البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

المطلب الثاني

25 views

مفهوم الفتوى المنضبطة

التعريف الجزئي:

المقصود بالتعريف الجزئي هو تعريف مفردات مصطلح “الفتوى المنضبطة”، والذي اشتمل على لفظي “الفتوى”، و”المنضبطة”، فهو مصطلح مركب من كلمتين، وقد سبق بيان مصطلح الفتوى تفصيلا، ونبين هنا مصطلح “المنضبطة”؛ تمهيدًا لتعريف “الفتوى المنضبطة” كمصطلح مركبٍ تركيبًا وصفيًّا من جزئين، وفيما يلي بيان ذلك:

الضبط في اللغة:

يطلق الضبط في اللغة على الحزم والإتقان والحفظ، ولزوم الشيء؛ جاء في تاج العروس: “ضَبَطَه يَضْبِطه ضَبْطًا وضَبَاطَةً، بالفتح: حفظه بالحزم، فهو ضابطٌ، أي حازم. وقال الليث: “ضبط الشيء: لزومه لا يفارقه، يقال ذلك في كل شيء””([1]).

وفي المصباح المنير: “ضَبَطَه ضَبْطًا من باب ضَربَ حفظه حفظًا بليغًا، ومنه: قيل ضبطت البلاد وغيرها إذا قمت بأمرها قيامًا ليس فيه نقص”([2]).

والضابطُ: هو القوي على عمله، لذا قيل: فلان لا يضبط عمله؛ إذا عجز عن ولاية ما وَلِيَه، وعكسه رجل ضابطٌ: أي قوي على عمله([3])، ورجل ضابط للأمور: كثير الحفظ لها، والضابطة: الماسكة، والقاعدة، جمعه ضوابط([4]). والمنضبط: الدقيق، المضبوط، ومنضبطة: مضبوط بالحركات([5]).

ومن الضبط أيضًا يأتي الانضباط؛ يقال: انضبطَ ينضبط انضباطًا، فهو مُنضبِط، وانضبط العملُ: أحكم وأتقن، وانضبطتِ الساعةُ: انتظمت حركتها، وكذا كتاب مضبوط، إذا أصلح خلله، وشخص لا يضبط قراءته، أي لا يحسنها([6]).

فالضَّبط: هو الالتزام بالنظام، وضبط الأمور والأشياء ضَبْطًا محكمًا([7])، ويطلق الضبط على كل شيء؛ لذا أطلق على بعض المفاهيم المعاصرة، نحو: ضبط النَّسل: أي تحديد الإنجاب وتنظيمه، ضبط النَّفس: أي ضبط الذَّات، وذلك بسيطرة الشَّخص على مشاعره أو رغباته أو أفعاله بإرادته الشَّخصيَّة بهدف التطوُّر والتحسين الشخصي، والتصبر وعدم الانفعال([8])، وضبطت البلاد وغيرها إذا قمت بأمرها قيامًا ليس فيه نقص([9])، إلى غير ذلك، وبالتالي يطلق مصطلح “الضبط” في اللغة أيضًا على ضبط الفتوى، وأي علم من العلوم الأخرى، فالعلوم المضبوطة: “هي العلوم المحكمة أو الدقيقة”([10]).

وبالتالي فالفتوى المضبوطة أو المنضبطة هي “الفتوى المحكمة بالضوابط العلمية والشروط المكانية والزمانية”.

الضبط في الاصطلاح:

للضبط في الاصطلاح تعريفات متعددة، فعرفه الجرجاني: بأنه “إسماع الكلام كما يحق سماعه، ثم فهم معناه الذي أريد به، ثم حفظه ببذل مجهوده، والثبات عليه بمذاكرته إلى حين أدائه إلى غيره”([11]). وزاد أبو البقاء الحنفي: “…إلى حين أدائه، وكمال الوقوف على معانيه الشرعية”([12])([13]).

والضابط والضابطة: هو الحكم الكلي المنطبق على جزئياته([14]).

 

 

التعريف الاصطلاحي:

المقصود بالتعريف الاصطلاحي هو تعريف “الفتوى المنضبطة” باعتبار معنى التركيب والإضافة في جزئي لفظيها؛ أي: بعد إضافة لفظ “المنضبطة” المأخوذ من الضبط إلى لفظ “الفتوى”، حتى صار هذا المُرَكَّب الإضافي “الفتوى المنضبطة”.

ومن المعلوم أَنَّ كل جزء من أجزاء المركب له معنى قبل التركيب، وقد عَرَّفنا أجزاء هذا المركب -أي: “الفتوى”، و”المنضبطة”- فيما سبق، لكن بعد تركيب الجزئين معًا أفاد مجموعهما معنى جديدًا، لم يكن لأي واحد منهما قبل التركيب([15]).

ومصطلح “الفتوى المنضبطة” لم يكن يُعْرَف لدى الفقهاء قديمًا بهذا الاسم، فهو مصطلح ومفهوم معاصر ناشئ، وإن كانت كلمة “المنضبطة” قد وردت في كتاباتهم مقرونة بمصطلحات أخرى كالعلة المنضبطة([16])، أو الظواهر والأوصاف المنضبطة([17])، أو القواعد الشرعية المنضبطة([18])، لكن لا يُنْكِر أحدٌ وجود مُسمَّى “الفتوى المنضبطة” عندهم، وهذا يظهر من بعض نصوصهم، منها:

يقول إمام الحرمين الجويني -عندما يعرض عليه قضية جديدة كيف يفتي فيها-: “أقول: لست أحاذر إثبات حكم لم يدونه الفقهاء، ولم يتعرض له العلماء… ولكني لا أبتدع، ولا أخترع شيئًا، بل ألاحظ وضع الشرع، وأستثير معنى يناسب ما أراه وأتحراه، وهكذا سبيل التصرف في الوقائع المستجدة التي لا توجد فيها أجوبة العلماء معدة، وأصحاب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ورضي عنهم، لم يجدوا في الكتاب والسنة إلا نصوصًا معدودة وأحكامًا محصورة محدودة، ثم حكموا في كُلِّ وَاقِعَةٍ عَنَّتْ، ولم يجاوزوا وضع الشرع، ولا تعدوا حدوده؛ فعلمونا أن أحكام الله تعالى لا تتناهى في الوقائع، وهي مع انتفاء النهاية عنها صادرة عن قواعد مضبوطة”([19]).

ويقول ابن القيم: “ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:

أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر”([20]).

وينقل المرداوي -في شروط المجتهد- قوله: “… وأن يكون فقيه النفس، أي: له قدرة على استخراج أحكام الفقه من أدلتها كما يعلم ذلك من حد الفقه… فتضمن ذلك أن يكون عنده سَجيَّة وقوة يقتدر بها على التصرف بالجمع، والتفريق، والترتيب، والتصحيح، والإفساد؛ فإن ذلك ملاك صناعة الفقه. قال الغزالي: إذا لم يتكلم الفقيه في مسألة لم يسمعها ككلامه في مسألة سمعها فليس بفقيه”([21]).

وقال ابن حمدان: “فأمَّا الفقيه على الحقيقة فهو من له أهليَّة تامة يمكنه أن يعرف الحكم بها إذا شاء [مع] معرفته جملة كثيرة عرفها من أمهات مسائل الأحكام الشرعية الفروعية العملية بالاجتهاد والتأمل وحضورها عنده، فكل فقيه حقيقة مجتهد قاض؛ لأن الاجتهاد بذل الجهد والطاقة في طلب الحكم الشرعي بدليله”([22]).

ويمكن لنا بعد هذا التفصيل أن نُعرِّف “الفتوى المنضبطة” اصطلاحًا بأنها:

“هي الفتوى التي يراعى فيها النص ومدلولاته، والواقع وملابساته، وكذلك هي التي يلتزم فيها المفتي بالضوابط العلمية والمكانية والزمانية”.

أي إنَّ “ملامح انضباط الفتوى، هي: مرجعية الدليل ومناسبة الواقع، فليس وجود الدليل وسلامته يكفي لكي تكون الفتوى منضبطة، بل لا بد من مناسبتها للواقع، فقد تكون الفتوى سليمة الدليل لكنها غير مناسبة للواقع، وقد تكون مناسبة للواقع يعوزها الدليل”([23]).

ويتجلى هذا المعنى أكثر ببيان المصطلحات قريبة المدلول من مصطلح “الفتوى المنضبطة” وكذلك أضداده.

مرادفات وأضداد مصطلح “الفتوى المنضبطة”:

لمصطلح الفتوى المنضبطة عدة مرادفات وأضداد نتناول أبرزها في الأسطر التالية، لكن قبل البدء في بيان تلك المرادفات أو الأضداد، نود الإشارة إلى أن هذه المصطلحات مركبة تركيبًا وصفيًّا من جزئين: الفتوى مع لفظ الشرعية مثلًا، أو الفتوى مع لفظ الشاذة، ونظرًا لحداثة تلك المصطلحات، ولسبق تعريف كلمة الفتوى، سنلقي الضوء على الكلمات الأخرى المصاحبة لكلمة الفتوى أولًا، ثم نشير إلى المعنى الإجمالي للمصطلح، وفيما يلي بيان هذا:

أولا: مرادفات الفتوى المنضبطة:

للفتوى المنضبطة مرادفات عدة، تفيد في مجملها: الحكم الشرعي الصحيح المتطابق مع الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة، ومقاصد الشرع الحنيف وقواعده المستمدة منهما، نذكر من هذه المرادفات:

1- الفتوى الصحيحة:

ورد مصطلح “الفتوى الصحيحة” عند بعض الفقهاء والأصوليين القدامى([24])، إلا أنهم لم يضعوا له تعريفًا صريحًا، بل وضعوا له من الضوابط والأحكام والآداب ما يؤدي إلى الفتوى والحكم الصحيح.

ونعرض بداية تعريف لفظ “الصحيح” في اللغة والاصطلاح؛ تمهيدًا لتعريف مصطلح الفتوى الصحيحة باعتبار التركيب:

فالصحيح في اللغة: ضد السقيم، وهو حقيقة في الأجسام مجاز في سائر المعاني، يقال: صح المريض، وصح الخبر، وصحت الصلاة، وصحت الشهادة، وصح العقد، فهو صحيح([25]).

واصطلاحًا: يختلف تعريف لفظ “الصحيح” بحسب كل فن واختصاصه، فهناك الصحيح عند المحدثين، والصحيح عن النحاة، والصحيح عند الفقهاء والأصوليين إلى غير ذلك، ونقتصر هنا على بيان الصحيح عند الفقهاء لتعلقه بعلم الفتوى وكونها أحد فروع علم الفقه وأصوله:

فعُرف الصحيح بأنه: “ما اجتمع فيه أركانه وشروطه”([26]). وقيل هو: “ما يعتمد عليه”،

وقيل: إن الصحيح في العبادات والمعاملات هو: “ما اجتمعت أركانه وشرائطه حتى يكون معتبرًا في حق الحكم”([27]).

مفهوم “الفتوى الصحيحة”:

وبناء على ما سبق: يمكننا أن نعرف مصطلح “الفتوى الصحيحة” بأنها: هي الفتوى التي تتطلب مع توافر شروط الاجتهاد في المجتهد شروطًا أخرى، من: معرفة واقعة الاستفتاء، ودراسة نفسيَّة المستفتي، والجماعة التي يعيش فيها، وظروف البيئة أو البلد التي حدثت فيها الحادثة أو الواقعة المسؤول عنها؛ ليعرف مدى أثر الفتوى سلبًا وإيجابًا([28]).

وقريب من مفهوم الفتوى الصحيحة يأتي تعبير البعض بإطلاق مصطلح “الفتوى السليمة”([29])، ولقرابة المدلول والمفهوم نكتفي بالتعريف السابق للفتوى الصحيحة.

 

 

 

 

2-الفتوى الشرعية:

من المرادفات قريبة المدلول والمفهوم لمصطلح “الفتوى المنضبطة” أيضًا هو مصطلح “الفتوى الشرعية”، وإن كان تعريفه لا يبعد عن المعنى السابق للفتوى الصحيحة، إلا أننا نسلط عليه الضوء بشيء من الإيجاز:

الشرعية في اللغة: مصدر صناعي من شَرْع: أي كون الشيء قائمًا على أساس شرعيٍّ، وشَرَعَ الله الدين يشرعه شرعًا: أي سنَّه. وفي التنزيل الكريم: ﴿۞شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا﴾ [الشورى: 13]([30])، قال القرطبي: “ومعنى “شرع”: أي نهج وأوضح وبين المسالك، وقد شرع لهم يشرع شرعًا أي سن وبَيَّن”([31]).

والشرعية في الاصطلاح: هي الصادرة عن الشرع، وهو الطريق الإلهي المعلوم بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم([32]).

والعلوم الشرعية هي: “العلوم الدينية، المدوَّنة التي تذكر فيها الأحكام الشرعية العملية أو الاعتقادية، وما يتعلَّق بها تعلقًا معتدًّا به، ويجيء تحقيقه في الشرع”([33]).

مفهوم الفتوى الشرعية:

وبناء على ما سبق يمكننا أن نعرف “الفتوى الشرعية” بأنها: “الفتوى القائمة على أساس شرعي، الصادرة عن الشرع ممن هو أهل لها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتي توافرت فيها الضوابط والشروط التي وضعها الفقهاء والأصوليون”.

وإنما قلنا: “الصادرة عن الشرع”؛ لتشمل الفتاوى الصادرة عن رب العالمين، وعن النبي صلى الله عليه وسلم باعتبار مهمة التبليغ وأداء الرسالة، وقلنا: “من هو أهل لها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم”؛ إذ إن المفتي المؤهل للفتوى هو خليفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووارثه في أداء مهمة التبليغ وبيان الفتوى الشرعية لعموم المكلفين على النهج الذي تركه لنا صلى الله عليه وآله وسلم.

 

ثانيًا: أضداد الفتوى المنضبطة:

كما أن للفتوى المنضبطة عدة مرادفات قريبة المدلول والمعنى من بعضها البعض، فلها أيضًا عدة أضداد، تفيد في مجملها: الحكم غير المنضبط سواء أكان عدم الانضباط متعلقًا بصدورها من غير أهلها، أو متعلقًا بالدليل المستند إليه في الفتوى، أو بتأويل النصوص الشرعية على غير وجهها الصحيح، أو الانحراف في تفسيرها وفهمها، أو التعسف والتشدد والتنطع فيها، والخضوع في ذلك للهوى والتشهي وعدم التقيد بالضوابط والأحكام الشرعية المنصوص عليها، ونذكر من هذه الأضداد، ما يلي:

1- الفتوى الشاذة:

لما كان لمصطلح الفتوى الشاذة مفهوم معاصر، مركب تركيبًا وصفيًّا من كلمتين -كما أشرنا، شأنه في ذلك شأن باقي المصطلحات- فإنه لا يمكن لنا تعريفه باعتبار تركيبه، إلا بعد التعريف بمفردات التركيب، وقد سبق لنا بيان المراد بالفتوى، ونبين هنا تعريف الشذوذ تمهيدًا لتعريف مصطلح “الفتوى الشاذة”، وفيما يلي بيان هذا:

الشذوذ في اللغة: من شَذَّ يَشِذُّ شُذُوذًا، وللشذوذ في اللغة معان كثيرة أبرزها: “الانفراد والمفارقة”، يقال: شذَّ الرجل، إذا انفرد عن أصحابه، أو انفرد عن الجمهور؛ وكذلك كل شيء منفرد، فهو شاذ([34]).

والشاذ: هو المنفرد أو الخارج عن الجماعة، وما خالف القاعدة أو القياس، ومن الناس خلاف السوي، والجمع شواذ([35]).

أما الشذوذ في الاصطلاح: فله استعمالات متعددة عند الفقهاء والأصوليين وكذا عند المفسرين والمحدثين، كل على اختلاف تخصصه، وبالتالي يتباين المعنى الاصطلاحي ويختلف بحسب كل فن واختصاصه، وهي في مجموعها لا تبعد عن المعنى في اللغة، وبما أن علم الفتوى يتعلق بعلم الفقه وأصوله، فسوف نشير إلى أبرز التعريفات عندهم لمصطلح الشذوذ:

فَعرَّفه ابن حزم بأنه: “مخالفة الحق”، فكل من خالف الصواب في مسألة ما فهو فيها شاذ([36]).

وقريب منه عرفه ابن القيم، بقوله: “ما خالف الحق، وإن كان الناس كلهم عليه إلا واحدًا منهم فهم الشاذون”([37]).

وعرفه البعض بأنه: “مفارقة الواحد من العلماء سائرهم”([38])، وقريب منه عرفه أحدهم بأنه: “مفارقة الواحد للجماعة”([39]).

ويتضح لنا من هذه التعريفات أن للشذوذ عند الفقهاء معنيين: الأول: مخالفة الحق والصواب، والثاني: مخالفة ما عليه الجمهور، والعمل بالضعيف أو المرجوح.

مفهوم الفتوى الشاذة:

أما عن تعريف الفتوى الشاذة فإنه بناء على ما سبق فقد عرفها جمع من الباحثين المعاصرين بتعريفات متعددة، وإن كانت مختلفة الألفاظ إلا أنها متقاربة المعنى، نذكر منها ما يلي:

عرَّفها البعض بأنها: هي كل فتوى فارق فيها صاحبها الجماعة، وخالف فيها الصواب المقطوع به([40]).

وعرفت بأنها: “انفراد المفتي بجواب غير صواب من غير حجة معتبرة”([41]).

وعرفت أيضًا بأنها: “الحكم المصادم لنص الكتاب أو السنة، أو كان لفظهما أو دلالتهما لا يحتمله تأويل المفتي، أو كان حكمه مُصادمًا لما عُلِمَ من الدين بالضرورة، أو مُصادمًا لمقاصد الشرع أو قواعده أو مبادئه؛ وذلك لأن الحكم لا يكون باطلًا مردودًا إلا في هذه الحال”([42]).

فما كان من الفتـوى بهذه الصفة التي أشارت إليها التعريفات فهي الفتوى الشاذة، التي شذت عن المنهج الصحيح.

2- الفتوى المضطربة:

قريب من مصطلح الفتوى الشاذة يأتي مصطلح “الفتوى المضطربة”؛ ونلقي الضوء على مفهوم الاضطراب بداية؛ تمهيدًا لتعريف المصطلح ككل:

فالاضطراب في اللغة: يأتي لمعان متعددة، منها: الاختلاف والاختلال في الأمور؛ جاء في لسان العرب: والاضطراب: تضرُّب الولد في البطن، ويقال: اضطرب الحبل بين القوم إذا اختلفت كلمتهم، واضطرب أمره: اختل، وحديث مضطرب السند، وأمر مضطرب. والاضطراب: الحركة، واضطرب البرق في السحاب: تحرك. والضَّريبُ: الرأْسُ؛ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ اضْطِرابه([43]).

وقال الزمخشري: “ورجل مضطرب الخلق: متفاوته، وفي رأيه اضطراب، واضطرب من كذا: ضجر منه، وفلان قد ارتفع شأنه واضطرب ذكره”([44]).

الاضطراب في الاصطلاح: أما عن الاضطراب اصطلاحًا فهو يختلف في تعريفه باختلاف العلوم والتخصصات المختلفة، وأكثر استعمالاته لدى الفقهاء والمحدثين القدامى لدلالة على اضطراب الحديث، وفي الوقت المعاصر شاع استعماله في مجال الطب نحو “الاضطراب النفسي” وغيره من المجالات، وهو عند الفقهاء والأصوليين لا يخرج عن المعنى اللغوي من كونه: التردد والاختلال في الأمور([45]).

مفهوم الفتوى المضطربة:

إن مصطلح “الفتوى المضطربة” ليس منصوصًا عليه صراحة عند فقهائنا القدامى باعتبار هذا التركيب، وإنما ورد لفظ “الاضطراب” في كتابتهم، منها ما ذكره ابن القيم -عند بيانه (أن من أدب المفتي أن يفتي بلفظ النصوص)- حيث يقول: “فألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب، ولما كانت هي عصمة (عهدة) الصحابة وأصولهم التي إليها يرجعون كانت علومهم أصح من علوم من بعدهم، وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقل من خطأ من بعدهم، ثم التابعون بالنسبة إلى من بعدهم كذلك… وهلم جرًّا، ولما استحكم هجران النصوص عند أكثر أهل الأهواء والبدع كانت علومهم في مسائلهم، وأدلتهم في غاية الفساد والاضطراب والتناقض”([46]).

وبناءً على ما سبق يمكن القول بأن الفتوى المضطربة: هي الفتوى المختلة التي لا يضبطها ضابط، ولا يحكمها ميزان، ولا يوجد لها زمام ولا خطام([47]).

3- الفتوى المتطرفة:

هو مفهومٌ مُعاصرٌ، لم يتناوله الفقهاء والأصوليون في كتبهم بالتعريف والبيان، إلا أنه مع ظهور قضية التطرف على الساحة العالمية عامة، والمجتمعات الإسلاميَّة خاصَّة، قد تناوله العلماء المعاصرون بالتعريف والبيان:

فالتطرُّف في اللغة: مصدر: تطرَّفَ، يَتطرَّف، تطرُّفًا، فهو مُتطرِّف، والمفعول مُتطرَّف، ومن معاني التطرف في اللغة: مجاوزة الحد والابتعاد عن الوسطية والاعتدال وعدم التوسط في الآراء، يقال: تطرَّف في إصدار أحكامه: جاوز حدَّ الاعتدال ولم يتوسَّط، فالتطرُّف: هو المغالاة السياسية أو الدينية أو المذهبية أو الفكرية، والمتطرف هو صاحب نزعة سياسيَّة أو دينيَّة تدعو إلى العنف([48]).

أما التطرف في الاصطلاح الفقهي: فعرف بأنه:الغلو في عقيدة أو فكرة أو مذهب أو غيره يختص به دين أو جماعة أو حزب”([49]).

وعرف المتطرف بأنه: “هو كل من تجاوز حدود الشرع وأحكامه وآدابه وهديه، فخرج عن الاعتدال ورأي الجماعة إلى ما يعدُّ شاذًّا شرعًا وعرفًا”([50]).

مفهوم الفتوى المتطرفة:

يمكن مما سبق تعريف التطرف في الفتوى بأنه: “البعد عن الوسطية والاعتدال في الفتوى: إما تفريطًا أو إفراطًا”.

ومعنى ذلك: أن يتجاوز المفتي الحد والاعتدال ويبتعد عن الموضوعية والوسيطة في الفتوى: إما متساهلًا بشأنها متتبعًا للرخص دون ضوابط أو ضرورة، وإما متشددًا بسبب التعصب لمذهبٍ أو لفكرٍ معين أو لشخصٍ أو لهوى، إلى غير ذلك من ألوان التعصب والتشدد المذموم([51]).

([1]) تاج العروس، للزبيدي، (19/ 439)، مرجع سابق.

([2]) المصباح المنير، لأبي العباس الفيومي، (2/ 357). ط. المكتبة العلمية- بيروت.

([3]) ينظر: لسان العرب لابن منظور، (7/ 341)، مرجع سابق.

([4]) تاج العروس، للزبيدي، (19/ 443)، مرجع سابق.

([5]) تكملة المعاجم العربية، لرينهارت بيتر آن دُوزِي، ط. وزارة الثقافة والإعلام، الطبعة: الأولى، من 1979- 2000م.

([6]) ينظر: تاج العروس، للزبيدي، (19/ 443)، مرجع سابق. ومعجم اللغة العربية المعاصرة، (2/ 1345): لأحمد مختار عبد الحميد عمر، ط. عالم الكتب، الطبعة: الأولى، سنة 1429هـ- 2008م.

([7]) ينظر: مقاييس اللغة، لابن فارس، (3/ 386)، مرجع سابق.

([8]) معجم اللغة العربية المعاصرة، (2/ 1346)، مرجع سابق.

([9]) المصباح المنير، للفيومي، (2/ 357). مرجع سابق.

([10]) معجم اللغة العربية المعاصرة، (2/ 1345)، مرجع سابق.

([11]) التعريفات، للشريف الجرجاني، (ص137)، ط. دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة: الأولى، 1403هـ-1983م.

([12]) الكليات، لأبي أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، أبي البقاء الحنفي، ط. مؤسسة الرسالة- بيروت.

([13]) وعند المحدثين، الضبط نوعان: ضبط صدر: وهو أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء، وضبط كتاب: وهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه.

ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف، للمناوي القاهري، ط. عالم الكتب- القاهرة، الطبعة: الأولى، سنة 1410هـ-1990م.

([14]) التعريفات الفقهية، لمحمد عميم الإحسان المجددي البركتي، (ص133)، ط. دار الكتب العلمية، (إعادة صف للطبعة القديمة في باكستان 1407هـ- 1986م)، الطبعة: الأولى، سنة 1424هـ- 2003م.

([15]( النكت في تفسير كلام سيبويه، لأبي الحجاج الشنتمري (ص727)، ط. دار الكتب العلمية. وشرح المفصل، لابن يعيش (4/ 135)، ط. دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، سنة 1422هـ- 2001م.

([16]( ينظر من ذلك: بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب، لشمس الدين الأصفهاني، (3/ 401)، ط. دار المدني- السعودية، الطبعة: الأولى، سنة 1406هـ- 1986م. والتحبير شرح التحرير، (8/ 4239)، للمرداوي الحنبلي، ط. مكتبة الرشد- السعودية، الطبعة: الأولى، سنة 1421هـ- 2000م.

([17]( ينظر من ذلك: الأشباه والنظائر، لتاج الدين السبكي، (2/ 189). ط. دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، سنة 1411هـ- 1991م. الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي، (3/ 203)، ط. المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- لبنان.

([18]( ينظر من ذلك: البرهان في أصول الفقه، لإمام الحرمين الجويني، (2/ 178)، ط. دار الكتب العلمية بيروت- لبنان، الطبعة: الأولى، سنة 1418هـ- 1997م.

([19]( الغياثي “غياث الأمم في التياث الظلم”، لعبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني،
أبي المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين، (ص266)، ط. مكتبة إمام الحرمين، الطبعة: الثانية، 1401هـ.

([20]) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، (1/ 69)، مرجع سابق.

([21]( التحبير شرح التحرير، للمرداوي، (8/ 3870)، ط. مكتبة الرشد- الرياض، الطبعة: الأولى، سنة 1421هـ- 2000م.

([22]( صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، لابن حمدان، (ص14)، مرجع سابق.

([23]) الفتوى المنضبطة وأثرها في تحقيق التوازن الفكري في المجتمع، للدكتور أحمد صالح محمد قطران، (ص563)، مجلة البحوث الفقهية والقانونية، المقالة رقم (6)، المجلد 33، الجزء الأول، سنة (1440هـ- 2018م).

([24]) جاء في كتب السادة الشافعية: “(وَيَكْتُبُ تَحْتَ الْفَتْوَى الصَّحِيحَةِ) التي كَتَبَهَا غَيْرُهُ وَخَطهُ مُوَافِقٌ لما عنده (إن عرف أنها أهل) للإفتاء (الجواب صحيح ونحوه) كهذا جواب صحيح أو جوابي كذلك”. يراجع: أسنى المطالب في شرح روض الطالب، لأبي زكريا الأنصاري، (4/ 285)، ط. دار الكتاب الإسلامي. والبحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم المصري، (6/ 292)، ط. دار الكتاب الإسلامي.

([25]) لسان العرب، لابن منظور، (2/ 507)، مرجع سابق. وتاج العروس، للزبيدي، (6/ 528)، مرجع سابق. المعجم الوسيط، (1/ 507)، مرجع سابق.

([26]) الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، لأبي زكريا الأنصاري، (ص74)، ط. دار الفكر المعاصر بيروت، الطبعة: الأولى، سنة 1411هـ.

([27]) التعريفات، للجرجاني، (ص132)، مرجع سابق. والتعريفات الفقهية، للبركتي، (ص127)، مرجع سابق.

([28]) ينظر: أصول الفقه، لمحمد أبي زهرة، (ص401)، ط. دار الفكر العربي. وسبل الاستفادة من النوازل، لوهبة مصطفى الزحيلي، بحث منشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد (11) الجزء (2)، ج (1)، (ص364- 365).

([29]) ينظر: أصول الفقه، لأبي زهرة، (ص401)، مرجع سابق.

([30]) المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده المرسي، ط. دار الكتب العلمية- بيروت، الطبعة: الأولى، سنة 1421هـ- 2000م. ومعجم اللغة العربية المعاصرة، (2/ 1189)، مرجع سابق.

([31]) تفسير القرطبي، (16/ 10)، مرجع سابق.

([32]) شرح مختصر الروضة، للطوفي الصرصري، (1/ 121)، المحقق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط. مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1407هـ- 1987م.

([33]) موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، لمحمد صابر الفاروقي الحنفي التهانوي، (1/ 28)، ط. مكتبة لبنان ناشرون- بيروت، الطبعة: الأولى، سنة 1996م.

([34]) ينظر: مقاييس اللغة، لابن فارس، (3/ 180)، مرجع سابق. ولسان العرب، لابن منظور، (3/ 494- 495)، مرجع سابق.

([35]) ينظر: المعجم الوسيط، (1/ 476)، مرجع سابق.

([36]) الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، (5/ 87)، ط. دار الآفاق الجديدة- بيروت.

([37]) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، (3/ 308)، مرجع سابق.

([38]) الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم، (5/ 86)، مرجع سابق.

([39]) ينظر: المرجع السابق، (5/ 87)، والمستصفى، (ص147)، لأبي حامد محمد الغزالي، ط. دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، سنة 1413هـ- 1993م. وروضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه، لابن قدامة المقدسي، (1/ 403)، ط. مؤسسة الريَّان، الطبعة: الثانية، سنة 1423هـ-2002م.

([40]) الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمع، (924- 925).

([41]) أسباب شذوذ الفتيا المعاصرة، (ص426).

([42]) الفتوى المعاصرة بين الانضباط والاضطراب- الفتاوى الشاذة نموذجًا، (ص325).

([43]) لسان العرب، لابن منظور، (1/ 544)، مرجع سابق.

([44]) أساس البلاغة، لأبي القاسم الزمخشري، ط. دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة: الأولى، سنة 1419هـ- 1998م.

([45]) ينظر: التعريفات الفقهية، للبركتي، (ص30)، مرجع سابق.

([46]) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، (4/ 130)، مرجع سابق.

([47]) ينظر: الفتوى المعاصرة بين الانضباط والاضطراب- الفتاوى الشاذة نموذجًا، (ص320).

([48]) معجم اللغة العربية المعاصرة، (2/ 1396- 1397)، مرجع سابق.

([49]) الجذور التاريخية لحقيقة الغلو والتطرف والإرهاب والعنف، علي بن عبد العزيز بن علي الشبل، (ص9).

([50]) موسوعة الفقه الإسلامي والقضايا المعاصرة، لوهبة الزحيلي، (13/ 727)، ط. دار الفكر- دمشق، سنة 1433هــ- 2012م.

([51]) ينظر: المعلمة المصرية للعلوم الإفتائية، (3/ 238)، إعداد: إدارة الأبحاث والدراسات الإفتائية للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، 1442هـ-2021م.

اترك تعليقاً