلي (المتوفى ٧٧٢ هـ) على مختصر الخرقي: «ولهذا قال الأصحاب: إن البكارة لو زالت بإصبع أو وثبة فهو كما لو لم تزل، في بقاء إذن البكر، لعدم المباضعة والمخالطة، وعكس هذا لو عادت بكارتها بعد زوالها بوطء، هي في حكم الثيب، ذكره أبو الخطاب أنه محل وفاق لوجود المباضعة»(54).

فقد تبين من هذه النصوص أن الفقهاء القدامى افترضوا إمكان إعادة البكارة بعد فقدانها.

ومن هذه النصوص وغيرها يتبين أن الفقهاء رحمهم الله اتفقوا على أن من فقدت بكارتها بعقد نكاح صحيح أو فاسد فهي ثيب، كما اتفقوا على أن من فقدت بكارتها بزنا مشهور فهي كالثيب في الإذن بالنطق، واتفقوا كذلك على أن من فقدت بكارتها بغير عقد أو زنا كالوثبة وشدة حيض وعود ونحوه فهي كالبكر في اعتبار إذنها بالصمات.

واختلفوا فيمن فقدت بكارتها بزنا غير مشهور على قولين:

الأول: أنها كالثيب في النطق، وهو مذهب الجمهور.

الثاني: أنها كالبكر في الإذن، وهو مذهب المالكية، وقول أبي حنيفة.

وتتشابه هذه المسألة الافتراضية مع مسألة معاصرة، وهي رتق غشاء البكارة، والبكر عند الفقهاء: هي المرأة التي لم توطأ في قُبُلها بنكاح صحيح ولا فاسد.

والمقصود برتق غشاء البكارة: إصلاح الفتق الحاصل في غشاء البكارة بعد تمزقه إلى ما كان عليه.

وبالتأمل في النصوص السابقة نجد أن الفقهاء القدامى ذكروا من عادت لها البكارة بعد فقدها هل يُحكم لها بحكم الأبكار أم الثيبات؟ دون بيان حكم الرتق نفسه.

وهذا ما دعا الفقهاء المعاصرين إلى بحث هذه المسألة في ندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية المنعقدة في الكويت في ٢٠ شعبان عام ١٤٠٧هـ/ الموافق ١٨ أبريل عام ١٩٨٧م، والتي انتهت باختلافهم حول حكم هذه الجراحة إلى رأيين:

الرأي الأول: ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى عدم جواز رتق غشاء البكارة للأسباب اللاإرادية.

الرأي الثاني: ذهب البعض إلى جواز رتق غشاء البكارة بسبب الاغتصاب أو كان الفتق لعلة خلقية أو استئصال أورام أو تدفق دم الحيض.

ولكل من الفريقين أدلته وحججه.

والحكم في هذه المسألة يعتمد على الموازنة بين المصالح والمفاسد، وهي ترجع إلى تقدير المفتي الذي يوازن بين المفاسد والمصالح المترتبة على هذا الرتق بالنظر في مقاصد الشرع وقواعد الشريعة من تقديم درء المفاسد على جلب المصالح ومن رفع الضرر وإزالته(55).

يقول الإمام ابن القيم: «ينبغي له -أي المفتي- أن يكون بصيرًا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذرًا فطنًا فقيهًا بأحوال الناس وأمورهم، يؤازره فقهه في الشرع، وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل، وباطنها مكر وخداع وظلم»(56).

١٥-إثبات النسب بالبصمة الوراثية:

تعرض الفقهاء القدامى لمسألة ثبوت النسب بماء الزوج، وبينوا أن سبب ثبوت النسب حقيقة هو كونه مخلوقًا من ماء الزوج، وذلك أمر خفي لا طريق إلى معرفته، وفيما يلي أهم النصوص في هذه المسألة:

جاء في المبسوط للإمام السرخسي الحنفي (المتوفى ٤٨٣ هـ): «ومن أصلنا في النكاح الجائز أن النسب ثبت بمجرد الفراش الثابت النكاح، ولا يشترط معه التمكن من الوطء، وعلى قول الشافعي بمجرد النكاح بدون التمكن من الوطء لا يثبت النسب فكذلك في الفاسد، حتى قالوا فيمن تزوج امرأة، وبينهما مسيرة سنة فجاءت بولد لستة أشهر عندنا يثبت النسب، وعنده لا يثبت ما لم يكن لأكثر من ستة أشهر حتى يتحقق التمكن من الوطء بعد العقد.

وحجته في ذلك أنا نتيقن بأنه غير مخلوق من مائه فلا يثبت النسب منه كما لو كان الزوج صبيًّا؛ وهذا لأن سبب ثبوت النسب حقيقة كونه مخلوقًا من مائه، وذلك خفي لا طريق إلى معرفته»(57).

وجاء في الحاوي الكبير للإمام الماوردي الشافعي (المتوفى ٤٥٠ هـ): «فمتى وضعت زوجة الغلام ولدًا نظرنا، فإن كان له عند ولادتها أقل من عشر سنين لم يلحق به الولد وكان منتفيًا عنه بغير لعان لاستحالة أن يكون مخلوقًا من مائه، وإذا استحال لحوق النسب بالفراش انتفى عنه، كمن وضعت لأقل من ستة أشهر من وقت العقد»(58).

وتصوير المسألة أن نقول: اتفق الفقهاء رحمهم الله على أن سبب التكوين والأبوة هي الخلق من ماء الرجل وبويضة المرأة.

وأجمعوا على ثبوت النسب بالفراش، والفراش تعبير عن اللقاء الزوجي الذي يكون منه الولد، ولكن لما كان هذا اللقاء غير ممكن إثباته عادة كان لا بد من الاستناد في الإثبات إلى ما يكون مظنة له، وهنا اختلف الفقهاء فيما يُطلب لإثبات النسب من هذا الطريق:

فمذهب الحنفية إثبات النسب بعقد الزواج، ولو كان الظاهر عدم إمكان اللقاء؛ لكون الدخول أمرًا باطنًا فيُقام النكاح مقامه في إثبات النسب.

ومذهب الجمهور أنه يُشترط لثبوت النسب وجود العقد مع إمكانية الوطء، بحيث يمكن اجتماعهما عادة، ولا يشترط ثبوت اللقاء وإنما إمكانيته؛ وذلك لأن عامة الأحكام الشرعية مبنية على غلبة الظن، وإثبات الدخول المحقق في كل حالة متعذر؛ فاعتباره يؤدي إلى بطلان كثير من الأنساب.

وعلى ذلك اختلفوا في ثبوت النسب إذا تعارض الفراش مع العلم بكون الجنين مخلوقًا من ماء غير الزوج، كما لو كان الزوج صبيًّا أو مجبوبًا أو وضعته لأقل من ستة أشهر منذ العقد على قولين:

الأول: لا يثبت النسب للزوج صاحب الفراش، وهو قول الجمهور.

الثاني: يثبت للزوج صاحب الفراش، وهو مذهب الحنفية.

وهذه المسألة التي عرضها الفقهاء القدامى تتشابه مع مسألة معاصرة، وهي إثبات النسب بالبصمة الوراثية. وهي إحدى نتائج علم الوراثة.

والمقصود بالبصمة الوراثية: تعيين هوية الإنسان عن طريق تحليل جزء أو أجزاء من حمض الــ(DNA) المتمركزة في نواة أي خلية من خلايا جسمه.

فبعد تقدم علوم التشريح اكتُشف أن أنسجة الجسم كلها تتكون من خلايا، وفي كل خلية نواةٌ هي المسئولة عن الحياة في الخلية ووظيفتها، وأن نواة كل خلية تشتمل على الحصيلة الإرثية من حيث الخواص المشتركة بين البشر جميعًا أو بين السلاسل المتقاربة، ومن حيث الصفات المميزة لكل شخص لا يشترك معه فيها شخص آخر.

وهذه المادة الإرثية المعبأة في نواة الخلية تتكون من ٤٦ كروموسومًا، ٢٣ منها من الأب، و٢٣ من الأم، وهذه الكروموسومات تتكون من المادة الوراثية للحمض النووي الذي يُرمز إليه (DNA) أي: الجينات الوراثية، وكل واحد من الكروموسومات يحتوي على عدد كبير من الجينات الوراثية قد تبلغ في الخلية الواحدة مائة ألف مورثة جينية، وهذه المورثات هي التي تتحكم في صفات الإنسان، وقد ثبت أن لكل إنسان جينومًا بشريًّا يختص به لا يمكن أن يشابه فيه غيره تمامًا.

فكل شخص يحمل في خليته ٤٦ كروموسومًا يرث نصفها من أبيه بواسطة الحيوان المنوي، والنصف الآخر وهي ٢٣ كروموسومًا من أمه بواسطة البويضة؛ فينتج كروموسومات خاصة به لا تتطابق مع أبيه من كل وجه ولا مع أمه وإنما جاءت خليطًا منهما، وبهذا الاختلاط اكتسب صفة الاستقلالية.

ويتم تحليل وفحص الجينات للوقوف على البصمة الوراثية بأخذ جزء لا يزيد عن رأس دبوس من جسم الشخص المراد معرفة بصمته الوراثية، سواء كان من الدم أو المني أو البول أو العظم وغيره، ثم يستخلص (DNA) أولًا من إحدى عينات الدليل، ومن دم الأب المشكوك فيه.

ثم يقطع (DNA) في كل من العينتين إلى ملايين الشظايا، وتعرض الشظايا لمجال كهربائي فتتحرك وتفصل هذه الشظايا ثم تنقل فوق قطعة من الورق تسمى «الغشاء» لتكون جاهزة للتحليل، ثم يعرض الغشاء لفيلم أشعة إكس طوال الليل فتظهر عليها شرائط الحمض النووي العينة.

ثم تتم المقارنة بين بصمة الولد وبصمة أبويه أو أحدهما، فإن كان هناك تطابق بين شق من بصمة الولد وشق من بصمة أحد أبويه ثبت أن الولد لهما؛ ذلك لأن الإنسان يرث نصف الكروموسومات من أبيه، ونصفها الآخر من أمه.

وقد ثبت أن النتائج التي تقدمها البصمة الوراثية دقيقة جدًّا في تحديد هوية صاحبها، وقد

دلت الأبحاث التجريبية أن نسبة النجاح في إثبات النسب أو نفيه تصل إلى حد القطع أي ١٠٠٪؛ مما جعلها قرينة نفي وإثبات لا تقبل الشك، وبذلك صدر قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته السادسة عشر، والمنعقدة في ٢١-١٠-١٤٢٢هـ بأن البصمة الوراثية إذا استوفت الشروط العلمية الكاملة، واجتنبت الأخطاء البشرية فإن نتائجها تكاد تكون قطعية.

وتتفق المسألة الافتراضية مع النازلة الفقهية في تحقق العلم اليقيني في أصل تكوين الجنين والماء الذي خُلق منه.

ولم يهاجم المعاصرون البصمة الوراثية من الناحية الشرعية، لما تحتويه من المصالح وقوة دلالتها العلمية غير المبنية على التخمين.

واتفق الفقهاء المعاصرون على استعمال البصمة الوراثية في المجالات التالية:

١-في حال التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء.

٢-في حالة الاشتباه في المواليد في المستشفيات ومراكز رعاية الأطفال ونحوها، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب.

٣-في حالات ضياع الأطفال واختلاطهم، بسبب الحوادث أو الكوارث أو الحروب.

اختلاف الفقهاء المعاصرين في الاعتماد على البصمة الوراثية في إثبات النسب:

غير أن الفقهاء المعاصرين اختلفوا: هل يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في إثبات النسب وتقديمها عند التعارض على الأدلة القطعية أم لا؟ على قولين:

  • الأول: لا يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية وتقديمها على الأدلة القطعية، وهو قول الجمهور.
  • الثاني: جواز الاكتفاء بالبصمة الوراثية وتقديمها على الأدلة القطعية، وهو قول بعض المعاصرين.

اختلاف الفقهاء المعاصرين في الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب:

اتفق المعاصرون على أن الزوج إذا لاعن زوجته وجاءت البصمة الوراثية مؤكدة فإن النسب ينتفي ويفرق بينهما، إلا أن الزوجة لا تحد لوجود شبهة اللعان.

واختلفوا في جواز الاكتفاء بالبصمة الوراثية عن اللعان في نفي الولد، على قولين:

  • الأول: لا يجوز الاكتفاء بالبصمة الوراثية عن اللعان في نفي الولد، وهو قول جمهور العلماء، وبه صدر قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي.
  • الثاني: يجوز الاكتفاء بالبصمة الوراثية عن اللعان، وهو قول بعض المعاصرين.

اختلاف الفقهاء المعاصرين في إثبات النسب بالبصمة الوراثية بعد نفيه باللعان:

إذا تلاعن الزوجان وبعد اللعان أثبتت البصمة الوراثية للمولود التوافق بين الأب والمولود، مما يعني أنه ولده، فهل تكون البصمة الوراثية مؤثرة في عودة النسب المنفي باللعان أم لا؟ هنا اختلف الفقهاء على قولين:

  • الأول: يثبت النسب بالبصمة الوراثية بعد إجراءات اللعان، وهو قول بعض الفقهاء.
  • الثاني: لا يثبت النسب بالبصمة بعد إجراء اللعان، وهو قول جمهور العلماء؛ تخريجًا على عدم الاكتفاء بالبصمة عن اللعان(59).

١٦-من قال لزوجته: أنت طالق إن طرت أو صعدت في السماء:

تعرض الفقهاء القدامى رحمهم الله لمسألة افتراضية، مفادها أن الرجل لو علق طلاقه بأمر مستحيل فقال لزوجته: إن طرتِ أو صعدتِ في السماء فأنت طالق، فهل يقع طلاقه أم لا يقع؟

وهذه بعض نصوص الفقهاء في هذه المسألة:

قال أبو اسحاق الشيرازي (المتوفى ٤٧٦ هـ) في (التنبيه في الفقه الشافعي): «وإن قال: إن طرتِ أو صعدتِ السماء فأنت طالق لم تطلق. وقيل: فيه قول آخر: أنها تطلق»(60).

وقال الإمام ابن قدامة في (الكافي في فقه الإمام أحمد): «وإنْ علقه على مستحيل، كقوله: أنت طالق إن طرت، ففيه وجهان:

  • أحدهما: لا تطلق؛ لأنه علقه على صفة لم توجد.
  • والثاني: تطلق؛ لأنه علق طلاقها على ما يرتفع به جملة، فلغا الشرط، ووقع الطلاق»(61).

ومن هذه النصوص وغيرها يتبين أن الفقهاء اختلفوا في وقوع الطلاق إذا علقه على أمر مستحيل كالطيران أو الصعود في السماء على قولين:

  • الأول: أنه لا يقع، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، والحنفية تخريجًا على الحنث في اليمين لمن حلف ليصعدن السماء.
  • الثاني: أنه يقع، وهو قول عند الشافعية والحنابلة.

ودليل القائلين بعدم الوقوع قوله تعالى: {وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنةَ حَتى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَم الْخِيَاطِ} [الأعراف: ٤٠].

فقد علق الله تعالى دخول الكفار الجنة على أمر مستحيل، وهو دخول الجمل في المخيط، والمقصود أنهم لا يدخلون الجنة أبدًا، وهذا كتعليق الطلاق على المحال، وهو الطيران، أي: لا يقع الطلاق أبدًا.

والقائلون بوقوع الطلاق دليلهم أن تعليق الطلاق على صفة مستحيلة كعدم وجودها؛ فيلغو التعليق ويثبت الطلاق من غير تعليق.

وهذه المسألة الافتراضية تتشابه مع نازلة فقهية، وهي إذا قال الزوج لزوجته: أنتِ طالق إن طرت أو صعدتِ إلى السماء ثم ركبت الزوجة الطائرة وطارت بها في السماء، هل يقع الطلاق على الزوجة أم لا؟

ولكن الاختلاف بين المسألة الافتراضية والنازلة الفقهية هو أن المقصود من تعليق الطلاق بالطيران هو حقيقة الطيران الجسدي المخالف للطبيعة البشرية؛ لذلك عدوه من المستحيلات.

أما النازلة الفقهية فليس فيها حقيقة الطيران الجسدي المستحيل عقلًا، وإنما هو الاستعانة بآلة لها خاصية الطيران، وطيران الجسد منفك تمامًا عن الطيران بالاستعانة بآلة، وعلى ذلك فمن قال لزوجته في هذا العصر: أنتِ طالق إن طرت أو صعدت السماء، فقد قال جمهور العلماء اليوم: فإن كان قصده الطيران الجسدي المستحيل فلا يقع الطلاق، وإن قصد الطيران بآلة فيقع الطلاق إن حصل الطيران بالطائرة(62).

١٧-الصلاة إلى هواء الكعبة:

ذكر الفقهاء القدامى رحمهم الله مسألة افتراضية صورتها: من كان في مستوى أعلى من مستوى الكعبة، كما لو كان على الجبال المحيطة بمكة كجبل أبي قُبَيْس، وحان وقت الصلاة، فهل يستقبل هواءها أم لا بد من النزول إلى مستوى ارتفاعها ليستقبل بناءها؟

وقد جاءت بعض نصوص الفقهاء في هذه المسألة نذكر منها:

جاء في بدائع الصنائع للكاساني الحنفي: «من صلى على جبل أبي قبيس جازت صلاته بالإجماع، ومعلوم أنه لا يصلي إلى البناء بل إلى الهواء، دل أن العبرة للعرصة والهواء دون البناء، هذا إذا صلوا خارج الكعبة»(63).

وجاء في الشرح الكبير للشيخ الدردير المالكي وحاشية الدسوقي عليه: «صحة صلاة من بأبي قبيس مبنية على أن الواجب على من بمكة استقبال هوائها وهو من الأرض للسماء»(64).

وجاء في فتح العزيز في الفقه الشافعي للإمام الرافعي القزويني (المتوفى ٦٢٣ هـ): «من صلى على جبل أبي قبيس والكعبة تحته يجوز لتوجهه إلى هواء البيت»(65).

وفي شرح منتهى الإرادات للإمام البهوتي الحنبلي (المتوفى ١٠٥١ هـ): «(ولا يضر علو) عن الكعبة، كالمصلي على جبل أبي قبيس؛ لأن الجدار لا أثر له، والمقصود البقعة وهواؤها»(66).

من هذه النصوص وغيرها يتبين أن الفقهاء رحمهم الله اتفقوا على صحة الصلاة لمن كان خارجًا عن الكعبة مستقبلًا لهوائها، كمن على جبل أبي قبيس.

وتفصيل ذلك: أن جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة ذهبوا إلى أن هواء الكعبة قبلة؛ لأن القبلة من الأرض إلى العرش؛ فمن صلى في الآبار العميقة وعلى الجبال العالية وفي السماء صحت صلاته؛ لأن المطلوب إصابة جهة الكعبة ومحاذاتها، أو لهوائها بحيث لو امتد خط مستقيم من وجه المصلي في منتصف زاوية قائمة لكان مارًّا على الكعبة أو هوائها.

وذهب المالكية إلى أن الواجب استقبال الكعبة، ولا يكفي استقبال الهواء لجهة السماء؛ فيجب على من كان بمكة أو قريبًا منها أن يستقبل القبلة بناء الكعبة، بحيث يكون مسامتًا لها بجميع بدنه، ولا يكفيه استقبال هوائها، على أنهم قالوا: إن من صلى على جبل أبي قبيس فصلاته صحيحة؛ بناءً على القول المرجوح من أن استقبال الهواء كافٍ.

وقد احتج الجمهور بقوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: ١٤٤]؛ فالآية تدل على أن أمر الله تعالى في استقبال القبلة استقبال جهة البيت، ومن استقبل هواءها كان مستقبلًا لجهتها، وإجماع الأمة على استقبال هوائها؛ لأنه عندما رُفع البناء في عهد الزبير رضي الله عنه عندما بنى البيت على قواعد نبي الله إبراهيم عليه السلام، وفي عهد الحجاج حين أعاد بناءه إلى ما كان عليه في الجاهلية كان الناس يصلون إلى تلك البقعة وليس إلى البناء، وكانت صلاتهم مقضية بالجواز.

وهذه المسألة الافتراضية تنطبق تمامًا مع نازلة فقهية وهي الصلاة في الأدوار العلوية في المسجد الحرام، فقد نتج عن التوسعات التي شهدها المسجد الحرام أن جُعل له أدوار تحيط بالكعبة ويصلي ويطوف الناس عليها متجهين إلى هوائها لارتفاعها عن مستوى الكعبة، وهذا ينطبق تمامًا على ما ذكره الفقهاء فيمن صلى على جبل أبي قبيس؛ ففي كل ارتفاع عن مستوى ارتفاع الكعبة وخروج عنها وتوجه إلى هوائها، وقد سبق اتفاق الفقهاء على صحة الصلاة على جبل أبي قبيس فكذلك هنا من باب أولى نظرًا للحاجة الداعية إلى ذلك، وهي التوسعة على المسلمين والتيسير لهم في أداء عباداتهم، وهو ما ذهب إليه جمهور المعاصرين من صحة الصلاة في الأدوار العلوية(67).

١٨-استدخال المني بغير جماع:

افترض الفقهاء القدامى رحمهم الله مسألة صورتها: لو استدخلت المرأة مني الزوج أو رجل أجنبي بشهوة ثبت النسب.

وهذه بعض نصوصهم في هذه المسالة:

جاء في تبيين الحقائق للزيلعي الحنفي (المتوفى ٧٤٣ هـ): «الحبل قد يكون بإدخال الماء الفرج دون جماع»(68).

وفي شرح مختصر خليل للخرشي المالكي (المتوفى ١١٠١ هـ): «إذا التقطت منيه في نحو حمام ووضعته في فرجها ثم حملت منه فيصدق على ذلك أنها خلقت من مائه حيث علم ذلك»(69).

وجاء في روضة الطالبين وعمدة المفتين للإمام النووي (المتوفى ٦٧٦ هـ): «إذا استدخلت ماء زوجها أو أجنبي بشبهة ثبتت المصاهرة والنسب والعدة، دون الإحصان والتحليل»(70).

وفي الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي الحنبلي (المتوفى ٨٨٥ هـ): «ولو استدخلت مني زوج أو أجنبي بشهوة: ثبت النسب، والعدة، والمصاهرة. ولا تثبت رجعة، ولا مهر المثل، ولا يقرر المسمى»(71).

ومن هذه النصوص وغيرها يتبين أن الفقهاء رحمهم الله اتفقوا على جواز استدخال الزوجة ماء زوجها في الفرج من غير جماع في حال حياته، وعلى ثبوت النسب للزوج في الحمل الناتج من الاستدخال.

كما اتفقوا على حرمة استدخال ماء غير الزوج، ويثبت نسبه للزوج صاحب الفراش إن أمكن كونه منه ما لم ينفه باللعان.

وهذه المسألة الافتراضية تتشابه مع نازلة فقهية، وهي التلقيح الصناعي.

والمقصود بالتلقيح في الاصطلاح: نفوذ الحيوانات المنوية الذكرية في البويضات الأنثوية.

والتلقيح الصناعي نوعان:

الأول: التلقيح الصناعي الداخلي:

وهو نقل المني صناعيًّا من الذكر إلى مهبل الأنثى بغير اتصال جنسي بقصد إحداث الحمل.

ويكون ذلك بأخذ السائل المنوي ووضعه في إناء معقم ثم سحبه بمحقن خاص ليدخل إلى الرحم رأسًا، وتترك المرأة بعدها ممدودة على ظهرها لمدة ساعة لتساعد النطف على الوصول إلى الجهاز التناسلي، حيث تنتظرها البويضة في البوق، ولا تجري هذه العملية إلا في اليوم المحدد للتبويض.

ولهذا التلقيح الداخلي أسلوبان:

الأسلوب الأول: تؤخذ نطفة الذكر من الزوج وتحقن داخل مهبل زوجته، فيقع التلقيح بين النطفة وبويضة الزوجة، ثم العلوق في جدار الرحم، كما في المباشرة الطبيعية.

ويُلجأ إليه في حالة عدم قدرة الزوج على إيصال مائه إلى نهاية المهبل لسببٍ ما.

الأسلوب الثاني: تؤخذ نطفة الذكر من متبرع غير الزوج، وتحقن في مهبل الزوجة حتى يقع التلقيح.

ويُلجأ إليه في حالة كون الزوج عقيمًا.

النوع الثاني: التلقيح الخارجي (أطفال الأنابيب).

وهو تلقيح بين بذرتين في وعاء مختبري ثم غرسها في الرحم.

وله عدة أساليب:

  • الأسلوب الأول: أن تؤخذ نطفة من زوج، وبويضة من مبيض زوجته، فتوضعا في أنبوب اختبار طبي، بشروط فيزيائية معينة، حتى تلقح نطفة الزوج بويضة زوجته في وعاء الاختبار، ثم بعد أن تأخذ اللقيحة بالانقسام والتكاثر تُنقل في الوقت المناسب من أنبوب الاختبار إلى رحم الزوجة نفسها صاحبة البويضة، لتعلق في جداره وتنمو وتتخلق ككل جنين، ثم في نهاية مدة الحمل الطبيعية تلده الزوجة طفلًا أو طفلة.

ويلجأ إلى هذا الأسلوب عندما تكون الزوجة عقيمًا بسبب انسداد القناة التي تصل بين مبيضها ورحمها (قناة فالوب).

  • الأسلوب الثاني: أن يجري تلقيح خارجي في أنبوب الاختبار، بين نطفة مأخوذة من زوج وبويضة مأخوذة من مبيض امرأة ليست زوجته (يسمونها متبرعة) ثم تزرع اللقيحة في رحم زوجته.

ويُلجأ إلى هذا الأسلوب عندما يكون مبيض الزوجة مستأصلًا أو معطلًا ولكن رحمها سليم قابل لعلوق اللقيحة فيه.

الأسلوب الثالث: أن يجري تلقيح خارجي في أنبوب اختبار بين نطفة رجل وبويضة من امرأة ليست زوجة له (يسمونهما متبرعين)، ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة أخرى راغبة في الحمل.

ويُلجأ إلى ذلك حينما تكون المرأة المتزوجة التي زرعت اللقيحة فيها عقيمًا بسبب تعطل مبيضها، لكن رحمها سليم، وزوجها أيضًا عقيم، ويريدان ولدًا.

الأسلوب الرابع: أن يجري تلقيح خارجي في وعاء الاختبار بين بذرتي زوجين، ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة تتطوع بحملها.

ويُلجأ إلى ذلك حين تكون الزوجة غير قادرة على الحمل لسبب في رحمها، ولكن مبيضها سليم منتج، أو تكون غير راغبة في الحمل تَرَفُّهًا فتتطوع امرأة أخرى بالحمل عنها.

وهذه الصورة تسمى «تأجير الأرحام». وهذه المسألة ستفرد بالبحث كمسألة مستقلة.

وما ذكره الفقهاء القدامى في مسألة استدخال المرأة للمني منطبق على نازلة التلقيح الداخلي في جميع صوره، سواء كان منيًّا للزوج في حياته أو بعد مماته، أو كان مني أجنبي، وليس ثمة فرق سوى استخدام آلة أدق في إدخال المني، وتدخل طرف ثالث في العملية.

وقد اتفق الفقهاء المعاصرون على حرمة التلقيح الداخلي إذا كان بمني أجنبي غير الزوج.

واتفقوا على ثبوت النسب للمولود بالتلقيح الداخلي إذا كان بمني الزوج.

واختلفوا في جواز التلقيح الداخلي بين الزوجين على قولين:

  • الأول: الجواز، وهو قول جمهور المعاصرين، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي، ودار الإفتاء المصرية.
  • الثاني: التحريم، وهو قول بعض الفقهاء.

واختلفوا في ثبوت نسب المولود بالتلقيح الداخلي للزوج صاحب الفراش إذا كان بمني أجنبي على قولين:

  • الأول: لا يُنسب للزوج صاحب الفراش، ويأخذ حكم ولد الزنا، وهو قول الجمهور، وعليه فتوى دار الإفتاء المصرية.
  • الثاني: يُنسب للزوج صاحب الفراش، وهو قول بعض العلماء.

أما نازلة التلقيح الخارجي (طفل الأنبوب) بجميع صورها فإنها تعد نازلة جديدة لم يتقدم لها ذكر في كتب الفقهاء.

وقد اتفق الفقهاء المعاصرون على تحريم التلقيح خارج الجسد إذا كان فيه تبرع من طرف ثالث غير الزوجين بأحد البذرتين، سواء كان التبرع بالنطفة الذكرية أو الأنثوية أو بكليهما، أو كان التبرع بالرحم من أجنبية لنقل اللقيحة فيه حتى الولادة.

واختلفوا في حكم التلقيح خارجيًّا بين بذرة الزوجين ثم غرسها في رحم الزوجة، كالخلاف في التلقيح الداخلي بينهما، على قولين:

  • الأول: جواز التلقيح الخارجي بين الزوجين بشروط كما في التلقيح الداخلي، وهو قول جمهور العلماء، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي، ودار الإفتاء المصرية.
  • الثاني: تحريم التلقيح الخارجي بين الزوجين، وهو قول بعض الفقهاء(72).

١٩-استئجار الأرحام:

افترض فقهاء الشافعية مسألة صورتها: لو ألقت امرأة مضغة أو علقة فاستدخلتها امرأة أخرى في فرجها فحلتها الحياة واستمرت حتى وضعتها ولدًا، فهل يصير ابنًا للأولى أم الثانية؟

وفيما يلي نصوص فقهاء الشافعية في هذه المسألة:

جاء في حاشية البجيرمي الشافعي (المتوفى ١٢٢١ هـ) على شرح المنهج: «لو كان لشخص أمتان فوطئ إحداهما وحملت منه فوضعت علقة فأخذتها الأمة الثانية ووضعتها في فرجها فتخلقت وولدت ولدًا فهل تصير الأمة الثانية مستولدة أو لا؟ اعتمد شيخنا أنها لا تصير مستولدة بذلك؛ لأنه لم ينعقد من منيه ومنيها في هذه الحالة، ويلحقه الولد»(73).

وجاء في حاشية الشبراملسي (المتوفى ١٠٨٧ هـ) على نهاية المحتاج: «لو ألقت امرأة مضغة أو علقة فاستدخلتها امرأة أخرى حرة أو أمة فحلتها الحياة واستمرت حتى وضعتها المرأة ولدًا لا يكون ابنًا للثانية، ولا تصير مستولدة للواطئ لو كانت أمة؛ لأن الولد لم ينعقد من مني الواطئ ومنيها بل من مني الواطئ والموطوءة فهو ولد لهما. وينبغي ألا تصير الأولى مستولدة به أيضًا حيث لم يخرج منها مصورًا»(74).

ويتبين من هذه النصوص أن الفقهاء القدامى تناولوا هذه القضية على فرض حدوثها موضحين في ذلك عدم جواز الأم البديلة أو الرحم البديل إلا أنه لو وقع يثبت نسبه لصاحب البويضة والحيوان المنوي المحترم، ولم يثبتوا لصاحبة الرحم البديل أن تكون أم ولد وإن حملته ووضعته؛ لأن الولد لم يخرج منها مصورًا.

وهذه المسألة الافتراضية تتطابق مع نازلة فقهية معاصرة، وهي «استئجار الأرحام»، وهو أن تُزرع بويضة من امرأة ملقحة بحيوان منوي من زوجها في رحم امرأة أخرى حتى تلد مقابل مبلغ من المال أو دون مقابل مالي؛ لأسباب عديدة، منها: أن صاحبة البويضة لا يصلح رحمها للحمل أو ليس لها رحم مع وجود المبيضين صالحين أو أحدهما لإفراز البويضات، أو قد يكون ذلك لرغبة صاحبة البويضة في أن تحافظ على صحتها أو على رشاقتها وجمالها أو غير ذلك من الأسباب.

وقد اتفق الفقهاء المعاصرون على حرمة التبرع بالرحم من أجنبية لنقل اللقيحة فيه حتى الولادة، ومن ثم عدم جواز الحمل عن طريق الرحم البديل مطلقًا؛ وذلك لأن الله تعالى قد اشترط في جواز الإنجاب بين الرجل والمرأة أن يتم في عقد زواج صحيح، والأم البديلة لا توجد صلة زوجية بينها وبين صاحب الحيوان المنوي؛ فتكون النتيجة أن الحمل أمر غير مشروع، وإذا كان حق الاستمتاع الجنسي بالمرأة قاصرًا على الزوج، وهو غير قابل للبذل والإباحة سواء كان تطوعًا أو بأجر؛ فرحمها كذلك غير قابل للبذل والإباحة بإذن زوجها أو بدونه؛ لأن الاستمتاع حق للزوج وحرام على غيره؛ لأن الأصل في الأبضاع التحريم.

واستندوا أيضًا إلى أن حمل امرأة ليست زوجة جنينًا لامرأة أخرى فيه إفساد لمعنى الأمومة كما فطرها الله؛ فالمرأة التي حملته وغذته من دمها أشهرًا حتى غدا جزءًا من كيانها مع تحمل التعب ومشقات الحمل والوضع هي مجرد حاضنة تحمل ثم تلد ثم يؤخذ منها الطفل إلى أمه التي لم تحمله في بطنها ولم يتغذ من دمها، ففي ذلك إفساد لمعنى الأمومة التي هي بذل وعطاء ومكابدة، إضافة إلى أن أعباء الحمل والوضع قد جعلت للأمومة فضلًا وحقًّا ووصية بها من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. إلى غير ذلك من الحجج والدلائل.

واختلف الفقهاء المعاصرون في حكم ما إذا كان المتبرع بالرحم زوجة ثانية للزوج، مع اتفاقهم على ثبوت النسب للزوج في ذلك، على قولين:

  • القول الأول: تحريم تبرع الزوجة الثانية بحمل بويضة الزوجة الأخرى للزوج الملقحة من الزوج، وهو قول جمهور الفقهاء، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي.
  • القول الثاني: جواز التبرع بالحمل إذا كان من زوجة ثانية بشرط عدم قدرتها على الإنجاب، وهو قول لبعض الفقهاء.

والقائلون بجواز تبرع الزوجة الثانية بحمل لقيحة الزوجة الأخرى اختلفوا في تحديد الأم الحقيقية للمولود على قولين:

  • الأول: الأم الحقيقية هي صاحبة البويضة، وصاحبة الرحم في حكم الأم من الرضاعة، وهو قول جمهور الفقهاء، وبه صدر قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي.
  • الثاني: الأم الحقيقية هي صاحبة الرحم، وصاحبة البويضة في حكم الأم من الرضاع، وهو قول طائفة من العلماء(75).

1 المغني (١/ ٢٣٣).

2 منح الجليل شرح مختصر خليل (١/١١٠).

3 انظر: المسائل الافتراضية وأثرها في نوازل العبادات وفقه الأسرة بدرية بنت صالح السياري، (ص١٣٤-١٤٢).

4 البحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/ ١١٣).

5 الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (١/ ٤٨٩).

6 تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (١/ ٦٧).

7 انظر: المسائل الافتراضية وأثرها في نوازل العبادات وفقه الأسرة (ص٣٢٧، ٣٢٨) .

8 رد المحتار على الدر المختار (٢/ ٢٣٨).

9 المدونة للإمام مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي (١/ ٢٦٤).

10 مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج لشمس الدين، (٢/ ٥٩).

11 مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٢/ ٥٩).

12 المجموع شرح المهذب (٩/ ١٨١).

13 بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٤/ ٨).

14 المبسوط ، السرخسي (٥/ ١٤٠).

15 المبسوط (٥/١٤٠، ١٤١).

16 المغني لابن قدامة (١١/ ٣١٤، ٣١٥).

17 انظر: المسائل الافتراضية وأثرها في نوازل العبادات وفقه الأسرة (ص٧٤٦-٧٥١).

18 انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع (١/ ٢٩٨، ٢٩٩).

19 حاشية الإمام عبد الحميد الشرواني على تحفة المحتاج في شرح المنهاج (١/ ٤٩٢).

20 تحفة المحتاج في شرح المنهاج (١/ ٤٩٢).

21 المجموع شرح المهذب (٣/ ٢٤١، ٢٤٢).

22 كشاف القناع عن متن الإقناع (١/ ٥٠٢).

23 فتح العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير (٣/ ٢٠٩).

24 انظر: المسائل الافتراضية وأثرها في نوازل العبادات وفقه الأسرة (ص٣٨٣-٣٨٨) .

25 مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/ ٣٨٨).

26 تحفة المحتاج في شرح المنهاج (١/ ٤٢٠).

27 انظر: المسائل الافتراضية وأثرها في نوازل العبادات وفقه الأسرة (ص٣٧٠).

28 انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (١/٨١).

29 مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (١/٣٨٨).

30 تحفة المحتاج في شرح المنهاج (١/ ٤٢٨).

31 حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع لعبد الرحمن النجدي (١/ ٤٦٨).

32 أخرجه مسلم، (٢٩٣٧).

33 انظر: المسائل الافتراضية وأثرها في نوازل العبادات وفقه الأسرة (ص٣٧٣-٣٨٠).

34 بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٢/ ٣٢٧).

35 الشرح الكبير للشيخ أحمد الدردير على مختصر خليل مطبوع مع حاشية الدسوقي (٢/ ٢٧٧).

36 منهاج الطالبين وعمدة المفتين في الفقه، النووي (ص٢١٥).

37 مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٤/٣٤١، ٣٤٢).

38 زاد المعاد في هدي خير العباد (٥/ ١٦٦).

39 تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (١/ ٣٠٥).

40 المدونة (١/٣٣٦).

41 المدخل ، ابن الحاج (٤/ ٦٩، ٧٠).

42 اللباب في الفقه الشافعي الضبي، أبو الحسن ابن المحاملي، (ص ١٨٢).

43 المغني(٤/ ١٣١).

44 انظر: المسائل الافتراضية وأثرها في نوازل العبادات وفقه الأسرة (ص٤٨٦-٤٩٧).

45 المبسوط (٣/ ٩٨).

46 البيان في مذهب الإمام الشافعي العمراني اليمني، (٣/ ٥٠٤).

47 الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (٣/٢٩٩).

48 انظر: المسائل الافتراضية وأثرها في نوازل العبادات وفقه الأسرة (ص٥٢٦-٥٣٢).

49 البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٣/١١٦).

50 مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٣/٤٤٦).

51 الكافي في فقه الإمام أحمد لابن قدامة (٣/٤٠).

52 انظر: المسائل الافتراضية وأثرها في نوازل العبادات وفقه الأسرة (ص٦٣٤-٦٤١).

53 مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٤/٢٤٧).

54 شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٥/٩٢).

55 انظر: المسائل الافتراضية وأثرها في نوازل العبادات وفقه الأسرة (ص٦٤٨-٦٥٩).

56 إعلام الموقعين عن رب العالمين، (٤/١٧٦).

57 المبسوط (١٧/ ١٥٦).

58 الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي (١١/ ١٩).

59 انظر: المسائل الافتراضية وأثرها في نوازل العبادات وفقه الأسرة (ص٦٩٦-٧٢٧).

60 التنبيه في الفقه الشافعي الشيرازي (ص١٧٩).

61 الكافي في فقه الإمام أحمد (٣/١٤١).

62 انظر: المسائل الافتراضية وأثرها في نوازل العبادات وفقه الأسرة (ص٧٣١-٧٣٤).

63 بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/١٢١).

64 حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/٣٣١).

65 فتح العزيز شرح الوجيز (١/ ٤٤٢).

66 دقائق أولي النهى لشرح المنتهى المعروف بشرح منتهى الإرادات (١/١٧٠).

67 انظر: المسائل الافتراضية وأثرها في نوازل العبادات وفقه الأسرة (ص٣٨٩-٣٩٥) .

68 تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (٣/٣٩).

69 شرح مختصر خليل ، الخرشي (٣/٢٠٧).

70 روضة الطالبين وعمدة المفتين (٧/١١٤).

71 الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (٨/٢٨٨).

72 انظر: المسائل الافتراضية وأثرها في نوازل العبادات وفقه الأسرة (ص٦٦٧-٦٩٥).

73 التجريد لنفع العبيد (حاشية البجيرمي على شرح المنهج) (٤/٤٤٤).

74 حاشية أبي الضياء نور الدين بن علي الشبراملسي على نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٨/ ٤٣١).

75 انظر: الفقه الافتراضي وأثره في مستجدات العصر في الفقه الإسلامي (ص٤٢١-٤٣٠).

اترك تعليقاً