البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

المقدمة

56 views

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومَن والاه، وبعد:

فإن منصب الإفتاء عظيمٌ قَدْرُه، جليلٌ شأنُه، فالمفتون هم المُخبِرون عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، القائمون بفرض الكفاية في البيان والإعلام؛ امتثالًا لقول الله تعالى: {وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ} [آل عمران: ١٨٧]، وهم الموسومون بأهل الذِّكْر في قول الحق جل شأنه: {فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} [النحل: 43].

والمفتي قائمٌ في الأمة مقامَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فالعلماء ورثة الأنبياء كما يدل عليه الحديث الشريف: ((وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ))([1])، كما أنَّ المفتي نائبٌ في تبليغ الأحكام؛ ففي الأحاديث الشريفة: ((أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ)) ([2])، و((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً))([3])، و((تَسمَعُونَ ويُسمَعُ منكم، ويُسمَعُ ممن يَسمَعُ مِنكُم))([4])، وإذا كان كذلك فهو معنى كونه قائمًا مقام النبي، فالمفتي وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.

وإذا كان الإفتاءُ بهذا العِظَم والخَطَر فهو أيضًا كبيرُ الموقع، كثيرُ الفضل، وبقَدْر عِظَم شأن الفتوى وسُمُوِّ شرفها يكون عظم خطرها واشتداد ضررها؛ قال الإمام النووي: «اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل؛ لأن المفتي وارثُ الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقائمٌ بفرض الكفاية، لكنه مُعرَّض للخطأ، ولهذا قالوا: المفتي مُوَقِّعٌ عن الله تعالى» ([5]).

لذلك فَرَّ منها الحكماء، ونَدَّ منها العقلاء إلَّا أن يُحمَلوا عليها حملًا، أو تَتَعيَّن عليهم؛ لعلمهم بعِظَم غَرَرِها، وإدراكهم لاشتداد ضررها، وكان أحدهم -وهم أساطين العلم وأرباب المعرفة- لا تمنعُه شهرتُه وعُلُوُّ مكانته من أن يقولَ في حكم مسألة: لا أدري، أو يؤخِّرَ الجوابَ إلى حين يدري! وأخبارُهم في ذلك متواترةٌ مشهورةٌ: فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: “أدركت عشرين ومائةً من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يُسألُ أحدُهم عن المسألة فيردها إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجعَ إلى الأول”([6]).

وعن صالح بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله قال: سمعت مالك بن أنس يقول: سمعت ابن عجلان يقول: “إذا أغفل العالم لا أدري أُصيبت مقاتله”([7]).

وعن عبد الرحمن بن مهدي، قال: “رأيت رجلًا جاء إلى مالك بن أنس يسأله عن شيء أيامًا ما يجيبه، فقال: يا أبا عبد الله إني أريد الخروج، قال: فأطرق طويلًا، ثم رفع رأسه وقال: ما شاء الله يا هذا، إني إنما أتكلم فيما أحتسب فيه الخير، وليس أُحْسِنُ مسألتَك هذه”([8]).

وكانوا ينكرون ويشددون النكيرَ على مَن يتَصدَّر للإفتاء ممن ليس له أهلًا؛ فقد روى ابن عبد البر عن مالك، قال: “أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة بن أبي عبد الرحمن فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ وارتاع لبكائه، فقال له: أمصيبة دخلت عليك؟ فقال: لا، ولكن استُفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم، قال ربيعة: ولَبَعْضُ من يفتي ها هنا أحقُّ بالسجن من السُّرَّاق”([9]).

يقول ابن حمدان، مُعَلِّقًا على هذا الخبر: “فكيف لو رأى زماننا وإقدام من لا علم عنده على الفتيا مع قلَّة خبرته وسوء سيرته وشؤم سريرته، وإنما قصده السمعة والرياء ومماثلة الفضلاء والنبلاء والمشهورين المستورين والعلماء الراسخين والمتبحرين السابقين، ومع هذا فهم يُنهون فلا ينتهون، ويُنبهون فلا ينتبهون، قد أملي لهم بانعكاف الجُهَّال عليهم، وتركوا ما لهم في ذلك وما عليهم، فمن أقدم على ما ليس له أهلًا من فتيا أو قضاءٍ أو تدريسٍ أَثِمَ، فإنْ أكثر منه وأصرَّ واستمرَّ فسق ولم يحل قبول قوله ولا فتياه ولا قضاؤه، هذا حكم دين الإسلام والسلام، ولا اعتبارَ لمن خالف هذا الصواب، فإنا لله وإنا إليه راجعون”([10]).

فهذا غَيْضٌ من فَيْض من أخبار توَرُّعِهم عن الإفتاء في دين الله، وإن أردت زيادةً، فدونك “أدب المفتي والمستفتي”، لابن الصلاح، أو “آداب الفتوى والمفتي والمستفتي”، للنووي، ففيهما غُنيَتُك.

ولمَّا كان لأمر الإفتاء هذا الشأن العظيم: وَضَع العلماء آدابًا للفتوى، فنبَّهوا عليها، وأرشدوا إليها، يَجْدُر أن يلتزمَ بها المفتون، ويتأدَّبَ بها المستفتون، فالمفتي حالَ إفتائه مُبَلِّغٌ عن الله تعالى، قائمٌ مقامَ رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فعليه أن يكون متأدِّبًا بأحسنِ الأدب، مُخْلِصًا لله تعالى، ذا وقارٍ وسكينةٍ وتواضُع، لَيِّن القول، حَسَن الفعل… إلى غير ذلك من الآداب التي يندب له التزامها حتى تكون فتواه أقربَ إلى الهُدى والرشاد.

وكذلك ينبغي أن يكون المستفتي حَسَن الأدب مع المفتي، مُعَظِّمًا حُرْمته، مُدْرِكًا شأنه، مُهَذِّبًا لسانه وجوارحه، مُقبِلًا عليه بعقله وقلبه، لا يَعْجَل عليه، يُحسِن استقبال جوابه، إلى غير ذلك من الآداب المنثورة في كتب أهل العلم.

وفي هذا الجزء من الموسوعة نحاول التأصيل لهذا الجانب الأدبي في حق المفتي والمستفتي؛ فجاءت صفحاتُ هذا الجزء مُؤَصِّلةً لتلك الآداب، مبَيِّنةً أهميتها وأَثَر مراعاتها.

وللجمْع بين الأصالة والمعاصرة في عَرْض مِثْل هذه الموضوعات النظرية فقد أَرْدَفنا في هذا الكتاب نماذجَ توضيحيةً لمسائله.

نسأل الله تعالى أن يتَقبَّل هذا العمل كما وفَّقَنا إليه، وأن ينفعَ به أُمَّة المسلمين والمؤمنين وسائر الناس أجمعين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله أَوَّلًا وآخرًا.

([1]) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: العلم، باب: الحث على طلب العلم، رقم (3641)، (3/ 317).

([2]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: العلم، باب: ليعلم العالم الشاهد الغائب، برقم (105)، (1/ 33).

([3]) أخرجه البخاري، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ما ذُكِر عن بني إسرائيل، رقم (3461)، (4/ 170).

([4]) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: العلم، باب: فَضْل نشر العلم، برقم (3659)، (3/ 321).

([5]) آداب الفتوى والمفتي والمستفتي، للنووي، (ص 13)، ط. دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، سنة 1408هـ.

([6]) المدخل إلى السنن الكبرى، لأبي بكر البيهقي، (ص 433)، رقم (801)، ط. دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت.

([7]) جامع بيان العلم وفضله، لأبي عمر ابن عبد البر، (2/ 840)، ط. دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، سنة 1414هـ – 1994م.

([8]) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصبهاني، (6/ 323)، ط. السعادة بجوار محافظة مصر، 1394هـ – 1974م.

([9]) جامع بيان العلم وفضله، (5/ 1225).

([10]) صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، لابن حمدان الحَرَّاني الحنبلي، (ص 12)، ط. المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة: الثالثة، سنة 1397هـ.

اترك تعليقاً