البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

جذور المذهب الحنفي

55 views

كانت  الكوفة مستقرًّا للعديد من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة بعد أن جعلها الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه عاصمة لخلافته، وكان ابن مسعود رضي الله عنه من أوائل الصحابة الذين بنوا النهضة العلمية في العراق بصفة عامة والكوفة بصفة خاصة، وذلك عندما وجهه إليها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه معلمًا ووزيرًا برفقة أميرها عمار بن ياسر رضي الله عنه مخاطبًا أهل الكوفة بقوله: «إني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا، وعبد الله بن مسعود معلمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، من أهل بدر فاسمعوا، وقد جعلت ابن مسعود على بيت مالكم فاسمعوا فتعلموا منهما، واقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي»([1]).

وقد قام ابن مسعود رضي الله عنه بالأمانة خيرَ قيامٍ، حيث ظلَّ يُعلِّم أهل الكوفة سنوات عديدة، فما عاد إلى المدينة إلا وقد خلَّف فيها نخبة جليلة من فقهاء وعلماء التابعين الذين تربوا على يديه ونهلوا من معين علمه، وكانوا هم الفقهاء بعد الصحابة رضوان الله عليهم، يحملون لواء العلم والفقه والفتوى بالكوفة([2]).

ومن أبرز أصحاب ابن مسعود الذين تفقهوا على يديه بالكوفة: علقمة بن قيس، ومسروق بن الأجدع، والحارث بن قيس، والأسود بن يزيد النخعي، وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل.

وكان أشبههم به في هديه وسمته هو علقمة بن قيس، حيث كان أشدهم ملازمة لابن مسعود؛ حتى قيل: «كان عبد الله بن مسعود يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في هديه ودله، وكان علقمة يشبه بعبد الله في ذلك»([3]). فتخرج علقمة على ابن مسعود رضي الله عنه، متصديًا بعده للفتيا والإمامة([4]). بل وحتى في حياة ابن مسعود؛ حيث ذكر الذهبي في سيره: «كان عبد الله وعلقمة يصفان الناس صفين عند أبواب كندة، فيقرئ عبد الله رجلًا، ويقرئ علقمة رجلًا، فإذا فرغا تذاكرا أبواب المناسك، وأبواب الحلال والحرام»([5]). ولا عجب في ذلك وقد قال عنه ابن مسعود رضي الله عنه: «ما أقرأ شيئًا ولا أعلمه إلا وعلقمة يقرؤه ويعلمه»([6]).

ومع شدَّة ملازمته لابن مسعود رضي الله عنه، فقد روى علقمة عن غيره من الصحابة رضوان الله عليهم ونهل من علمهم: كعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان، وسلمان الفارسي، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وأبي موسى الأشعري، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم، وغيرهم من كبار وعلماء الصحابة([7]).

وقد حمل هؤلاء التابعون الأمانة عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان لهم الأثر البالغ في إثراء المناخ العلمي في كل بقاع الخلافة الإسلامية بصفة عامة، وفي العراق بصفة خاصة، فتخرج عليهم عدد كبير من أعيان الكوفة والوافدين عليها، والذين منهم الفقيه الكبير إبراهيم النخعي رحمه الله الذي كان يقفو قفو علقمة بن قيس، الذي كان يسير على هدي شيخه ابن مسعود رضي الله عنه، حتى قيل: «إذا رأيت علقمة، فلا يضرك أن لا ترى عبد الله، أشبه الناس به سمتًا وهديًا، وإذا رأيت إبراهيم النخعي، فلا يضرك أن لا ترى علقمة، أشبه الناس به سمتًا وهديًا»([8]). وقال جرير بن عبد الحميد: «كان إبراهيم النخعي يشبه بعلقمة في ذلك»([9]).

وعن إبراهيم النخعي أخذ طريقته مفتي الكوفة والمنظور إليه في الفقه بعد موته شيخ أبي حنيفة: الفقيه حماد بن أبي سليمان، الذي كان يوصي به النخعي في حياته، ويقول: «عليكم بحماد؛ فإنه قد سألني عن جميع ما سألني عنه الناس»([10]). فحماد هو الشيخ الذي تفقه عليه الإمام أبو حنيفة ولازمه ثماني عشرة سنة حتى وفاته([11])، ثم تُوج على كرسيه، وأجلس للفتيا والتدريس مكانه([12]).

فانظر إلى هذه السلسلة المباركة المكونة من كبار العلماء والفقهاء الأتقياء الذين لم يبخلوا بأعمارهم وأوقاتهم وأموالهم في سبيل طلب العلم وملازمة العلماء؛ فقد تعلم أبو حنيفة على يد شيخه حماد بن أبي سليمان الذي أخذ عن الفقيه النبيه إبراهيم النخعي، الذي لازم علقمة بن قيس، الذي تربى على يد الصحابي الجليل ابن مسعود رضي الله عنه؛ ولذا فقد قالوا: «الفقه زرعه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وسقاه علقمة، وحصده إبراهيم النخعي، وداسه حماد، وطحنه أبو حنيفة، وعجنه أبو يوسف، وخبزه محمد، فسائر الناس يأكلون من خبزه، وقد نظمه بعضهم فقال:

الفقه زرع ابن مسعود، وعلقمةٌ … حَصَّاده، ثم إبراهيم دَوَّاسُ

نعمان طاحنه، يعقوب عاجنه … محمد خابز، والآكلُ الناسُ»([13]).

وهذا يعني أن فقه ابن مسعود رضي الله عنه كان الأساس واللبنة الأولى التي تأسس عليها مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان رحمه الله.

وهذا لا يعني بالطبع أن فقه الإمام أبي حنيفة قد اقتصر على هذا السند المبارك، فكل عالم من هؤلاء كان له العديد من المشايخ، لكن هذه السلسلة كانت الأشد تأثيرًا وبروزًا بسبب شدة الملازمة.

فمثلًا بجانب الصحابي ابن مسعود رضي الله عنه كان هناك العديد من علماء الصحابة الذين استفاد منهم أهل العراق ونهلوا من علمهم: كعمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كانت آراؤه وفتاويه تعم الآفاق وتلف جميع البدان الإسلامية، بل كان ابن مسعود رضي الله عنه يسير على نهجه ويعجب بآرائه، حتى قال ابن مسعود: «لو أن الناس سلكوا واديًا وشِعبًا، وسلك عمر واديًا وشعبًا، سلكت وادي عمر وشِعبه، ولو قنت عمر قنت عبد الله»([14]).

أما علي بن أبي طالب فقد كان من أشد الصحابة تأثيرًا على أهل الكوفة؛ حيث قد رحل إليها واتخذها مقرًّا لخلافته؛ فتفقه عليه أهل الكوفة، ومنهم شيوخ الإمام أبي حنيفة رحمه الله.

وأيضًا الصحابي الفقيه الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه الله تعالى الفقه والتأويل؛ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الذي قدم العراق في عهد الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فانتشر علمه في الكوفة والعراق، حتى ذُكر أن تلميذه عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه كان من أشهر مشايخ الإمام أبي حنيفة رحمه الله([15]).  فقد ذكر الموفق المكي بسنده إلى ابن أبي العون قال: «جلس أبو حنيفة إلى عطاء بن أبي رباح، فقال له عطاء: ممن الرجل؟ قال: من أهل العراق ممن لا يكذب بالقدر ولا يكفر بالذنب ولا يتناول السلف. قال: فعقد عطاء ثلاثًا بيده وقال: على هذا أدركت السلف» قال الموفق: «هو إمام أهل مكة، وقد سئل أبو حنيفة عن أفقه من رأى فقال: ما رأيت أفقه من حماد بن أبي سليمان، وما رأيت أجمع لجميع العلوم من عطاء بن أبي رباح. أكثر عنه أبو حنيفة الرواية»([16]).

كما كان الإمام أبو حنيفة يكثر من الذهاب إلى مكة فيأخذ من تلاميذ ابن عباس رضي الله عنهما، بل روي أنه أقام بمكة مدة تقرب من نحو ست سنين، وإقامته بمكة هذه المدة -وهو ذو الفكر القوي والعقل الواعي- لا بد أن يكون قد تلقى فيها عن التابعين الذين تلقوا علم ابن عباس رضي الله عنهما وفقه القرآن منه، أو من تلاميذهم([17]).

وقد تلقى علم هؤلاء الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم عن طريق شيخه حماد، عن إبراهيم النخعي؛ فقد روى الخطيب البغدادي بسنده عن أبي حنيفة أنه قال: «دخلت على أبي جعفر أمير المؤمنين، فقال لي: يا أبا حنيفة عمن أخذت العلم؟ قال: قلت: عن حماد، عن إبراهيم، عن عُمَر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس. قال: فقال أبو جعفر: بخ، بخ، استوثقت ما شئت يا أبا حنيفة، الطيبين الطاهرين المباركين، صلوات الله عليهم»([18]).

([1]) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (3/ 255)- دار صادر- بيروت، والحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين (5663)- تحقيق مصطفى عبد القادر عطا- دار الكتب العلمية- بيروت- الطبعة الثانية- 1422هـ/ 2002م.

([2]) ينظر: المذهب الحنفي لنصير الدين النقيب (ص: 83)- مكتبة الرشد- الرياض- المملكة العربية السعودية- الطبعة الأولى- 1422هـ/ 2001م.

([3]) سير أعلام النبلاء للذهبي (13/ 216) تحقيق شعيب الأرنؤوط- مؤسسة الرسالة- بيروت- الطبعة الثانية- 1402هـ/ 1982م.

([4]) ينظر: تهذيب الكمال للمزي (20/ 304)، تاريخ الإسلام للذهبي (2/ 684، 685) تحقيق بشار عواد- دار الغرب الإسلامي- بيروت- الطبعة الأولى- 2003م.

([5]) سير أعلام النبلاء (4/ 55).

([6]) تهذيب الكمال (20/ 305)، تاريخ الإسلام للذهبي (2/ 685).

([7]) ينظر: تهذيب الكمال (20/ 301).

([8]) سير أعلام النبلاء (4/ 55).

([9]) السابق (13/ 216).

([10]) السابق (5/ 232).

([11]) ينظر: تهذيب الكمال (29/ 427).

([12]) ينظر: المذهب الحنفي لنصير الدين النقيب (1/ 86).

([13]) الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار للحصكفي (ص: 12) تحقيق عبد المنعم خليل إبراهيم- دار الكتب العلمية- بيروت- الطبعة الأولى- 1423هـ/ 2002م.

([14]) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (6984) تحقيق كمال يوسف الحوت- مكتبة الرشد- الرياض- الطبعة الأولى- 1409هـ.

([15]) ينظر: تهذيب الكمال (29/ 419).

([16]) مناقب أبي حنيفة (1/ 88).

([17]) ينظر: أبو حنيفة حياته وعصره وآراؤه الفقهية لأبي زهرة (ص: 72) دار الفكر العربي- دار الاتحاد العربي للطباعة- القاهرة- الطبعة الثانية.

([18]) ينظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري (ص: 68) عالم الكتب- بيروت- الطبعة الثانية- 1405هـ/ 1985م، تاريخ بغداد (15/ 458) تحقيق بشار عواد- دار الغرب الإسلامي- بيروت- الطبعة الأولى- 1422هـ/ 2001م.