البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

التمهيد: تعريف بالدراسات المستقبلية ونشأتها

نشأة الدراسات المستقبلية وتكونها

136 مشاهدة

يرى كثير من العلماء والمؤرخين أن استشراف المستقبل جِبِلة أصيلة في النفس الإنسانية. يقول ابن خلدون: «اعلم أنَّ من خواص النفوس البشرية التشوُّف إلى عواقب أمورهم، وعلم ما يحدث لهم من حياة وموت وخير وشر، سيَّما الحوادث العامة كمعرفة ما بقي من الدنيا، ومعرفة مدد الدول أو تفاوتها. والتطلع إلى هذا طبيعة للبشر مجبولون عليها، ولذلك تجد الكثير من الناس يتشوَّفون إلى الوقوف على ذلك في المنام، والأخبار من الكهَّان لمن قصدهم بمثل ذلك من الملوك والسُّوقة معروفة، ولقد تجد في المدن صنفًا من الناس ينتحلون المعاش من ذلك لعلمهم بحرص الناس عليه فينتصبون لهم في الطرقات والدكاكين يتعرَّضون لمن يسألهم عنه، فتغدو عليهم وتروح نسوان المدينة وصبيانها وكثير من ضعفاء العقول يستكشفون عواقب أمرهم في الكسب والجاه والمعاش والمعاشرة والعداوة، وأمثال ذلك»(1).

ولذا لم يكن الاهتمام بالمستقبل والتطلع إليه والإعداد له وليد هذا العصر، بل كان منذ القدم بألوان وطرق مختلفة.

ولقد مرت محاولات اكتشاف المستقبل بمجموعة من التطورات المتلاحقة عبر التاريخ، غير أن هذه المحاولات لم ترقَ إلى درجة البحث العلمي إلا في العصور الحديثة.

ويتضح ذلك مما يلي:

تميزت معظم المجتمعات في العصور القديمة والوسطى بمحاولة التنبؤ بالمستقبل على النحو التالي:

  1. فالرعاة القدماء كانوا وهم يحرسون قطعانهم بالليل في وادي نهر دجلة والفرات ينظرون إلى السماء، وتصوروا أن الكواكب والأبراج السماوية تمثل حيوانات تخيلية وأشياء أخرى.
  2. ربط الكهنة والبابليون بين الكواكب وبعض مقدساتهم، ومن هنا توصلوا إلى فن الفلك، وهي ممارسة للتنبؤ بحوادث المستقبل من دراسة الكواكب وأماكنها بالنسبة لبعضها البعض.
  3. وكان للملوك والأباطرة في العصور الوسطى أناس خصيصون يقرءون لهم الطالع ويقدمون لهم النصح في أمورهم المختلفة(2).

أما عن البدايات العلمية للدراسات المستقبلية الحديثة فقد اختلفت آراء الكتَّاب بشأنها، غير أن ثمة تطورات متلاحقة يمكن الجمع بينها من خلال كتابات الباحثين على النحو التالي:

١-يرى البعض أن أول محاولة استشرافية علمية ترجع إلى نهاية القرن الخامس عشر، الذي شهد ظهور كتاب توماس مور المعروف باسم «اليوتوبيا» الذي يطرح فيه تصورًا مستقبليًّا للمجتمع المثالي الذي يخلو من كافة أشكال الاضطهاد والظلم والأنانية.

ثم وضع فرنسيس بيكون (١٥٦١-١٦٢٦م) الذي يعد رائد المادية الإنجليزية مؤلفه «الأطلنطيس الجديدة» حيث تصور فيه مجتمعًا مثاليًّا مبنيًّا على العلم في جزيرة خالية أطلق عليها (جزيرة بن سالم)، وفيها معهد للأبحاث يُعرف باسم (بيت سليمان).

٢-ويرى هارلود شان أن أول من قام بعملية استشراف للمستقبل هو الفيلسوف الفرنسي فولتير (١٦٩٤-١٧٧٨م) حيث اقترح مصطلح (prévoyance) بمعنى الاستبصار؛ ليستخدم لوصف هذه العملية الاستشرافية.

٣-وفي فرنسا عام ١٧٥٠م قدم تورجو –الذي اشتهر فيما بعد كسياسي واقتصادي- دراسة مستقبلية سماها (التقدمات المتتالية لعقل الإنسان). وبعد سنوات ألَّف الماركيز دو كوندروسيه كتاب (رسم تخطيطي لتطور عقل الإنسان خلال الحقب التاريخية) تنبأ فيه بكثير من تطورات القرنين التاسع عشر والعشرين.

٤-ويعزو البعض الآخر أول محاولة لاستطلاع مستقبل الجنس البشري على أسس علمية إلى القرن التاسع عشر، والذي شهد النبوءة المشهورة الخاصة بعدد السكان للاقتصادي الإنجليزي توماس مالتوس (ت١٨٤٣م)، والتي نشرها في كتابه «مقال في نمو السكان» عام ١٧٩٨م، وهي رؤية مستقبلية تتسم بالتشاؤم بسبب التناقض الاجتماعي الذي ينتج عن تزايد السكان(3).

ومن الدراسات الأولى أيضًا كتاب (في مئة سنة) لشارل ريشيه، نُشر عام ١٨٩٢م، حدد فيه اتجاهًا إحصائيًّا لنمو السكان في العالم من عام ١٨٩٢م إلى عام ١٩٩٢م، واستنتج أن أقوى دولتين في العالم عام ١٩٩٢م ستكونان الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا؛ إذ سيبلغ مجموع سكانهما حوالي ٦٠٠ مليون، وسيتفوقان على أوروبا نتيجة لانخفاض معدلات الولادة فيها.

وتحدث الكاتب عن مجالات أخرى، مثل توقع بقاء الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا، وأن مصر ستستطيع أن تتحرر من الاستبداد البريطاني، وتوقع للنفط أن يحل محل الفحم بصفته مصدرًا للطاقة، وغير ذلك(4).

٥-وثمة إجماع بين مؤرخي علم دراسة المستقبل على أن هربرت جورج ويلز -أشهر كتَّاب روايات الخيال العلمي- هو أول من صك مصطلح «علم المستقبل»، وقد قدَّم إضافات عميقة في تأصيل الاهتمام العلمي بالدراسات المستقبلية، ودعا صراحة في محاضرة ألقاها في ٢٦ يناير ١٩٠٢م أمام المعهد الملكي البريطاني إلى «علم المستقبل»، وقام فيما بعد بتأصيل دعوته في مؤلفاته: تكوين الإنسان (١٩٠٢م) واليوتوبيا الجديدة (١٩٠٥م)، وشكل الأشياء المستقبلية (١٩٣٣)، وجميعها تدور حول حياة وهموم الأجيال المقبلة(5).

٦-ويعزو إدوارد كورنيش بدايات استشراف المستقبل الحديث إلى الفيلسوف الفرنسي سارتر، الذي وضَّح في سنة ١٩٤٦م الفكرة المستقبلية قائلًا: (أنت حر في ابتكار المستقبل).

وتلا سارتر سنة ١٩٦٠م فرنسي آخر هو (برنارد دي جوفنال) الذي قام بإعداد سلسلة أوراق علمية لتقدير الأحداث السياسية تحت عنوان (مستقبليات). وفي سنة ١٩٦٤م نشر مؤلفه (فن الحدس) رسم فيه الخطوط العريضة لمنهجية تهدف إلى دراسة المستقبل وتأييد فكرة عقد ملتقيات يناقش في إطارها المستقبل(6).

٧-وتؤرخ أكثر الكتابات لنشأة الدراسات المستقبلية بتكوُّن مؤسسة (Rand) الأمريكية، وتحديدًا عند استقلالها عام ١٩٤٨م.

وكان الداعي إلى تكوينها سعي الولايات المتحدة إلى تعزيز إمكاناتها الدفاعية بعد الحربين العالميتين، للحفاظ على أمنها القومي، لاسيما بعد تسلح عدد من الدول بالصواريخ العابرة لآلاف الأميال.

وقد أصبحت مؤسسة (Rand) من أهم الهيئات في الولايات المتحدة التي تُعنى بالتطوير والاستطلاع والتخطيط في الشئون العسكرية والاجتماعية والتعليمية وغيرها، ومثلًا يُحتذى به في البلاد الأخرى.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أخذت الدراسات المستقبلية تتعدى المجالات الحربية البحتة إلى المجالات الأخرى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية وغيرها.

فكما توسعت مؤسسة (Rand) في مجالاتها فقد تكونت بعدها عدد من المؤسسات المعنية بشئون المستقبل من جوانب متعددة(7).

٨-وفي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ازدهرت الدراسات المستقبلية وشهدت انطلاقًا وتوسعًا حقيقيين، فقد أنشئت في هذه الفترة المئات من المؤسسات والجمعيات العلمية والبحثية المختصة في الدراسات المستقبلية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، بالدرجة الأولى، وعُقد عدد من المؤتمرات الدولية المختصة في الدراسات المستقبلية، كما ظهرت كثير من الدراسات المستقبلية في الدول الغربية، حيث توافر في مكتبة (الكونجرس) حتى عام ١٩٧٤م أكثر من خمسة عشر ألف دراسة علمية في الدراسات المستقبلية، كما كوَّنت دول كثيرة جماعات ولجانًا خاصة كجماعات العام ٢٠٠٠ أو جماعات المستقبل وغيرها، أوكلت إليها أمر استشراف المستقبل والتخطيط له في كافة المجالات.

كما اتجهت الدراسات المستقبلية إلى محاولة التحكم في المستقبل وتغييره عن طريق صياغة أشكال من المستقبلات الممكنة، وتطويرها إلى مستقبلات مرغوبة يمكن التخطيط لتحقيقها بأشكال متعددة. كما قرِّرت مناهج الرؤية المستقبلية في التعليم المدرسي والجامعي، وقد بلغ عدد المقررات الدراسية المختصة بالدراسات المستقبلية في المدارس والمعاهد الأمريكية حوالي ٤١٥ مقررًا دراسيًّا موزعًا على ثماني عشرة ولاية أمريكية، كما منحت بعض الجامعات الدرجات العلمية العالية في الدراسات المستقبلية.

كما اتجهت هذه الدراسات نحو العالمية؛ فظهرت دراسات أمريكية عن المستقبل النووي في القارة الآسيوية، وعن الطاقة في العالم العربي، وظهرت دراسات إسرائيلية عن مستقبل اقتصاديات الشرق الأوسط.

كما ظهر أيضًا ما يسمى بــ (النماذج العالمية) التي تناولت جوانب متعددة للنشاطات الإنسانية على مستوى العالم والصور المستقبلية لها. ومنها: النمو السكاني، والموارد الطبيعية، والزراعة، وتلوث البيئة، والتقنية، والتعليم وغير ذلك.

وهذه المظاهر الكثيرة المتعددة التي تميزت بها فترة الستينيات وما تلاها جعلت بعض الباحثين في الدراسات المستقبلية يعدونها التاريخ الحقيقي لبداية هذه الدراسات دون ما قبلها(8).

1 ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، (ص٤١١).

2 أسس دراسة المستقبل في التربية الإسلامية (دراسة تأصيلية) «رسالة لنيل الماجستير» من إعداد: محمد بن أحمد النعيري، (ص٢٧).

3 انظر: أسس دراسة المستقبل في التربية الإسلامية (دراسة تأصيلية). (ص٢٨، ٢٩).

4 الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (رسالة لنيل درجة الماجستير) (ص٥٤).

5 توطين الدراسات المستقبلية في الثقافة العربية الأهمية والصعوبات والشروط، لمحمد إبراهيم منصور، (ص١٨).

6 أسس دراسة المستقبل في التربية الإسلامية (دراسة تأصيلية) (ص٣٠).

7 الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٥٦).

8 الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (ص٥٧-٥٩).

اترك تعليقاً