البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفصل الخامس: تعدد الروايات والأقوال في المذهب المالكي.

المبحث الأول: مفهوم ظاهرة اختلاف الروايات والأقوال الفقهية في المذهب.

222 مشاهدة

المذهب.

يمكن تعريف الظاهرة بأنها: «حادث طبيعي يبدأ بشكل محدود ثم ينتشر ويكبر حتى يصبح أمرًا معروفًا ومألوفًا، وقد يكون إيجابيًّا كما يكون سلبيًّا».

إن اختلاف الروايات والأقوال الفقهية وتعددها في المذهب المالكي قضية جلية يصدق عليها هذا التعريف، فقد بدأ الاختلاف الفقهي في المذهب بوتيرة محدودة في عصر الإمام مالك رحمه الله، ثم أخذ في الانتشار شيئًا فشيئًا مع تكاثر أئمة المذهب وامتداده في الآفاق إلى أن أصبح ظاهرة مألوفة لا سيما في عصر الاجتهاد والصناعة الفقهية([1]).

وتتجسد هذه الظاهرة في أمرين:

الأول: كثرة ما نُقل عن الإمام مالك رحمه الله من الآراء والأقوال والأسمعة في فروع فقهية كثيرة ومختلفة، بعضها من نوازل ذلك العصر، وبعضها من أسئلة التلاميذ لشيخهم في سبيل التفقه وتحصيل العلم.

فقد اختلف ابن القاسم وأشهب ذات يوم في قول مالك في مسألة، وحلف كل واحد منهما على نفي قول الآخر، فسألا ابن وهب فأخبرهما أن مالكًا قال القولين جميعًا، فكفَّرا عن اليمين التي حنثا فيها([2]).

فهذه الحادثة شاهد على أن اختلاف الرواية الفقهية عن الإمام مالك قد بدأ ظهوره مع الإمام رحمه الله.

وهذه السماعات والمسائل المنقولة عن الإمام رحمه الله كثيرة تبلغ الألوف، فقد ذكر الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد»: «أن أبا العباس السراج قال يومًا لبعض من حضر -وأشار إلى كتب منضدة عنده: هذه سبعون ألف مسألة لمالك»([3]). قال القاضي عياض: «هي جواباته في أسمعة أصحابه التي عند العراقيين»([4]).

الأمر الثاني: ويتمثل في كثرة اجتهادات أئمة المذهب وفقهائه بعد وفاة الإمام مالك رحمه الله.

فقد اختلف تلاميذ الإمام في استنباطهم اختلافًا كثيرًا، وأُضيفت بعض أقوالهم التي لم يُعرف لمالك رأي فيها إلى المذهب، وكذلك أُضيفت إلى المذهب أقوالُهم التي خالفوا بها إمامهم؛ وذلك لأنها مبنية على أصول المذهب وقواعده، وبعد التلاميذ اختلف المخرِّجون -على اختلاف أقاليمهم وبيئاتهم- في تخريجهم في المذهب فكان هذا الاختلاف سببًا في كثرة الأقوال.

ونظرًا لأن المذهب المالكي يتسم بكونه مذهبًا متجددًا يراعي مصالح الناس وأعرافهم وظروفهم إضافة إلى كثرة أصوله وتنوعها فإن من البديهي أن تكثر فيه الروايات والأقوال، وتتسع فيه دائرة الخلاف، فما من مسألة إلا ونُقلت فيها روايات وأقوال مختلفة.

ولقد ظل المذهب المالكي معروفًا بكثرة الأقوال والروايات حتى عصر التقليد في حدود القرن الثامن، حيث ظهرت المختصرات الفقهية التي تقتصر على المشهور من الأقوال، كمختصر ابن الحاجب (ت 646هـ) ومختصر الشيخ خليل (ت 776هـ).

ففي هذا الطور وازن الأئمة والفقهاء بين الأقوال والآراء المختلفة، وبيَّنُوا مرتبة كل قول منها من حيث اعتماده من عدمه، ومنهج تقديم بعضها على بعض عند التعارض، ليكون ذلك عونًا للقاضي والمفتي في كيفية التعامل مع تلك الثروة الفقهية من الروايات والأقوال([5]).

 

 

 

([1]) انظر: ظاهرة اختلاف الروايات والأقوال الفقهية في المذهب المالكي دراسة نظرية تأصيلية، للدكتور الحسان بوقدون (ص17)، دار الكتب العلمية-بيروت.

([2]) انظر: ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض (3/260)، مطبعة فضالة-المحمدية، المغرب.

([3]) انظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (2/56)، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي-بيروت.

([4]) انظر: ترتيب المدارك وتقريب المسالك (2/94).

([5]) انظر: ظاهرة اختلاف الروايات والأقوال الفقهية في المذهب المالكي (ص17-19).

اترك تعليقاً