البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

رعاية الحرية الشخصية

23 views

لقد صبَّ الفكر المعاصر جُلَّ اهتمامه على مفهوم الحرية، فتراه يهمسُ بها هنا ويجهر مناديًا بها هناك، دون كللٍ أو ملل، مع اتهامات -صريحة أحيانًا ومبطنة أخرى- بأنَّ التشريع الإسلامي ما زال محتفظًا ببعض الملامح التي تتعارض مع الحرية.

لكنَّ الحقيقةَ أن الأمر لا ينضبط ولا يستقيم فقط بالمظاهر ولا ببعض الشعارات الجذابة ذات الوقع الرنان، وإنما بالقواعدِ والأصول الحاكمة للمنظومة ككل، وما تؤول إليه الأمور، وما تستقيم عليه أحوال الخلق.

فمن الأصول المقررة في الشريعة الإسلامية أنَّ الخالق سبحانه أعطى لمخلوقه كامل الحرية بين أن يؤمن به أو يكفر، أن يعترف بخالقه أو ينكره، فقال: {فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡ} [الكهف: 29]، فقد أنعم على عبده بنعمة العقل مع القدرة والإرادة، مما ينتج عنه الحرية الكاملة في الاختيار، وتلك هي الأمانة التي أشفقت منها سائر المخلوقات، قال تعالى: {إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُ} [الأحزاب: 72]. بل لقد وصل الأمر إلى أن ذم الله سبحانه من يجبر الناس على الإيمان به، فقال: {لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} [البقرة: 256]. وقال: {وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ} [يونس: 99].

غير أن تلك الحرية التي كفلها الله سبحانه لجميع خلقه ليست تلك المتهورة الرعناء التي لا ضابط لها ولا محاسب على ما ينتج عنها، بل هي حرية مسؤولة، فكل إنسان سيتحمل نتاج اختياره في دنياه وأخراه ضمن منظومة منضبطة من الثواب والعقاب، فإن اختار الخير فهو لاقيه، وإن اختار غير ذلك فعليه أن يتحمل تبعات اختياره.

أما تلك التفاصيل المبثوثة في التشريع الإسلامي -والتي يرى بعض أصحاب الفكر المعاصر أنها تحد من حرية الإنسان وتقيده- فلا تتعارض أبدًا مع مفهوم الحرية؛ لأن المسلم قد اختار بكامل إرادته أن يؤمن بخالقه وأن يعبده، طمعًا في ثوابه، وإيمانًا بأن منظومته التشريعية هي الأجدر على تسيير شؤون حياته ومجتمعة بشكل منضبط قوامه الإصلاح والعدل والمساواة بين الناس، وما دام قد قرر حرًّا مختارًا أن يكون عبدًا لله سبحانه، فمن البدهي أن يقيم تلك العبادة على وفق ما يحبه إلهه ويرضاه؛ فتلك التشريعات التي حددها المولى سبحانه لعبادة المسلمين ومعاملاتهم متماشية تمامًا مع مفهوم الحرية المنضبطة المسؤولة.

ولا شك أن البديل لذلك أن يصير المرء عبدًا لمن هو أقوى منه من سائر العبيد، فإذا غاب التشريع الإلهي وضع القوي من التشريعات ما يحافظ به على قوته ويزيد به من ضعف غيره، حيث يزداد الغني غنًّا والفقير فقرًا، وتضيع الرحمة والتكافل بين مظاهر العبودية المادية التي تستعبد الناس باستغلال فقرهم وضعفهم واحتياجهم، وباللعب على غرائزهم وشهواتهم.

وخلاصة الأمر أن الحرية كانت وما زالت أولوية ملحة في العالم الإسلامي، يتلمسها العلماء بين ثنايا منظومة التشريع الإسلامي التراثي والمعاصر، تلك الحرية التي تساهم في بناء الشخصية المسلمة السوية التي تؤمن بخالقها وتعبده عن قناعة وحسن اختيار، وما ينتج عن ذلك من حسن معاملة لجميع الخلق، فالحرية ينبغي أن تنتقل من مجرد كونها قيمة مثالية يتم التعبير عنها بشعارات رنانة إلى أن تكون عاملًا فاعلًا في تعميق الفكر وبناء الشخصية السوية المنضبطة.

اترك تعليقاً