البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفصل الثامن: نماذج من فتاوى دور وهيئات الإفتاء بالمذهب المالكي.

المبحث الثاني: نماذج من فتاوى المجلس العلمي الأعلى بالمغرب.

366 مشاهدة

المملكة المغربية يغلب عليها كغيرها من دول شمال شرق إفريقيا والتي تعرف بدول المغرب العربي الخمسة -ليبيا، وتونس، والمغرب، والجزائر، وموريتانيا- المذهب المالكي، وهو المذهب الرسمي لهذه البلاد من قديم، وأشهر علمائه وكتبه التي أثْرَت المذهب وحفظته على مر العصور كانت في هذه البقعة من الأرض([1]).

ولذلك فإن الغالبية العظمى من فتاوى المجلس العملي الأعلى بالمغرب مؤسسة على المذهب المالكي، ولا تخرج عنه إلا نادرًا وفي حدودٍ ضيقة تفرضها عليه الظروف والنوازل.

والمجلس العلمي الأعلى مؤسسة دينية حكومية مغربية تُعنى بالإفتاء، يترأسها الملك محمد السادس، ويضم في عضويته سبعة وأربعين عالمًا وعالمة.

وهو منبثق عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، والتي أنشئت عام 1961م، ثم أضيف إلى أنشطتها فرع الإفتاء عام 1993م، حيث أنشئ المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية في عهد الملك الحسن الثاني، وقد اقتصر عدد المجالس العلمية في بادئ الأمر على أربعة عشر مجلسًا ثم ارتفع ليصل سنة 2000م إلى تسعة عشر مجلسًا.

وشهد عام 2004م انطلاق مشروع أُطلق عليه “إصلاح الحقل الديني”، وإعادة هيكلة المؤسسات القائمة على هذا الشأن، الذي أعيد بمقتضاه تنظيم المجالس العلمية، ومراجعة اختصاصات المجلس العلمي الأعلى في اتجاه تفعيل نشاطه. كما عرفت شبكة المجالس توسعًا كبيرًا حيث تضاعف عددها إلى ثلاثين مجلسًا، إضافة إلى ثمانية وستين فرعًا تغطي سائر أقاليم المملكة وعمالاتها([2]).

وتُنشر فتاوى المجلس في المجلة الخاصة به، أو في مجلة وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمملكة المغربية، أو تُجمع في كتاب ينشره المجلس العلمي الأعلى ككتاب “فتاوى الهيئة العلمية المكلَّفة بالإفتاء ما بين عامي 2004-2012م”.

وفيما يلي نذكر نماذج من فتاوى المجلس العلمي الأعلى المؤسَّسة على المذهب المالكي:

أولًا: فتاوى خاصة بالعبادات:

-من فتاوى المجلس العلمي الأعلى بالمغرب المتعلقة بالعبادات: فتوى إقامة صلاة العيد في المنازل والبيوت على الكيفية المشروعة بسبب انتشار وباء كورونا (كوفيد 19).

فقد أصدر المجلس العلمي الأعلى يوم الأربعاء 26 رمضان 1441هـ (20 مايو 2020م) بيانًا في شأن إقامة صلاة العيد في المنازل والبيوت على الكيفية المشروعة بسبب تفشي وباء (كوفيد 19)، جاء في هذا البيان: أن من شعائر دين الله وسننه الإسلامية الراسخة صلاة العيد في الفطر والأضحى، فهي سنة نبوية مؤكدة، سنَّها النبي صلى الله عليه وسلم، وواظب عليها في حياته، وحافظ عليها السلف الصالح والخلف الصالح في كل بلد وجيل من أمته.

والأصل في إقامتها أن تكون في فضاء المصلى أو في المسجد الجامع في الظروف الاعتيادية.

وذكر البيان أن كيفيتها المشروعة المعلومة ركعتان جهرًا بالفاتحة والسورة، وبغير أذان ولا إقامة، وبسبع تكبيرات في الركعة الأولى بتكبيرة الإحرام، وست تكبيرات في الركعة الثانية بتكبيرة القيام، وليست الخطبة شرطًا فيها.

وذكر البيان أنه قد نصَّ علماء المذهب المالكي وغيرهم على سنية إقامتها في المنازل والبيوت على الهيئة المشروعة، حال فوات صلاتها في المصلى أو في المسجد مع الجماعة، أو حال تعذر إقامتها فيهما لداعٍ من الدواعي الاجتماعية في بعض الأوقات والأحوال، كما هو الأمر والحال في الظروف الراهنة الصعبة التي يجتازها المغرب وغيره من البلاد جراء تفشي وباء كورونا (كوفيد 19) وانتشاره، فلا تُصلَّى حينئذٍ لا في المساجد ولا في المصليات، وإنما في المنازل والبيوت، مع الأخذ بسنية الاغتسال والتطيب والتكبير قبل الشروع فيها. كما يستفاد ذلك مما جاء عند الإمام البخاري في باب: “إذا فاته العيد صلى ركعتين”، ونص عليه فقهاء المذهب المالكي.

وذلك لغاية الحفاظ على سلامة نفوس المواطنين وصحة أبدانهم من آفة انتشار العدوى بهذه الجائحة الفتاكة، عملًا بالآية الكريمة: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، والقاعدة الفقهية: “الحفاظ على الأبدان مقدم على الحفاظ على الأديان”، ورجاء حصول الأجر والثواب لمن صلاها في بيته منفردًا أو مع أهله وعياله، كمن صلَّاها في المصلى أو في المسجد مع الجماعة في الظروف الاعتيادية، و«الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى»([3]).

فقد استندت الفتوى إلى المذهب المالكي السائد في المغرب، وقد أشارت هذه الفتوى إلى

أن فقهاء المذهب المالكي ذهبوا إلى أن من فاتته صلاة العيد لداعٍ من الدواعي فإنه يصليها على هيئتها المشروعة، ولا يكون ذلك إلا في المنازل والبيوت، وفي ذلك يقول الخرشي: «يُستحب لمن فاتته صلاة العيد مع الإمام أن يصليها»([4]). وقال القرافي في صلاة العيدين: «يُستحب لمن فاتته مع الإمام أن يصليها على هيئتها»([5]).

ثانيًا: فتاوى متعلقة بالمعاملات:

-من فتاوى المجلس العلمي المتعلقة بالمعاملات: فتواه بخصوص وضع المرأة بالنسبة لتوزيع مستحقات وعوائد الأراضي الجماعية التي تمتلكها القبائل على المشاع فيما بين أبنائها، حيث إنه كان المعمول به أن عوائد الأراضي التي تمتلكها القبائل للرعي والحرث والكراء توزع عائداتها على الرجال فقط دون النساء، مما جعل النساء يطالبن بحقوقهن فيها وخصوصًا من فقدن عائلهن منهن، فرفعت وزارة الداخلية استصدارًا للفتوى بهذا الشأن من المجلس العلمي الأعلى، ومما جاء في الفتوى:

«وقد خلَص المجلس العلمي الأعلى في فتواه إلى أنه لا مانع من استفادة المرأة من التعويضات المادية التي يستفيدها الرجل إثر العمليات العقارية التي تجرى على بعض الأراضي الجماعية، وذلك للمبررات الشرعية والموضوعية التالية:

1- عمومات نصوص الشريعة التي تقضي بالتساوي بين الجنسين في الحقوق والواجبات، ومنها: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ}[النساء: 32].

وعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «النساء شقائق الرجال»([6])، أي في الأحكام الشرعية العامة إلا ما خصَّ به الشرع أحد الجنسين.

وعموم قوله صلى الله عليه وسلم لمن جاءه يُشهِده على عطيَّة أعطاها لولده: «أكُلَّ ولدِك نحَلته؟»([7])، أي: هل أعطيت كل أبنائك وبناتك مثل ما أعطيت هذا الابن؟ ولم يقبل الشهادة عليها.

2- حين برزت في المجتمعات الإسلامية ظاهرة حرمان البنات من التبرعات والهبات ونحوها كان ذلك انحرافًا عن منهج الشريعة الإسلامية في تحقيق العدل الذي جاءت به وأقرته من أحكامها، فتصدى العلماء لهذه الظاهرة، وبينوا مخالفتها للشرع الإسلامي الحكيم.

3- وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم في مقدمة من أنكر حرمان الإناث من تبرعات الآباء، وكانت ترى في إخراج النساء من العطايا واستثنائهن منه فعلًا من أفعال الجاهلية، وهو ما كان يراه الإمام مالك رحمه الله.

وأن عمر بن عبد العزيز حين مات كان يريد أن يرد صدقات الناس التي أخرجوا منها النساء، كما جاء ذكر ذلك والتنصيص عليه في المدونة([8]).

3- تغير العرف الذي بُنِيَ عليه في الجماعات السلالية قصْرُ الاستفادة من هذه العائدات على الرجال دون النساء على اعتبار أن الرجل كان مصدر الحماية في القبيلة والرعاية في العشيرة، وغير ذلك من الذرائع العرفية التي وإن صحت وكانت مقبولةً في الماضي إلا أنها لم تعد اليومَ واقعًا يمكن قبوله والاستناد إليه؛ فقد زال هذا العرف، وصارت الدلة بقوانينها ومؤسساتها هي الحامية للقبائل والعشائر كلها بمن فيها من الرجال والنساء على حد السواء، والراعية لشئونها وشئون غيرها من مكونات المجتمع المغربي وعناصره الحضرية والقروية المتماسكة، ومن المعلوم أن الحكم الشرعي المبني على العرف يتغير بتغيره كما هو مقرر عند الفقهاء.

4- القاعدة الاستصحابية: حيث إن الأصل هو المساواة بين الرجال والنساء فيما بينهم، وبين الرجال فيما يخصهم، وبين النساء فيما يخصهن، حتى يثبت بالدليل خلاف ذلك في مسألة بعينها، وليس في هذه المسألة دليل يخصص الرجال بهذه الاستفادة دون النساء من أراضي الجموع.

5- المتتبع لأصول نقل الحقوق المالية في الشريعة الإسلامية يجد أوها لم تفرق بين الرجال والنساء في هذا النقل، وأنها كما أجازت وشرعت نقلها للرجال شرعت كذلك نقلها للنساء، كما هو الحال في الإرث والوقف والهبة والشفعة والعمرى والرقبى، وغير ذلك من وجوه الحقوق المالية وتناقلها من السلف إلى الخلف.

6- دلت عمومات نصوص الشريعة على أن إحياء الأرض الموات -التي لا مالك لها- وذلك بالقيام باستصلاحها وخدمتها والانتفاع بمنتوجها يوجب تملكها لمن أحياها من الرجال والنساء جميعًا، ولم تخص في ذلك الرجال دون النساء.

والأصل فيه من الجهة الشرعية الحديث الصحيح أن النبي قال: «من أحيا أرضًا ميتةً فهي له»([9])، وقال: «من أعمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق بها»([10]).

7- قيام الحاجة إلى إشراك النساء في الاستفادة من منفعة أراضي الجموع ومنتوجها الفلاحي باعتبار المرأة من الأسرة العامة ومندمجة في الجماعة أثناء الانتفاع بتلك الأراضي واستغلالها الزراعي، ومن التعويضات والعائدات المالية حين حصول شيء من البيع والتفويت فيها؛ لأن منهم المُعيلات لأصولهن وفروعهن وغيرهم من قرابتهن وذويهن، فضلًا عن استوائهن مع الرجل في العمل وبذل الجهد وخدمة العشيرة والقرابة، بل قد تفوق بعض النساء كثيرًا من الرجال في ذلك.

فيكون ما تستحقه المرأة من ذلك وتستفيده بمثابة الأجر على ما قامت به من عمل غير مطلوب منها شرعًا لفائدة الأسرة الخاصة أو العامة، وتقديرًا لما بذلته من مجهود بدني إلى جانب الرجل لإعانته على تقوية الإنتاج الفلاحي ومضاعفة محصوله الزراعي، أو جَنْيه للمحاصيل حين الإنتاج والنضج، مما يصطلح عليه فقهًا بعبارة (الكَد والسعاية)، ويعتبر من قبيل العوض المادي عن ذلك، كما يراه بعض فقهاء المغرب في شأن من تقوم بمثل تلك الأعمال من نساء البادية، لا من قبيل الإرث والتوارث الشرعي الذي له أسبابه وأحكامه الشرعية الخاصة به والمفصَّلة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والتي أجمع عليها الفقهاء سلفًا وخلفًا.

وقد نصت مدونة الأسرة في المادة (49) على أنه: “إذا لم يكن هناك اتفاق بين الزوجين في تدبير أموالهما التي تكتسب أثناء قيام الحياة الزوجية فيُرجع إلى القواعد العامة للإثبات، مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين وما قدمه من مجهودات، وما تحمله من أعباء لتنمية الأسرة”.

وخلاصة الرأي الفقهي بشأن وضع المرأة في الجماعات السلالية ومطلب استفادتها من بعض المكاسب المادية والاجتماعية التي يستفيدها الرجل داخلها، واستنادًا لكل ما تقدم من الأحكام الشرعية والقواعد الفقهية العامة، والإشارة إلى الظهائر الشريفة المتعلقة بالموضوع والمنظمة لتفاصيل أحكامه: فإن الرأي الفقهي الذي خلص إليه المجلس العلمي الأعلى هو أن مسالة حرمان المرأة من بعض الحقوق المالية والمكاسب الاجتماعية في مثل هذه الحال هو حال كان عليه أهل الجاهلية قبل الإسلام، فجاء الإسلام الحنيف بتكريم المرأة وإنصافها، وتمتيعها بالحقوق الحقوق المالية التي شرعها لها، بدءًا من حقها في الإرث من قريبها المتوفَّى وفق القسمة الشرعية، إلى غير ذلك من الحقوق الأخرى.

فأبطل الإسلام كل الأعراف والعوائد التي كانت تَحرِم المرأة من حقوقها الإنسانية وتعتبرها إنسانًا ناقص الأهلية، وكفل لها كافة الحقوق، بالبيان الواضح في القرآن والسنة، وتطبيقات السلف الصالح وأئمة الأمة سلفًا وخلفًا.

وبناءً على ما سبق؛ فإن من حق المرأة في الجماعات السلالية أن تستفيد كما يستفيد الرجل من الانتفاع بالأراضي الجماعية ومنتوجها داخل الأسرة والجماعة خلال حصول الانتفاع بها، وأن تستفيد كذلك من كل تقسيم للمنفعة إذا حصل تقسيم فيها، ومن العائدات المالية التي تحصل عليها الجماعة إثر العمليات العقارية التي تجري على الأراضي الجماعية، وأن يكون ذلك بمعايير عادلة يتبين على أساسها من يكون جديرًا بتلك الاستفادة وأحق بها، وتعطي لكل ذي حق حقه في اطمئنان من رجال ونساء تلك الجماعات، إنصافًا للمرأة في مثل هذه الأحوال من المكاسب المادية والعطاءات الاجتماعية والتبرعية، بناء على تلك المعايير الموضوعية المنصفة، وتحقيقًا للعدل الذي جاء به الإسلام»([11]).

فقد تناولت هذه الفتوى حق المرأة في الانتفاع بعوائد أراضي الجماعات السُّلالية بالمغرب، وهي تلك الأراضي التي ترجع ملكيتها إلى جماعات سلالية في شكل قبائل أو عشائر قد تربط بينهم روابط عائلية أو عرقية أو دينية، وحقوق الأفراد فيها غير متميزة عن حقوق الجماعة حيث ينتفع بهذه الأراضي أعضاء هذه الجماعات السلالية منفعة مشتركة.

وقد أظهرت هذه الفتوى عظمة الإسلام الذي كرَّم المرأة وكفل لها كل الحقوق المشروعة شأنها شأن الرجل، باعتبار أن النساء شقائق الرجال أي نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع كأنهن شققن منهم، فقررت أن من حق المرأة في هذه الجماعات السلالية أن تستفيد كما يستفيد الرجل من الانتفاع بهذه الأراضي الجماعية ومنتوجها.

ثالثًا: فتاوى تتعلق بالمستجدات:

-من هذه الفتاوى: فتوى المجلس العلمي بخصوص مشروعية استخدام جهاز لرصد الكحول في دم السائقين، ردًّا على سؤال وزارة النقل والتجهيز حول حكم هذا الإجراء حفاظًا على سلامة العنصر البشري من أخطار المرْكبات، ونصها:

 «إن السؤال المطروح حول مشروعية استخدام الجهاز المعد لرصد درجة تناول الكحول من طرف بعض السائقين، واعتباره وسيلة علمية حديثة لثبوت ذلك، ولكونه أصبح مجربًا ومعمولًا به لدى بعض الدول، وأعطى نتائج إيجابية، فإن السادة العلماء الذين استشارهم السيد الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى قد أجمعوا على جواز استعمال هذا الجهاز، مع التأكيد على ضرورة التثبت من سلامته ودقة نتائجه، ومراعاة الاطمئنان إلى من يُعهَد إليه بذلك وأمانته وحسن استخدامه بما لا يؤدي إلى أدنى رَيبٍ في إثبات تعاطي المسكر عند من يُختبر بذلك الجهاز، وحتى لا يظلم أحد فينسب إليه من ارتكاب تعاطي المنكر المحظور ما هو بريء منه، لأن الأمر يقتضي التحري والتثبت بجميع الوسائل الممكنة»([12]).

فيُلاحظ في هذه الفتوى أن المجلس العلمي الأعلى اعتمد على الأصل الذي يستند إليه الفقه المالكي من اعتبار المصالح المرسلة متى ثبت أثرها بالتحقق منها. وهنا في واقعة السؤال: وجد المجلس أن استخدام هذا الجهاز هو وسيلة علمية مجرَّبة تمكِّن من التثبت من واقعة تناول الخمر من عدمه، والفتوى هنا تبتغي الغاية من قياس نسبة الكحول في الدم وهي: منعُ السائق من القيادة وهو في هذه الحالة؛ لما في ذلك من خطرٍ على نفسه وعلى باقي الناس.

-ومن هذه الفتاوى أيضًا: فتوى المجلس العلمي بجواز إيصاء الإنسان في حياته بالتبرع بقرنية عينه لفائدة نقلها منه عقب وفاته وزرعها في عين إنسانٍ آخر؛ ليستعيد بها سلامة نظره وعافية بصره، ونصها:

«السؤال: تقدمت الجمعية المغربية لجراحة قرنية العين والمياه البيضاء وزرع العدسات باستصدار فتوى من المجلس العلمي الأعلى حول بيان حكم شرع الإسلام في الوصية حال الحياة بالتبرع بقرنية العين بحيث تؤخَذ منه عند وفاته لفائدة زرعها في عين شخص آخر، وما إذا كان في تبرعه بها حينئذٍ أجر أو ثواب عند الله تعالى، وهل يدخل في باب الصدقة الجارية أو لا؟

الجواب: يجوز إيصاء الشخص بهذا الأمر على هذه الصفة المذكورة، وذلك بعدة مبررات شرعية منها:

-اعتبار هذا التبرع نوعًا من فعل الخير والتعاون عليه، ويندرج في إطار تنفيس الكربة عن المسلم، وتخفيف الشدة والضائقة عن الإنسان المكروب في مثل هذه الحال وغيرها، ويندرج كذلك في باب الإحسان، وكذا في باب الصدقة الجارية التي يستمر للمتصدق بها في حياته ثوابها وأجرها عند الله بعد مماته.

-إن عملية أخذ قرنية العين من إنسان متوفى كان قد أذِن بذلك وأوصى به في حياته تطوعًا وتبرعًا منه لفائدة زرعها بعد مماته في عين إنسان آخر محتاجٍ إليها غايةَ الاحتياج في استعادة سلامة نظره وعافية بصره تُعد في حد ذاتها -من وجهة النظر الشرعية، ووفق اجتهاد بعض المجامع الفقهية والعلماء المعاصرين- عمليةً طبية إنسانية، ووسيلةً علاجية إنقاذية لمن كان مصابًا بآفة ضعف النظر، أو معرَّضًا لفقد حاسة البصر التي هي من أكبر نعم الله تعالى على الإنسان، من الحواس الظاهرة الأساسية في حياته، والمساعدة له على القيام بمختلف الأعمال على أحسن وجه وأكمل حال.

-وهي بذلك تعتبر نوعًا من الإحياء النفسي والمعنوي للإنسان بالحفاظ على حياته وصحته، وعلاج عضو من أعضاء جسمه وبدنه.

-كما تندرج هذه العملية تحت مبدأ اليسر ورفع الحرج عن الناس في بعض الأمور والأحوال، وهو مقصد عظيمٌ وأساسيٌّ جاء به دين الإسلام.

-كما تعتبر هذه العملية في نظر أكثر الفقه المعاصر نوعًا من التداوي المشروع لكل الأمراض العارضة للإنسان، والعلاج الممكن والمطلوب لكل الآفات والعاهات الطارئة له في جسمه وبدنه، والذي أصبح الآن ممكنًا اكثر من أي زمنٍ مضى، بحكم التطور والتقدم الذي بلغه علم الطب في الوقت الحاضر.

ومع ذلك ينبغي التنبه إلى أن هناك شروطًا شرعية وجوانب إنسانية ينضبط بها هذا النوع من التبرع والعملية الطبية والإنسانية المفيدة نص عليها الفقهاء المعاصرون، وتجب مراعاتها واستحضارها عند ذلك لتكون وفق منظور الإسلام ومقبولة في شرعه، ويتحقق بها للمتبرع حسن مراده ومقصده، وهي تتجلى فيما يلي:

1- بالنسبة للمتبرع: ينبغي أن يكون تبرعه مجانيًا دون أخذ عوضٍ أو مقابل، وناويًا به وجه الله تعالى، وادخار الأجر والمثوبة للحياة الأخرى الباقية، وقاصدًا به نفع الغير في الدنيا؛ ذلك أن جميع أعضاء جسم الإنسان وسائر أنسجة بدنه ليست سلعةً مادية تباع وتشترى، ويتصرف فيه المرء كما يحلو له ويريد، وإنما هي كلها مخلوقة لله تعالى ومملوكة له، ونعمة منه تفضَّل بها على الإنسان، ويسَّرها له وسخرها، وكرَّمه بها ليحافظ عليها في حياته وينتفع بها في نفسه، ويتمكن بها من أداء رسالته المنوطة به في أمور دينه ودنياه.

2- وبالنسبة للقيام بإجراء هذه العملية: ينبغي أن تكون هناك مصلحة محققة يقينًا، أو تغليبًا للظن ورجحانه الذي يعتبره الفقه الإسلامي في عديد من الأمور والأحوال بمثابة اليقين المتأكد.

3- أن يقع التثبت والتأكد يقينًا كذلك أو تغليبًا للنظر بنجاح العملية وإفادتها للمتبرَّع عليه بالقرنية، وقابلية عينه لها باعتبارها نسيجًا جديدًا يدخل جسمه حتى لا تكون النتيجة عكسية»([13]).

فقد أوردت هذه الفتوى الحجج الشرعية والعلمية المبررة لتبني موقف الجواز، كما انفتحت على فتوى في هذا الصدد صادرة عن الدورة الثامنة لمجلس المجمع الفقهي الإسلامي بالمملكة العربية السعودية عام 1405هـ بشأن موضوع زراعة الأعضاء، والتي اعتبرت أن أخذ العضو من إنسان ميت لإنقاذ إنسان آخر مضطر إليه أمر جائز، بشرط أن يكون المأخوذ منه مكلفًا، وقد أذن بذلك حال حياته.

 

 

 

([1]) نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الفقهية الأربعة، أحمد تيمور باشا، مرجع سابق، (ص63-67).

([2]) الفتوى بالمغرب في ضوء عمل المجلس العلمي الأعلى (قراءة في المسار والمرتكزات)، د. محمد أوزبان، بحث محكم مُقدَّم إلى مؤتمر الفتوى واستشراف المستقبل، (ص192-194).

([3]) انظر: موقع وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمملكة المغربية.

([4]) انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (2/104).

([5]) الذخيرة (2/423).

([6]) أخرجه أبو داود، رقم (236)، والترمذي، رقم (113).

([7]) أخرجه البخاري، رقم (2586)، ومسلم، رقم (1623).

([8]) انظر: المدونة للإمام مالك (4/423).

([9]) أخرجه أبو داود، رقم (3073).

([10]) أخرجه البخاري، رقم (2335).

([11]) الفتوى بالمغرب في ضوء عمل المجلس العلمي، (ص218، 222).

([12]) الفتوى بالمغرب في ضوء عمل المجلس العلمي (ص207-209).

([13]) الفتوى بالمغرب في ضوء عمل المجلس العلمي، (ص211، 214).

اترك تعليقاً