البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفصل الخامس: تعدد الروايات والأقوال في المذهب المالكي.

المبحث الرابع: تعريف الأقوال والروايات وأنواعها.

173 مشاهدة

المطلب الأول: تعريف الأقوال والروايات لغة واصطلاحًا:

الأقوال لغة: جمع قول. والقول في اللغة: مصدر «قال»، وهو الكلام على الترتيب، وهو عند المحقق كل لفظ قال به اللسان، تاما كان أو ناقصا، تقول: قال يقول قَوْلًا، والفاعل قائل، والمفعول مَقُول([1]).

ويقال: إن ما خرج من الفم إن لم يشتمل على حرف فهو صوت، وإن اشتمل ولم يفد معنًى فهو لفظ، وإن أفاد معنى فقول([2]). ويستعمل على أوجه أظهرها أن يكون للمركَّب من الحروف المنطوق بها مفردًا كان أو جملة([3]).

والروايات لغة: جمع رواية، من روى يروي رواية. تقول: روى فلان الحديث أو الشعر يرويه رواية، فهو راوٍ، وراوية كذلك إذا كثرت روايته، والهاء للمبالغة في صفته بالرواية([4]).

وأصله الري من الماء. قال ابن فارس: «الراء والواو والياء أصل واحد، ثم يشتق منه، فالأصل ما كان خلاف العطش، ثم يصرف في الكلام لحامل ما يروى منه؛ فالأصل رويت من الماء ريًّا، وهو راوٍ من قوم رواة، وهم الذين يأتونهم بالماء؛ فالأصل هذا، ثم شبه به الذي يأتي القوم بعلم أو خبر فيرويه، كأنه أتاهم بريِّهم من ذلك»([5]).

ثانيًا: تعريف الأقوال والروايات في الاصطلاح:

استقرَّ عرف المتأخرين من أئمة المالكية على أن المقصود بالروايات: ما نُقل عن إمام المذهب نفسه من آراء وأقوال في المسائل الفقهية. قال ابن فرحون: «قاعدة المؤلف -يعني ابن الحاجب- وغيره غالبًا أنه إذا أطلق الروايات فهي أقوال مالك رحمه الله، وإذا أطلق الأقوال فالمراد قول أصحاب مالك وغيرهم من المتأخرين»([6]).

وعلى هذا درج الشيخ خليل في «المختصر»؛ فحيث أطلق الروايات فالمراد أقوال مالك، وحيث أطلق الأقوال فالمراد أقوال الأصحاب([7]).

وقيل: إذا ورد لفظ الرواية فهي عن مالك، وإذا ورد لفظ القول فقد يكون عن الإمام مالك أو غيره من الأصحاب([8]).

المطلب الثاني: أنواع الروايات:

الروايات المتعلقة بالمسائل الفقهية من حيث كيفية صدورها عن الإمام مالك رحمه الله: إما أن تكون قولية أو فعلية أو تقريرية أو توقُّفية؛ فالقولية هي النصوص المرفوعة إلى إمام المذهب، بخلاف الروايات الفعلية والتقريرية والتوقفية فإنها ما حُكي عن الإمام أنه فعله أو فعله غيره فسكت عنه أو توقف في الجواب عنه، وسنفرد كل نوع منها بالكلام عنه فيما يأتي:

1-المنصوصات (الروايات القولية):

النص لغة: رفع الشيء، من نص الحديث ينصه: إذا رفعه، وفي الأثر من حديث عمرو بن دينار: «ما رأيت رجلًا أنص للحديث من الزهري» أي أرفع له وأسند، وكل شيء أظهرته فقد نصصته، ومنه الـمِنَصَّة: ما تظهر عليه العروس لِتُرَى([9]).

والنص اسم مشترك يطلق في تعاريف العلماء على معانٍ متعددة أشهرها:

الأول: ما نُقل عن الشافعي رحمه الله أنه سمى الظاهر نصًّا، وهذا المعنى ألصق بالمعنى اللغوي للكلمة.

الثاني: ما لا يتطرق إليه احتمال مقبول ناشئ عن دليل، أما الاحتمال الذي لا يعضده الدليل فلا يُخرج اللفظ عن كونه نصًّا.

الثالث: إطلاق النص على صيغ الكلام الأصلية الواردة عن صاحبها، ومن ذلك نصوص الكتاب والسنة، وهذا المعنى كثير في كلام الفقهاء والأصوليين وغيرهم، وهو من المعاني المولدة التي استعملها الناس بعد عصر الرواية.

ومن هذا المعنى قولنا: «نصوص مالك أو أبي حنيفة أو غيرهما» أو «حكم المسألة الفلانية قد ورد النص به» وما أشبه ذلك، فالمقصود بالنص هنا هو: الصيغة الكلامية المنقولة عن العالم المجتهد.

وقد يُقصد بقولنا: «نص مالك أو أبي حنيفة» المعنى الأول، فيقال بعد ذكر حكم المسألة: «نص عليه» أو «والمسألة منصوصة»: أن كلام المجتهد قد دلَّ على هذا الحكم صراحةً، ولفظه صريح ناطق بهذا الحكم، فإذا أرادوا التعبير بأن لفظ المجتهد غير صريح قالوا مثلًا: «والمسألة في معنى النص»، والمقصود من ذلك أن المسألة مدلول عليها لكن بألفاظ غير صريحة، كأن يكون كلام المجتهد مقتضيًا لشيء أو مشيرًا أو مومئًا إليه.

ولذلك يمكن القول: إن المقصود بالنص أو المنصوص في المذهب هو: «تلك الصيغ الكلامية من أقوال وروايات، والتي صدرت عن المجتهد إما بألفاظ صريحة أو ظاهرة في المعنى المراد، أو ما كان في معناها مما أُخذ بدلالة الاقتضاء أو الإيماء أو الإشارة»([10]).

ويعبر فقهاء المالكية عما ثبت من الروايات عن الإمام مالك بالمعروف، فإذا قالوا: هذا هو المعروف أو المعروف كذا أو نحو ذلك فإنهم يقصدون به الرواية الثابتة عن مالك، ويُطلقون في مقابله المنكر، ويقصدون به الرواية غير الثابتة عن مالك([11]).

طرق معرفة منصوصات الأئمة:

هناك طريقان لمعرفة ما نُقل عن الأئمة من النصوص والأقوال:

الطريق الأول: الكتب التي ألفوها بأنفسهم:

وهذا الطريق أوثق الطرق؛ لأن ما كتبه العالم بيده يصعب أن يتسرب إليه الشك أو الاحتمال، ويضاف إلى ذلك ميزة أخرى أنه قد يتوفر للمجتهد الوقت لتصحيح كتابه وتنقيحه؛ إذ إن ذلك يزيد الثقة بأن الآراء المودعة في الكتاب هي آراء المجتهد ومذهبه الذي كان يراه آخرًا.

ومن أمثلة هذا الطريق كتاب «الموطأ» للإمام مالك رحمه الله، فهو وإن كان كتاب حديث فهو كتاب فقه يشتمل على رأي مالك في المسائل الفقهية التي تشملها موضوعاتُه، ومن أمثلة هذا الطريق أيضًا: كتابا «الأم» و«الرسالة» للإمام الشافعي رحمه الله، وغيرها من الكتب التي تُنسب إلى الأئمة المجتهدين على وجه التحقيق.

فإذا صَحَّتْ نسبة الكتاب إلى المجتهد أمكننا أن نعرف مذهبه في المسائل المبحوث عنها من كتابه([12]).

الطريق الثاني: نقل أصحاب الأئمة لآرائهم وأقوالهم في المسائل المختلفة عن طريق السماع والمشافهة، ولهذا الطريق -وإن تأخر في المرتبة عن سابقه- أهمية كبيرة، لا سيما إذا علمنا أن اعتماد الناس قديمًا إنما كان في الغالب الأعم على الحفظ والسماع لا على المؤلفات، وتلاميذ الأئمة هم الواسطة التي انتشر بها علمهم في سائر الأقاليم والأقطار.

وبرغم فائدة هذا الطريق في نشر علم المجتهد إلا أنه ليس كالأول، من حيث إن المجتهد قد يرجع عن بعض ما نُقل عنه ويكون الناس قد عملوا به، وفي هذا من الخطر ما فيه، ولعل هذا يفسر لنا ما يُرْوَى عن الأئمة أنفسهم من النهي عن الكتابة عنهم لاستشعارهم خطورة هذا الأمر([13]).

نقل القاضي عياض عن القعنبي قال: دخلت على مالك فوجدته باكيًا فسألتُه عن ذلك فقال: ومن أحقُّ بالبكاء مني، لا أتكلم بكلمة إلا كُتبت بالأقلام وحُملت إلى الآفاق([14]).

2-أفعال الإمام (الروايات الفعلية):

والمقصود بأفعال الإمام المجتهد هو ما ثبت عنه أنه كان يقوم به من التصرفات المتعلقة بالتشريع، ونقل إلينا بصورة يقينية لا تحتمل الشك، وما نُقل عن الأئمة في هذا الباب كثير مبثوث في كتب أصحابهم.

الإفتاء بأفعال الإمام مالك:

لا إشكال في أن النصوص المرفوعة إلى إمام المذهب من أقواله تُعد مذهبًا له، وعلى ذلك فإنه يمكن للمفتي أن يفتي بها متى ثبتت نسبتها للإمام مالك، والإفتاء بالقول أشهر صيغ الإفتاء وهو نص في الدلالة على مذهب المفتي، لكن هل تُعد أفعال المجتهد مذهبًا له، بمعنى أنه كلما صدر منه فعلٌ ما أخذنا منه حكمًا شرعيًّا يُنسب إلى مذهبه؟ ومن ثم يُفتَى به.

اختلف العلماء في ذلك إلى رأيين:

الرأي الأول: القول بالجواز، ففعل المجتهد يُنسب إلى مذهبه.

وهو أحد الوجهين عند الحنابلة، وهو قول عامة الأصحاب([15])، وبعض الشافعية([16])، ومال إليه الشيخ ابن تيمية فيمن غلب عليه التقوى والورع، وكانت حاله كالإمام أحمد رحمه الله زهدًا وورعًا([17]).

وإلى هذا القول أيضًا ذهب الإمام الشاطبي المالكي حين قرر أن المفتي قائم في الأمَّة مقام النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الفتوى كما تحصل بالقول تحصل أيضًا بالفعل والإقرار.

فبعد أن ذكر الشاطبي أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم محل للاقتداء بالإجماع قال: «وإذا كان كذلك، وثبت للمفتي أنه قائم مقام النبي ونائب منابه؛ لزم من ذلك أن أفعاله محل للاقتداء أيضًا، فما قُصِد بها البيان والإعلام فظاهر، وما لم يُقصد به ذلك فالحكم فيه كذلك أيضًا من وجهين:

أحدهما: أنه وارث، وقد كان المورِّث قدوةً بقوله وفعله مطلقًا؛ فكذلك الوارث، وإلا لم يكن وارثًا على الحقيقة؛ فلا بد من أن تنتصب أفعاله مقتدًى بها كما انتصبت أقواله.

والثاني: أن التأسي بالأفعال -بالنسبة إلى من يعظم في الناس- سر مبثوث في طباع البشر، لا يقدرون على الانفكاك عنه بوجه ولا بحال، لا سيما عند الاعتياد والتكرار، وإذا صادف محبة وميلًا إلى المتأسَّى به، ومتى وجدتَ التأسي بمن هذا شأنه مفقودًا في بعض الناس فاعلم أنه إنما ترك لتأسٍّ آخر»([18]).

واحتجَّ من يرى هذا الرأي بما يلي:

أ-أن الصحابة رضي الله عنهم حين دخلوا في الإسلام وعرفوا الحق، وتسابقوا إلى الانقياد لأوامر النبي عليه الصلاة والسلام ونواهيه، فربما أمرهم بالأمر وأرشدهم إلى ما فيه صلاح دينهم؛ فتوجهوا إلى ما يفعل ترجيحًا له على ما يقول، كما في قضيته عليه الصلاة والسلام معهم في توقفهم عن التحلل بعد ما أمرهم؛ حتى قال لأم سلمة: «أما ترين أن قومك أمرتهم فلا يأتمرون؟». فقالت: اذبح واحلق([19]). ففعل النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعوه. ونهاهم عن الوصال؛ فلم ينتهوا واحتجوا بأنه يواصل؛ فقال: «إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني»([20]).

ب-جعل أفعال الصحابة كأفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الاستدلال والاحتجاج ومعرفة مذاهبهم. قال ابن حامد: «ومن أدل الأشياء أنَّا وجدنا أفعال الصحابة بمثابة فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان مستحق الأخذ به والاتباع مع الاختلاف في حتمه أو نفله، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه في المذهب سالـمًا»([21])، يعني: كون فعل المجتهد يؤخذ منه مذهبه.

الرأي الثاني: المنع من ذلك؛ فلا يُنسب إلى المجتهد فعله على أنه مذهبه.

وهذا هو الوجه الثاني عند الحنابلة([22])، والوجه الثاني عند الشافعية([23]).

واحتجَّ من يرى هذا الرأي بما يلي:

أ-أن المجتهد ليس معصومًا من الذنب أو الخطأ، وإذا أخطأ قد يستمر في خطئه، بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم فإنه معصوم من تعمد المعصية والذنب، وإذا سها أو أخطأ فإن الله يصوِّبه ولا يقره عليه.

ب-أن المجتهد قد يعمل بخلاف معتقده، أو يكون عمله لعادةٍ أو تقليدًا لغيره أو سهوًا، وربما فعل ذلك قبل رتبة الاجتهاد في الحكم، ففعله مفتقر إلى أن يكون له في ذلك رأي وأن يذكره وأن يكون مريدًا له من غير صارف([24]).

ج-أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم مختلف في الاحتجاج بها وهي محتملة، فمن باب أولى أفعال المجتهدين([25]).

الترجيح:

بعد النظر في أدلة الفريقين، وما عليها من الاعتراضات والأجوبة يُقال: إن إطلاق القول بأخذِ مذهب المجتهد من أفعاله يضعِّفُه احتمال السهو والخطأ، وإطلاق القول بالمنع يضعفه مطلق الإذن بالتأسي بأهل العلم، وعلى ذلك فالراجح يضرب في كلا القولين بسهم، فيقال -تقريبًا بين المذهبين- فعل المجتهد يدل على مذهبه بالقيود الآتية:

الأول: أن يكون مقيدًا بالأئمة المتبوعين؛ لما عُرف من تقواهم وورعهم؛ فإنهم من أبعد الناس عن تعمد الذنب فالغالب أن أعمالهم موافقة لعلمهم. وأما المتأخرون فتُضيَّق دائرة التأسي بأفعالهم، وتخصص بقسم الأفعال التي يٌقصد بها البيان.

الثاني: أن يتكرر من المجتهد ذلك الفعل؛ لأن التكرار يقوِّي دلالة الفعل ويُبعد احتمالية السهو والغلط. قال الإمام مالك في جواز إفراد يوم الجمعة بصوم: «وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأُراه كان يتحرَّاه»([26]).

وفي تقييد الإمام مالك الفعل بالتحري إشارة إلى اشتراط المداومة على الفعل حتى يدل على مذهب المجتهد. قال الشاطبي: «فقد استند إلى فعل بعض الناس عند ظنه أنه كان يتحراه([27])»([28]).

تطبيقات على بعض أفعال الإمام ودلالتها على مذهبه:

يوجد في كتب المذهب ودواوينه عشرات النُّقول عن أفعال الإمام مالك تشهد كلها أنه كان بالمحل المقتدَى به، فقد كان الناس بالمدينة يسمعون أقواله ويرمقون أفعاله، وذلك لما عُرف عنه من شدة اتِّباعه للسلف. قال الشاطبي: «ولما بالغ مالك في هذا المعنى -أي الاتِّباع- بالنسبة إلى الصحابة أو من اهتدى بهديهم واستن بسنتهم فجعله الله تعالى قدوة لغيره في ذلك؛ فقد كان المعاصرون لمالك يتبعون آثاره ويقتدون بأفعاله، ببركة اتباعه لمن أثنى الله ورسوله عليهم وجعلهم قدوة أو من اتَّبعهم»([29]).

ومن أمثلة أفعال الإمام مالك ما يلي:

1-قال أشهب: «رأيت مالكًا إذا نهض من الأولى والثالثة نهض كما هو، ولا يجلس ثم ينهض»([30]).

فهذا مذهب الإمام في ترك جلسة الاستراحة، وهو في المدونة من قوله: «قال مالك: وإذا نهض من بعد السجدتين من الركعة الأولى فلا يرجع جالسًا، ولكن ينهض كما هو للقيام»([31]).

2-قال ابن القاسم: «رأيت مالكًا إذا صلَّى الصبح يدعو ويحرك أصبعه التي تلي الإبهام ملحًّا»([32]). فدلَّ نقله لفعل مالك على أن مذهبه تحريك السبابة في التشهد.

3-قال مطرف عن مالك: لا بأس أن يعطي قرابته من زكاته إن لم يعطِ من يعول، ثم قال: «ورأيت مالكًا يعطي قرابته من زكاته»([33]).

وقد نقل ابن القاسم عن مالك كراهة أن يعطي قرابته من زكاته إذا تولى المزكي تقسيمها بنفسه([34])، لكن مطرفًا نقل عنه هنا أنه لا بأس بذلك مطلقًا ثم عضدها بجريان فعله على مقتضى ذلك([35]).

فبناءً على ما تقدم فإن أفعال المجتهد تدل على مذهبه وفيها مقتدًى للمستفتي، لكن يُستحسن أن يُخص هذا بالأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة؛ فالفعل منه يُعامل معاملة القول.

وإذا تقرر أن أفعال المجتهد تدل على مذهبه، فإن موقف الناس منها على ثلاث درجات: فللمقلد منها التأسي والاقتداء، وللمجتهد في المذهب منها التخريج والقياس، وللمجتهد المطلق منها بيان أنه لم يخرق إجماعًا وأنه قد سُبق إلى اختياره.

3-التقريرات (ما سكت عنه الإمام):

التقريرات: هي ما صدر أو وقع بحضرة المجتهد من الأقوال والأفعال والتصرفات، فسكت عنه ولم يبدِ فيها رأيًا، لا بالموافقة والقبول ولا بالإنكار والرفض([36]).

الإفتاء بتقريرات الإمام مالك:

إذا وقع بحضرة المجتهد فعل أو فتوى من غيره فسكت عنه ولم ينكر عليه، فهل يعد سكوته وعدم إنكاره دليلًا على أنه يرى جواز هذا الفعل وصحة تلك الفتوى عنده أم لا؟

ومن ثم هل يجوز للمفتي أن يعتبر المذهب من سكوت الإمام؟

اختلفوا في ذلك على قولين

القول الأول: أن ما سكت عنه المجتهد يُعد مذهبًا له.

وقد ذهب إلى هذا الرأي ابن حامد من الحنابلة، وإن كان كلامه في أخص من مسألتنا هذه؛ لأنه فرض المسألة في حالة ما إذا كان سكوت المجتهد عند المعارضة والمباحثة([37]).

وهذا ما ذهب إليه الشاطبي رحمه الله حين قرر أن الفتوى من المفتي تحصل من جهة القول والفعل والإقرار؛ لأن الإقرار عنده راجع في المعنى إلى الفعل، «وكف المفتي عن الإنكار إذا رأى فعلًا من الأفعال كتصريحه بجوازه»([38]).

واحتجَّ من يرى هذا الرأي بما يلي:

1-قياس حال المفتي على النبي صلى الله عليه وسلم، فكما أن إقراره صلى الله عليه وسلم لما يُفعل بحضرته أو يسمعه فلا ينكره دليل على مشروعيته فكذلك المفتي؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء([39]).

2-أن المجتهد لا يمكن أن يسكت على المنكر إذا قيل أو فُعل بحضرته أو علم به؛ لوجوب الإنكار عليه حينئذ، وقد ثابر السلف على القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يبالوا في ذلك بما ينشأ عنه من الأذى والضرر([40]).

3-أن الصحابة كانوا لا يسكتون عن المعارضة إذا فُعل أو قيل بحضرتهم ما ينكرونه إلا إذا عدموا الدليل، وقد روي عنهم من هذا الكثير، كإنكار عائشة رضي الله عنها على زيد بن أرقم رضي الله عنه بيع العينة، وإنكار ابن عباس على زيد بن ثابت رضي الله عنهما توريث الإخوة مع الجد([41]).

القول الثاني: أن سكوت المجتهد وعدم إنكاره لا يُنسب إليه على أنه مذهبه.

وإلى هذا الرأي ذهب أكثر الحنابلة([42])، وهو مقتضى مذهب الشافعي رحمه الله لقوله: «لا يُنسب لساكت قول»، ولأنه قد ثبت عنه أنه ينكر الإجماع السكوتي([43]).

واحتج أصحاب هذا الرأي بما يلي:

1-أن سكوت المجتهد عن الإنكار يكون لأسباب كثيرة غير الموافقة، منها مثلًا: ألا يحضره ما ورد في المسألة من الأدلة السمعية فيؤجل الكلام عنها إلى أن يستكمل البحث والنظر فيها، أو يكون رأيه في المسألة معلومًا ومشهورًا بحيث لا تبقى حاجة لإظهاره وإعلانه، أو يعلم أن المفتي بخلاف قوله أو فعله الذي يخالف مذهبه لن يرجع عن قوله لأجل اعتراضه عليه وبيان وجه الحق في المسألة؛ لأنه مقلد لإمام آخر من الأئمة المشهورين فيما قاله أو فعله، أو يكون سكت لئلا يفضي اعتراضه إلى المجادلة والمنافرة، وما دام أن السكوت يحتمل كل هذه الاحتمالات فأخذ مذهبه من سكوته لا يصح؛ لأنه لا يعدو أن يكون احتمالًا واحدًا من بين احتمالات كثيرة متساوية فيكون ترجيحًا من غير مرجح([44]).

2-أن الفقهاء قد يرون غيرهم من المفتين يأتون بعباداتهم من صلاة وغيرها مما يخالف وجهات نظرهم في المسألة ولا ينكرون عليهم، وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح أن يُنسب رأي لمن سكت منهم بناءً على ذلك([45]).

الترجيح:

بعد النظر في أدلة الفريقين وما عليها من اعتراضات وأجوبة يقال: إن إطلاق القول بأخذ مذهب المجتهد من سكوته ضعيف؛ فلا يؤخذ مذهب المجتهد من سكوته ما لم تصاحبه قرينة ترجح أن سكوته عن الإنكار دليل على موافقته على ما فُعل أو قيل بحضرته. قال الدكتور بكر أبو زيد: «والذي ينبغي اعتماده هو ما ذهب إِليه الأكثر من عدم اعتباره مطلقًا، لكن ينظر فيما يحفُّ بإِقراره وسكوته من قول أو فعل سابق، أو لاحق»([46]).

تطبيقات على بعض تقريرات الإمام ودلالتها على مذهبه:

1-حكى مطرف عن رجل خبيث يعرف باتِّباع الصبيان لصق بغلام في زحمة الناس حتى أفضى فجلده قاضي المدينة هشام بن عبد الله المخزومي أربعمئة سوط وألقاه في السجن، فما لبث أن مات، فَذُكِر ذلك لمالك فما استنكره ولا رأي أنه أخطأ([47]).

ولفظ البيان والتحصيل: «ثم ضربه صاحب الشُّرَط أربعمئة سوط فانتفخ فمات، فما أكبرَ ذلك مالك ولا بالى به، فقيل له: يا أبا عبد الله، إن مثل هذا من الأدب والعقوبة لكثير، فقال: هذا بما أجرم، وما رأيت أنه أمسَّه من العقوبة إلا بما اجترم»([48]).

ففي التقرير المذكور وما لحقه من بيانٍ دلالةٌ على أن مذهب مالك أن الحاكم إذا جاز له التعزير فلا ضمان عليه وإن أتى على النفس.

وبهذا -الفعل- ردَّ خليل على ابن الحاجب قوله: «والتعزير جائز بشرط السلامة، فإن سرى فعلى العاقلة بخلاف الحد». فقال خليل: «وفي هذا الشرط نظر؛ لأنه مخالف لقول ابن الماجشون وغيره: وإن أتى على النفس، ولظاهر الحكاية المنقولة عن مالك»([49]).

2-كره الإمام مالك المعانقة في حال السلام، وأجازها سفيان بن عيينة، فاحتج سفيان على مالك بعناق النبي صلى الله عليه وسلم جعفرًا لما قدم عليه، فقال مالك: ذلك مخصوص بجعفر. فقال سفيان: ما يعمُّ جعفرًا يعمنا([50]). ولفظ الإكمال: فسكت مالك([51]).

وإذا صحَّت هذه القصة فمذهب الإمام مالك الذي رجع إليه هو الجواز. قال القاضي عياض موظفًا دلالة السكوت: «وسكوته دليل على ظهور قول سفيان له وتصويبه وهو الحق، حتى يدل دليل على تخصيص جعفر بذلك»([52]).

لكن لضعف دلالة السكوت -كما سبقت الإشارة- خاصة وأنه لم يحتفَّ بها من القرائن ما يعضدها ويقويها فقد يقال: إنما سكت الإمام مالك هنا؛ لأنه أبدى ما عنده ثم ترك المراء ولم يكن سكوتُه إقرارًا لسفيان([53]).

فبناءً على ما تقدم فإن تقريرات الإمام مالك تدل على اختياراته وفيها مقتدًى للمستفتي، بشرط أن يقترن بها ما يرفع احتمال أن السكوت لم يكن عن رضًا.

4-التوقفات (الترددات):

التوقف من الوقف، أي الحبس والإمساك عن الشيء. يقال: توقف عن الأمر: إذا أمسك عنه وامتنع عنه، وكفَّ وانتظر ولم يمضِ فيه رأيًا([54]).

ومن أفضل تعريفات التوقف في الاصطلاح تعريف الموسوعة الفقهية الكويتية، حيث جاء فيها: «عدم إبداء قول في المسألة الاجتهادية لعدم ظهور وجه الصواب فيها للمجتهد»([55]).

فالروايات التوقُّفية هي ما نُقل عن الإمام المجتهد من عدم الخوض في حكم مسألةٍ ما لتعارض الأدلة فيها وإشكال دليلها.

ومقتضى هذا التعريف: أن بعض المسائل الاجتهادية تُعرض على المجتهد فيبذل جهده ويستفرغ وسعه في معرفة حكمها، وبعد طول البحث والنظر في حقيقتها وأدلتها يتعذر عليه معرفة وجه الصواب فيها، إما لعدم معرفة الدليل أو عدم تصورها ومعرفة حقيقتها، أو لتعارض أدلتها على وجه التساوي، فيمتنع عن إبداء رأيه فيها، أو يَنُصُّ على توقفه لغاية معرفة الصواب فيها، فيشمل كل أنواع التوقف، ولأجل هذا اعتمدنا هذا التعريف للتوقف.

وعلى ذلك يتبيَّن أن للتوقُّف نوعين باعتبار سبب التوقف، وهما:

النوع الأول: أن يتوقف لعدم علمه بالدليل أصلًا.

النوع الثاني: أن يتوقف لتعارض الأدلة واشتباهها وتساويها من غير مرجح.

الصيغ الدالة على التوقف:

يتردد ذكر التوقف ومعناه في كتب الفقهاء، وتتعدد أساليب وصيغ الفقهاء في التعبير عن توقفاتهم في المسائل، ونورد هنا جملة من الصيغ التي استعملها الإمام مالك ونقلها عنه رواة المذهب في الدلالة على التوقف:

1-قال ابن القاسم: «ورأيت مالكًا إذا قيل له في إعادة الصلاة خلف أهل البدع يقف ولا يجيب في ذلك»([56]).

2-قال ابن القاسم: «وسئل مالك عن الكَيْمَخْت([57]) فكان يأبى الجواب فيه»([58]).

3-قال القاضي عياض: «وقد سئل مالك عن خنزير الماء فتوقف فيه»([59]).

4-قال ابن القاسم: «وإنما قال مالك: لا أدري إذا كثر المال خوفًا من أن تبطل أموال اليتامى»([60]).

فقد كان الإمام رحمه الله من الكثرين للتوقف بمعناه العام، فقد أكثر من إعمال قول «لا أدري»، وذلك لورعه وتحريه في الفتوى. يقول الإمام الشاطبي: «والروايات عنه في (لا أدري) و(لا أُحسن) كثيرة؛ حتى قيل: لو شاء رجل أن يملأ صحيفته من قول مالك: (لا أدري) لفعل قبل أن يجيب في مسألة»([61]).

وبالرغم من أنَّ الإمام مالكًا رحمه الله من المكثرين للتوقف إلا أنه لم يُنقل عنه إلا القليل من المسائل الفقهية التي نصَّ على التوقف فيها، ولعل هذا راجع إلى كراهية الإمام مالك لكتابة الفتوى عنه مخافة أن يتغير رأيه فيها، فكان ينهى طلبته عن ذلك. قال أشهب عن الإمام مالك: «ورآني أكتب جوابه في مسألة فقال: لا تكتبها، فإني لا أدري أثبت عليها أم لا»([62]).

نماذج من المسائل التي توقف فيها الإمام مالك:

هناك بعض المسائل التي توقف فيها الإمام مالك وقد أوردنا نماذج منها، وسنعرض لنموذجين منها، محاولين معرفة سبب توقف الإمام فيها، ثم استقصاء أقوال أصحاب المختصرات والشروح المتأخرين في المسألة.

1-مسألة إعادة الصلاة خلف أهل البدع:

ويُقصد بأهل البدع: «كل متدين ببدعة مسخوطة توجب تفسيقه، وتأخيره عن مراتب أهل الفضل والدين»([63]).

وقد نهى الإمام مالك عن الصلاة خلفهم. قال في المدونة: «قال ابن القاسم: وسألت مالكًا عن الصلاة خلف الإمام القدري. قال: إن استيقنت أنه قدري فلا تصل خلفه، قال: قلت: ولا الجمعة؟ قال: ولا الجمعة إن استيقنت، قال: وأرى إن كنت تتقيه وتخافه على نفسك أن تصلي معه وتعيدها ظهرًا. قال مالك: فأهل الأهواء مثل أهل القدر. قال: ورأيت مالكًا إذا قيل له في إعادة الصلاة خلف أهل البدع يقف ولا يجيب في ذلك»([64]).

وتناقلت كتب المذهب توقف الإمام مالك في المسألة، وحاول المالكية معرفة سبب توقفه، فقال الجبيري: «لأن الإمامة حال فاضلة فلا يستحقها ولا يقوم بها إلا أهل الفضل والدين، والفاسق ليس من أهله، لخروجه ببدعته المسخوطة عنهما»([65]). وقال: «فيحتمل أن تكون البدع التي توقف مالك عن الجواب في إعادة الصلاة خلف أهلها مما قد اختلف في تفسيق مبتدعها؛ لأن البدعة قد تقع على ما يوجب تفسيق المبتدع، وعلى ما لا يوجبه مما قد يعاب عليه، وقد يحمد عليه، قال الله عز وجل: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27]، فذمَّهم على ترك رعايتها، ولم يَعِبْهم بابتداعها، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قيام شهر رمضان: “نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل”، فسماها بدعة وهي قربة. فإذا كان هذا الاحتمال سائغًا في اللسان، فالوجه في توقف مالك عن الجواب في إعادة الصلاة خلف أهل البدع من نحو ما ذكرته، بدلالة تصريحه بإعادة الصلاة خلف القدرية، ومن جرى مجراهم من أهل الأهواء»([66]).

أقوال المالكية في المسألة:

اختلف فقهاء المذهب في هذه المسألة إلى أقوال كثيرة بناءً على توقف الإمام مالك فيها، وذلك كما يلي:

القول الأول: الإعادة من الصلاة خلفهم في الوقت، وهو قول ابن القاسم كما في المدونة: «وأرى في ذلك الإعادة في الوقت»([67])، وقول ابن عبد الحكم في مختصره: «تُعاد الصلاة في الوقت خلف المبتدع»([68]).

القول الثاني: الإعادة أبدًا، في الوقت وبعده، وهو قول أصبغ. قال أصبغ: «يعيد في الوقت وبعد الوقت»([69]).

القول الثالث: عدم الإعادة على من صلى وراء المبتدع، وهو قول سحنون. قال: «لا إعادة على من صلى وراءه؛ لأن صلاته لنفسه جائزة، وليس بمنزلة النصراني لأن صلاة النصراني لنفسه لا تجوز»([70]).

القول الرابع: التفصيل بين أن يكون فسقه بتأويل أو بإجماع؛ فإن كان فسقه بتأويل أعاد في الوقت، وإن كان بإجماع كمن ترك الطهارة عامدًا، أو شرب الخمر، أو زنا أعاد أبدًا.

وهذا القول حكاه أبو بكر الأبهري عن ابن القصَّار([71]).

القول الخامس: التفصيل بين أن يكون فسقه مما له تعلق بالصلاة أو يكون مما لا تعلق له بالصلاة، فإن كان فسقه لا يتعلق بالصلاة -كالزنا وغصب الأموال- أجزأته، وإن تعلق بالصلاة -كترك الطهارة- أعاد، واختاره اللخمي([72]).

قال النفراوي: «الفاسق فسقًا متعلقًا بالصلاة كمن يقصد بإمامته الكبر أو يقرأ عمدًا بالشاذ المخالف للرسم العثماني أو بالتوراة أو الإنجيل إمامته باطلة، بخلاف فاسق الجارحة كمن يشرب الخمر أو يزني فتكره إمامته فقط وهي صحيحة، كما تصح خلف المبتدع المختلف في تكفيره ببدعته كالحروري والقدري على المعتمد، وما في خليل من بطلانها بفاسق الجارحة فهو خلاف المعتمد»([73]).

وحجة من قال بعدم الإعادة أن صلاة المبتدع لنفسه جائزة، لا سيما أن ابن عمر صلَّى خلف الحَجَّاج([74])، وهو فعل صحابي لم يُعلم له مخالف فدلَّ على صحة إمامته.

وجاء أيضًا في صحيح البخاري: وقال الحسن: صلِّ وعليه بدعته([75]).

وقال الجبيري: «وأما اختيار ابن القاسم في إيجاب الإعادة في الوقت، فوجهه: أن إعادة الصلاة خلف الفاسق مما اختلف فيه أهل العلم، فاستحب للمؤتم به أن يعيد في الوقت، ليأتي بالصلاة على أتم ما صلاها، ويستدرك فضل ذلك من فرض الوقت.

والقياس عندي: أن كل من صلى خلف متدين ببدعة مسخوطة أن يعيد الصلاة أبدًا؛ لأنه قد وضع فرضه في غير موضعه»([76]).

وسبب خلافهم: أنه شيء مَسْكُوت عنه في الشَّرع، والقياس فيه متعارض، فمن رأى أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة إمامه قال: إن صلاته فاسدة؛ لأنه يُتَّهَم أن يصلي صلاة فاسدة كما يُتَّهَم في الشّهادة أن يكذب، ولهذا فَرَّقَ مَنْ فَرَّق بين أن يكون فسقه بتأويل أو بغير تأويل. ومن رأى أن صلاته غير مرتبطة بصلاة إمامه قال: إن إمامته جائزة ولا إعادة([77]).

2-مسألة حكم أكل خنزير البحر:

توقف الإمام مالك عن القول في خنزير البحر برأيه، ففي المدونة: «قال ابن القاسم: ولقد سألنا مالكًا عن خنزير الماء فلم يكن يجيبنا فيه، ويقول: أنتم تقولون خنزير، قال ابن القاسم: إني لأتقيه ولو أكله رجل لم أره حرامًا»([78]).

ويبيِّن المازري سبب توقف الإمام فيه فيقول: «وقد سئل مالك عن خنزير الماء فوقف فيه. وكان شيخنا -رحمه الله- يقول: لما تعارضت الآي عِنْده ونظر إلى عموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3] فخاف أن يدخل في عمومه فيحرم، ونظر إلى عموم قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة: 96]، وأمكن عنده أن يدخل في عموم هذه الآية فيحل ولم تظهر له طرق الترجيح الواضحة في أن يقدم آية على آية وقف فيه»([79]).

ويذكر ابن رشد سببًا آخر لتوقف الإمام في هذه المسألة، وهو الاشتراك في الاسم: هل يتناول لغة أو شرعًا اسم الخنزير والإنسان خنزير الماء وإنسانه؟ والنظر في هذه المسألة يرجع إلى أمرين:

أحدهما: هل هذه الأسماء لغوية؟

والثاني: هل للاسم المشترك عموم؟ أم ليس له؟ فإن إنسان الماء وخنزيره يقالان مع خنزير البر وإنسانه باشتراك الاسم؛ فمن سلم أن هذه الأسماء لغوية، ورأى أن للاسم المشترك عمومًا -لزمه أن يقول بتحريمها، ولذلك توقف مالك في ذلك، وقال: أنتم تسمونه خنزيرًا([80]).

ونجد للمتأخرين خلافًا في هذه المسألة. قال في التوضيح: «وفي خنزير البحر قولان، ووقف مالك فيه وكره تسميته خنزيرًا، وظاهر كلامه أن القولين بالجواز والمنع، وكذلك قال ابن بشير، والأقرب الإباحة؛ لأنه لو كان الشبه مقتضيًا للمنع لحرم إنسان الماء… وفي الجلاب: يكره أكل كلب الماء وخنزيره»([81]).

قال ابن يونس: «والصواب أنه ليس بداخل في عموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ}، كما أن ميتة البحر ليست بداخلة في الآية، وقد أجاز أكله ربيعة، وظاهر القرآن والسنة يبيحه»([82]).

وقال النفراوي: «وحرَّم الله سبحانه أكل لحم وشرب لبن الِخنزير، والمراد الخنزير البري لإباحة أكل خنزير الماء وكلبه وآدميه على المشهور»([83]).

قال الشيخ خليل: «وقال في الجواهر: وفي كراهة خنزيره وكلبه خاصة خلاف، ورأى غير واحد أن توقف الإمام حقيقة… ورأى بعضهم أن الإمام غير متوقف فيه حقيقة، وإنما امتنع عن الجواب إنكارًا عليهم تسميته خنزيرًا لغة، ولذلك قال: أنتم تسمونه خنزيرًا، يعني أن العرب لا تسميه خنزيرًا»([84]).

ومما سبق يتبين أن المسائل الفقهية التي توقف فيها الإمام مالك لم تبق حبيسة التوقف، بل أفتى فيها أتباعه من بعده وخرَّجُوها وفقًا لأصول المذهب وقواعده، وهذا يدل على حيوية المذهب ومرونة أصوله، وكان توقفه فيها سببًا لاختلافهم فيها؛ مما أدَّى إلى تعدد الروايات وتنوعها وكثرة الأقوال وثرائها في المذهب المالكي.

المطلب الثالث: أنواع الأقوال في المذهب المالكي:

ذكرنا فيما تقدم أن الروايات يُراد بها أقوال الإمام مالك غالبًا، وأن الأقوال المراد بها أقوال أصحابه ومَنْ بعدهم من المتأخرين غالبًا.

وهذه الأقوال هي على النحو التالي:

1-المتفق عليه.

2-الراجح.

3-المشهور.

4-المساوي لمقابله.

5-القول المرجوح (الشاذ-الضعيف).

6-ما جرى به العمل.

وسنعرض لهذه الأقوال بإيجاز، ونفصل الكلام عليها في الفصل الخاص بمنهج الإفتاء عند المالكية، على النحو التالي:

أولًا: المتفق عليه:

والمراد به في الاصطلاح: القول الفقهي الذي أجمع عليه أهل المذهب المالكي دون اعتداد بمن خالفهم من أهل المذاهب الأخرى.

وعليه فالاتفاق هنا مختص بعلماء المذهب، والإجماع بمعناه الأصولي العام شامل لسائر المذاهب.

قال العلامة اللقاني: «والمراد بالاتفاق اتفاق أهل المذهب، وبالإجماع إجماع العلماء»([85]).

ويعبر عن المتفق عليه في بعض الأحيان بالمذهب. قال القادري: «وقد يطلقون لفظ المذهب على المتفق عليه فيكون حقيقة»([86]).

والمذهب قد يُطلق في بعض الأحيان على الراجح والمشهور؛ مما يتوجب معه على المفتي التأكد والتثبت في أي مسألة من المسائل حُكي فيها الاتفاق، وذلك بمراجعة أمهات المذهب المالكي مراجعة دقيقة بحيث لا يُحكى الاتفاق فيما فيه خلاف.

ومن أجل ذلك حذَّر علماء المذهب وشيوخه من اتفاقات ابن رشد وإجماعات الباجي. قال الحطَّاب: «حذَّر الشيوخ من إجماعات ابن عبد البر واتفاقات ابن رشد وخلافيات الباجي فإنه يحكي الخلاف فيما قال اللخمي يختلف فيه انتهى. وكثيرا ما يقول اللخمي: يختلف في كذا ويكون مقابل المنصوص في المسألة تخريج أو اختيار منه»([87]).

وقيل: إن مذهب مالك كان مستقيمًا حتى أدخل الباجي فيه يحتمل ويحتمل، حتى جعل اللخمي ذلك كله خلافًا([88]).

قال محمد النابغة الغلاوي:

وحذَّر الشيوخ من إجماعِ    عن ابن عبد البر في السماعِ

وحذَّرُوا أيضًا من اتِّفاقِ     عن ابن رشدٍ عالمِ الآفاقِ([89]).

ثانيًا: الراجح:

الراجح في وضعه اللغوي مأخوذ من الرجحان، وهي كلمة دالة على معاني القوة والمتانة، ويرد في سياق بيان المفاضلة بين شيئين أو أمرين ثبتت المزية لأحدهما على الآخر لفضل أو قوة فيه، وظهور المزية وثبوت الفضل هما المعبر عنهما بالرجحان.

وقد لوحظ هذا المعنى اللغوي في الدلالة الاصطلاحية للراجح حيث جرى رسم أغلب العلماء على إطلاق مصطلح الراجح على القول الفقهي المبني على دليل قوي، فقالوا: الراجح ما قوي دليله([90]).

وهناك من العلماء من لاحظ في الراجح كثرة القائلين([91]) لا قوة الدليل، فيكون الراجح بحسب هذا الاصطلاح مرادفًا للمشهور أو فردًا من أفراده.

وما عليه أكثر فقهاء المذهب أن الراجح ما قوي دليله، وهو الصواب([92]).

وقد يعبَّر عن الراجح بالأصح والأصوب والظاهر والمفتى به والحسن والأحسن والأظهر([93]).

ثالثًا: المشهور:

ورد في تعريف المشهور في الاصطلاح ثلاثة آراء:

الأول: المشهور ما كثر قائله([94]). قال أبو الشتاء الصنهاجي:

والقول إن كثر من يقول بِهْ       يُسْمَى بمشهورٍ لديهم فانتبِهْ([95])

ولا يقال في حكم إنه مشهور إلا إذا حكم به أكثر من ثلاثة من العلماء([96]).

الثاني: المشهور ما قوي دليله، وأصله لابن خويز منداد([97])، وهو اختيار التسولي([98]).

الثالث: قول ابن القاسم في المدونة([99])، وهذا القول لم ير لغير الخرشي كما نبَّه على ذلك العدوي، وقد علَّق على هذا التعريف بقوله: «لعل الأَوْلَى رواية ابن القاسم في المدونة»([100]).

وأفاد بعض الشيوخ أن رواية ابن القاسم في المدونة مقدَّمة على رواية غيره فيها، وقول مالك الذي رواه عنه ابن القاسم ولو في غير المدونة مقدَّم على قول ابن القاسم في غيرها، وأما قوله فيها فهو مقدَّم على روايته عن الإمام في غيرها([101]).

ومستند هذا القول أن ابن القاسم صحب مالكًا أزيد من عشرين سنة، ولا يتغيب عن مجلسه إلا لعذر، وكان عالـمًا بالمتقدم من قوله والمتأخر([102]).

وهذا التعريف فيه قصور. قال الهلالي: «لاقتضائه أنه إذا لم يكن الحكم مذكورًا في المدونة وكان مذكورًا في غيرها، وقال فيه الإمام وأصحابه قولًا، وشذَّ بعضهم فقال مقابله فلا يسمى الأول مشهورًا، ولا أظن أحدًا ينفي عنه اسم المشهور»([103]).

والحقيقة أن تفسير المشهور بأنه قول ابن القاسم في المدونة كان حسب الإطلاق القديم، أما إطلاق المتأخرين فهو ما كثر قائله([104]).

والمعتمد من هذه التعريفات هو التعريف الأول، وقد أخذ به أكثر علماء المذهب([105]).

رابعًا: المساوي لمقابله:

والمقصود به في الاصطلاح أن يوجد في المسألة الواحدة أكثر من قول راجح، وكلها متساوية في الترجيح، أو يوجد فيها أكثر من قول مشهور، وكلها متساوية في التشهير([106]).

والقول المساوي لمقابله يكون عند عدم الترجيح بين الأقوال، بأن تكون في مرتبة واحدة من جهة الأقوال في ذاتها، ومن جهة قائلها؛ لأنه إذا كان أحد القائلين بقول يمتاز عن القائل الآخر بصفة من الصفات كالعلم والورع فإن مثل هذه الصفات موجبة للرجحان، وإن كانت الأقوال في ذاتها متساوية([107]).

خامسًا: القول المرجوح:

لاحظ العلماء في مرجوحية القول أمرين:

أ-ضعف الدليل.

ب-التفرد والمخالفة.

فباعتبار الأمر الأول اصطُلح عليه بالقول الضعيف، وهو القول الفقهي الذي لم يقوَ دليله.

وبهذا المعنى فهو يقابل القول الراجح الذي لوحظ فيه قوة الدليل.

وهو قسمان:

-القول الضعيف ضعفًا نسبيًّا: وهو وإن كان له قوة في نفسه إلا أنَّ له معارضًا أقوى منه، فيكون ضعيفًا بالنسبة لمعارضه.

-القول الضعيف من جهة المدرك: وهو ما كان ضعيفًا في نفسه، وكان ضعفه آتيًا من جهة مخالفته للمدارك الأصولية كالإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي([108]).

هذا عن الصنف الأول من صنفي القول المرجوح.

أما الصنف الثاني فهو المسمى في عرف العلماء بالشاذ، والقول الشاذ هو «القول الذي لم يصدر من جماعة»([109])، أو هو القول الفقهي المرجوح بسبب قلة القائلين به، وهو بهذه الصفة يقابل القول المشهور، غير أن شذوذ القول لا يعني مرجوحيته من كل وجه؛ فقد يكون ذا مستند معتبر أو قوي إلا أن ما قام به من وصف التفرد وعدم التأيد بالكثرة العددية جعله دون مقابله -وهو المشهور- في الاعتبار والعمل.

سادسًا: ما جرى به العمل:

عرفه بعضهم بأنه: «العدول عن القول الراجح والمشهور في بعض المسائل إلى القول الضعيف فيها؛ رعيًا لمصلحة الأمة وما تقتضيه حالتها الاجتماعية، أو هو اختيار قول ضعيف والحكم والإفتاء به، وتمالؤ الحكام والمفتين بعد اختياره على العمل به بسبب اقتضى ذلك»([110])

ويعبر الفقهاء عن هذا العلم بعدة مصطلحات أو تعبيرات، فتارة يأتي بمسمى ما جرى عليه العمل، ويأتي بمسمى العمليات، ويأتي مضافًا إلى الحاضرة التي تسمى بها مثل العمل الفاسي.

ونجد لدى بعض المعاصرين الذين كتبوا في هذا الموضوع عدة مسميات كقولهم: نظرية العمل، قاعدة العمل، فقه العمل([111]).

 

 

 

 

 

 

 

([1]) انظر: لسان العرب لابن منظور، مادة «قول» (11/572)، دار صادر-بيروت.

([2]) انظر: الكليات للكفوي (ص562)، مؤسسة الرسالة-بيروت.

([3]) تاج العروس لمرتضى الزبيدي، مادة «قول» (30/292)، دار الهداية.

([4]) انظر: لسان العرب، مادة «روي» (14/348).

([5]) انظر: مقاييس اللغة لابن فارس (2/453)، دار الفكر.

([6]) انظر: كشف النقاب الحاجب عن مصطلح ابن الحاجب لإبراهيم بن علي بن فرحون (ص128)، دار الغرب الإسلامي-بيروت.

([7]) انظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (1/40).

([8]) انظر: كشف النقاب الحاجب عن مصطلح ابن الحاجب (ص129).

([9]) انظر: لسان العرب، مادة «نصص» (7/97).

([10]) انظر: نظرية التخريج في الفقه الإسلامي للدكتور نوار بن الشلي (ص111-113)، دار البشائر الإسلامية-بيروت.

([11]) انظر: كشف النقاب الحاجب عن مصطلح ابن الحاجب (ص110، 111).

([12]) انظر: نظرية التخريج في الفقه الإسلامي (ص113).

([13]) انظر: المصدر السابق (ص114).

([14]) ترتيب المدارك وتقريب المسالك (1/193).

([15]) انظر: تهذيب الأجوبة لابن حامد الحنبلي (1/412)، مكتبة العلوم والحكم-المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1425هـ.

([16]) انظر: فرائد الفوائد في اختلاف القولين لمجتهد واحد لشمس الدين محمد السلمي الشافعي (ص42)، دار الكتب العلمية-بيروت.

([17]) انظر: مجموع الفتاوى (19/152، 153).

([18]) الموافقات (5/262).

([19]) أخرجه البخاري، رقم (2731).

([20]) أخرجه البخاري، رقم (1964)، ومسلم، رقم (1103).

([21]) انظر: تهذيب الأجوبة (1/414).

([22]) انظر: تهذيب الأجوبة (1/412).

([23]) انظر: مجموع الفتاوى (19/153).

([24]) انظر: مجموع الفتاوى (19/152).

([25]) انظر: تهذيب الأجوبة (1/412، 413).

([26]) موطأ الإمام مالك (رواية أبي مصعب الزهري-1/330).

([27]) الموافقات (5/316، 317).

([28]) انظر: أفعال الإمام مالك ودلالتها على مذهبه لأناس قدور (ص187، 188)، بحث بمجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية-قسنطينة بالجزائر، المجلد (33)، العدد (2)، سنة 2019م.

([29]) الموافقات (4/463).

([30]) النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات لابن أبي زيد القيرواني (1/186)، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1999م.

([31]) المدونة للإمام مالك بن أنس (1/168).

([32]) البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة لابن رشد القرطبي (2/187)، وانظر: التبصرة للخمي (1/289)، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية-قطر، الطبعة الأولى، 1432هـ-2011م.

([33]) النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات (2/295).

([34]) انظر: المدونة (1/347)، التبصرة للخمي (3/966).

([35]) انظر: التبصرة (3/966، 967).

([36]) انظر: نظرية التخريج في الفقه الإسلامي (ص135-137).

([37]) انظر: تهذيب الأجوبة (1/423).

([38]) الموافقات (5/265).

([39]) انظر: الموافقات (5/265، 266).

([40]) نظرية التخريج في الفقه الإسلامي (ص136).

([41]) انظر: تهذيب الأجوبة (1/428-433).

([42]) انظر: تهذيب الأجوبة (1/425).

([43]) انظر: البرهان في أصول الفقه للجويني (1/270، 271)، دار الكتب العلمية-بيروت.

([44]) انظر: نظرية التخريج في الفقه الإسلامي (ص137).

([45]) انظر: المصدر السابق (ص137، 138).

([46]) المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد لبكر بن عبد الله أبو زيد (1/259)، دار العاصمة-مطبوعات مجمع الفقه الإسلامي بجدة.

([47]) النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات لابن أبي زيد القيرواني (14/313، 314)، دار الغرب الإسلامي- بيروت.

([48]) البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة لابن رشد القرطبي (16/ 278).

([49]) التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب لخليل بن إسحاق المالكي (8/338)، مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث.

([50]) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (9/48).

([51]) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض (7/433)، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع-مصر.

([52]) السابق نفسه.

([53]) انظر: أفعال الإمام مالك ودلالتها على مذهبه (ص197).

([54]) انظر: القاموس المحيط للفيروزآبادي (ص860)، والمصباح المنير للفيومي (2/669)، مادة «وقف».

([55]) الموسوعة الفقهية الكويتية (14/176)، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية-الكويت.

([56]) المدونة (1/177).

([57]) لفظ مُعرَّب من كلام الفُرْس، وهو جلد الفرس إذا دُبغ وجلد ما كان مثله. (شرح غريب ألفاظ المدونة للجبي (ص25)، دار الغرب الإسلامي-بيروت).

([58]) المدونة (1/183).

([59]) إكمال المعلم بفوائد مسلم (5/285).

([60]) انظر: المدونة (4/71).

([61]) الموافقات (5/328).

([62]) ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض (1/190).

([63]) التوسط بين مالك وابن القاسم في المسائل التي اختلفا فيها من مسائل المدونة (ص30).

([64]) المدونة (1/177).

([65]) التوسط بين مالك وابن القاسم في المسائل التي اختلفا فيها من مسائل المدونة (ص30).

([66]) المصدر السابق (ص31، 32).

([67]) المدونة (1/177).

([68]) المختصر الكبير لابن عبد الحكم (ص77)، تحقيق: الدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب، مركز نجيبويه، مصر-موريتانيا.

([69]) اختلاف أقوال مالك وأصحابه لابن عبد البر (ص112)، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 2003م.

([70]) السابق نفسه.

([71]) انظر: مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل للرجراجي (1/288)، دار ابن حزم.

([72]) انظر: التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب (1/468)، مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل (1/289).

([73]) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني لشهاب الدين النفراوي (1/205)، دار الفكر.

([74]) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (3/257)، رقم (13983) من حديث المغيرة بن شعبة.

([75]) انظر: صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب إمامة المفتون والمبتدع، وهو حديث معلَّق. قال الحافظ ابن حجر: «وصله سعيد بن منصور عن بن المبارك عن هشام بن حسان، أن الحسن سئل عن الصلاة خلف صاحب البدعة فقال الحسن: صل خلفه وعليه بدعته». فتح الباري (2/188).

([76]) التوسط بين مالك وابن القاسم في المسائل التي اختلفا فيها من مسائل المدونة (ص32).

([77]) انظر: مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل (1/289).

([78]) المدونة (1/537).

([79]) المعلم بفوائد مسلم (2/309).

([80]) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (3/23).

([81]) انظر: التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب (3/230).

([82]) انظر: الجامع لمسائل المدونة لابن يونس (5/765)، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي-جامعة أم القرى.

([83]) انظر: الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (2/285).

([84]) انظر: التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب (3/230).

([85]) منار أصول الفتوى وقواعد الإفتاء بالأقوى (ص347).

([86]) رفع العتاب والملام عمن قال العمل بالضعيف اختيارًا حرام لابن قاسم القادري (ص19)، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي.

([87]) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (1/40، 41).

([88]) منح الجليل شرح مختصر خليل للشيخ محمد عليش (3/183)، دار الفكر-بيروت.

([89]) نظم بو طليحيه في المعتمد من الكتب والفتوى على مذهب المالكية (ص96، 97).

([90]) انظر: نور البصر في شرح خطبة المختصر لأحمد بن عبد العزيز الهلالي (ص125)، دار يوسف بن تاشفين ومكتبة الإمام مالك-موريتانيا-الإمارات، منح الجليل شرح مختصر خليل (1/20)، رفع العتاب والملام (ص19).

([91]) انظر: رفع العتاب والملام (ص19).

([92]) انظر: رفع العتاب والملام (ص19).

([93]) انظر: رفع العتاب والملام (ص19).

([94]) انظر: كشف النقاب الحاجب عن مصطلح ابن الحاجب (ص62).

([95]) مواهب الخلاق على شرح التاودي للامية الزقاق (2/296).

([96]) انظر: رفع العتاب والملام (ص17).

([97]) انظر: تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام لابن فرحون (1/71)، مكتبة الكليات الأزهرية.

([98]) انظر: البهجة في شرح التحفة للتسولي (1/40)، دار الكتب العلمية-بيروت.

([99]) انظر: شرح مختصر خليل للخرشي ومعه حاشية العدوي (1/36)، رفع العتاب والملام (ص17).

([100]) انظر: شرح مختصر خليل للخرشي ومعه حاشية العدوي (1/36).

([101]) انظر: السابق نفسه.

([102]) نور البصر في شرح خطبة المختصر (ص125).

([103]) السابق نفسه.

([104]) نظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب في إطار المذهب المالكي (ص41).

([105]) انظر: شرح مختصر خليل للخرشي (1/36)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/20)، دار الفكر، نور البصر في شرح خطبة المختصر (ص125).

([106]) أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي للدكتور محمد رياض (ص509)، بدون ناشر-طبعة 1996م.

([107]) انظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (6/91).

([108]) أصل ما جرى به العمل وتقريب الأدلة الخاصة للمذهب المالكي للدكتور مولاي إدريس غازي (ص234)، بحث بمجلة الغنية الصادرة عن مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوك التابع للرابطة المحمدية للعلماء، العدد (5، 6)، مايو 2016م.

([109]) رفع العتاب والملام (ص20).

([110]) مباحث في المذهب المالكي بالمغرب (ص181).

([111]) ما جرى عليه العمل وأهميته في صناعة الفتوى واستقرارها «كتاب الدرر المكنونة في نوازل مازونة» أنموذجًا للدكتور إسماعيل نقاز (ص261)، بحث بمجلة البحوث العلمية والدراسات الإسلامية الجزائرية، المجلد (14)، العدد (3)، 2022م.

اترك تعليقاً