البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفصل السادس: أبرز مزايا المذهب المالكي.

المبحث الثاني: تميز المذهب بكونه مذهب المقاصد بامتياز.

127 مشاهدة

اشتهر المذهب المالكي بإعمال المقاصد، وكان هذا أحد أسباب ثراء هذا المذاهب وقدرته على المواكبة لمستجدات ومتغيرات العصر طوال القرون السالفة، فأكسبه ذلك غنًى وتميزًا ومكنه ذلك من أن يتبوأ لنفسه مكانًا حتى في البيئة التي سبقت إليها مذاهب أخرى، كما مكنه من احتواء القضايا التي كانت تستجدُّ في بيئته، ومن الإجابة على النوازل التي تحدث ولا سابق لها، كل ذلك بسبب أصوله المتنوعة وتعدد قواعده التي أكسبته هذه المرونة والاستجابة للمستجدات.

وقد كان لاهتمام المالكية بالمقاصد الشرعية أثر على فقههم، وذلك اقتداءً بإمامهم الأكبر مالك بن أنس؛ إذ كان رحمه الله قاصدًا إلى ما قصده الشرع في جملة من الأحكام، سالكًا في ذلك ما سلكه الشرع في تقريراته، وقد استنبط ذلك من موطئه جلة العلماء الذين ولوا وجوههم شطر علم المقاصد كأبي الوليد الباجي والقاضي أبي بكر بن العربي والشهاب القرافي والشاطبي.

وتمتاز مقاصد الشريعة بالبعد الاستيعابي للقضايا المدروسة، وتمكِّن الفقيه من النظر الاستشرافي وإدراك أبعاد القضية، فهي بطبيعتها لا تقف عند ظواهر الأشياء السطحية، وإنما تتجاوز ذلك إلى البحث العميق عن الأسرار الكامنة والأسباب الدافعة للفعل، واستحضار هذه الأشياء عند البحث عن الحكم الشرعي يجعل الفقيه يراعي قصد الشارع من الحكم، والبحث عن قصد المكلف عند قيامه بالفعل، ومن مارس كتب المالكية وجد من هذا الشيءَ الكثيرَ، وخاصة في قسم المعاملات حيث يظهر أثر النيات في العقود بشكل جلي([1]).

ومن الأمثلة التي نوردها في التدليل على مراعاة المالكية للمقاصد: ما توصـل إليـه الباجي من وجوب الزكاة في التين، رغم قول الإمام مالك بعدم الزكاة في الفواكـه؛ فقد نظـر الباجي إلى المقصد من عدم الزكاة في الفواكه، فذكر أنه لكونها مما لا يقتات، وقد صرَّح بهذه العلة فقال: «لأن الزكاة إنما شرعت فيما كان يقتات بالمدينة»، لكنه تحقق من أن التين في بلدهم مما يقتات، فاستنبط حكم تعلق الزكاة به([2]).

فيكون رأي الإمـام مالك في عدم تعلق الزكاة بالتين صائبًا بهذا الاعتبار، لكن الباجي قرر تعلق الزكاة بالتين لعلَّـة الاقتيات في بلاد الأندلس، وبهذا يتبين أنه أناط وجوب الزكاة في الثمار بمقـصد الاقتيـات.

ولقد ساهمت العديد من الدوافع في عناية المالكية بمقاصد الشريعة في فهم النص واستنباط الأحكام الشرعية منه، أبرزها توسع المالكية وكثرة أدلتهم الأصولية، ولعل الاستناد على أدلة مثل العرف وجلب المصلحة ودرء المفسدة وعمل أهل المدينة ومراعاة الخلاف والاستحسان والاستصلاح قد ساعد بشكل مباشر على التوظيف والاهتمام المقاصدي عند فقهاء المالكية أكثر من غيرهم([3]).

وفيما يلي بيان لبعض هذه الأدلة وعلاقتها بالعناية بالمقاصد:

أ-الاستصلاح:

من غير الممكن أن تذكر الشريعة الإسلامية جميع الأحكام التي تقع للناس في الآجل والعاجل صراحة ودون إيماء؛ لما في ذلك من مشقة تلحق بالناس جرَّاء مخاطبتهم بما لا يفهمون ولا يستوعبون، ومعنى ذلك أن النصوص الشرعية لا يمكنها أن تستوعب -من حيث قطعية فهمها- كل الأحداث والتحولات والنوازل، لكن هذا لا يمنع من وجود أدلة أخرى في أصول الفقه تساعد الأصولي والمجتهد للوصول إلى الحكم الشرعي المناسب للحدث الجديد ولو لم يكن له أصل صريح في النص، فيعمد العلماء آنذاك إلى أصل «الاستصلاح».

والاستصلاح هو تنزيل الحكم الشرعي على أساس المصلحة المرسلة، والمصلحة المرسلة هي المصلحة التي لم يتعرض لها النص الشرعي لا بالإلغاء وبالاعتبار فهي مصلحة مسكوت عنها.

والدوافع إلى اللجوء إلى توظيف هذا الدليل متعددة، كالعمل على جلب المصالح للناس لتحسين ظروف معاشهم، مثل فرض الضرائب العادلة على من يقدر لتمويل الخدمات والمشاريع التي تفيد المجتمع، وكالعمل على درء المفاسد التي تلحق الضرر بالناس جميعًا، وكالعمل على سد الذرائع التي تتوخى خرم الشريعة، ويقع هذا عند تغير الزمان والوضع الذي يعيشه الناس فتتبدل أوضاعهم وأخلاقهم([4]).

إن الكثير من المسائل قد استجدت عند المسلمين، ولا يستطيعون تكييفها شرعًا إلا باللجوء إلى مثل هذا الأصل الذي هو الاستصلاح، ويمكن أن نمثل لها بإشارات المرور التي تيسر انسياب حركة المرور وتحول دون إزهاق الأرواح ووقوع الحوادث والخسائر، وكذلك إنشاء المؤسسات والجمعيات التي تساهم في تيسير حياة الناس في المجال الاجتماعي كرفع المعاناة عن المشردين وأطفال الشوارع والاعتناء بهم حتى لا يقعوا فريسة للإدمان والانحرافات، والاهتمام بذوي الإعاقات ورعايتهم، وبناء المراكز الصحية والمستشفيات بمختلف المستويات والتخصصات حرصًا على حياة الناس ونفوسهم، وكذلك توظيف المراكز والمؤسسات لدراسة أوضاع الأمة، والتخطيط الجيد للمستقبل من أجل جلب المصالح للناس ودرء الأضرار عنهم، وغيرها([5]).

ولقد كانت الحياة يسيرة مطبوعة على الأمانة والثقة المتبادلة بين المسلمين، وبعد توسع الفتوحات الإسلامية اختلطت القبائل والأجناس مما عقَّد الحياة وأضاع الثقة بين الناس؛ لهذا أفتى الخلفاء الراشدون بتضمين الصُّنَّاع، حتى قال الإمام علي كرم الله وجهه: «لا يُصلح الناس إلا ذلك»، ووجه المصلحة في ذلك -كما ذكر الشاطبي- «أن الناس لهم حاجة إلى الصناع، وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة، فكانت المصلحة التضمين»([6]).

والواقع المتجدد دائمًا يطالب بإلحاح بفقه مناسب وبإجابات شرعية تريح النفوس وتبعث الطمأنينة في القلوب، وفي العصر الحاضر العديد من القضايا التي تصدى لها الفقهاء والعلماء، وكان للمقاصد نصيب وافر في هذا الاجتهاد، منها: التلقيح الصناعي، البصمة الوراثية، الإيجار المنتهي بالتمليك، التجارة عبر شبكة الإنترنت، وغيرها، وقد شكلت هذه النوازل تحديًا كبيرًا من حيث التكييف والتصور واستصدار الأحكام الشرعية بشأنها، وتمثل المقاصد الشرعية إحدى القواعد الأساسية لإيجاد الحلول والأحكام الشرعية لهذه التحديات([7]).

ب-الاستحسان:

يعتبر الاستحسان من أهم أصول المذهب المالكي المرتبطة ارتباطًا كبيرًا بالمقاصد الشرعية، ورغم اختلاف تعريف الأصوليين له إلا أنه يصب في إطار المصلحة، ومن ثم في مقاصد الشريعة الإسلامية. ومن ذلك تعريف ابن رشد حيث يرى أن «معنى الاستحسان في أكثر الأحوال هو الالتفات إلى المصلحة، والعدل»([8]).

فمدار تعاريف علماء المالكية للاستحسان على رفع الحرج ودفع المشقة لتيسير تعاملات الناس وجلب المصالح لهم، وهذا هو لب المقاصد وجوهرها الذي سعت الشريعة إلى تحقيقه في حياة الناس ليسعدوا في دنياهم وأخراهم، ولمذهب الإمام مالك قسط وافر في هذا المنحى، وذلك من أهم أسباب مجاراته للمصالح والمقاصد التي يتوخى الشارع تحقيقها.

وقد مرَّ من أمثلة الاستحسان وتطبيقاته عند المالكية: جواز صلاة الضحى بتيمم صلاة الفجر عدولًا عن الأصل في المذهب القاضي بأنه لا يُصلَّى بالتيمم إلا صلاة واحدة، وذلك معنى استحساني مرتكز على بعد مصلحي اقتضاه مبدأ التيسير ورفع الحرج عن عموم الناس.

ومن أمثلته أيضًا: ثبوت الشفعة في الثمار ما لم تيبس بعد جنيها أو ما لم تكن زرعًا، مع أن القياس يقضي أن الشفعة تثبت في العقار لا في توابعه من الثمار والزرع، وهو معنى استحساني ارتكز على اعتبار مقصد التيسير على الناس والرفق بهم في معاملاتهم.

ج-سد الذرائع:

وسد الذرائع من الأصول المستعملة في استنباط الأحكام الشرعية، وقد عُرف المالكية باعتمادها أكثر من غيرهم، حتى قال بعض الباحثين: «ليس في المذاهب الأربعة المنتشرة ولا في غيرها من بلغ أخذه بهذا الأصل مبلغ المذهب المالكي، وذلك لأنه من أوسع المذاهب الاجتهادية اعتمادًا على رعاية مصالح الناس وأعرافهم»([9]).

وقد استخدم الإمام مالك هذا الأصل في فتاويه، حيث أفتى رحمه الله أبا جعفر المنصور عندما أراد أن يرد البيت على قواعد إبراهيم عليه السلام بالمنع قائلًا: «لا تفعل لئلا يتلاعب الناس ببيت الله»([10]).

ومن التطبيقات المعاصرة لهذا الأصل عدم خرق قوانين السير والامتثال لإشارات المرور سدًّا لذريعة الاصطدام ووقوع الحوادث؛ لما فيه من الأضرار الحاصلة في الأرواح والأموال، ومنها منع الزواج بالأجنبيات بالنسبة لبعض الشخصيات ذوي المراكز الحساسة حتى لا يكون ذلك ذريعة للتجسس على المصالح الحيوية والاستراتيجية للأمة.

واعتماد أصل سد الذرائع مع أصول أخرى ساهم بقدر كبير في تعليل الشريعة الإسلامية وبيان معقولية معناها، ومن ثم النظر في مآلات الأحكام الشرعية، مما يستلزم صيانة لمراميها، وهو عين المقاصد؛ ذلك أن الشريعة جاءت بحكم ومصالح، فكل ما يفوت هذه الحكم أو يلغي هذه المصالح لا يقبله الشرع ولا يقره فوجب سد مداخله حتى لا يكر على الأصول بالهدم([11]).

 

 

 

([1]) انظر: الفكر المقاصدي عند المالكية ومواكبته لقضايا العصر من خلال قاعدة الذرائع (ص105، 106).

([2]) انظر: المنتقى شرح الموطأ للباجي (2/171).

([3]) انظر: عناية المالكية بالمقاصد الشرعية للدكتور محمد شهيد، من بحوث الدورة العلمية التكوينية للأيام الجامعية الأولى: المنهجية الفقهية في مؤلفات المذهب المالكي-الرابطة المحمدية للعلماء، المجلد (2)، (ص432)، 2012م.

([4]) انظر: السابق (ص432، 433).

([5]) انظر: السابق (ص433، 434).

([6]) الاعتصام للشاطبي، تحقيق: سليم بن عيد الهلالي (2/616)، دار ابن عفان-السعودية.

([7]) انظر: عناية المالكية بالمقاصد الشرعية (ص434، 435).

([8]) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (3/201).

([9]) سد الذرائع في الشريعة الإسلامية لمحمد هشام البرهاني (ص615)، دار الفكر-دمشق.

([10]) انظر: الموافقات (5/181).

([11]) انظر: عناية المالكية بالمقاصد الشرعية (ص439، 440).

اترك تعليقاً