البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الباب الثاني: الفتوى واستشراف المستقبل

الفصل الرابع: ارتباط الإفتاء بالعلوم المختلفة

117 مشاهدة

(وفيه سبعة موضوعات):

١ـ الطب.

٢ـ الكيمياء.

٣ـ الفيزياء.

٤ـ الفلك.

٥ـ الجغرافيا.

٦ـ الرياضيات.

٧ـ تكامل العلوم الشرعية مع العلوم الإفتائية.

توطئة

ارتباط الإفتاء بالعلوم المختلفة:

لما كان الفقه المستشرف للمستقبل مرتبطًا بالمستجدات والنوازل التي تطرأ نتيجة للتقدم العلمي والتكنولوجي فإنه ثمة علاقة بين الإفتاء والعلوم بأنواعها.

والشريعة الإسلامية لا يمكن أن تختلف مع العلم؛ وذلك لأن مصدرهما واحد وهو الله تعالى.

وتوافق الإسلام مع العلم من الخصائص المهمة للإسلام، الذي دعا إلى العلم وإكرام طالب العلم وحامله، وهذه الخاصية ليست في الأديان الأخرى.

كما أن إنكار الحقائق العلمية هدم للشرع؛ لأنه هدم للبراهين التي دلت على صحة الشرع، وكتاب الله تعالى يحث على توجيه الناس إلى التفكر في الخلق، والاستدلال به على كثير من أصول الدين كوجود الله تعالى ومعرفة صفاته، وغير ذلك. قال تعالى: {إِن فِي خَلْقِ السمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الليْلِ وَالنهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكرُونَ فِي خَلْقِ السمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النارِ} [آل عمران: ١٩٠، ١٩١].

ومن ارتباط الإسلام بكل جوانب الحياة جاء ارتباط الفقه الإسلامي بكل العلوم، ولا بد للعالم في الدين ألا يجعل هذا الدين معزولًا عن العلوم الأخرى، ولا بد لمن يتصدر للإفتاء من الاستفادة من العلوم بمختلف مجالاتها؛ وذلك للوصول إلى الحكم الشرعي بصورة صحيحة؛ حيث إن أحكام المكلفين تخرج من رحم مجتمعاتهم، التي هي في الغالب مستمدة من عناصر حياتهم وطريقة معيشتهم، ومن ذلك هذا التطور الكبير في العلوم الحديثة؛ فإذا خفي على الفقيه أو المفتي بعض هذه العلوم فإنه قد يزل في فتواه، وهذا يتطلب من الفقيه أن يكون قريبًا من مجتمع الناس مسايرًا للتطور الحاصل في العلوم بمختلف مجالاتها. وفي ذلك يقول الإمام القرافي في كتابه (الذخيرة): «وكم يخفى على الفقهاء والحكام الحق في كثير من المسائل بسبب الجهل بالحساب والطب والهندسة؛ فينبغي لذوي الهمم العلية أن لا يتركوا الاطلاع على العلوم ما أمكنهم ذلك. فلم أر في عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على التمام»(1).

وإذا نظرنا إلى التعريف العلمي الدقيق لمصطلح الفقه فسنجد أنه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية. ويمكن أن نستنتج من هذا التعريف أن الفقه مرتبطٌ بكل الجوانب المتعلقة بالحياة؛ فإن الفقه فيه القواعد الكلية التي تندرج ضمنها جميع الجزئيات التي تتعلق بالموضوعات المتعددة؛ فيمكن للمجتهد النظر في القضايا المستجدة لتؤطر في إطار الفقه الإسلامي.

وبتتبع ذكر العلم في آيات القرآن والأحاديث النبوية نجد أن المقصود به هو العلم بمفهومه الشامل الذي ينتظم كل ما يتصل بالحياة فلا يقتصر على علم الشريعة فحسب؛ فقد دعا القرآن إلى النظر في مظاهر الوجود وجعل من الكون كتابًا للمعرفة، ودعا الله تعالى إلى التفكير في آياته، وفهم نواميس الكون فقال تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)} [الغاشية ١٧-٢٠].

وأمر الله تعالى الإنسان بالبحث والنظر والتفكر والتدبر مخاطبًا إياه في آيــات عديدة: {أَفَلاَ يَرَوْنَ}، {أَوَ لَمْ يَرَ الإْنسَانُ أَنا خَلَقْنَاهُ مِن نطْفَةٍ}، {إِن فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لقَوْمٍ يَتَفَكرُونَ}، {إِن فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.

فهذه الآيات الكريمة وما ماثلها تحث على استخدام العقل للوصول إلى الإيمان بوجوده تعالى والإيمان بوحدانيته في الخلق والتدبير والعبادة.

وينقسم العلم في الإسلام من حيث وجوبه وفروضه مصداقًا لقوله عليه الصلاة والسلام: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»(2) إلى قسمين:

الأول: فرض العين: وهو العلم الذي لا يسع كل مسلم الجهل به، وهو ما يحتاج إليه الإنسان في إقامة دينه وقبول عمله عند الله واستقامة معاملته مع الناس.

الثاني: فرض الكفاية: وهو كل ما يحتاج إليه المجتمع من غير نظر إلى الشخصية بذاتها، كتعلم الصناعات والمهن، أو كل ما يُحتاج إليه في شئون المجتمع كعلم التجارة والطب والهندسة والكيمياء والفيزياء وغيرها، وكذا كل ما يجدُّ في المستقبل من الحاجات إلى علوم أخرى.

فوجه الإسلام الأمة إلى طلب العلوم الدينية والدنيوية معًا؛ لأن الجمع بينهما من أسباب تقدم الأمم فيؤدي إلى صنع الحضارة والازدهار الاقتصادي والاجتماعي.

والوصل بين الفقه والعلوم الإنسانية والطبيعية أصبح مطلبًا ملحًّا وضروريًّا بعدما توسعت هذه العلوم وتطورت مناهجها؛ فلا مندوحة عنها في معرفة الواقع من حولنا، وتصور المجال الذي يشتغل فيه الفقه؛ فإن باب المعاملات من الفقه وطيد الصلة بعلم الاقتصاد المعاصر، وباب المناكحات شديد الارتباط بعلم الاجتماع، وباب الجنايات يحتاج إلى علم النفس، ومباحث الطهارة والمباح والمحرم من الأطعمة والمشروبات لا تستغني بحال عن أبحاث العلوم الطبيعية والطبية، وأبواب السياسة الشرعية تحتاج إلى علم السياسة ومعرفة القوانين الدولية.

وإن انعزال الفقه عن سائر العلوم الأخرى وعن مجريات الحياة المعاصرة يدفع إلى جمود الفقه على مفرداته الماضية، ويُعيق شحذ الذهن وتقوية الملكات العقلية؛ فلا يكون الفقه مواكبًا لتطور الحياة المستمر.

إن الفقه لا يكون متينًا مسددًا إلا إذا نشأ عن تصور صحيح وواضح عن المجال الذي يشتغل فيه؛ فإذا كان مجال اشتغال الفقيه هو القضايا الأسرية فإن ذلك يقتضي رصدًا دقيقًا للعلاقات الاجتماعية ووعيًا بطبيعتها ونتائجها، وإذا كان المجال هو المعاملات المالية والاقتصادية فذلك يضطر الفقيه إلى معرفة حقيقة صور التعاملات التجارية وطبيعة العقود وأساليب الاستثمار والتمويل والتوزيع، وكذلك الحال في مختلف مجالات الاشتغال الفقهي.

1 الذخيرة (٥/ ٥٠٢).

2 أخرجه ابن ماجه، (٢٢٤)، وأبو يعلى الموصلي في مسنده (٢٨٣٧).

أقسام العلوم

تنقسم المعرفة الإنسانية إلى ثلاثة أقسام:

  1. العلوم الطبيعية: وهي التي تهتم بدراسة البيئة الطبيعية والمشاكل المادية، وهي: الكيمياء والفيزياء والأحياء.
  2. العلوم الاجتماعية: وهي التي تهتم بدراسة المجتمع من نواحيه المختلفة، وكذلك دراسة الإنسان في ذلك المجتمع، مثل الاقتصاد والسياسة والقانون والتاريخ والاجتماع… إلخ.
  3. العلوم الإنسانية، ويضم هذا القسم: الفلسفة والفنون والآداب.

وفيما يلي نبين ارتباط الإفتاء بكل علم من هذه العلوم:

علم الطب

١

يمكن تعريف هذا العلم بأنه علم وفن يتعلق بالمحافظة على الصحة والوقاية من الأمراض وتخفيفها وعلاجها.

وأساس علم الطب هو مادة علم الأحياء (البيولوجيا) لما لها من دور هام في التعريف بالإنسان والحيوان والحشرات والطفيليات والميكروبات وتدريس التشريح والأنسجة والخلايا.

ومع ثورة التقنيات الحديثة تطور استخدام علم البيولوجيا في العلاج، فأصبح هناك الطب الحيوي والعلاج بالجينات.

ارتباط علم الطب بالإفتاء:

بدأت العلاقة بين الفقه والطب مبكرة جدًّا، والشاهد على ذلك مَنْع الإسلام من ممارسة الطب لغير الخبير بالمهنة وتضمين من مارسها وهو ليس عارفًا بها؛ حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَطَبب ولا يُعْلم منه طِب فهو ضامنٌ»(1).

كما تجلت العلاقة بين الفقه والطب في كون حفظ النفس من مقاصد الشريعة الكبرى، وحفظها يكون بصيانتها من العلل والهلاك، فجاء الأمر بحفظ النفس والتداوي معززًا لهذه القاعدة، وقال العز بن عبد السلام: «الطب كالشرع، وضع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام»(2).

وهناك تطبيقات حديثة في المجال الطبي تقدم إمكانيات لإنقاذ الكثير من المرضى لكنها قد تثير مشاكل تتصل بمدى شرعيتها في الفقه الإسلامي، وأصل هذه المشاكل يرجع إلى أن هذه التطبيقات نظرًا لوقوعها على جسم الإنسان تمس حقًّا من الحقوق اللصيقة بشخصية الإنسان، وهو الحق في التكامل الجسدي الذي يعتبره الشرع الحنيف حقًّا فيه جانب لله وجانب آخر للعبد، ومؤدى ذلك أن تصرف الإنسان في جسمه مقيد بمراعاة جانب حق الله عليه.

وكانت فتاوى الفقهاء القدامى في بعض المسائل الفقهية معتمدة على النظرة الطبية السائدة في زمنهم، وقد صرح بعضهم في مثل هذه المسائل بأن ذلك من باب الطب لا الفقه، ويقصدون بذلك أن التدليل لمثل هذه المسائل بالجانب الفقهي المحض دون نظر إلى الجانب الطبي فيها لا يستقيم؛ مما يدل صراحة على اعتبار الجانب الطبي في أمثال هذه المسائل في الفقه.

ففي البحر الرائق لابن نجيم: «ووصول البول من المعدة إلى المثانة بالترشح وما يخرج رشحًا لا يعود رشحًا، كالجرة إذا سد رأسها وألقي في الحوض يخرج منها الماء ولا يدخل فيها. قال في الهداية: وهذا ليس من باب الفقه لأنه متعلق بالطب»(3).

يريد أن الجزم بوجود المنفذ من المثانة إلى الجوف مما يختص بمعرفته أهل الطب، ولا شك أن للنظر الطبي هنا أثرًا في قول الفقيه بفساد الصوم من عدمه.

وفي الروض المربع: «ولمريض الصلاة مستلقيًا مع القدرة على القيام لمداواة بقول طبيب مسلم ثقة، وله الفطر بقوله»(4).

ومما يستلفت النظر أنه رغم حداثة بعض التطبيقات الطبية والجراحية كزراعة الأعضاء البشرية إلا أن الفقهاء أنفسهم تعرضوا لحكم تطبيقات تندرج تحت الفنون الحديثة للجراحة من ذلك مثلًا استعمال عظام الجثث في تجبير العظام المكسورة عند الأحياء، كما أنهم تعرضوا لحكم وسيلة تعتبر تطبيقًا لعملية التلقيح الصناعي التي ظهرت في العصر الحديث، وذكر الفقهاء القدامى ذلك في كتبهم على حسب تصورهم وعصرهم فيما يعرف باستدخال المني في فرج المرأة.

وقد تطورت العلوم الطبية في زمننا هذا تطورًا كبيرًا نتج عنه ظهور كثير من المستجدات والنوازل في مجال الطب، لاسيما ما يتعلق بعالم البيولوجيا، مثل الجينوم البشري الذي يعد من الموضوعات الحيوية التي تكثر حاجات الناس إليه اليوم، والذي يندرج ضمن التقنيات والوسائل العلمية الحديثة للتحكم في الجينات، مما يستلزم استجلاء الرأي الفقهي الرصين المؤسس على الوسطية الإسلامية، والرؤية المقاصدية الموازنة؛ فكان لا بد من أخذ هذه المستجدات بعين الاعتبار، وقد وجدنا المجامع الفقهية المعاصرة تتناول كثيرًا من هذه المسائل بالاستعانة بأهل الخبرة والاختصاص بهذا الفن.

1 أخرجه أبو داود، (٤٥٨٦).

2 قواعد الأحكام في مصالح الأنام، (١/ ٦).

3 البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٢/٣٠٠، ٣٠١).

4 الروض المربع شرح زاد المستقنع (ص١٤٢) ، البهوتي.

علم الكيمياء

٢

يمكن تعريف علم الكيمياء بأنه: هو العلم الذي يبحث في دراسة المواد من حيث تركيبها، وعلاقة هذا التركيب بخواصها وتفاعلها ببعضها لإنتاج مواد جديدة.

ويساهم هذا العلم بشكل فعال في توفير جميع متطلبات أمور حياتنا؛ فالماء الذي نشربه والهواء الذي نستنشقه، وما نلبسه، والمكان الذي نعيش فيه، ومصادر الطاقة المتنوعة جميعها ذات علاقة بعلم الكيمياء.

ولعلم الكيمياء صلة وثيقة بمجال الصناعات، وله علاقة بالطب الحديث الذي يعتمد على الأدوية المصنعة كيميائيًّا، حتى التداوي بالأعشاب له صلة وثيقة بالكيمياء.

والعلماء المسلمون هم أول من بدءوا علم الكيمياء بداية جديدة، وقعدوا له على أساس التجربة والملاحظة بعيدًا عن الأوهام والخرافة، واكتشفوا الكثير من المواد الكيميائية وتفاعلاتها، وأنتجوا لنا مواد لم تكن معروفة من قبل.

ومن العلماء العرب الرواد في علم الكيمياء علي بن محمد الجلدكي رائد علم المذيبات، ولهذا العالم إنجازات واكتشافات، ومن أهم اكتشافاته أنه توصل إلى فصل الذهب عن الفضة بواسطة حمض النيتريك الذي يذيب الفضة تاركًا الذهب الخالص، وله موسوعة علمية في الكيمياء هي «التقريب في أسرار التركيب» وصفها علماء الغرب بأنها موسوعة علمية تجمع المبادئ والنظريات في علم الكيمياء.

ارتباط علم الكيمياء بالإفتاء:

يدخل علم الكيمياء في جميع أنشطة حياتنا، وقد جاءت الشريعة الإسلامية شاملة متكاملة ومهذبة لجميع نواحي الحياة، ومن ثم بدت العلاقة الوثيقة بينهما؛ ففي مسألة التطهر من أجل العبادة مثلًا يأتي دور الكيمياء في التعرف على الماء الصالح لذلك، وطرق تكريره إن تنجس أو أصبح طاهرًا بالوسائل الحديثة.

كما يستعين الفقيه أو من يتصدر للإفتاء بعلم الكيمياء للكشف عن الأجسام التي اختلف الفقهاء في حكم نجاستها، فلو تحول النجس إلى شيء طاهر معلوم فهل يحكم ببقاء نجاسة تلك الأجسام لبقاء أصل النجاسة فيها ولو تحولت؟ أم أنها تحولت كليًّا ولم يبقَ للمادة الأولى أثر؟

وقد دار هذا الخلاف بينهم لعدم إمكانياتهم العلمية والمخبرية التي تؤكد لهم صحة ما ذهب إليه كل فريق.

وقد استُحدثت أدوية مستخرجة من أعيان نجسة كالخنزير ونحوه، بل تعدى ذلك إلى المواد الغذائية والملابس ومساحيق التجميل، وعلى أثر ذلك ظهرت الأبحاث الفقهية التي تبين مدى طهارتها أو إباحتها أو عدم ذلك.

ويستعين من يتصدر للإفتاء بعلم الكيمياء مثلًا في المواد الحافظة وهي المواد الكيميائية التي تضاف إلى الأطعمة بهدف إطالة مدة حفظها أو تحسين لونها أو بنيتها أو مذاقها.

فقد أثبتت الدراسات الطبية أن الإفراط في تناول المواد الحافظة يساعد على نمو الخلايا السرطانية في جسم الإنسان، ولا يمكن الجزم بأن بعض المواد الحافظة بعينها تتسبب في حدوث بعض أنواع السرطان فيأتي دور علم الكيمياء الذي يستعين به الفقيه في تحديد ما يضر من هذه المواد وما لا يضر، وضوابط استخدامه.

ومن أمثلة استعانة من يتصدر للإفتاء بعلم الكيمياء لتقرير الحكم الشرعي ما يتعلق باستخدام المواد الكيميائية المستخرجة من بعض الحشرات كصبغة القرمز، وهو خضاب ذو لون أحمر مشرق اللون الذي يُستخلص من بعض الحشرات كالدودة القرمزية، وقد استخدم هذا الصباغ قديمًا في تلوين الأقمشة والسجاد، وما زال يستخدم كصباغ للنسيج وفي صناعة الملونات الغذائية والدوائية وفي العديد من المنتجات مثل العصائر والمثلجات والحلوى. كما تدخل هذه الصبغة في صناعة بعض مستحضرات التجميل، وقد أشارت بعض الدراسات إلى أعراض هذه الصبغة السلبية، وتأثيرها الضار على الإنسان.

وتتجدد النوازل التي لا يسع الفقيه الاكتفاء بالعلم الشرعي وحده فيها بل لابد له لكي يصدر الحكم الفقهي المتعلق بهذه النازلة من الاستعانة بعلم الكيمياء.

علم الفيزياء

٣

علم الفيزياء هو علم يبحث عن أحوال الطبيعة وما يطرأ في العالم من حدث وتغيير كخواص المادة والزمان والحركة وطاقة الجسم وكتلته وحرارته وغير ذلك، وأصله القياس والتجربة والنظر والرياضيات.

وللفيزياء الحديثة فروع متكاثرة كالفيزياء الفلكية والحركية والحرارية والنووية والطبية وغير ذلك.

أهمية علم الفيزياء:

تبرز أهمية علم الفيزياء في حياتنا من خلال العديد من التطبيقات التي أتاح هذا العلم وجودها في حياة الناس، وأصبحت من ضروريات الحياة التي لا يمكن الاستغناء عنها، كما ساهم هذا العلم في ثورة تقنية ومعرفية هائلة مكنت الإنسان من إيجاد أسلوب أسهل لتنفيذ كافة الأنشطة اليومية، ومن أهم هذه التطبيقات التي تُبرِز أهمية الفيزياء في حياتنا: توليد الكهرباء.

كما أن للفيزياء فضلًا كبيرًا في صناعة بعض الأجهزة التي نحتاجها يوميا مثل أجهزة التكييف والتلفاز والمصابيح، والهواتف، كما أن هذا العلم يدخل في الطب بشكل مباشر من خلال مثلًا الأشعة السينية والاطمئنان على الجنين وعلاج السرطان وكذلك أمراض العيون، وغير ذلك من مجالات الحياة.

ارتباط علم الفيزياء بالإفتاء:

باعتبار الفيزياء علمًا يبحث في أحوال الطبيعة فلا جرم أن له صلة بالفقه الإسلامي الذي يشمل كل جوانب الحياة، وقد بدأ اهتمام المسلمين بالفيزياء بعد حركات الترجمة التي ترجمت كتب الإغريق، وكان للمسلمين -ولا سيما ببغداد وغيرها أيام العباسيين وبعدهم- حِذْقٌ في فروع الفيزياء، فبرع منهم مثل موسى بن شاكر وأولاده، وإبراهيم بن حبيب الفزاري، وهو أول من صنع الأسطرلاب في الإسلام، وغيرهم.

وهناك بعض المسائل الفقهية التي بنيت على الاستعانة بعلم الفيزياء؛ فقد أفتى القرافي في كتابه الذي صنفه في (المواقيت) في مسألة موت أخوين أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب في وقت واحد في الزوال، هل يسقط التوارث بينهما أو لا؟ ومن الذي يرث الآخر منهما؟ فأجاب بأن المغربي يرث؛ لأن المشرقي مات قبله بيقين، لأن الشمس تزول بالمشرق أولًا(1).

وفي (منح الجليل) عن القاضي أن الفقهاء يورثون المغربي من المشرقي، والمعدلون ينظرون إلى طولي البلدين، فإذا عرفوا فضل الأطول نظروا إلى عدد الدقائق والساعات، واستخرجوا به المتقدم والمتأخر، واقتصر عليه الشيخ السنوسي قائلًا: أطلق الفقهاء أن الميتين ببلدين بوقت واحد كالزوال لا يتوارثان، وهذا صحيح إن كان موتـهما ببلدين متحدي الطول، أما إن ماتا ببلدين مختلفي الطول، فإن زوال الأطول مثلًا يتقدم على زوال الأقصر بقدر فضل طوله عليه، وخسوف القمر دليل قطعي على ذلك، فينبغي في مثل هذا أن يرث الميتُ بالموضع الأدنى طولًا الميتَ بالموضع الأرفع طولًا، وبيان وجه هذا مشهور في علم الهيئة(2).

وكذا تحتل قضية تحديد مطالع الشهور الهجرية ودور الحساب الفلكي فيها حيزًا لا بأس به في الأبحاث الفقهية المعاصرة، فقضية الحساب الفلكي من القضايا المتعلقة بالفيزياء الفلكية وعلم الكونيات.

ومن فروع الفيزياء: الفيزياء الطبية، وهي أحد تخصصات الفيزياء التطبيقية في المجالات الطبية، وخصوصًا في تشخيص وعلاج الأمراض.

وهي التي يستعين الفقيه بها في بيان أحكام النوازل المتعلقة بالفيزياء كما في الأشعة بمختلف أنواعها التي أصبحت تستخدم في جميع مناحي الحياة، ومنها الطب، كما في أجهزة التنظير التي تستخدم أشعة إكس؛ فيتم التشخيص أحيانًا عن طريق إعطاء المريض صبغة إشعاعية ملونة تؤخذ عن طريق الفم لفحص الجهاز الهضمي، أو تصوير البطن والحوض وبعض الأجزاء المختلفة من الجسم كالعنق والعمود الفقري، أو الأجزاء المتناهية الصغر كالغدة النخامية.

كما أن المناظير الإشعاعية قد تستخدم في التشخيص أو العلاج عن طريق إدخالها في الفم كمنظار المعدة، فيبحث الفقيه بالاستعانة بهذا العلم هذه النازلة بمعرفة طبيعة هذه الأشعة، وهل هذه المناظير من مفسدات الصوم مثلًا.

ويستعين من يتصدر للإفتاء بعلم الفيزياء وفروعه المختلفة فيما يستجد من النوازل التي تتجدد بتطور الزمن.

1 منح الجليل شرح مختصر خليل (٩/٦٩٨).

2 منح الجليل شرح مختصر خليل (٩/ ٦٩٨).

علم الفلك

٤

هو العلم الذي يدرس نشأة الأجرام الفلكية وحركتها ومواقعها، وهو أحد أقدم العلوم البشرية، ويختلف عن:

١-التنجيم الذي يحاول وضع علاقة بين الأجرام الفلكية والأحداث الإنسانية، ولا يمكن اعتباره علمًا.

٢-علوم الكون، وهو العلم الذي يدرس الكون ويضع تصورًا لنشوئه وهيئته ومستقبله.

٣-الفيزياء الفلكية، وهو العلم الذي يدرس العلاقة بين القوى الطبيعية والأجرام الفلكية.

حث الإسلام على معرفة علم الفلك:

علم الفلك من العلوم النافعة، وقد شجَّع الإسلام عليه، كما شجَّع على اكتساب المعارف والعلوم الأخرى، وأراد للإنسان أن يتعرف أسرار الكون ومجاهله، بما في ذلك أوضاع الكواكب، قال تعالى: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل:١٦]، ونحوه قوله تعالى: {وَهُوَ الَذِي جَعَلَ لَكُمُ النُجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البَرِ وَالبَحْرِ قَدْ فَصَلْنَا الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام:٩٧]. فهاتان الآيتان، وكذا غيرهما من آيات لا تخلو من إيماءات إلى أهمية ضرورة التعرف إلى مواقع الأفلاك وأوضاعها، وهذا ما فطن إليه المسلمون الأوائل، ولهذا برعوا في علم الفلك.

اهتمام المسلمين بعلم الفلك:

من المعلوم لدى المسلمين أنه لا بد أن يكون تطبيق الأحكام الشرعية صحيحًا دقيقًا موافقًا لما وضعه الشارع، وأن أي خلل في أدائها يُعرض المسلم للحساب والعقاب، ولما كان أداء العبادات على وجه صحيح مرتبطًا بالظواهر الفلكية فقد رصد المسلمون هذه الظواهر ودرسوها دراسة علمية متقنة خوفًا من الوقوع في الإثم. وهذا ما دفعهم إلى قراءة بعض الظواهر الفلكية التي تعلقت بتلك الأحكام الشرعية، كرصد الشمس والقمر، ومتابعة الخسوف والكسوف، وظواهر فلكية أُخرى، قراءة علمية دقيقة دفعت إلى نمو علم الفلك وتطوره.

وقد أدرك الفلكيون المسلمون العلاقة القوية بين الأحكام الشرعية والظواهر الفلكية، وفي ذلك يقول الفلكي المصري الشهير ابن يونس الصدفي المتوفى «٣٩٩ هجرية» في كتابه (الزيج الحاكمي): «للكواكب ارتباط بالشرع في معرفة أوقات الصلاة، وطلوع الفجر الذي يحرم به على الصائم الطعام والشراب، وهو آخر أوقات الفجر، وكذلك مغيب الشفق الذي هو أول أوقات العشاء الآخرة، وانقضاء الأيمان والنذور، والمعرفة بأوقات الكسوف للتأهب لصلاته، والتوجه إلى الكعبة لكل مصلٍّ، وأوائل الشهور، ومعرفة بعض الأيام إذا وقع فيه شك، وأوان الزرع ولقاح الشجر وجني الثمار، ومعرفة سمت مكان من مكان، والاهتداء عن الضلال»(1).

إن اهتمام المسلم بواجباته الدينية المذكورة دعاه إلى ضبط الظواهر الفلكية والكونية المرتبطة بها ضبطًا علميًّا محكمًا، وتطلبت هذه الدقة الاهتمام بالمراصد الفلكية، كما تطلبت المزيد من الآلات الفلكية المحكمة؛ فكثرت الآلات الفلكية كالأَسْطُرْلابات وأرباع الدائرة وغيرها في العالم الإسلامي، وأبدع الفلكيون المسلمون آلات جديدة خاصة بضبط الوقت للصلاة والصيام وآلات لتحديد سمت القبلة. ومن هذه الآلات الإبداعية آلة لضبط الوقت ابتكرها الفلكي السوري ابن الشاطر المتوفى «سنة ٧٧٧ هجرية»، وعُرفت (بالبسيط)، وضعت في المسجد الأُموي بدمشق.

وبرز عدد من الفلكيين عُرفوا بالمؤقتين منهم محمد الخليلي، وابن علي المراكشي.

وظهر علم جديد اسمه (علم الميقات) أو (علم المواقيت).

وعلى يد هؤلاء الفلكيين المؤقتين ظهر عدد من الجداول الميقاتية لتنظيم وقت الصلاة. فمثلًا وضع محمد الخليلي المتوفى «في حدود عام ٨٠٠ هجرية» بالجامع الأُموي جداول لتنظيم أوقات الصلاة لخط عرض دمشق، وجدولًا يحدد اتجاه القبلة، وغير ذلك.

ارتباط علم الفلك بالإفتاء:

يحتاج من يتصدر للإفتاء إلى الإلمام والاستعانة بعلم الفلك الحسابي الذي يُستدل به على الجهات والقبلة وأوقات الصلوات. وقد ذهب البعض إلى أنه فرض كفاية، قال ابن عابدين: «والحسابي حق، وقد نطق به الكتاب في قوله تعالى: {الشمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن:٥]» اهـ(2).

كما أن علم الفلك الحسابي يُستدل به على تحديد بدايات الشهور القمرية. وفي أخذ علماء الفقه بحقائق ما أنتجه علم الفلك فيما يتصل بهذا الموضوع ما يكون له آثار إيجابية مفيدة وأكيدة لدى جمهور المسلمين؛ فإن الوصول إلى اعتماد منهجية موحدة لمعالجة إشكالية تحديد بدايات الشهور القمرية من شأنه أن يظهر احترام المسلمين للحقائق العلمية، ويظهرهم أمة واحدة أمام شعوب العالم.

1 كتاب الزيج الكبير الحاكمي، لأبي الحسن ابن يونس (ص٦١).

2 انظر: رد المحتار على الدر المختار (١/٤٤).

علم الجغرافيا

٥

هو العلم الذي يدرس الظواهر الطبيعية والظواهر البشرية على سطح الأرض من حيث توزيعها والعلاقات المتبادلة بينهما.

فلعلم الجغرافيا جانبان: جانب طبيعي وجانب بشري.

وتُعنى الجغرافيا الطبيعية بفروعها بدراسة الظواهر الطبيعية التي لا دخل للإنسان في وجودها، فهي تدرس الأرض باعتبارها فردًا من أفراد المجموعة الشمسية، وتبحث في ظواهر غلافها الصخري والجوي.

ويتداخل علم الجغرافيا مع غيره من العلوم الأخرى التي تلعب دورًا كبيرًا ومؤثرًا في الطابع الجغرافي، ومن هذه العلوم: الاقتصاد والصحة والفلك والزراعة.

أسباب اهتمام المسلمين بعلم الجغرافيا:

لقد حث الإسلام على التأمل ودراسة السماوات والأرض والكون، وتعاقب الليل والنهار، وخسوف القمر وكسوف الشمس وغيرها، وهذه كلها من المقومات الأساسية لعلم الجغرافيا، إضافة إلى أن الإسلام دعا إلى السفر واستعمال العقل لاكتشاف أسرار الكون، فقال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} [العنكبوت: ٢٠]، وكان للعرب اتصالات بأكثر الشعوب والحضارات المحيطة بهم كالحضارة الرومانية والفارسية؛ وذلك بسبب اهتمامهم بالتجارة، وقد أدت هذه الرحلات إلى نمو المعرفة بالأماكن والبلدان، وكانت الفتوحات واتساع الدولة الإسلامية من الأسباب التي أدت إلى الاهتمام بالمعرفة الجغرافية التي تساعد على معرفة أقطار هذه الدولة المترامية الأطراف.

كما كان الحرص على أداء الشعائر الدينية في أوقاتها من أهم أسباب اهتمام المسلمين بالجغرافيا، فقد اهتموا بالتوقيت وتحديده بدقة بواسطة قياس زاوية سقوط أشعة الشمس على سطح الكرة الأرضية؛ لأن تحديد الأوقات بدقة ضروري لأداء الصلوات في أوقاتها، كما اهتم المسلمون بمراقبة الشفق لأن مغيبه هو أول أوقات صلاة العشاء، وقد ذكره الله تعالى في قوله: {فَلَا أُقْسِمُ بِالشفَقِ} [الانشقاق: ١٦]، وكذلك اهتم المسلمون بمعرفة الأهلَّة ورصدها لأنها هي التي تحدد بداية الشهور، ومنها شهر الصوم، وعليها يُعتمد في تحديد يوم وقفة الحجاج بعرفة، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلناسِ وَالْحَج} [البقرة: ١٨٩].

ارتباط علم الجغرافيا بالإفتاء:

ينبغي على من يتصدر للإفتاء الإلمام بمبادئ علم الجغرافيا فإن جُل أركان الإسلام تعتمد في أدائها على مواقيت زمنية ومكانية، فتحرير أوقات الصلوات في البلاد يتوقف على معرفة عروضها وأطوالها المقررة في علمها.

ولذلك وضع علماء المسلمين في كل قطر إسلامي حدودًا زمنية لإقامة الصلاة، وما تزال الأدوات التي تقاس بها مواعيد الصلاة موجودة في بعض المساجد القديمة، وتسمى بالساعات الشمسية، كما أن الصلاة تُستقبل فيها جهة محددة وهي الكعبة في مكة، ولذلك وجب على من يتصدر للفتوى معرفة الاتجاهات الجغرافية لتحدد قبلة الصلاة في كل مدينة أو قرية.

ولا تختلف الحال كثيرًا في الصيام الذي يحُدد أداؤه بحدود شهرية وحدود يومية.

وكذلك يرتبط الحج والعمرة بمواقيت مكانية للإحرام، وهي مختلفة في أبعادها من مكة حسب الجهات التي يأتي منها المسلمون لأداء الفريضة، وكان ضروريًّا معرفة تلك المواضع التي يتم إحرام الحجاج والمعتمرين منها حتى لا يترتب عند تجاوزها مخالفة شرعية تؤثر على صحة العبادة. إلى جانب أن الحج يرتبط بميقات زمني محدد: {الْحَجُ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}، وهي التي تتركز حول شهر ذي الحجة؛ لأن الحج مرتبط بالوقوف بعرفة في يوم التاسع من شهر ذي الحجة، فمن فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج، وهكذا.

وهذه المواقيت المكانية ثابتة بالسنة الصحيحة والإجماع القطعي، وقد كان أمر هذه المواقيت واضحًا؛ فهي تقع على الطرق المؤدية لمكة من كل الجهات، وقد كان الناس كلهم أو غالبهم يقدمون من تلك الطرق فيحرمون من تلك المواقيت.

وقد تطورت وسائل المواصلات، وتعددت الطرق الموصلة إلى مكة، واستطاع الإنسان أن يأتي من أطراف الأرض عبر الطائرات فيحرم في الجو، فلا يرى الميقات المحدد له ولا يمر به، وهذا حال أغلب الحجاج الذين يأتون من شتى بلدان العالم، ولأجل هذا استجدت مسائل ونوازل في أحكام المواقيت المكانية، أشكلت تلك المسائل على كثيرين، من هذه المشكلات تحديد معنى محاذاة المواقيت، وهذه مشكلة كبيرة يحتاج إلى حكمها غالبية الحجاج الذين يأتون من خارج السعودية على خطوط الطيران المختلفة والتي لا تمر بالمواقيت إلا على سبيل المحاذاة. وتحديد معنى المحاذاة يستند إلى علم جغرافية الأرض، وإلى أصل مشروعية المواقيت.

والمشهور الذي قال به عدد كبير من جمهور العلماء المعاصرين وجوب الإحرام بالطائرة حين تمر بمحاذاة الميقات.

وقد نص جمع منهم على جواز الإحرام من جدة لأهل سواكن -ميناء بالسودان- ونحوهم ممن يأتي من غرب جدة تمامًا دون غيرهم؛ وعللوا ذلك بأنهم يصلون جدة قبل محاذاة يلملم والجحفة دون غيرهم.

كما يستعين من يتصدر للإفتاء بعلم الجغرافيا عند التقاضي في وقف على بلد من بلاد دولة من الدول معينة شُكَّ في كون تلك البلد من حوزتها وحدودها؛ فإن ذلك يتوقف على علم الجغرافيا، فمنه يُعلم دخولها في شرط الواقف أو عدم دخولها.

علم الرياضيات

٦

يمكن تعريف علم الرياضيات بأنه: العلم الذي يهتم بدراسة الحساب والأرقام والمعادلات التي تربط هذه الأرقام ببعضها البعض.

وفروع الرياضيات الأساسية هي: علم الحساب، وعلم الهندسة، وعلم حساب المثلثات، وهو ذلك العلم الذي ينظر في النسب القائمة بين أضلاع المثلث وزواياه، وقد أطلق المسلمون على هذا العلم اسم «علم النسَب»؛ نظرًا لأنه يبحث في النسب بين أضلاع المثلث.

أهمية هذا العلم في حياتنا:

مما لا شك فيه أن لعلم الرياضيات أهمية قصوى في شتى جوانب الحياة، فهذا العلم يؤثر في طريقة التفكير لدى الإنسان فتجعله منظمًا ومرتبًا.

كما أن الرياضيات تتداخل مع الكثير من العلوم فهي تخدم الكيمياء والفيزياء وعلوم الفضاء وغيرها من العلوم؛ مما يطور هذه العلوم التي تساعدنا على تحسين حياتنا.

كما تتدخل الرياضيات في سلوكيات حياتنا اليومية مثل العمليات الحسابية ومراقبة الساعة وحساب الوقت ومعرفة مقادير الطبخ وتصميم البيوت وقيادة السيارات وتحديد السرعات وغير ذلك من أنشطة الحياة المختلفة.

اهتمام المسلمين بالرياضيات:

وقد عرف المسلمون علم الرياضيات بعد ترجمة المأثور من معارف هذا العلم في الحضارات السابقة: اليونانية والهندية، والفارسية، ولم يكن المسلمون عالة على ما وَرِثوه، بل نجحوا في أن يُطوروا هذه المبادئ المعرفية المتباينة لعلم الرياضيات.

ولم تكن الممارسة الرياضية منفكةً عن العلوم الإسلامية الدائرة على الوحي ولا على اللغة العربية لغة الوحي؛ ولذلك تم الإفتاء من قِبَل الفقهاء بإدراج علم الرياضيات في النظام التعليمي للأطفال في سن مبكرة، فنص محمد بن عبد السلام سحنون (ت ٢٥٦ هـ) أحد كبار مؤسسي الفقه المالكي بالغرب الإسلامي في رسالته «آداب المعلمين» على استحباب تعليم الحساب للأطفال.

وكان الفقيه شقران بن علي القيرواني (ت ١٨٦ هـ) شيخ الفقيه سحنون فقيهًا رياضيًّا، ومن أعلام الحِساب.

ومن أشهر علماء العرب الذين برعوا في الرياضيات محمد بن موسى الخوارزمي، الذي عاش فيما بين القرنين الثاني والثالث الهجريين؛ فهو يُعد مؤسس علم الجبر بكتابه الشهير «الجبر والمقابلة»، وهو الذي اكتشف الأعداد العربية التي أصبحت فيما بعد الأعداد العالمية التي نستخدمها الآن.

ارتباط علم الرياضيات بالإفتاء:

يحتاج الفقيه إلى الإلمام بعلم الرياضيات في الإفتاء في المسائل المتعلقة بعلم الفرائض (المواريث) فإن هذا العلم له صلة وطيدة بعلم الرياضيات، فهو في جملته قواعد في الفقه والحساب، يُتوصل بها إلى معرفة نصيب كل وارث من التركة.

ويشير الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه «تكوين العقل العربي» إلى العلاقة بين الرياضيات والفقه، وفضل علم الفقه على علم الجبر قائلًا: «إن حاجة الفقه النظري -وبكيفية خاصة علم الفرائض- قد دفعت بالرياضيات العربية إلى التطور والتجدد، بل ربما إلى اختراع علم الجبر والمقابلة، إننا نكاد نجزم بأن الجبر العربي يدين في وجوده للفقه والفقهاء»(1).

فعلى ذلك فعلم الجبر هو ابتكار إسلامي منبعه الفقه، سواء من حيث الباعث أو الموضوع أو المصطلح، وقد أسس الخوارزمي لعلم الجبر بصفته العالم الفقيه، وغرضه الأول حل القضايا الفقهية، فقد ذكر هو نفسه ذلك في كتابه «الجبر والمقابلة» قائلًا: «على أني ألفت من كتاب الجبر والمقابلة كتابًا مختصرًا حاصرًا للطيف الحساب وجليله، لما يلزم الناس من الحاجة إليه، في مواريثهم ووصاياهم وفي مقاسمتهم وأحكامهم وتجاراتهم، وفي جميع ما يتعاملون به بينهم، من مساحة الأرضين وكري الأناهر والهندسة، وغير ذلك من وجوهه وفنونه»(2).

كما يحتاج الفقيه أو المفتي إلى علم الرياضيات في حساب قسمة الشركات ومقادير زكاة المال.

كما يستعين الفقيه بمبادئ الهندسة في حسم المنازعات في مساحة قطع الأرض، كما يستعين بمبادئ حساب المثلثات فيما يتعلق باتجاه القبلة وتحديد الزاوية المسموحة لانحراف المصلي عنها.

1 تكوين العقل العربي، للدكتور محمد عابد الجابري (ص٩٨، ٩٩).

2 كتاب الجبر والمقابلة لمحمد بن موسى الخوارزمي، (ص١٥، ١٦).

تكامل العلوم الشرعية مع العلوم الإنسانية والتطبيقية

٧

إن الله سبحانه خلق الإنسان خليفةً وحمله الأمانة، وأمره بإعمار الأرض، وجعل ذلك -مع صلاح النية- جزءًا من العبادة. فهذا العقل الذي أنعم الله به على الإنسان أتاح له أن يكون مخيرًا بين الإصلاح والإفساد، وهذا لب الابتلاء، فإذا أخذ طريق الإعمار فسيكون قد فهم مراد الله سبحانه ونجح في امتحانه، وإذا أخذ طريق الجهل والإفساد فقد غره عقله وأساء الفهم واختار طريق الفاشلين.

وهذا المعنى قد أدركه مبكرًا علماء المسلمين، فاهتموا بالعلوم الإنسانية والتطبيقية بجانب العلوم الشرعية، ولم يروا في ذلك تعارضًا بل وحدةً وتوافقًا، فكل تلك العلوم مصدرها واحد، فكلها مستقاة من علم الحكيم العليم الذي خلق الإنسان بفطرته وطبعه متعلمًا، فكيف سيحدث التعارض؟! فلا خوف إذن، بل ولا كِهانة، ولا حَجر على المسلمين في أن يتعلموا تلك العلوم ويتفننوا فيها، فلن يجدوا فيها إلا توافقًا مع الشرع، فليس في الإسلام خرافةٌ يخشى كهانُها إذا انتشر العلم بين الناس من فضحِها، بل هو دين علم وبدأ بالعلم، وحث الناس على التعقل والتفكر في آيات الله سبحانه في السموات والأرض.

فلا عجب إذن أن ينتشر في ذلك الزمان لفظ «العالم الموسوعي» أو «العالم المتفنن»، والذي يعبر عن ذلك العالم المشارك في مختلف العلوم، فإذا فتحت كتبَ التراجم التي عُنيت برجال ذلك العصر فكثيرًا ما ستقع عينُك على ألفاظ مثل: الفقيه الطبيب الفلكي، الفقيه الأصولي الفيلسوف، الأديب الجغرافي المؤرخ، المحدث الكيميائي… وهذا مع الاختصار طبعًا، فهناك من علماء ذلك العصر من شارك في أكثر من أربعة عشر علمًا مختلفًا.

إن العلم هو نور ذلك الكون وسبب إعماره، وذلك التكامل بين فروعه المختلفة هو الذي يؤدي إلى التقدم والازدهار، أو بعبارة أخرى: يصنع الحضارة.

اترك تعليقاً