البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

المبحث الأول

60 views

سمات انضباط الفتوى

ويشتمل على ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: اتباع المذاهب الفقهية الأربعة والخروج عنها.

المطلب الثاني: عدم الشذوذ.

المطلب الثالث: التيسير وعدم التَّشدُّد.

 

 

المطلب الأول

اتباع المذاهب الفقهية الأربعة والخروج عنها

من المقرَّر عند أهل العلم أنَّه ينبغي على المفتي أن يراعيَ في فتواه عُرْفَ أهلِ زمانه، والمكان الذي يُصدِر فيه الفتوى، حتى وإن خالف في ذلك فتاوى الأئمَّة المتقدمين، لذا يجب على المفتي أن يجتهدَ في معرفةِ أحوالِ الناس، فلا يصحُّ أن يَجمُد على المنقول في كتب مذهبه الفقهي من غير مراعاةٍ لتغيُّر الزمان والمكان والأحوال والأعراف، وإلَّا أضاع حقوقًا كثيرةً، وكان ضرره أعظمَ من نفعه.

يقول الإمام الأكبر محمد مصطفى المراغي: «فللمفتي الآن أن يخصص نصًّا بالعرف العام، وأن يتركَ المنصوص عليه في ظاهر الرواية للعرف الخاص أو للضرورة ورفع الحرج، وأن يرجِّح رأيًا على رأي لسبب من هذه الأسباب، وإذا لم يفعل ذلك كان ضرره أعظمَ من نفعه، وأضاع حقوقًا كثيرة»([1]).

فالمفتي إذا عرضت له نازلة جديدة، ولم يكن منصوصًا عليها في كتب المذاهب الفقهية، فعليه أن يجتهدَ لاستنباطِ الحكم الشرعي المناسب لها مراعيًا الواقع والعرف، ومنه يُعلم أنَّ الاجتهاد في المذاهب الفقهية لم ينقطع، بل إننا نجد الكثير من النوازل والمستجدات لم ينص عليها أحد من علماء المذاهب الفقهية، وهذا ما يُلجئ مَن يتصدر للإفتاء إلى الاجتهاد في استنباط أحكام لهذه النوازل والمستجدات، وسيستمر على هذا الدأب كل من تصدر للقضاء أو الإفتاء ما بقيت الدنيا، وما احتاج الناس إلى القضاء والإفتاء([2]).

وفي سياقِ الكلامِ على السمات الرئيسة لانضباط الفتوى، ومدى جواز الخروج عن معتمَد المذاهبِ الفقهية الأربعة يظهر بين الحين والآخر بدعة اللامذهبية، والتي هي عبارة عن دعوة إلى أن ينبذ المسلم المذاهب الفقهية، ويترك تقليد أئمَّتها، وأن يعودَ إلى الأخذ من الكتاب والسُّنة مباشرة، وتشمل هذه الدعوة كل الناس حتى وإن كانوا عوامَّ، أو كانوا ممن لم يبلغ مرتبة الاجتهاد([3]).

ومما يميز هؤلاء المبتدعة أنهم يذمون التقليد، ويُنكرون على مُتَّبعي المذاهب الفقهية الأربعة، وهي مذاهب الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، ولم يكن هؤلاء على دراية بأنَّ المكلفين بالنسبة للأحكام الشرعية وأدلتها قسمان: قسم قادر على أخذ الأحكام من أدلتها بطريق الاجتهاد، وقسم دون ذلك:

فالأول: هم المجتهدون كأرباب المذاهب.

والثاني: هم المقلدون.

ولا بد لكل منهما من معرفة الحكم الشرعي ليعمل به حسب ما كُلِّف([4]).

فالأول بمقتضى التكليف العام مأمور بالاجتهاد للعمل بالأحكام الشرعية واتباعها، والثاني مأمور بتقليده كذلك([5]).

واتباع مذاهب المجتهدين ليس بدعًا من الأمر، بل هو منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين، فالعوام في زمن الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين كانوا إذا نزل بهم حادثة، أو وقعت لهم واقعة يهرعون إلى الصحابة والتابعين ليسألوهم عن حكم الله في تلك الحادثة، وكانوا يجيبونهم عن هذه المسائل من غير أن ينكروا عليهم ذلك، ولم يُنقَل عنهم أنهم أمروا هؤلاء السائلين بأن يجتهدوا ليعرفوا الحكم بأنفسهم، فكان ذلك إجماعًا من الصحابة والتابعين على أن مَن لم يقدر على الاجتهاد، فطريقُ معرفته للأحكام هو سؤال القادر عليها، فتكليف العوام بالاجتهاد فيه مخالفة لهذا الإجماع السكوتي([6])، يقول الشاطبي: “فتاوى ‌المجتهدين ‌بالنسبة ‌إلى ‌العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين، والدليل عليه أنَّ وجودَ الأدلَّة بالنسبة إلى المقلدين وعدمها سواء؛ إذ كانوا لا يستفيدون منها شيئًا، فليس النظر في الأدلة والاستنباط من شأنهم، ولا يجوز ذلك لهم ألبتة، وقد قال تعالى: {فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} [النحل: 43].

والمقلد غير عالم؛ فلا يصحُّ له إلا سؤال أهل الذكر، وإليهم مرجعُه في أحكام الدين على الإطلاق، فهم إذن القائمون له مقامَ الشارع، وأقوالهم قائمةٌ مقامَ أقوال الشارع. وأيضًا فإنه إذا كان فَقْدُ المفتي يُسقِط التكليف فذلك مُساوٍ لعدم الدليل؛ إذ لا تكليفَ إلا بدليل، فإذا لم يوجد دليل على العمل سقط التكليف به، فكذلك إذا لم يوجد مُفتٍ في العمل فهو غير مكلَّف به، فثبت أن قول المجتهد دليل العامي، والله أعلم”([7]).

ونستفيد من ذلك: أنَّ القول بمنع التقليد واتباع المذاهب الفقهية فيه تكليفُ مَن لا قُدرةَ له على الاجتهاد بمعرفة الحكم عن دليله، وهو تكليف له بما ليس في وُسعه، فيكون منهيًّا عنه؛ لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا} [البقرة: 286]، ويضاف إلى ذلك أنه يؤدي إلى ترك الناس مصالحهم الضرورية، والاشتغال عن معايشهم في الحياة الدنيا، بتعطيل الحرف والصناعات لمعرفة الأحكام، وفي ذلك فساد للأحوال([8]).

بقي أن نقول: إنَّ المذاهب الفقهية الأربعة -وهي المذهب الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي- قد حظيت دون غيرها بعدة خصائص على تفاوُتٍ فيما بينها أكسبتها الصدارة بين المذاهب الأخرى، من حيث: المتابعة، والتدوين، والتنقيح، والتحقيق، والتخريج، والتفريع، وغير ذلك، مما لم يتوفر لغيرهم من أئمَّة الاجتهاد، حتى عدَّ العلماء أن القضاء يُرَدُّ بمخالفة ما أجمعت عليه المذاهب الأربعة.

يقول ابن نجيم الحنفي: «مما لا ينفذ القضاء به: ما إذا قضى بشيء مخالف للإجماع وهو ظاهر، وما خالف الأئمَّة الأربعة مخالف للإجماع وإن كان فيه خلاف لغيرهم، فقد صرَّح في التحرير أنَّ الإجماع انعقد على عدم العمل بمذهب مخالف للأربعة لانضباط مذاهبهم وانتشارها وكثرة أتباعهم»([9]).

ويقول المرْدَاوي الحنبلي: «مدار الإسلام واعتماد أهله قد بقي على هؤلاء الأئمَّة وأتباعهم، وقد ضُبِطت مذاهبُهم وأقوالُهم وأفعالُهم، وحُرِّرت ونُقلت من غير شكٍّ في ذلك، بخلاف مذهب غيرهم وإن كان من الأئمَّة المعتمد عليهم لكن لم تُضبط الضبطَ الكامل وإن كان صحَّ بعضها فهو يسيرٌ فلا يُكتفَى به؛ وذلك لعدم الاتباع، وأيضًا فإنَّ أقوالهم إما موافقة لهؤلاء الأئمة الأربعة، أو خارجة عن ذلك: فإن كانت موافقةً فقد حصل المقصود ويحصل بها التقوية، وإن كانت غيرَ موافقةٍ كانت في الغالب شاذَّة لا يعوَّل عليها.

وأما غيرُهم من أرباب البدع كالرافضة والخوارج والمعتزلة ونحوهم فلا اعتبارَ بقولهم المخالف لأقوال الأئمَّة وأتباعهم، ولا اعتماد عليها، لكن إن ذكرتُها فعلى سبيل الإعلام والتبعية، وقد يذكرها العلماء ليردوا على قائلها، وينفروا عنه، ويُعلِموا ما فيه من الدسائس»([10]).

وما قاله المرْدَاوي من أنَّ أغلبَ الأقوالِ المخالفة للمذاهب الأربعة شاذَّة وضعيفة صحيحٌ، لكن الشذوذ والضعف غير مسوِّغ للترك والإهمال، فرجحان الدليل قد يفترق عن رجحان العمل؛ بحيث يعمل بالقول الضعيف لحدوث ضرورة، أو لجلْب مصلحة راجحة، أو لدفع مفسدة، ويدخل في ذلك تقليد مذهب الغير في إحدى الحالات المذكورة، وهذه مسألة قررها الفقهاء والأصوليون، وذكروا في ضوابطها ألَّا يكون الضعف شديدًا؛ بمعنى أن يكون القول معتبرًا بقوة مُدرَكه، فإنْ ضَعُف المُدرَك بأن خالف نصًّا أو إجماعًا فلا يُعمَل به.

ومن الضوابطِ أيضًا تحقُّق حالة الضرورة أو المصلحة الراجحة، أو للعمل على دفع مفسدة، أو الوقوع في الابتلاء.

وخير شاهد على ترك الراجح والعمل بالمرجوح كتب الفقه المليئة بالفروع الدالة على ذلك؛ فمثلًا يقول ابن قدامة: «أما المخالفون في الفروع كأصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي، فالصلاة خلفهم صحيحة غير مكروهة، نصَّ عليه أحمد؛ لأن الصحابة والتابعين ومَن بعدهم لم يزَلْ بعضُهم يأتمُّ ببعض مع اختلافهم في الفروع، فكان ذلك إجماعًا، ولأن المخالف إما أن يكون مُصيبًا في اجتهاده فله أجران: أجرٌ لاجتهاده، وأجرٌ لإصابته، أو مخطئًا فله أجرٌ على اجتهاده، ولا إثمَ عليه في الخطأ؛ لأنه محطوط عنه»([11]).

فالإمام أحمد يجوِّز الصلاةَ خلفَ مَن يرى خلاف رأيه رغم أنه قد يفعل في صلاته ما لا يعتقده هو راجحًا.

وقال ابن حجر في كتابه «تحفة المحتاج»: «(ويحل استعمال كل إناء طاهر… إلا ذهبًا وفضة… فيحرم) استعماله في أكل أو غيره… ولو على امرأة أكحلت به طفلًا لغير حاجة الجلاء؛ للنهي عن ذلك مع التوعد عليه بما قد يؤخذ منه أن ذلك كبيرة». يقول الشرواني في الحاشية: «(قوله: إن ذلك كبيرة)… ونقل الأذرعي عن الجمهور أنه من الصغائر، وهو المعتمَد. وقال داود الظاهري بكراهة استعمال أواني الذهب والفضة كراهةَ تنزيهٍ، وهو قول للشافعي في القديم، وقيل: الحرمة مختصة بالأكل والشرب دون غيرهما… وعند الحنفية قول بجواز ظروف القهوة وإن كان المعتمد عندهم الحرمة، فينبغي لمن ابتلي بشيء من ذلك -كما يقع كثيرًا- تقليدُ ما تقدم ليتخلص من الحرمة»([12]).

ومن صور العمل بالمرجوح: تَرْكُ المتمذهب مذهبَه، والانتقالُ إلى غيره في بعض المسائل، لا لقوَّة دليل أو لأي مسوِّغ شرعي مقبول، بأن كان تشهِّيًا، كأن يأخذ من كل مذهب الأهون، لا اتباعًا للدليل ولا عملًا بالأحوط خروجًا من الخلاف، سواء كان المذهب المُنتقل إليه من المذاهب الأربعة أو خارجها، ومثال ذلك: أن يعتقد الشيء واجبًا أو حرامًا، ثم يعتقده غير واجب ولا حرام بمجرد هواه، ومثل أن يكون طالبًا لشفعة الجوار، فيعتقدها أنها حقٌّ له، ثم إذا طُلبت منه شفعة الجوار اعتقد أنها ليست ثابتة، أو إذا كان له عدو يفعل بعض الأمور المختلَف فيها كشرب النبيذ المختلَف فيه ولعب الشطرنج: ينكر عليه ويهجره، فإذا فعل ذلك صديقه اعتقد ذلك من مسائل الاجتهاد التي لا تنكر.

ولهذا مدخل قوي ورئيس في وَسْم الفتوى بالانضباط؛ ولذلك اختلف العلماء في فعل ذلك وفيمن هذا صفته على أقوال:

القول الأول: يحرم، ويفسَّق من فعل ذلك، وبهذا قال الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وهو مذهب الشافعية، إلا أنهم -أي الشافعية- قالوا: إن كان انتقالُه إلى مذهب من المذاهب المدوَّنة فالأوجه أنه لا يفسَّق، وقيَّد الشهاب الرملي بما إذا تغلب طاعاته معاصيه، وإن انتقل إلى غير المذاهب المدوَّنة فإن كان في العصر الأول -يعني الصحابة- فلا يفسَّق، وإلَّا فلا([13]).

بل نقل غيرُ واحدٍ الإجماعَ على ذلك، وممن نقل الإجماعَ على فسق متتبع الرخص تشهِّيًا ابنُ عبد البر، والنفراوي([14]).

واستدلوا على ذلك بما يلي:

  • أنه ليس لأحدٍ أن يعتقدَ الشيء واجبًا أو حرامًا، ثم يعتقده غير واجب ولا حرام بمجرد هواه، وهذا ما نص عليه الإمام أحمد كما ذكر ابن تيمية([15]).
  • كما أننا لو قلنا بجواز الانتقال تشهِّيًا بناءً على أنه أخذ بأقوال بعض المجتهدين لكان المنع أولى؛ لأنَّ النفس تميلُ إلى الدَّعَة والراحة والهروب من مشقَّة التكليف، وذلك يؤدي إلى التَّفلُّت من أحكام الشرع في الغالب، فكان الواجب منعه سدًّا للذريعة المؤدية للفساد، وقد ذمَّ اللهُ اتباع الهوى لأجل إشباع حظوظ النفس وشهواتها، فقال تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} [النجم: 23]، وتتبُّع الرخص دون حاجةٍ أو دليلٍ مُقتضٍ يُعدُّ من اتباع الهوى المؤدي إلى الضلال، وهذا ما نص عليه الشاطبي؛ حيث بيَّن أنَّ ذلك يؤدي إلى: «الاستهانة بالدين؛ إذ يصير بهذا الاعتبار سيالًا لا ينضبط، فلا يحجر النفوس عن هواها ولا يوقفها عند حد»([16]).
  • يضاف إلى ذلك أَنَّ الانتقالَ من مذهب إلى آخر تشهِّيًا قد يؤدي إلى القول بتلفيق المذاهبِ على وجه يخرق الإجماع([17]).

ويمكن الاستدلال لمَن قال بأنه لا يفسَّق بالانتقال إلى رأي من آراء الصحابة، بالآتي:

  • بأن الصحابة ليسوا كغيرهم؛ إذ لهم من الفضل والمزية ما ليس لغيرهم، فقد شاهدوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعاصروا الوحي والتنزيل بلا واسطةٍ بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: يقول ابن القيم نقلًا عن الشافعي: «وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استُدرِك به علم واستُنبِط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا»([18]).
  • كما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد دعا لبعضهم بالعلم والحفظ والفهم، أو شهد لهم بذلك، وقد زكَّاهم الله تعالى وأمرنا باتباعهم عمومًا في القرآن، وهذا مما يعطي الثقة في أقوالهم في المسألة الواحدة، وإن اختلفت فيها آراؤهم، وهو ما يبيح لنا الأخذ بأحدها في وقت، والأخذ بالآخر في وقت آخر.

القول الثاني: لا يفسَّق مطلقًا، وإن انتقل تشهِّيًا وتتبعًا للرخص، وهو قول بعض الحنفية، وبه قال ابن عبد السلام، وابن أبي هريرة من الشافعية، وأحمد في أحد الروايتين عنه، وأبو إسحاق المروزي من الحنابلة في أحد الروايتين عنه، حيث نُقل عنه إطلاق جواز تتبعها، وهو لازم مذهب عمر بن عبد العزيز، حيث أجاز الأخذ بما شاء عند الاختلاف، وأشار إلى أنَّ الاختلاف سعة، وكذا القاسم بن محمد، وسفيان الثوري([19]).

واستدلوا بأحاديثَ، منها:

  • قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ فَبِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ))([20]). ووجه الدلالة فيه: قياس الاختيار من أقوال العلماء على الاختيار من أقوال الصحابة رضي الله عنهم.
  • عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمْ))([21])، أي: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب ما يخفف عن أمته، وبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحنيفية السمحة، فلا يَمنَع أحدًا من أتباعها أن يأخذَ بالرُّخص ما دام في الأخذ بها نوعُ يُسرٍ عليه.
  • وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يُحِبُّ أنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ))([22]).

ووجه الدلالة: أن الأخذ بما فيه يُسرٌ محبوب إلى الله تعالى، كما أن الأخذ بالعزيمة محبوب لديه كذلك، فدلَّ ذلك على جواز الأخذ بالرخص لأنها من اليُسر الذي يحبُّ الله الأخذَ به.

  • يضاف إلى ذلك أن التشديدات التي ذكرها من منع الانتقال مطلقًا إنما هي لِكَف الناس عن تتبع الرخص، فإذا انتفى المحذور المترتب على الأخذ بالرخص جاز العمل بها.
  • كما أنَّ الناس من لدن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب يسألون فيما يسنح لهم العلماءَ المختلفين من غير نكير، سواء اتبع الرخص في ذلك أو العزائم؛ لأن من جعل المصيب واحدًا وهو الصحيح لم يُعَيِّنه، ومن جعل كل مجتهد مصيبًا فلا إنكار على من قلَّده بالصواب: يقول الشاطبي استدلالًا لهذا الرأي: «من جهة القياس: الله غنيٌّ كريم، والعبد محتاج فقير، وإذا وقع التعارض بين الجانبين كان الحمل على جانب الغني أولى»([23]).

والراجح من هذين القولين: التفصيل: وهو أن مَن انتقل من مذهب إلى آخر أو من قولِ مجتهِدٍ إلى قولِ مجتهِدٍ آخرَ تشهِّيًا لا لمسوِّغ شرعي لا يفسَّق؛ شريطةَ ألَّا يكون المُنتقِل مجتهدًا مطلقًا؛ وذلك لاتفاق الأصوليين على أن المجتهد المطلق إذا اجتهد فغلب على ظنه حكم لم يجز له تقليد غيره، أي لا يجوز له الانتقال([24]).

أما مَن دون المجتهد المطلق: فقال قوم بالجواز، وقال بالمنع آخرون؛ يقول الغزالي بعد ذكره الخلاف فيمن دون المجتهد المطلق: «والمسألة ظنية اجتهادية»([25])، والمعنى أننا لو قلنا بجواز الانتقال لكان الأمر قريبًا.

ومن الشروط أيضًا: أن يكون القول المُنتقَل إليه معتبرًا قويَّ المأخذِ -أي الدليل- فإن كان ضعيفًا فلا يؤبَهُ به، وأولى منه ما لا دليلَ عليه أصلًا، مع مراعاة أن لا يلزم من الانتقال التلفيق، وهو القول بكيفية لا يقول بها أحد، أو يكون القصد من فعله الهروب من تكاليفِ الشرع بإسقاطها كليةً أو بالتخلُّص من تنفيذ جزء منها، ومضمون هذا الشرط هو ما أشار إليه ابن عابدين عند الحديث عن الانتقال من مذهب الحنفية إلى الشافعية، فبعد كلامٍ طويل قال: «وإنما أطلنا في ذلك لئلا يغترَّ بعض الجهلة بما يقع في الكتب من إطلاق بعض العبارات الموهمة خلاف المراد، فيحملهم على تنقيص الأئمَّة المجتهدين، فإنَّ العلماء -حاشاهم الله تعالى- أن يريدوا الازدراء بمذهب الشافعي أو غيره، بل يطلقون تلك العبارات بالمنع من الانتقال خوفًا من التلاعب بمذاهب المجتهدين، نفعنا الله تعالى بهم وأماتنا على حبهم آمين».

(كيفية الاستفادة من فتاوى علماء المذاهب الفقهية في وقنا الحاضر):

يمكن الاستفادة من فتاوى العلماء في القرون السالفة من وجهين، وهما:

أولًا: دراسة نماذج من الفتاوى الصادرة عنهم للتعرف على القواعدِ والضوابطِ والأسس التي أقام عليها المفتون أحكامَهم وفتاويَهم في مختلف العصور، وهي قواعدُ تنيرُ دروب تطبيق النصوص على الوقائع المتجددة، فقد كانت القواعد والمبادئ العامَّة خيرَ مُعينٍ على مقارعة صعاب النوازل، وتقويم اعوجاج ملتويات المسائل.

وهذه القواعد تتعلَّق برفْعِ الحرج مثل: “المشقة تجلب التيسير”، و”الأمر إذا ضاق اتسع”، و”جلب المصالح ودرء المفاسد”، و”نفي الضرر وارتكاب أخف الضررين”، و”النظر في المآلات”، و”العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني”، و”سد الذرائع وتحكيم العرف”، و”تحقيق المناط” و”الإذن في العقود”، وفي مدونات الفتاوى تطبيقٌ حيٌّ للقواعد والضوابط على الواقعات([26]).

ومن أمثلة ذلك: ما قاله الشيخ ابن تيمية: «‌الأصل ‌في ‌العقود والشروط: الجواز والصحة ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دلَّ الشرع على تحريمه وإبطاله نصًّا أو قياسًا عند مَن يقول به»([27]).

فهذا القول يحل لنا الكثير من المشكلات، خاصَّة في القضايا الحديثة كالمعاملات المالية المعاصرة التي نحتاج فيها إلى بيان الحكم الشرعي في واقعنا المعاصر.

وقد سُئل الشاطبي رحمه الله عن الاشتراك في الألبان وخلطها لإخراج الزبد والجبن، فتختلف النسبة، ويجهل التساوي، فقال إنه لا يعرف فيه نصًّا بعينه، ولكنه أجازه لقوله تعالى: {وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ} [البقرة: 220]، وذلك في شأن الأيتام، واعتبر هذا النوع من الشركة من المخالطة رفعًا للحرج، واغتفارًا للغرر اليسير والربا اليسير، قائلًا: وله نظائرُ في الشرع كبيع العارية بخرصها تمرًا أو رد القيراط على الدرهم في البيع([28]).

ثانيًا: الاستفادة من الفتاوى القديمة في القضايا المعاصرة؛ وذلك بالبحث عن بعض النوازل التي تشبه القضايا المعاصرة في وجهٍ من الوجوه، وصورة من الصور، فيطبق عليها أو يستأنس بها لإيجاد حل للقضية المعاصرة، فمن الواضح أنَّ كلَّ زمان يطرح قضاياه ونوازله، وبخاصَّة في زماننا الذي امَّحت فيه الحدود، وزالت فيه الحواجز، فتغيَّرت القوانين والنظم، وجرت المبادلات على أسس لا توافق في أحايينَ كثيرة الأسس الفقهية المعروفة.

ولهذا: فإنَّ الفتاوى والنوازل القديمة قد لا تجدي فتيلًا في حل المسائل المعاصرة التي يمكن أن تحل من خلال القواعد كما أسلفنا، ومع ذلك فإنه بإمعان النظر في كتب الفتاوى والعمل يستطيع المتوسم أن يعثر على فروع ومسائل تشبه تلك التي تطرحها المعاملات المعاصرة، وهو أمر سيتيح للفقيه عندما يعالج أيًّا من هذه النوازل سندًا يستند إليه ليرجح من الخلاف على أساس من المرجحات، ويكفي منقبةً لهذا الخلاف أنه يرفع عن الباحث إصر مخالفة الإجماع، ويسلكه في مسلك الاتباع([29]).

 

المطلب الثاني

عدم الشذوذ

(تعريف الشذوذ في الفتوى):

الشذوذ في اللغة: مأخوذٌ من شَذَّ يشذُّ شذوذًا: إذا انفرد عن الجماعة أو خالفهم، أو هو المنفرد عن غيره ([30]).

الشذوذ في الاصطلاح: قد اختلف الفقهاء والأصوليون في تعريف الشذوذ، رغم أنَّ هذا المصطلح لم يكن محلَّ اهتمام خاص من حيث الحد والتعريف لكي يستقرَّ وينضبط وفق معنى دقيق، على الرغم من ذلك فإن اختلافهم في تعريف الشذوذ إنما كان من جهة الألفاظ دون المضمون والمدلول، فجاءت ألفاظهم المختلفة وعباراتهم المتعددة وإن كانت ترجع إلى معنًى واحدٍ أو معانٍ متقاربة([31]).

ومن أقوال العلماء في تعريف الشذوذ في الفتوى ما يلي:

1- يقول ابن عابدين الحنفي رحمه الله تعالى: «(قوله: والأصح آكد من الصحيح) هذا هو المشهور عند الجمهور؛ لأن الأصح مقابل للصحيح، وهو -أي: الصحيح- مقابل للضعيف، لكن في ‌حواشي ‌الأشباه لبيري: ينبغي أن يقيد ذلك بالغالب؛ لأنا وجدنا مقابل الأصح الرواية الشاذة كما في شرح المجمع»([32]).

2- ويقول النووي: «‌قد ‌يجزم ‌نحو ‌عشرة ‌من ‌المصنفين ‌بشيء، وهو شاذٌّ بالنسبة إلى الراجح في المذهب ومخالف لما عليه الجمهور، وربما خالف نصَّ الشافعي أو نصوصًا له»([33]).

3- ويقول ابن القيم: «الشاذ ما خالف الحق وإن كان الناس كلهم عليه إلَّا واحدًا منهم، فهم الشاذون. ‌وقد ‌شذَّ ‌الناس ‌كلهم ‌زمنَ أحمدَ بنِ حنبل إلا نفرًا يسيرًا، فكانوا هم الجماعة، وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هم الشاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة»([34]).

4- ويقول ابن حزم: «ليس شيء في ‌الشريعة ‌شاذًّا، تعالى الله أن يُلزمنا الشواذ، بل كل ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فهو حق، والحق لا يكون شاذًّا، وإنما الشاذُّ الباطل»([35]).

ويمكننا أن نخلُص من أقوال العلماء السابقة إلى أنَّ تعريفَ الشذوذ في الفتوى: «الأقوال المخالفة للدليل الشرعي والمُضيِّعة لمصالح العباد» ([36]).

فالفتوى الشاذة: «هي كل فتوى يفارق فيها صاحبها جماعة العلماء، ويخالف فيها الصواب المقطوع به»([37]).

(متى يقع الشذوذ في الفتوى؟):

  • إذا صدرت الفتوى من غير أهلها: فينبغي لمن يتصدَّر للفتوى أن يكون أهلًا لذلك، فالإفتاء منصب عظيم؛ لأنه مقام التبليغ عن رب العالمين([38]).

يقول الشاطبي: «‌المفتي ‌قائمٌ ‌في ‌الأُمة مقامَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والدليل على ذلك أمور:

أحدها: النقل الشرعي في الحديث: ((إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ)).

والثاني: أنه نائب عنه في تبليغ الأحكام؛ لقوله: ((أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ)).

والثالث: أن المفتي شارع من وجه؛ لأن ما يبلغه من الشريعة إما منقول عن صاحبها، وإما مستنبَط من المنقول»([39]).

لذلك لا يحل لأي أحد أن يقتحم مجال الفتوى ليبين الحلال من الحرام، إلَّا إذا تأهَّل لذلك المنصب، واستجمع شروط المفتي، وهي نفسها شروط المجتهد.

وحالُ كثير من المفتين في هذا العصر على غير هذا المَسلك السَّويِّ، فأكثر هؤلاء ليس من أهل الاختصاص، وقد مَثَّلَهم بعض الشباب حُدَثَاء الأسنان الذين حسبوا أمر الفتوى سهلًا طيِّعًا، وأنها أضحت كلأً مباحًا لكل من هبَّ ودبَّ، فإذا وقع أحدهم على حديث واحد يفتي به، ولا يدري ما قبله ولا ما بعده، فيطير به كل مطار، ناشرًا فهمه الكليل وفقهه العليل على الناس، وإذا أضيف إلى سوء الفقه سوءُ القصد زاد الأمر سوءًا([40])، ولذلك كثُر من هذا الصنف ذاك الضرب من الفتاوى الشاذة والمضطربة التي جاء التحذير منها في آياتٍ وأحاديثَ كثيرة، منها قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ} [النحل: 116]، يقول ابن العربي: «معنى الآية: لا تصفوا الأعيان بأنها حلال أو حرام من قِبَل أنفسكم، إنما المُحرِّم ‌المُحلِّل ‌هو ‌الله ‌سبحانه»([41]).

ومنها ما أخرجه أبو داود بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ))([42])، يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني: «وإذا تكلَّم المرء في غير فنه أتى بهذه ‌العجائب»([43]).

لذلك نقول: إذا لم يقم أهل العلم في كل عصرٍ ومصرٍ بواجبهم نحو تبيين الصواب من الخطأ، والصحيح من السقيم، والحق من الباطل، لأدَّى ذلك إلى اختلاط أقوال العلماء بأقوال الجهال، وانتشار الجلبة والفتنة، واتساع دائرة الخلاف بين المسلمين، فيكثر بسبب ذلك الشذوذُ في الفتوى والتناقضُ والاضطرابُ والتسيبُ والانفراطُ، ويتعذَّر التحكُّم والانضباط([44]).

يقول ابن القيم: «مَن تَصدَّر للفتوى من غير أهلها أثم… من أفتى الناس وليس بأهلٍ للفتوى فهو آثمٌ عاصٍ، ومن أقرَّه من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضًا. قال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله: ويَلزم ولِيَّ الأمر منْعُهم كما فعل بنو أمية. وهؤلاء بمنزلة من يدلُّ الركب، وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالًا من هؤلاء كلهم، وإذا تعيَّن على ولي الأمر منْعُ من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين؟! وكان شيخنا رضي الله عنه([45]) شديدَ الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أَجَعَلْتَ مُحْتَسِبًا على الفتوى؟ فقلت له: يكون على الخبَّازين والطبَّاخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب؟!»([46]).

2- إذا صدرت الفتوى في غير محلها: وذلك نحو أن يكون موضوع الفتوى من المسائل المقطوع بحكمها في الشريعة، الثابتة بأدلة قطعية في ثبوتها ودلالتها، المعلومة من الدين بالضرورة، وهذه ليست محلًّا ولا مجالًا للاجتهاد، ثم يأتي بعد ذلك من يزعم الاجتهاد فيها من جديد، والتجديد فيما لا يقبل التجديد، مدعيًا استنباط حكم يخالف ما استقرَّ عليه الفقه، واستمرَّ عليه العمل، وأجمعت عليه الأُمَّة، فمن أمثلة الفتاوى الشاذَّة التي صدرت في غير محلها بدعوى الاجتهاد والتجديد وتطور العصر: ما صار يدعو إليه البعض من التسوية بين الذكور والإناث في الميراث في كل الحالات دون استثناء، مناقضين بذلك صريح قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ} [النساء: 11]، وهذا الكلام إن سميناه فتوى أو اجتهادًا تجوُّزًا، فهو شاذٌّ مردودٌ على أصحابه، بل مرفوضٌ في ميزان الشريعة؛ لأنه صادر من غير أهله، أو لأنه اجتهاد في غير محله.

ولا مجال للرأي في طلب التسوية بين الرجل والمرأة في الإرث في الحالات المنصوص فيها على التفاوت بينهما كما في الآية السالفة وغيرها([47])؛ يقول ابن القيم: «فصل في ‌تحريم ‌الإفتاء ‌والحكم ‌في ‌دين ‌الله ‌بما ‌يخالف ‌النصوص، وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص، وذكر إجماع العلماء على ذلك… قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا} [الأحزاب: 36]»([48]).

3- إذا كانت الفتوى معارِضة للكتاب: والشذوذ في الفتوى هنا معناه على سبيل المثال أن يحرم القرآن الكريم شيئًا والفتوى الشاذة تبيحه، أو أن القرآن الكريم يبيح أمرًا والفتوى الشاذة تحرمه، أو يُوجب القرآن الكريم فعلًا والفتوى الشاذة تُسقطه، فأي فتوى تخالف نص القرآن بدعوى الرأي أو الاجتهاد أو التجديد معارضةً جَلِيَّةً بيِّنة، فهي فتوى شاذَّة مردودة، غير مقبولة([49]).

ومثالها الفتوى الشاذَّة التي جنح إليها البعض في تجويزه زواج المسلمة بغير المسلم، والأصل أن من شرط صحة النكاح إسلامَ الزوج، قال تعالى: {وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ وَلَعَبۡدٞ مُّؤۡمِنٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكُمۡۗ أُوْلَٰٓئِكَ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ وَٱلۡمَغۡفِرَةِ بِإِذۡنِهِۦۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221]، فالأصل تحريم نكاح المسلمة لغير المسلم، فهذه المسألة وردت فيها نصوص شرعية قطعية الدلالة، واضحة المعنى، تمنع زواج المسلمة بغير المسلم، وتحرمه تحريمًا قطعيًّا، سواء أكان مشركًا أو كتابيًّا، وأجمع علماء الشريعة على ذلك خلفًا عن سلف، ولم يقل أحد بخلاف ذلك([50]).

4- إذا كانت الفتوى معارضةً لصريح السنة الصحيحة: والشذوذ في الفتوى هنا معناه على سبيل المثال: أن تخالف الفتوى حديثًا نبويًّا صحيحًا صريحًا أو متواترًا، وهذا يحدث كثيرًا عند أصحاب المذاهبِ المبتدعة في عصرنا الحاضر القائلين بفقه الدليل، يقصدون من وراء تلك الدعوى هدم المذاهب الفقهية، وطرح أقوال الفقهاء والعلماء، وحمل الناس على آرائهم وأهوائهم الدنيئة.

والأخطر من هذا أن تكون هذه الفتوى الشاذَّة مخالفةً لأحاديثِ العقيدة المتواترة القطعية الْمُثْبِتَة لعصمة الأنبياء ومعجزاتهم أو الغيب وأشراط الساعة ونحو ذلك، ومثال ذلك ما ذهب إليه البعض من إنكارٍ لعصمة الأنبياء مطلقًا، أو لمعجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسيَّة، زاعمًا أن لا معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم غير القرآن الكريم، مع ثبوت عدد من المعجزات في القرآن والسنة الصحيحة.

ومثله أيضًا: ما ذهب إليه بعضُ الفقهاء المعاصرين الذين أنكروا من أشراط الساعة نزولَ عيسَى بنِ مريم عليه السلام؛ بدعوى أنها تتعارض مع أصْلِ ختم النبوَّة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، والأحاديث في ذلك متواترة قطعية الثبوت، وهذه وأمثالها أقوال شاذَّة باطلة([51]).

5- إذا كانت الفتوى معارضة للإجماع: والشذوذ هنا معناه أن تعارض الفتوى إجماعًا متيقنًا قطعيًّا؛ لأنَّ الأُمَّة لا تجتمع على ضلالة، وهي معصومة بمجموعها، فمن خالف من أهل الفتوى إجماع الأُمَّة في قضية من القضايا، أو مسألةٍ من المسائل: عُدَّت فتواهُ شاذَّة، لا تقوم بها الحُجَّة، ولا تكون على المحَجَّة، ولا يُعْتَدُّ بها عند علماء الأمة([52]).

ومن أمثلة ذلك: ما لا يزال يُفتي به البعض في عصرنا هذا بعدم وجوب زكاة عروض التجارة (أي السلع والبضائع المعروضة للبيع) وهي مخالفةٌ للإجماع الذي نقله غيرُ واحدٍ من العلماء الثقات، ولم يشذ عن ذلك إلا الظاهرية، حيث يقول ابن حزم: «ولا زكاةَ في شيء من الثمار، ولا من الزرع، ولا في شيء من المعادن غير ما ذكرنا، ولا في الخيل، ولا في الرقيق، ولا في العسل، ولا في ‌عروض ‌التجارة»([53]).

ويُرَدُّ على قول ابن حزم بما أجمع عليه علماء الأمة وفقهاؤها من وجوب زكاة عروض التجارة: يقول ابن المنذر: «وأجمعوا على أنَّ في العروض ‌التي ‌تدار ‌للتجارة ‌الزكاة إذا حال عليها الحول»([54])، وذكر الإجماع على ذلك أيضًا حافظ المغرب ابن القطان الكتامي الفاسي([55])؛ حيث قال: «وتجب الزكاة في العروض إذا بيعت بنصاب وقد حل عليها الحول، وكانت للتجارة، وإن لم تبع قومت على وجه من الوجوه، وبه قال الفقهاء»([56]).

6- إذا كانت الفتوى معارضةً للقياس الجلي: والشذوذ هنا معناه أن تعتمد الفتوى على قياس غير صحيح أو فاسد، أو يكون المقيسُ عليه واقعةَ عينٍ أو حالٍ لا عموم لها، كمسألة رضاع الكبير التي أثارت ضجَّة لا معنى لها([57]).

فمخالفة الفتوى للقياس الجلي وهو ما كانت العلة فيه منصوصًا عليها، أو قطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع، ومثاله: إلحاق تحريم ضرب الوالدين بتحريم التأفيف لهما بعلَّة كف الأذى عنهما، وقياس ولاية النكاح على ولاية المال في ثبوت الولاية على الصغير بجامع الصِّغَر في كل منهما، وأكثر الأصوليين على أنَّ مخالفة قول الفقيه للقياس الجلي من أمارات ضعفه، حتى إنه ينقض قول القاضي إذا قضى بخلاف هذا القياس، ولا ينخرق الإجماع بمخالفة هذا القول المخالف([58]).

7- إذا كانت الفتوى معارضةً لمقاصدِ الشريعة: والشذوذ هنا معناه أن تخالف الفتوى مقصدًا من مقاصدِ الشريعة الإسلامية؛ ذلك أن الاهتداء بالمقاصدِ في الفتوى أساسٌ لمن يريد حُسنَ تنزيلِ الحكم الشرعي، وألَّا يكتفي بالوقوف عند حرفية النصوص، ويجمد على ظواهرها، ولا يتأمل فيما وراء أحكامها من علل، وما تهدف إليه من مقاصدَ، وما تسعى إلى تحقيقه من مصالحَ([59])، وفي ذلك يقول الشاطبي: «‌وضع ‌الشرائع ‌إنما ‌هو ‌لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا»([60]).

ومثال الشذوذ في الفتوى بسبب مخالفة مقصد من مقاصد الشريعة: ما انتشر في هذا العصر من إصرارِ البعض على الإفتاء بوجوب إخراج زكاة الفطر من الأطعمة فقط، ورفض القول بجواز إخراجها بقيمتها نقدًا رفضًا مطلقًا، وينادون في الناس كلَّ عام في أواخر شهر رمضان أنَّ من أخرج زكاة الفطر نقودًا فزكاته باطلة لأنها خلاف السُّنة، وعليه أن يُعيدَ إخراجَها ثانيةً من الطعام حتى تُقبل([61])!!

فإخراجُ القيمة نقدًا في عصرنا هو الأيسرُ على المكلَّف، والأنفع للفقير، لا سيما في المدن والحواضر الكبرى، وقد صحَّ هذا القول عن بعض كبار التابعين، وأئمَّة الأمصار المجتهدين، فقد ألَّف الحافظ أحمد بن الصديق الغُماري رسالة لطيفة أسماها: «تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال»، ذهب فيها إلى جواز إخراج القيمة، بل إلى تفضيلها على غيرها في هذا الوقت([62])، ومن شذوذ بعض الجماعات المعاصرة ما أفتَوْا به من عدم اعتبار النقود الورقية التي يتعامل بها العالَم كله نقودًا شرعية، تجب فيها الزكاة، ويجري فيها الربا! لأن النقود الشرعية عندهم هي الذهب والفضة التي نصَّت عليها الأحاديث، ومع ذلك فهذه النقود عندهم يدفعونها أجرةَ العملِ، وثمنًا إذا اشتروا، ومهرًا للمرأة، وغيرها من التصرفات المالية الشرعية، فكيف ساغ لهؤلاء أن يغفلوا ذلك كله، لولا الغلو في النزعة الظاهرية الحرفية التي تتنكَّب مقاصد الشرع، والتي ذهبت بهم بعيدًا عن الصواب([63]).

8- إذا كانت مرحلة تصور الواقع في الفتوى على غير حقيقته: والشذوذ هنا معناه أن تسيء الفتوى إدراك واقع المسألة أو النازلة، أي الخطأ في تصور أو تصوير الواقع الذي يسأل عنه المستفتي تصويرًا مغلوطًا على غير حقيقته، وإذا تصور المفتي الواقعَ على غير ما هو عليه تكون فتواه شاذَّةً، فالعلماء اعتبروا مرحلةَ التصوير هي الركنَ الأساسي في أركان الإفتاء: يقول إمام الحرمين الجويني: «وأول ما يجب به الافتتاح تصوير المسألة»([64])، ويقول أيضًا: «ومن أهم ما يجب الاعتناءُ به تصوير قياس الشبه، وتمييزه عن قياس المعنى»([65])، فالتصوير الصحيح المطابق للواقع شرطٌ أساسيٌّ لصدور الفتوى بشكل صحيح يتناسب مع الواقع المعيش، يقول ابن دقيق العيد -عند ذكر مسألة تعارض نصَّين كل واحد منهما بالنسبة للآخر عامٌّ من وجهٍ، خاصٌّ من وجه-: «وتحقيق ذلك أولًا يتوقف على تصوير المسألة»([66]).

ونودُّ في هذا المقام أن نشيرَ إلى أَنَّ هناك نوعًا من الشذوذ في الفتوى سببه الخطأ في تصوير النازلة: هل الحكم فيها يتعلَّق بالأفراد أم بالأمة؟ لأنَّ الفتوى تختلف بهذين الأمرين، فوَضْعُ التصور للمسائل والقضايا التي تحدث ليس بأمرٍ هيِّنٍ في نفسه، بل المفتي الذكي ربما يقدر على الفتوى في كل مسألة إذا ذُكرت له صورتها، ولو كُلِّف وضع الصور وتصوير كل ما يمكن من التفريعات والحوادث في كل واقعة عجز عنه، ولم يخطر بقلبه تلك الصور أصلًا، وإنما ذلك شأن المجتهد، يقول ابن الصلاح: «لأن تصوير المسائل على وجهها، ثم نقل أحكامها بعد استتمام تصويرها جلياتها وخفياتها لا يقوم به إلا فقيه النفس، ذو حظ من الفقه»([67]).

لذلك نقول: إن مرحلة تصوير الواقع والنازلة ليس بالأمر الهيِّن؛ حتى لا يقع الشذوذ في الفتوى، وقد نص أهل العلم على أنه: لا يجوز للمفتي التساهل في تصور المسألة، والتسرُّع في الفتوى قبل استيفاء النظر والفكر في المسؤول عنه، ولذا نصَّ من صنَّف في آداب الإفتاء على أنَّ المفتي عليه تأمُّل رقعة الاستفتاء كلمة كلمة، ولتكن عنايته بتأمل آخرها أكثر، فإذا مرَّ بمشتبهٍ سأل عنه المستفتي ونَقَطَه وشَكَلَه؛ مصلحةً لنفسه، ونيابةً عمن يفتي بعده، ويلزمه التوقف عن الجواب عند عدم تصور الواقعة؛ لعدم القدرة على تحقيق المناط المناسب لها، وأن يستفسر مِن السائل عن مقصوده، ويطلب منه بيان مراده؛ ليتمكن من الجواب الصحيح له([68]).

يقول النووي: «إذا لم يَفهم المفتي السؤال أصلًا ولم يحضر الواقعة، فقال الصيمري: يكتب: يزاد في الشرح ليجيب عنه، أو لم أفهم ما فيها فأجيب. وقال الخطيب: ينبغي له إذا لم يفهم الجواب أن يرشد المستفتي إلى مفتٍ آخرَ إن كان، وإلَّا فليمسكْ حتى يعلم الجواب»([69]).

9- ألَّا تراعي الفتوى سدَّ الذرائع: والشذوذ هنا معناه عدم مراعاة الفتوى للذرائع والمآلات والعواقب والنتائج المترتبة عليها، فالمقصود من الذرائع الاحتياطات الواجبة تجنبًا للضرر سدًّا وفتحًا، وهذا كلُّه مرتبط بفقه المآلات ارتباطًا وثيقًا، بل يُعَدُّ ذلك من أصول الفتوى المنضبطة، وأساس الإفتاء القويم، فمن غَفَلَ عن سد الذرائع أو أغفلها، ولم يُراعها من المفتين، كانت فتواه شاذَّةً([70])، يقول الشاطبي في صفات المجتهد والمفتي الحصيف: «أنه ‌ناظِرٌ ‌في ‌المآلات ‌قبل ‌الجواب عن السؤالات»([71]).

وسد الذَّرائع والنَّظر في المآلات ورد في السُّنة النبوية بكثرة، ومن أمثلة ذلك: ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب: العلم، باب: من ترك بعض الاختيار مخافةَ أن يَقصُر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشدَّ منه، بسنده عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: قالت لي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((يَا عَائِشَةُ لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ -قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: بِكُفْرٍ- لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ، فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ))، ففعله ابن الزبير([72]).

يقول ابن حجر العسقلاني في شرح الحديث: «لأن قريشًا كانت تعظم أمر الكعبة جدًّا، فخشي صلى الله عليه وآله وسلم أن يظنوا لأجل قُرب عهدهم بالإسلام أنه غيَّر بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك، ويُستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشيةَ الوقوع في أنْكَرَ منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحُهم ولو كان مفضولًا ما لم يكن محرمًا»([73]).

10- ألَّا تراعي الفتوى تغيُّر الزمان والمكان والحال والأشخاص: والشذوذ في الفتوى هنا واقع بسبب عدم مراعاة المفتي في فتواه جهات الفتوى الأربع: الزمان، والمكان، والحال، والأشخاص، فجمود المفتي التزامه بما هو مسطور في كتب الفقه الموروث، والعالَم من حوله يدور ويمور، والعصر يتغير جذريًّا في كل شيء، ولا سيما بعد التطوُّر الهائل في الوسائلِ التكنولوجية والبيولوجية والإلكترونية والفضائية والمعلوماتية المذهلة وغيرها([74]).

يقول القرافي: «السؤال التاسع والثلاثون: ما الصحيح في هذه الأحكام الواقعة في مذهب الشافعي ومالك وغيرهما المرتَّبَة على العوائد والعرف اللذَيْن كانا حاصلين حالة جزم العلماء بهذه الأحكام؟ فهل إذا تغيَّرت تلك العوائد،… فهل تبطل هذه الفتاوى المسطورة في كتب الفقهاء ويفتى بما تقتضيه العوائد المتجددة؟… جوابه: أن إجراء الأحكام التي مَدرَكُها العوائدُ مع تغيُّر تلك العوائد خلافُ الإجماع وجهالةٌ في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغيَّر الحكم فيه عند تغيُّر العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس هذا تجديدًا للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد»([75]).

وكثيرًا ما يقع الشذوذُ في الفتوى في وقتنا الحاضر بسبب عدم مراعاة المفتي أعرافَ الناس وعاداتهم، فينقُل فتاوى شيخٍ ما في بلد معين إلى بلد آخر يختلف في عاداته وأعرافه عن البلد الأول، فهذه الفتاوى في أصلها ليست شاذَّة؛ لأنها ناسبت واقعًا معيَّنًا في بلدٍ ما، لكن عند الإفتاء بمقتضاها في بلد آخر حدث هنا الشذوذ في الفتوى.

يقول القرافي: «فمهما تجدد في العرف اعتبِرْه، ومهما سقط أسقِطْه، ولا تجمُدْ على المسطور في الكتب طولَ عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تُجْرِه على عُرف بلدك، واسأله عن عُرف بلده، وأَجْرِه عليه وأفْتِه به دون عُرف بلدك، ودون المُقرَّر في كتبك، فهذا هو الحقُّ الواضح. والجمود على المنقولات أبدًا ضلالٌ في الدين، وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين ‌والسلف ‌الماضين»([76]).

(أسباب الشذوذ في الفتوى):

1- عدم إخلاص النية، وضعف مراقبة الله تعالى: فالأصل في العالِمِ والمفتي أن يُقرِّب الناسَ إلى الآخرة، ويُحبِّبَهم في خالقهم، ويُعِينَهم على طاعته، ويُبعدَهم عن معصيته، ويُوجِدَ عندهم العملَ بما يحبُّه الله ويرضاه، ويَزرع في نفوس كل منهم مراقبةَ المولى سبحانه، مسترشدًا بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ))([77]).

فإذا كانت هذه الرقابة لله سبحانه غيرَ موجودةٍ في نفس المفتي، فإنَّ هذا يُفضي به إلى أن يتلاعبَ بأحكام الشرع ومعاملات الناس، ويضيع حقوقهم، ويعطل مصالحهم، ولا طريقَ له لتحصيلِ هذا الأمر إلَّا بالبحث عن الآراء الشاذَّة المرجوحة، والفتاوى الغريبة، والأقوال الشاذَّة التي يخرجها ليُزيِّن لبعض الناس باطلَهم ليصرفهم به عن الحق، فهو غير مراقِب لله تعالى في عمله، غير مُراعٍ للآخرة في حاله، لذا يسهل عليه أن يتلاعبَ بالشرع الشريف كما يريد، لذا فإنَّ آثارَه في المجتمع المسلم سيئة للغاية، فكَمْ من بيت قد خرب؟! وكم من حق قد ضُيِّع؟! وكم من أسرة قد شُرِّدت؟! وكم من حُرمة قد استُحلَّت؟! كل هذا بسبب عدم تورُّع هؤلاء المتصدرين للإفتاء وعدم مراقبتهم للمولى سبحانه([78]).

2- التسرُّع في الفتيا: فالأصلُ الأناةُ في الأمور كلها؛ امثالًا لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((الأَنَاةُ مِنَ اللَّهِ، وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ))([79]).

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم للصحابي الجليل أشجِّ عبد القيس: ((إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ))([80]). أما الحلم فهو العقل، وأما الأناة فهي التثبُّت وترك العَجَل([81]).

ويروي الخطيب البغدادي عن ابن عيينة قوله: «أعلم الناس بالفتوى أسكتهم فيها، وأجهل الناس بالفتوى أنطقهم فيها، قلتُ: وقلَّ مَن حرص على الفتوى، وسابق إليها، وثابر عليها إلَّا قلَّ توفيقه، واضطرب في أمره، وإذا كان كارهًا لذلك غير مختار له، ما وجد مندوحة عنه، وقدر أن يحيل بالأمر فيه على غيره، كانت المعونة له من الله أكثر، والصلاح في فتواه وجوابه أغلب»([82]).

ومن أولويات الأمور التي يُطلب فيها التأني: ما له تعلُّق بالآخرة، والثواب والعقاب، وما له تعلُّق بحقوق العباد ومعاملاتهم، وله أثرٌ بالغٌ في حياتهم العامَّة والخاصَّة، بحيث تلحقهم المشقَّة بحصوله، وإذا كانت الأناة وهي التمهُّل والتريُّث والانتظار والصبر مطلوبة في حياة الناس، فإنها في أمور الشرع ومعاملات الناس أشد، وخاصة ما تعلق منها بفتواهم وتقرير مصيرهم وحلِّ مشاكلهم وتخفيف مصابهم، وعلى هذا فقد يتأهل بعض الناس لإفتاء العباد في دين الله تعالى، فتغلب عليهم العجلةُ والسرعةُ بسبب قلَّة الدراية والعلم والرغبة في تحصيل المكاسب الدنيوية، فربما أفضى هذا بهم إلى البحث عما يحل لهؤلاء مشكلاتهم بسرعة دون النظر إلى عواقبِ الأمور، فيفضي هذا بهم إلى تضييعِ حقوقِ الناس وإفسادِ حياتهم على قاعدة: «مَنْ تَعَجَّلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ»([83]).

يقول ابن عبد البر: «لم يختلف العلماء بالمدينة وغيرها فيما علمتُ أنه لا ينبغي أن يتولَّى القضاء إلَّا الموثوق به في دينه وصلاحه وفهمه وعلمه، وشرطوا أن يكون عالمًا بالسُّنة والآثار وأحكام القرآن ووجوه الفقه واختلاف العلماء، وقد قال مالك رحمه الله حتى يكون عالمًا بما مضى من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمَّة التابعين بالمدينة، وقال عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي سلمة وغيره: لا يكون صاحب رأي ليس له علم بالسنة والآثار، ولا صاحب حديث ليس له علم بالفقه، قال: ‌ولا ‌ينبغي ‌أن ‌يفتي ‌وينصب ‌نفسه ‌للفتوى إلَّا من كان هكذا»([84]). وقال أيضًا: «‌وعليه ‌التثبت ‌في ‌أحكامه وترك العجلة في إنفاذ قضائه إذا أشكل عليه شيء أو استرابه»([85]).

فليحذر أولئك المفتون المتسرعون في الفتاوى عاقبةَ تسرُّعِهم، وشؤم جهلهم، وآثار عجلتهم على أنفسهم وعلى غيرهم من أبناء المجتمع المسلم الذي يحيَوْن فيه([86]): فقد ذكر الإمام ابن عبد البر بسنده عن أبي المنهال قال: «سألت زيد بن أرقم، والبراء بن عازب عن الصرف، فجعل كلما سألت أحدهما قال: سَلِ الآخَرَ ‌فَإِنَّهُ ‌خَيْرٌ مِنِّي ‌وَأَعْلَمُ ‌مِنِّي»([87]).

ولا بد أن نشير في هذا المقام إلى أنَّ عدمَ التسرُّع في الفتوى كما يكون في المسائل الصعبة يكون أيضًا في المسائلِ التي تبدو في نظر المفتي سهلة، حتى يتأكد من وجه الصواب فيها، فقد ذكر الفقهاء في آداب الفتوى أنه ينبغي للمفتي أن يتأمَّل في المسألة تأمُّلًا شافيًا، وإذا لم يعرف حكمها يتوقَّف حتى يتبيَّن له الصواب، ويكون توقفه في المسألة السهلة التي لا يعلم حكمها كالصعبة ليعتاد ذلك([88]).

يقول الحطاب المالكي: «قال ابن فرحون في تبصرته: ولا ‌يجوز ‌التساهل ‌في ‌الفتوى، ومن عُرف بذلك لم يجز أن يُستفتَى، وربما يكون التساهل بإسراعه وعدم تثبُّته، وقد يحمله على ذلك توهُّمه أن السرعة براعة والبطء عجز، ولأن يبطئ ولا يخطئ أجمل به من أن يَضل ويُضل، وقد يكون تساهله بأنْ تحمِلَه الأغراض الفاسدة على تتبُّع الحِيَل المحذورة ترخيصًا على من يريد نفعه، وتغليظًا على مَن يريد ضرره»([89]).

والذي تجدر الإشارة إليه هو أنَّ التَّأنِّي في الفتوى وعدم الإسراع هو دأب السلف الصالح والعلماء على مدار تاريخ الإسلام.

يقول الخطيب البغدادي: «باب الزجر عن التسرُّع إلى الفتوى مخافة الزلل قال الله تبارك وتعالى: {سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡ‍َٔلُونَ} [الزخرف: 19] وقال تعالى: {لِّيَسۡ‍َٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡ} [الأحزاب: 8]، وقال تعالى: {مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ} [ق: 18]، وكانت الصحابة رضوان الله عليهم لا تكاد تفتي إلا فيما نزل؛ ثقةً منهم بأن الله تعالى يوفق عند نزول الحادثة للجواب عنها، وكان كل واحد منهم يودُّ أن صاحبه كفاه الفتوى… وعن البراء قال: «لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما منهم من أحد إلَّا وهو يحب أن يكفيَه صاحبُه الفتوى»([90]).

3- عدم التأكُّد من المسائلِ المُشكلة أو الخفية: فإذا قام المفتي بالتعجُّل في إصدار الفتوى في مثل هذه المسائل التي يخفى فيها وجه الصواب، فإن هذا يُعدُّ ضربًا من الشذوذ في الفتوى، فالواجب على المفتي أن يتوقفَ ويمتنعَ عن الفتوى عند خفاء المسألة، وعوامل خفاء وجه الصواب في هذه المسائل المشكلة كثيرة ومتعددة، وأهمها ما يلي:

  • عدم معرفة المفتي بالنص أو الدليل.
  • أو اعتقاد المفتي ضعف الدليل أو عدم حجيته.
  • أو لاشتباه الدليل على المفتي.
  • أو لتعارض الأدلة في ذهن المفتي بغير مرجِّح.
  • وإما لعدم وضوح الواقع بتفاصيلِه المعقدة أحيانًا.
  • أو أن يكون الفرع الفقهي المستفتى عنه مترددًا بين أبواب متعددة من أبواب الفقه، فلا يستطيع المفتي أن يعزوَه بسهولةٍ إلى أحد هذه الأبواب تحديدًا.
  • أو يكون الفرع المبحوث من الفروع الجديدة التي هي من مستجدات العصر، فلا يمكن عزوها إلى أبواب الفقه الموروث.

كل تلك العوامل تجعلنا نقول: إنَّ المفتي يحتاج إلى المزيد من البحث والاجتهاد والتأمُّل في نحو تلك المسائل الخفية والمشكلة حتى يصل إلى وجه الصواب فيها.

يقول ابن القيم: «وقال الإمام أحمد لبعض أصحابه: إياك أن تتكلَّمَ في مسألة ليس لك فيها إمام، ‌والحق ‌التفصيل: ‌فإن ‌كان ‌في ‌المسألة ‌نصٌّ من كتاب الله أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو أثرٍ عن الصحابة لم يُكره الكلام فيها، وإن لم يكن فيها نص ولا أثر فإن كانت بعيدةَ الوقوعِ أو مقدرة لا تقع لم يستحب له الكلام فيها، وإن كان وقوعها غيرَ نادرٍ ولا مستبعد، وغرض السائل الإحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم، لا سيما إن كان السائل يتفقه بذلك، ويعتبر بها نظائرها، ويُفرِّع عليها، فحيث كانت مصلحة الجواب راجحةً كان هو الأولى، والله أعلم»([91]).

ويجدر بنا في هذا المقام أن نبين المقصودَ من التوقُّف؛ فليس معناه أن يمتنع المفتي عن الاجتهاد والنظر في الأدلة وأقوال العلماء وبذل الوسع في الوصول إلى الحق، بل الواجب عليه أن يعيدَ النظرَ مرارًا وتَكرارًا، وألَّا يتسرَّع في الحكم على المسألة، فالمرادُ من التوقُّف هو عدم إبداء قول في المسألة الاجتهادية؛ لعدم ظهور وجه الصواب فيها للمجتهد([92]). يقول ابن عابدين: «وفي الحقائق: أنه تنبيه لكل مُفتٍ ألَّا يستنكفَ من ‌التوقف فيما لا وقوف له عليه؛ إذ المجازفة افتراء على الله تعالى بتحريم الحلال وضده»([93]).

ويشير ابن عابدين أيضًا إلى وجوب توقُّف المفتي فيما أشكل من المسائل حتى يظهر له وجه الصواب فيها، فيقول: «(قوله فليتأمل عند الفتوى) إشارة إلى إشكاله، فلا ينبغي الإقدام على الإفتاء به قبل ظهور وجهه، (قوله: كيف وفي الأشباه …إلخ) استبعاد لما في السراج، وبيان لوجه ‌التوقف عند الفتوى، فإنه مخالف للقاعدة المذكورة»([94]).

والذي تجدر الإشارة إليه: أنَّ التوقُّف عن الفتوى فيما أشكل من المسائل هو منهج السلف الصالح والعلماء والفقهاء على مدار العصور والأزمان، فقد روى النووي عن السلف والخلف التوقُّف عن الفتيا في كثير من المسائل، كما نُقل عن الأئمَّة الأربعة ومَن بعدهم مِن الفقهاء أنهم توقفوا عن الإجابة في مسائل كثيرة([95])، ويقول ابن عابدين: «وفي ذلك تنبيه لكل مُفتٍ أن لا يستنكفَ من التوقف فيما لا وقوف له عليه؛ إذ المجازفةُ افتراءٌ على الله تعالى بتحريم الحلال وضده»([96]).

4- عدم معرفة واقع الناس وأحوالهم: الأصل في المفتي أن يعرفَ الواقع الذي حوله، ويُحسن التعامل معه والاستفادة منه، ليُعينه ذلك على حُسن تنزيل حكم الله عز وجل على الوقائع التي يراد منه الإفتاء فيها، ولقد أكد العلماء لزوم هذه المعرفة([97])، وفي توضيح هذا الأمر يقول الإمام ابن القيم: «ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق ‌إلا ‌بنوعين ‌من ‌الفهم:

أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به عِلمًا.

والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر؛ فمن بذل جهده واستفرغ وُسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه، وكما توصل سليمان عليه السلام بقوله: ائتوني بالسكين حتى أشُقَّ الولد بينكما، إلى معرفة عين الأم، وكما توصل أمير المؤمنين علي عليه السلام بقوله للمرأة التي حملت كتاب حاطب لما أنكرته: لتُخرِجِنَّ الكتابَ أو لأُجَرِّدَنَّكِ، إلى استخراج الكتاب منها»([98]).

وإن من هذا الواقع الواجب معرفته أحوال الناس المستفتين من ناحية الصغر والكبر، والفقر والغنى، والصحة والمرض، والعقل والجنون، والذكورة والأنوثة، وما أشبه ذلك، وما يلحق به من عادات وتقاليد وأمزجة ومناخات وأعراف ولغات ومذاهب، تلك الأحوال التي لها الأثر الأكبر على نفسية المستفتي وواقعه؛ فإذا عدمت هذه المعرفة الهامة لهذا الواقع المراد إفتاؤه، أدَّى هذا بالضرورة إلى وجود فتاوى ضعيفة شاذَّة مخالفة للواقع الذي عليه هذا المستفتي، فحمل هذا المفتي المتسرِّع حال المريض على السليم، وحال الصغير على الكبير، وحال المجنون على العاقل، وحال الحضري على البدوي، وحال ذي الهيئة المعتبرة الذي يقاس في الشرع على من لا هيئة له، والأعمى على البصير أو العكس، فأوقع هذا المسكين بالحرج بغير حق، فأفسد عليه معاملته، وأبطل عبادته، وهدم أسرته، وأضاع ماله، وعطل مصالحه، وأذهب عنه دنياه، وربما أفسد عليه آخرته، وكل ذلك بغير حق، وما ذاك من ذلك المفتي المتسرع إلا بسبب جهله بأحوال الناس حوله، وعدم معرفته بواقعهم، فقاس حالهم على حال غيرهم، فلم يلتئم القياس، وقيل له: هذا قياس مع الفارق في الشخص والواقع والزمان والمكان، ذلك أن من كان ذا عذرٍ حقيقي كان حاله أميل إلى الرخصة الحقيقية، فإن حملْتَه على العزيمة قتلْتَه وشققتَ عليه، وإن كان حاله أميل إلى الصحة كانت حاجته إلى فتوى العزيمة أكثر فأفسدتَ عليه نفسه، فاضطربَتْ قابليته للشرع، ولم يعُدْ لمهابة الله تعالى مكانٌ في نفسه، فسعى للتنصُّل من أحكام الشرع في حياته وحياة غيره بكل سبيل، وسلك لها كل طريق، واحتال لها بكل السبل، وحكَّم هواه في وقائعه التي تستلزم حكم الله عز وجل، فأصبح الحاكمَ في حياته هوى نفسِه وميلُ قلبه، وكان حاله كما قال الله عز وجل: {أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا} [الفرقان: 43]([99]).

ولهذا قرَّر العلماء ضرورة الدربة بمن أراد ارتقاء منصب الإفتاء، يقول الشاطبي: «ولهذا تقرَّر أن الفتيا تقتضي تدربًا وحذقًا، بدونهما يعجز الفقيه عن النهوض بإفتاء العامة، وهذا يوجب ألَّا يكون خوض مجال الإفتاء إلا بعد استعداد، وبعد اجتياز مرحلة تدرُّب تُكسِب ملكة الإفتاء والتصرف في الزاد الفقهي، ومن علماء الأندلس من كان يوضح هذا المعنى ويقرره للطلبة؛ حتى لا يتجاسر بعضهم على الفتوى قبل توفر الشروط والتدرب، ومنهم من كان ينصح بالمواظبة على حضور مجالس الحكم لسماع مداولات الشورى بين القضاة ومشاوريهم، قال أبو الأصبغ عيسى بن سهل: كثيرًا ما سمعت شيخنا أبا عبد الله بن عتاب رضي الله عنه يقول: الفتيا صنعة، وقد قاله قبله أبو صالح أيوب بن سليمان بن صالح رحمه الله، قال: الفتيا دربة، وحضور الشورى في مجالس الحكام منفعة وتجربة، وقد ابتليت بالفتيا، فما دريت ما أقول في أول مجلس شاورني فيه سليمان بن أسود، وأنا أحفظ «المدونة» و«المستخرجة» الحفظَ المتقنَ، والتجربة أصل في كل فن ومعنى مفتقَر إليه»([100]).

5- تتبُّع الرخص: والمقصود بتتبُّع رخص الفقهاء: النظرُ في أحكام المذاهب المختلفة لتخير ما يسهل على النفس، وقد حذر علماء السلف من تتبع الرخص وزلَّات العلماء، وشواذ المسائل، وغريب الأقوال، وأنكروا على من يسلك هذا المسلك، سواء أكان ذلك لنفسه، أم لإفتاء غيره([101]). فلم يقل أحد من العلماء بجواز تتبُّع المفتي رخصَ المذاهب والفقهاء؛ ذلك لأن المفتي لو أفتى الناسَ بتتبُّع الرخص في كل شيء، وفي كل حال، ولكل شخص: لأصبح الأصل هو الترخص لا العزيمة، ولأفضى إلى الانحلال والفجور، ولذاب الدين بين الناس، وأدَّى ذلك إلى مروق الناس من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة، ولذلك كله حذر الفقهاء كثيرًا من تتبع الرخص، وشددوا النكير على فاعليه([102]).

ولا بد من الإشارة في هذا المقام إلى أنَّ تشريع الرخص مقصودٌ شرعي لرفع الحرج عن المكلفين، فإذا خرج عن المقصد الذي هو التكليف بالشريعة، وتتبَّعَ الرخصَ، ونقَّبَ عنها في كل كبير وحقير، فقد صار الترخُّص وسيلةًً للتحايل على الأحكام الشرعية، وهذا من علامات الاستهانة بدين الله([103])؛ يقول الحافظ الذهبي: «ومن تتبع رخص المذاهب، وزلَّات المجتهدين، ‌فقد ‌رقَّ ‌دينه»([104]).

ومن ثَم فإنَّ متتبع الرخص لا بد أن يقعَ في الشذوذ؛ لأنَّ أغلبَ الشذوذ في الفتاوى يكون بسبب الترخيص والتسهيل، فتتبُّع الرخص سببٌ بارز من أسباب الشذوذ؛ لأنه يُفضي إلى العمل بزلَّات الفقهاء وتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماعهم، ومن اجتمع فيه ذلك فقد اجتمع فيه الشرُّ كلُّه([105])؛ يقول الحافظ الذهبي: «قال سليمان التيمي: لو أخذتَ برخصة كل عالم اجتمع فيكَ ‌الشرُّ ‌كلُّه»([106]).

والحق أن ضغط الواقع ونفرة الناس عن الدين لا يسوغ التضحية بالثوابتِ والمسلمات، أو التنازل عن القطعيات، مهما بلغت المجتمعات من تغيُّر وتطوُّر؛ فإنَّ الشرعَ جاء لإصلاح المجتمعات لا لمسايرة انفراطها، وتبرير انحرافها([107]).

6- تتبُّع الحيل: وقد أطلق بعض الفقهاء القولَ بمشروعية الحيل، وأتى لذلك بأدلَّة تؤيد قولَه، وبعضهم أطلق القولَ بعدم مشروعية الحيل، وأتى كذلك بأدلَّة تؤيد قوله، ولكنَّ المقصودَ في هذا المقام هو حرمةُ تتبُّع الحيل الممنوعة والمحرمة، أو التي قُصِد بها التوصُّل إلى إبطال حكم شرعي، وتحويله إلى حكم آخر غير المقصود، وفي هذا المعنى الذي نقصد.

يقول الشاطبي: «ومنها قاعدة الحيل: فإنَّ حقيقتها المشهورة تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، فمآل العمل فيها خرم قواعد الشريعة في الواقع، كالواهب ماله عند رأس الحول فرارًا من الزكاة، فإنَّ أصلَ الهبة على الجواز، ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعًا، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة، فإذا جمع بينهما على هذا القصد صار مآل الهبة المنع من أداء الزكاة، وهو مفسدة، ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشرعية»([108]).

ومما ذكر يتبين لنا: أنَّ الشذوذ في الفتوى يكون حاصلًا في حالة إذا كان القَصْد في التوصل إلى مخالفة الحكم الشرعي جزءًا من العمل بالحيلة المحرمة، فمَن لا قَصْد له في التَّوصُّل لا يدخل في الموضوع: كمن تزوجت برجل بعدما طلقها زوجها الأول ثلاثًا، ثم صادف أن طلقها الثاني، فرجعت إلى الأول، فما دامت سلامة القصد موجودة فرجوعها لا إشكالَ فيه([109]).

يقول ابن القيم: «وتجويز الحيل يناقضُ سدَّ الذرائع مناقضةً ظاهرة؛ فإن الشارع يسدُّ الطريق إلى المفاسدِ بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة، فأين من يمنع من الجائز خشية الوقوع في المحرم إلى من يعمل الحيلة في التوصل إليه؟! فهذه الوجوه التي ذكرناها وأضعافها تدلُّ على تحريم الحيل والعمل بها والإفتاء بها في دين الله.

ومن تأمَّل أحاديثَ اللعن وجد عامتها لمن استحلَّ محارمَ الله، وأسقط فرائضَه بالحيل كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ))، ((لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا))…»([110]).

ويستفاد مما ذكرنا: أن تتبُّعَ الحيل المحرمة ليس من أسباب الشذوذ في الفتوى فحسب، بل هو من أسباب الزيغ والضلال؛ لأن الذي يفتي بهذه الحيل ويُعلِّمها للناس يقوم بنشر هذه الحيل بما فيها من مكر وخداع وتلبيس، مما يؤدي إلى سلوك المغضوب عليهم عياذًا بالله تعالى([111]).

(حكم العمل بالفتوى الشاذة):

الشذوذ في الفتاوى هو في الحقيقة خروجٌ عن الشريعة في ذلك الجزء الذي حصل فيه الشذوذ، فهو كما ذكرنا في تعريفه: « تلك الأقوال والفتاوى المخالفة للدليل الشرعي والمضيعة لمصالح العباد»([112]).

فالفتوى الشاذة: «هي كل فتوى يفارق فيها صاحبُها جماعةَ العلماء، ويخالفُ فيها الصوابَ المقطوع به»([113])، أي أنَّ ذلك الاجتهاد وقع خارجًا عن الشريعة؛ يقول الشاطبي: «‌زلَّة ‌العالم ‌لا يصحُّ اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بها تقليدًا له؛ وذلك لأنها موضوعةٌ على المخالفة للشرع، ولذلك عُدَّت زلة، وإلَّا فلو كانت معتدًّا بها لم يُجعل لها هذه الرتبة»([114]).

لذا نقول: إنَّ التعلُّق بالأقوال والآراء الشاذَّة من مناهج أهل الأهواء في الاستدلال، حيث يتركون منهج السلف الصالح أو الذي عليه أهل السُّنة والجماعة، ويتعلقون ببعض الأقوال والأفعال والمواقف الشاذة أو القليلة، والتي هي خلاف قول الجمهور، وهذا يؤدي إلى الخروج عن الجماعة([115])؛ يقول الإمام الحافظ الذهبي: «إن الإمام عبد الرحمن بن مهدي قال: لا يكون إمامًا من أخذ ‌بالشاذ ‌من ‌العلم»([116]).

والذي يظهر لنا من خلال ما سبق: عدم جواز العمل بالفتاوى والآراء الشاذَّة، وأن الفتاوى الشاذَّة لا يصحُّ اعتمادها، ولا الأخْذُ بها، ولا تقليدُها؛ وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، كما لا يصحُّ اعتمادُها خلافًا في المسائلِ الشرعية؛ لأنها لم تصدرْ في الحقيقة عن اجتهاد، ولا هي من مسائلِ الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد فهو لم يصادفْ فيها محلًّا، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد، وإنما يعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، سواء أكانت مما يقوى أم مما يضعف، وأما إذا صدرت عن مجرَّد خفاء الدليل أو عدم مصادفته فلا اعتبارَ بها، ولذلك قيل: إنه لا يصحُّ أن يُعتدَّ بها في الخلاف([117]).

 

المطلب الثالث

التيسير وعدم التَّشدُّد

(حقيقة التيسير في الفتوى):

من الأمور التي ينبغي أن يراعيَها المفتي والفقيه في فتواه: أن تكون تلك الفتاوى التي تصدر عنه مَبنيَّةً على التيسير والرفق بالمستفتي، فالشريعةُ الإسلاميةُ مبنيَّةٌ على رفْع الحرج عن الناس؛ فلا يصح أن يكون منهج من يتصدر للإفتاء مبنيًّا على التشدُّد الذي يؤدي إلى وقوع الناس فيما فيه الحرج والمشقَّة، فالتشدُّد يُعَدُّ خروجًا عن منهج الشريعة الغرَّاء السمحة، فالشريعة أصلها مبنيٌّ على التيسير على الناس؛ يقول تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖ} [الحج: 78]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ))([118]).

فاتخاذ بعض مَن يشتغل بالفتوى منهج التشدد ليُضيِّق على الناس أمرٌ مخالف للشرع الشريف؛ لأننا مأمورون برفع الحرج عن الناس؛ أي التيسير على المكلفين بإبعاد المشقة عنهم في مخاطبتهم، والآيات والأحاديث النبوية دالة على رفع الحر ج والمشقة عن الناس.

يقول الشاطبي: «المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحملُ الناسَ على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور؛ فلا يذهب بهم مذهبَ الشدَّة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال، والدليل على صحَّة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة؛ فإنه قد مرَّ أنَّ مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذمومًا عند العلماء الراسخين،… فإنَّ الخروج إلى الأطراف خارجٌ عن العدل، ولا تقوم به مصلحة الخلق، أما في طرف التشديد فإنه مهلكة، وأما في طرف الانحلال فكذلك أيضًا؛ لأن المستفتي إذا ذهب به مذهبَ العَنَت والحَرَج بغض إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة، وهو مشاهَد»([119]).

فالناظر في أحكام النوازل من أهل الفتيا والاجتهاد عليه أن يكون على الوسط المعتدل بين طرف التشدد والانحلال([120]).

ويحسن في هذا المقام أن نشير إلى أمرين:

الأمر الأول: قد ورد في بعض كلام العلماء أنه يجوز لمن يتصدَّر للفتوى أن يشدد على المستفتي في بعض الأحوال التي تستدعي ذلك؛ نحو تشديد المفتي على المستفتي الذي قد يرتكب المحذور، أو يتساهل في فعل معصية ما، فتشديد المفتي عليه في الفتوى لأجل إصلاحه، وبذلك يكون مآل الفتوى إرشاد المستفتي إلى الطريق الوسط الصحيح.

يقول الشاطبي: «فإذا نظرت في كلية شرعية فتأمَّلْها تجدها حاملة على التوسُّط، فإن رأيت ميلًا إلى جهة طرف من الأطراف، فذلك في مقابلة واقع أو متوقَّع في الطرف الآخر. فطرف التشديد -وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر- يؤتَى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين، وطرف التخفيف -وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحًا، ومسلك الاعتدال واضحًا، وهو الأصل الذي يُرجع إليه، والمعقل الذي يُلجأ إليه، وعلى هذا إذا رأيت في النقل من المعتبرين في الدين مَن مالَ عن التوسط فاعلم أن ذلك مراعاةٌ منه لطرف واقع أو متوقع في الجهة الأخرى»([121]).

الأمر الثاني: أنَّ التيسيرَ في الفتوى ليس معناه التساهل من المفتي في أمر الفتوى وتتبع الرخص والحيل، أو التفريط في أحد أركانها وشروطها، بل المراد بالتيسير هو إرشاد المستفتي إلى الصواب والطريق الحق مع مراعاة حاله وواقعه وظروفه المحيطة به.

يقول النووي: «يحرم التساهل في الفتوى، ومن عرف به حرم استفتاؤه، فمن التساهل ألَّا يتثبَّت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر، فإن تقدمت معرفته بالمسؤول عنه فلا بأسَ بالمبادرة، وعلى هذا يُحمل ما نقل عن الماضين من مبادرة، ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة والتمسُّك بالشبه طلبًا للترخيص لمن يروم نفعه، أو التغليظ على من يريد ضره، وأما من صح قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها لتخليصٍ من ورطة يمين ونحوها، فذلك حسن جميل»([122]).

ولذلك نقول: ينبغي على المفتي أن يراعيَ حالةَ المستفتي أو واقع النازلة، فيسير في نظره نحو الوسط المطلوب باعتدال، لا إفراط فيه نحو التشدد، ولا تفريط فيه نحو التساهل، وفق مقتضى الأدلة الشرعية وأصول الفتيا([123]).

يقول الإمام الثوري: «إنما العلمُ عندنا الرخصةُ من ثقة، فأما التشديدُ ‌فيحسِنُه ‌كلُّ ‌أحد»([124]).

ومن خلال ما ذكرنا تقرَّر لدينا أَنَّ طريقة أهل العلم من الفقهاء والمفتين في تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع التي تعرض للناس هي التيسير وإرشادهم إلى ما هو أصلحُ لدينهم ودنياهم؛ لحملهم على اتباع الشرع والحق، وهذه الطريقة تعتبر من الصفات اللازمة لمن يتعرَّض للفتوى والتحدُّث باسم الشرع، وخصوصًا في هذا العصر([125]).

ومن هذا المنطلق كان من اللازم أن نضعَ عدَّةَ ضوابطَ لمسألة التيسير في الفتوى ليتحقق من خلال الالتزام بها المقصدُ الحقيقيُّ للفتوى، وهو ما نبيِّنُه فيما يلي.

(ضوابط التيسير في الفتوى):

من أهم تلك الضوابط -التي ينبغي على المفتي أن يراعيَها في مسألة التيسير في الفتوى حتى لا يقعَ في التشدُّد أو التساهل غير المقبول- ما يلي:

1- العلم: ومعنى ذلك أن يكون المفتي فقيهًا عالمًا بالأحكام الشرعية، مدركًا لواقع الناس وأحوالهم؛ حتى يستطيع أن ينزل الأحكام بما يناسب أحوال المستفتي، فييسر عليه في فتواه، يقول ابن الصلاح -في صفات وشروط المفتي-: «ويكون فقيه النفس، سليم الذهن»([126]).

فقيام مَن يتصدر للإفتاء باختيار ما فيه اليسر والسهولة للمستفتي دون علم أو دراية أمرٌ غير جائز، بل الواجبُ على المفتي أن يكونَ على علمٍ وبصيرةٍ في كيفية اختيار تلك الأقوال التي سيفتي بها الناس؛ حتى لا يوقعهم في ارتكاب محذور أو محرم.

يقول ابن رشد الجد: «من قرأ هذه الكتب، وتفقَّه فيها على الشيوخ، وفهم معناها وأصول مسائلها من الكتاب والسُّنة والإجماع… فهذا يجوز له أن يفتيَ فيما ينزل ولا نص فيه باجتهاده،… ومن لم يلحق هذه الدرجة لم يصلح أن يستفتى في المجتهدات التي لا نص فيها، ولا يجوز له أن يفتيَ في شيءٍ منها إلا أن يعلم برواية عن عالم فيقلده فيما يخبر به، وإن كان فيها اختلاف أخبر بالذي ترجح عنده إن كان ممن له فهم ومعرفة بالترجيح»([127]).

2- العدالة: والمراد بها الاستقامةُ في طريق الحق بتجنُّب ما هو محظورٌ في الدين([128])، ومعنى ذلك أن يكون المفتي ثقةً مأمونًا، ومتنزهًا عن أسباب الفسق ومسقطات المروءة؛ لأن من لم يكن كذلك فقولُه غيرُ صالحٍ للاعتماد عليه، ولهذا فقد نصَّ العلماء على أن هناك أمورًا تقدح في عدالة المفتي، ويمكن أن نرُدَّها إجمالًا إلى ما يلي:

الأمر الأول (مسقطات المروءة) أو (خوارم المروءة): وتعني الخروج عن عادات الناس فيما ينكر ويستهجن، كأن يسير في الطريق حافيًا مثلًا، أو غير ذلك من السلوكيات التي تُستهجن في المجتمع.

الأمر الثاني (فسق المفتي): ومعناه الإصرار على ارتكاب المعاصي، أو تعمُّد الكذب، ولذلك نصوا على أنه لا تصحُّ فتيا الفاسق، وذلك عند جمهور العلماء، يقول ابن حمدان: «والعدل: من استمرَّ على فعل الواجب، والمندوب، والصدق، وترك الحرام، والمكروه، والكذب، مع حفظ مروءته، ومجانبة الريب والتهم، بجلب نفع ودفع ضرر»([129]).

الأمر الثالث (البدعة): وكذلك مما يقدح في العدالة أن يكون المفتي من أهل البدع والأهواء، قال النووي: «قال الصيمري: وتصحُّ فتاوى أهل الأهواء والخوارج ومن لا نكفره ببدعته ولا نفسقه. ونقل الخطيب هذا ثم قال: وأما الشراة والرافضة الذين يسبون السلف الصالح ففتاويهم مردودة وأقوالهم ساقطة، والقاضي الماوردي كغيره في جواز الفتيا بلا كراهة، هذا هو الصحيحُ المشهورُ من مذهبنا. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: ورأيت في بعض تعاليق الشيخ أبي حامدٍ الإسفراييني أن له الفتوى في العبادات وما لا يتعلَّق بالقضاء، وفي القضاء وجهانِ لأصحابنا: أحدهما الجواز؛ لأنه أهل، والثاني لا؛ لأنه موضع تهمة»([130]).

فضابط العدالة يدخلُ فيه عدمُ التساهلِ في الفتوى بالشرع والمحاباة فيها، مع مراعاة وجه الحق في كل ذلك والنظر إلى مشكلاتِ الناس برحمة ويسر الشرع، وحمل أفعالهم على الوسط في أحكامه([131]).

3- عدم التسرُّع في الفتوى: والمراد بذلك عدمُ تقصير المفتي في البحث عن المسألة، وإعادة النظر والاجتهاد، خاصَّة في النوازلِ والمستجدَّات التي تعرض له ولم يكن لها نظير في الفقه الموروث، فإنَّ التسرُّع في الحكم على تلك المستجدَّات قد يؤدي إلى وقوع الخلل والانحراف في الفتاوى الصادرة، وهذا ما جعل بعض الأئمَّة والعلماء يتذمرون ويشتكون من ذلك في كل عصر يخرج فيه أهل النظر والاجتهاد عن الطريق السوي([132]).

يقول الإمام مالك رحمه الله تعالى: «ما شيء أشد عليَّ من أن أُسْأل عن مسألةٍ من الحلال والحرام؛ لأن هذا هو القطع في حكم الله، ولقد أدركت أهلَ العلم والفقه ببلدنا وإنَّ أحدهم إذا سُئل عن مسألة كأن الموت أشرف عليه. ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام فيه والفتيا، ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غدًا لقللوا من هذا، وإن عمر بن الخطاب وعليًّا وعلقمة خيار الصحابة كانت تَرِدُ عليهم المسائلُ وهم خير القرون الذين بُعث فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانوا يجمعون أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويسألون حينئذ، ثم يفتون فيها، وأهل زماننا هذا قد صار فخرهم الفتيا، فبقدر ذلك يُفتح لهم من العلم»([133]).

ويتضح لنا من كلام الإمام مالك رحمه الله المنهجيةُ المثلى التي كان السلف رحمهم الله يتبعونها عند نظرهم واجتهادهم في الأحكام والواقعات من عدم التسرُّع في الفتوى أو التقصير في بحثها والنظر فيها، أو قلَّة التحري والتشاور في أمرها، مما يؤدي إلى انخرامٍ ظاهرٍ في نظام النظر والاجتهاد والفتيا أو تسيبٍ واعتسافٍ في احترام هذا المقام العالي من الشريعة ([134]).

4- الدقة والتثبت من النازلة: والمراد بذلك عدم الإفتاء بالتيسير في المسألة قبل التأكُّد من صورتها، والتيقُّن من أنَّ الفتوى التي ستصدر ستكون محققة لمقاصدِ الشرع الشريف، مراعية لحال المستفتي وواقعه، فالدقة والتثبُّت مطلوب ضروري في عملية التيسير في الفتوى، خاصَّة في تلك النوازلِ المعاصرة؛ حيث إنَّ الناظرَ فيها يطرق موضوعاتٍ لم تُطرق من قبلُ، ولم يَرِد فيها قول في الفقه الموروث، بل هي قضايا مستجدَّة، يغلب على معظمها طابع العصر الحديث المتميز بابتكار حلول علمية لمشكلات متنوعة قديمة وحديثة، واستحداث وسائل جديدة لم تكن تخطر ببال البشر يومًا من الدهر([135]).

ولذا أفرد الإمام ابن عبد البر بابًا في كتابه: جامع بيان العلم وفضله، بعنوان: «‌‌باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة»، وذكر فيه عدَّة أحاديثَ وآثار تدلُّ على أهمية التثبُّت والدقَّة عند إصدار الفتوى والأحكام الشرعية، ومن تلك الآثار ما رواه ابن عبد البر بسنده عن الشعبي قال: لما بعث عمر رضي الله عنه شريحًا على قضاء الكوفة قال له: «انظر ما تبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدًا، وما لم يتبين لك في كتاب الله فابتغِ فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما لم يتبيَّن لك في السُّنة فاجتهد رأيك»([136]).

ومن هذا المنطلق يتبيَّن لنا أنه ينبغي على المفتي والفقيه أن يفهمَ المسألة والنازلة فهمًا دقيقًا، ويتصورها تصورًا صحيحًا قبل البدء في بحث حكمها أو إجابة المستفتي عنها، فالحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، وكم أُتي المفتي أو العالم من جهة جهله بحقيقة الأمر الذي يتحدث فيه! فالناس في واقعهم يعيشون أمرًا، والمفتي يتصوَّر أمرًا آخر ويحكم عليه، فلا بد حينئذ من تفهُّم المسألة من جميع جوانبها والتعرُّف على جميع أبعادها وظروفها وأصولها وفروعها ومصطلحاتها، وغير ذلك مما له تأثيرٌ في الحكم فيها([137]).

يقول الخطيب البغدادي: «سُئل يحيى بن أكثم: متى تحب للرجل أن يفتي؟ قال: إذا كان بصيرًا بالرأي بصيرًا بالأثر. قلت([138]): وينبغي أن يكون: قوي الاستنباط، جيد الملاحظة، رصين ‌الفكر، صحيح الاعتبار، صاحب أناة وتؤدة، وأخا استثبات، وترك عجلة، بصيرًا بما فيه المصلحة، مستوقفًا بالمشاورة، حافظًا لدينه، مشفقًا على أهل مِلَّته، مواظبًا على مروءته، حريصًا على استطابة مأكله، فإنَّ ذلك أول أسباب التوفيق، متورعًا عن الشبهات، صادفًا عن فاسد التأويلات، صليبًا في الحق، دائم الاشتغال بمعادن الفتوى وطرق الاجتهاد، ولا يكون ممن غلبت عليه الغفلة واعتوره دوام السهر، ولا موصوفًا بقلة الضبط، منعوتًا بنقص الفهم، معروفًا بالاختلال، يجيب بما لا يسنح له، ويفتي بما يخفى عليه»([139]).

لذا نقول: إن رصانة الفكر، وجودة الملاحظة، والتأني في الفتوى، والتثبت فيما يفتي به، هذه صفات يلزم وجودها فيمن يتصدى للفتيا؛ حيث إن من كان ناقصًا في فهمه، أو متصفًا بالغفلة، أو معروفًا بالعجلة في فتواه والتسرع بالإجابة عما يُسأل عنه دون أن يتثبت من ذلك، فمن كانت أوصافه كذلك فقد أول أسباب التوفيق، وحريٌّ بمن فقد أولها ألَّا يحالفه الحظ في وجدان آخرها، وألَّا ينال في آخر المطاف غايته التي قصدها([140]).

5- مشاورة أهل التخصص: فينبغي على المفتي أن يستشير أهل التخصص في كافة المجالات المتنوعة، خاصَّة في المستجدَّات التي تعرض له، وليس عنده المعلومات الكافية للحكم عليها، فيسأل أهل الطب في المسائلِ المتعلقة بالطب وصحة الإنسان ونحو ذلك، وأهل الاقتصاد فيما يتعلق بالمعاملات المالية ونحوها، وأهل الفلك في مجال رؤية الأهلة وحساب المواقيت ونحو ذلك في كافة المجالات([141]).

وهذا مما أمر به الشرع الشريف؛ حيث يقول تعالى: {فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ} [النحل: 43].

ففي هذه الآية الكريمة تنبيهٌ على أهمية الاتصال الدائم بين المسلم الحريص على الفهم السليم لأمور دينه وبين العلماء، وقد روي عن عطاء بن أبي رباح قال: ((سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُخْبِرُ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَهُ جُرْحٌ فِي رَأْسِهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَصَابَهُ احْتِلَامٌ، فَأُمِرَ بِالِاغْتِسَالِ، فَاغْتَسَلَ، فَكُزَّ فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: قَتَلُوهُ، قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَوَلَمْ يَكُنْ شِفَاءَ الْعِيِّ السُّؤَالُ))([142]).

وقد قال تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ} [فاطر: 14]، فهذه الآية ترسم للمسلم السبيل الأمثل للوصول إلى المعلومة السليمة التي تهديه سواء السبيل، وتوصله إلى رضا الله تعالى من أقرب طريق، وهو الرجوع إلى أهل التخصص في تصور المسألة والنازلة، فإذا وقع للمفتي مسألة تخصُّ أحد المجالات كالطب أو الاقتصاد ونحو ذلك، فلا بد أن يرجعَ إلى أهل الخبرة في ذلك المجال، ويستعين بالرجوع إليهم في تصور المسألة حتى يستطيعَ أن يحكم عليها بما يناسبها، وعلى ذلك فلا يجوز للمفتي أن يحكمَ في مسألة دون أن يجتهد في الوصول إلى التصور الصحيح، فلا يصح بحالٍ أن يتكبر عن سؤال غيره من أهل التخصُّص والخبرة في المجالات المختلفة؛ فقد قال عز وجل في محكم التنزيل: {وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ} [يوسف: 76]، يقول الإمام الطبري في تفسير هذه الآية الكريمة: «وفوق كل عالمٍ مَن هو أعلم منه، حتى ينتهي ذلك إلى الله»([143]).

6- مشورة أهل العلم في المسائل المشكلة: فينبغي على المفتي أن يستشيرَ أهلَ العلم فيما يُشكل عليه من المسائل التي تعرض له قبل أن يفتي فيها، فالمشاورة من الأمور التي حثَّ عليها الشرع الشريف وأكدها، خاصَّة في الأمور المشكلة التي تحتاج إلى إمعانِ نظرٍ، وأخذ الرأي من أصحاب العلم والحكمة والمعرفة، يقول تعالى: {فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، وقال تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} [الشورى: 38].

قال الجصاص: «هذا يدلُّ على جلالة موقع المشورة؛ لذكره لها مع الإيمان وإقامة الصلاة، ويدلُّ على أنا مأمورون بها»([144]).

وقد كانت المشاورة عند الإشكال في أمور الدين ومعرفة الأحكام الشرعية للمسائل المشكلة هي منهج السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم، والعلماء من بعدهم، فالمشاورة هي طريقهم لمعرفة الصواب والحق؛ لأن أمر الإفتاء عظيم وخطير.

يقول الإمام النووي -في شأن القاضي والمفتي-: «والمستحب أن يُحضِر مجلسَه الفقهاءَ ليشاورهم فيما يُشكل؛ لقوله تعالى: {وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ} [آل عمران: 159]، قال الحسن: إن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن مشاورتهم لَغنيًّا، ولكن أراد الله تعالى أن يستسن بذلك الحُكَّام، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شاور في أسارى بدر، فأشار أبو بكر بالفداء، وأشار عمر رضي الله عنه بالقتل. وروى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر رضي الله عنه كان إذا نزل به أمر يريد فيه ‌مشاورة أهل الرأي والفقه دعا رجالًا من المهاجرين ورجالًا من الأنصار، ودعا عمر، وعثمان، وعليًّا، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، رضي الله عنهم، فمضى أبو بكر على ذلك، ثم وَلِيَ عمر رضي الله عنه وكان يدعو هؤلاء النفر، فإن اتفق أمر مشكل شاورهم فيه، فإن اتضح له الحق حكم به، فإن لم يتضح أخَّره إلى أن يتضح، ولا يُقلِّد غيره لأنه مجتهد فلا يُقلِّد»([145]).

ولا شكَّ أن أمر التيسير في الفتوى من أعظم الأمور التي تحتاج إلى تلك المشاورة؛ لأن مقام الإفتاء هو بمنزلة التبليغ عن رب العالمين؛ لذلك يقول ابن الصلاح: «يستحب له أن يقرأ ما في الرقعة على مَن بحضرته ممن هو أهل لذلك، ويشاورهم في الجواب، ويباحثهم فيه وإن كانوا دونه وتلامذته؛ لما في ذلك من البركة والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالسلف الصالح رضي الله عنهم، اللهم إلَّا أن يكون في الرقعة ما لا يَحسُن إبداؤه، أو ما لعل السائل يُؤثِر ستره، أو في إشاعته مفسدة لبعض الناس، فينفرد هو بقراءتها وجوابها»([146]).

فالتيسيرُ في الفتوى ليس بالأمر الهين، بل قد يتساهلُ المفتي في بعض المسائل المُشكلة التي تعرض له، والصواب خلاف ذلك، لذا ينبغي عليه أن يستشيرَ أهل العلم في ذلك، وقد نص الفقهاء على أنه ينبغي على الفقيه والقاضي والمفتي المشاورة عند الإشكال.

يقول السرخسي: «ومشاورة أولي الرأي، وفيه دليلٌ على أن القاضي وإن كان عالمًا فينبغي له ‌أن ‌لا ‌يَدَع ‌مشاورة العلماء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكثرَ الناس مشاورةً لأصحابه رضي الله عنهم يستشيرهم حتى في قوت أهله وإدامهم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((الْمَشُورَةُ تُلَقِّحُ الْعُقُولَ))، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((مَا هَلَكَ قَوْمٌ عَنْ مَشُورَةٍ قَطُّ)) وكان عمر رضي الله عنه يستشير الصحابة رضوان الله عليهم مع فقهه حتى كان إذا رُفعت إليه حادثة قال: ادعوا إليَّ عليًّا، وادعوا إليَّ زيد بن ثابت وأبي كعب رضي الله عنهم، فكان يستشيرهم، ثم يفصل بما اتفقوا عليه، فعرفنا أنه لا ينبغي للقاضي أن يَدَعَ المشاورة وإن كان فقيهًا»([147]).

ولعلَّ في اتباع هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم في الاستشارة ضمانًا للمفتي من القول بلا علم، وخصوصًا فيما ينزل من مسائل معاصرة، والاجتهاد الجماعي في وقتنا الحاضر المتمثل بالمجامع الفقهية وهيئات الإفتاء ومراكز البحث العلمي تحقق الدور المنشود الذي ينبغي للمفتي أو المجتهد مراعاته والالتزام به لتتسع دائرة العلم، وتزداد حلقة المشورة من أجل الحيطة والكفاية في البحث والنظر([148]).

7- ذكر الدليل: فينبغي على المفتي أن يذكرَ الأدلةَ والقواعدَ التي اعتمد عليها خاصَّة في فتواه التي أجاز فيها العمل بالقول الأيسر المرجوح؛ وذلك ليبصر المتخصص في علوم الشرع والمستفتي أيضًا إن احتاج إلى ذلك([149]).

يقول ابن القيم: «ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك، ‌ولا ‌يلقيه ‌إلى ‌المستفتي ‌ساذجًا مجردًا عن دليله ومأخذه؛ فهذا لضيق عَطَنِه وقِلَّة بضاعته من العلم، ومَن تأمَّل فتاوى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي قولُه حجة بنفسه رآها مشتملة على التنبيه على حِكْمة الحُكْم ونظيره، ووجه مشروعيته، وهذا كما سُئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: ((أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، فزجر عنه))، ومن المعلوم أنه كان يعلم نقصانه بالجفاف، ولكن نبههم على علة التحريم وسببه…». ثم قال أيضًا: «فينبغي للمفتي أن ينبه السائل على علَّة الحكم ومأخذه إن عرف ذلك، وإلَّا حرم عليه أن يفتي بلا علم»([150]).

فذِكْر المفتي دليلَه أو وجهة نظره فيما استدل به في فتواه بالقول الأيسر المرجوح مثلًا أمر ضروري؛ حيث إن ذلك يغلق الكثير من أبواب الإنكار والاستهزاء أمام المعاندين والمنكرين وأصحاب الأهواء، وحتى لا يكون التيسير في الفتوى ذريعة للانخلاع من أحكام الشرع وتعاليم الدين الحنيف، ومجالًا لتحكيم الهوى([151]).

يقول ابن القيم أيضًا: «‌عاب ‌بعض ‌الناس ‌ذكر ‌الاستدلال ‌في ‌الفتوى، وهذا العيب أولى بالعيب، بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل… وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سئل أحدهم عن مسألة أفتى بالحجة نفسها، فيقول: قال الله كذا، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذا… فيشفي السائل… ثم جاء التابعون والأئمة بعدهم، فكان أحدهم يذكر الحكم ثم يستدل عليه… ثم طال الأمد، وبَعُد العهد بالعلم، وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب بنعم أو لا فقط، ولا يذكر للجواب دليلًا ولا مأخذًا… ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذَمِّه، ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لا يُدرَى ما حالهم في الفتاوى، والله المستعان»([152]).

8- إرشاد المستفتي إلى البديل عند المنع: فمن التيسير في الفتوى تبيينُ المفتي البديلَ المباحَ للمستفتي، وذلك عند المنع من المحظور، وهذا الضابط له من الأهمية في عصرنا الحاضر القدر العظيم؛ وذلك أن كثيرًا من المستجدات المالية والفكرية والإعلامية الواقعة في مجتمعاتنا تحتاج من المفتي والفقيه إزاءها أن يقرَّ ما هو مقبولٌ مباح شرعًا، ويمنع ما هو محظورٌ أو محرم، مع بيانه لحكمة ذلك المنع، وفتح العوض المناسب، والاجتهاد في وضع البدائل المباحة شرعًا حمايةً للدين، وإصلاحًا للناس، وهذا من الفقه والنُّصح في دين الله عز وجل([153]).

وقد عقد ابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين عن رب العالمين» فصلًا بعنوان: «منع المفتي المستفتي من محظور دل على مباح» قال فيه: «إذا منع المفتي من محظور دلَّ على مباح:

الفائدة الرابعة: من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيءٍ، فمنعه منه، وكانت حاجته تدعوه إليه: أن يدله على ما هو عوض له منه، فيسد عليه باب المحظور، ويفتح له باب المباح، وهذا لا يتأتى إلَّا من عالم ناصح مشفقٍ قد تاجر الله وعامله بعلمه. فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء يحمي العليل عما يضره، ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ شَرِّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ))، وهذا شأن خُلُق الرُّسل وورثتهم من بعدهم»([154]).

9- تحقيق المصلحة: فينبغي أن يكونَ التيسير في الفتوى محقِّقًا للمصلحة الشرعية، وهذا هو مقصود الشرع الحنيف، فجلب النفع ودفع الضرر هو الغاية من تشريع الأحكام الشرعية، بل إنَّ العلماء والفقهاء قد نصوا على جواز أن يكون نظر المفتي والمجتهد في النوازل بناءً على اعتبار حُجِّية المصلحة المرسلة التي لم يرد في الشرع نصٌّ على اعتبارها بعينها أو بنوعها ولا على استبعادها، ولكنها داخلة ضمن مقاصد الشرع الحنيف، وجمهور العلماء على اعتبار حجيتها([155]).

يقول الغزالي: «أما ‌المصلحةُ فهي عبارةٌ في الأصل عن جلْبِ منفعةٍ أو دفْع مضرَّة، ولسنا نعني به ذلك؛ فإنَّ جلْبَ المنفعة ودفْعَ المضرَّةِ مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظَ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدةٌ، ودفعها مصلحة»([156]).

ويجدر بنا أن نشير إلى أن التيسير في الفتوى لأجل المصلحة الشرعية ليس بدعًا من الأمر، بل هو منهج السلف الصالح رضي الله عنهم من الصحابة والتابعين، وتبعهم في العمل بمقتضاها علماء الأمة.

ويُؤكِّد ذلك القرافي حيث يقول: «ومما يؤكد العمل بالمصلحة المرسلة أن الصحابة رضوان الله عليهم عملوا أمورًا لمطلق المصلحة، لا لتقدم شاهد بالاعتبار، نحو كتابة المصحف، ولم يتقدم فيه أمر ولا نظير، وولاية العهد من أبي بكر لعمر رضي الله عنهما ولم يتقدم فيها أمر ولا نظير، وكذلك ترك الخلافة شورى، وتدوين الدواوين، وعمل السكة للمسلمين، واتخاذ السجن، فعل ذلك عمر رضي الله عنه، وهد الأوقاف التي بإزاء مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه فعله عثمان رضي الله عنه، ثم نقله هشام إلى المسجد، وذلك كثير جدًّا لمطلق المصلحة»([157]).

وقد تحدث أمور ومستجدات يحتاج المفتي أو المجتهد في الحكم عليها إلى النظر من حيث دفع الضرر وجلب النفع ليُضمِّن ذلك في فتواه بشأنها، خاصة في تلك النوازل التي لا يوجد بخصوصها نص شرعي أو إجماع.

يقول الآمدي: «وذلك لأنه ليس كل واقعة يمكن وجود النص أو الإجماع أو القياس فيها، فلو لم تكن المصلحة المرسلة حجةً أفضى ذلك أيضًا إلى خلو الوقائع عن الأحكام الشرعية؛ لعدم وجود النص أو الإجماع أو القياس فيها»([158]).

وواقعنا المعاصر يشهد على اعتبار المصلحة المرسلة في كثير من المسائل المستجدة في الأنظمة المدنية والدولية وصورٍ من التوثيقات اللازمة لبعض العقود المالية والزوجية وغيرها، وإذا لم يكن للفقيه فهْمٌ وإدراكٌ لمقاصدِ الشرع وحفظ ضرورياته، وإلَّا أغلق الباب بالمنع على كثير من المباحات أو فتحه على مصراعيه بتجويز كثير من المحظورات([159])، لذا فقد ذكر الأصوليون عدَّة ضوابطَ من أجل تحقق المصلحة المعتبرة والعمل بها عند النظر والاجتهاد، وهي بإيجاز([160]):

الأول: اندراج المصلحة ضمن مقاصدِ الشريعة.

الثاني: ألا تخالف نصوص الكتاب والسنة.

الثالث: عدم معارضتها للقياس.

الرابع: عدم تفويت مصلحة أهم منها أو مساوية لها.

10- اعتبار قاعدة رفع الحرج: فينبغي على المفتي أن يضعَ في اعتباره قاعدة رفع الحرج عند التيسير في الفتوى، ويُقصد بالحرج: «كل ما يؤدي إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أو المال حالًا أو مآلًا»([161]).

ولذا نستطيع أن نقول: إنَّ المقصودَ من اعتبار رفع الحرج للتيسير في الفتوى هو عبارة عن: «التيسير على المكلفين بإبعاد المشقة عنهم في مخاطبتهم بتكاليف الشريعة الإسلامية»([162]).

وقد تضافرت الأدلَّة من الكتاب والسُّنة ونصوص الفقهاء والأصوليين على أن رفع الحرج صار أصلًا مقطوعًا به في الشريعة؛ كما في قوله تعالى: {مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ} [المائدة: 6]، {وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖ} [الحج: 78]، وما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ))([163])، إلى غيرها من الأدلة المتواترة في حجية هذا الأصل، فإذا تبين لنا قطعية هذا الأصل، وجب على المجتهد أن يراعيَ هذه القاعدة فيما ينظر فيه من وقائعَ ومستجدَّات، بحيث لا يفتي أو يحكم بما لا يُطاق شرعًا من المشاق، كما يجب عليه أن يراعيَ الترخيص في الفعل أو الترك على المكلفين الذين تتحقق فيهم الأعذار والمسوغات الشرعية المبيحة لذلك، كما في الترخيص في الضروريات أو التخفيف لأصحاب الأعذار ورفع المؤاخذة عنهم([164]).

11- النظر إلى المآلات: فينبغي على المفتي أن ينظرَ إلى المآلات المتوقعة من الأخذ بالقول الأيسر في فتواه، ويتأكد من أنَّ هذا القول سيحقق مقاصدَ الشرع أم لا؟ فلا يصحُّ للمفتي الذي ينظر في النوازل والمستجدات أن يتسرَّع بالحكم والفتيا إلا بعد أن ينظرَ إلى ما يؤول إليه الفعل موضوع الفتوى([165]).

يقول الشاطبي: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة؛ وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلَّا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعًا لمصلحة فيه تُستجلَب، أو لمفسدة تُدرَأ، ولكنْ له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدَّى استجلاب المصلحة فيه إلى المفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم مشروعية ربما أدَّى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصحُّ إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق محمود الغب، جارٍ على مقاصد الشريعة»([166]).

والواقع الذي نعيش فيه يبين لنا ما تؤول إليه بعض الوقائع والمستجدات من مفاسدَ وأضرار، وذلك راجعٌ إلى أن من يقوم بالتصدُّر للإفتاء شخص غير مؤهل لذلك المنصب العظيم، فيتسرع ويفتي الناس بما يوقعهم في الحرج، ولا يأبه لمآلات الأفعال، فتكون تلك الفتاوى الصادرة عنه بمثابة أبواب الشر التي تفتح على الناس ما لا يُحمد عقباه، لذا فإن الحجر على مثل هؤلاء المتصدرين للفتوى أمر واجب؛ لأنه فيه غلق لأبواب الفتنة والشر، وفيه أيضًا حفظ للعباد والبلاد([167]).

12- مراعاة تغيير الواقع: فينبغي على المفتي أن ينظر إلى الواقع المحيط بالنازلة قبل الحكم بالتيسير في الفتوى، ويقصد بهذا الضابط أن يراعي الناظر في النوازل عند اجتهاده تغيُّرَ الواقع المحيط بالنازلة، سواء كان تغيُّرًا زمانيًّا أو مكانيًّا، أو تغيُّرًا في الأحوال والظروف، وعلى الناظر تبعًا لذلك مراعاة هذا التغير في فتواه وحُكمه؛ وذلك أن كثيرًا من الأحكام الشرعية الاجتهادية تتأثر بتغير الأوضاع والأحوال الزمنية والبيئية([168]).

ومن المقرَّر في الفقه الإسلامي أنَّ النصوص متناهية ومحصورة([169])، والحوادث والوقائع غير متناهية، لذا ينبغي على المفتي أن يراعيَ هذا التعدُّد في الفروع الفقهية؛ حتى تخرج الأحكام مناسبةً لحال الناس وواقعهم، مما يضمن اليسر في الفتوى، ورفع الحرج والمشقة عن المستفتي، فالأحكام تنظيمٌ أوجبه الشرع يهدف إلى إقامة العدل وجلب المصالح ودرء المفاسد، فهي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع والوسائل الزمنية وبالأخلاق العامة، فكم من حكم كان تدبيرًا أو علاجًا ناجحًا لبيئة في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود منه، أو أصبح يُفضي إلى عكسه بتغيُّر الأوضاع والوسائل والأخلاق([170]).

وقد عقد ابن القيم فصلًا في كتابه «إعلام الموقعين عن رب العالمين»، وعنوانه: «فصل في تغيير الفتوى ‌واختلافها ‌بحسب ‌تغير ‌الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد»، حيث قال فيه: «الشريعة مبنية على مصالح العباد، هذا فصل عظيم النفع جدًّا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيلَ إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه»([171]).

ومن أجل هذا أفتى الفقهاء المتأخرون من شتَّى المذاهبِ الفقهية في كثير من المسائل بعكس ما أفتى به أئمَّة مذاهبهم وفقهاؤهم الأولون، وصرَّح هؤلاء المتأخرون بأن سبب اختلاف فتواهم عمن سبقهم هو اختلاف الزمان وفساد الأخلاق في المجتمعات، فليسوا في الحقيقة مخالفين للسابقين من فقهاء مذاهبهم، بل لو وُجِدَ الأئمَّة الأولون في عصر المتأخرين وعايشوا اختلاف الزمان وأوضاع الناس لعدلوا إلى ما قال المتأخرون([172])، وعلى هذا الأساس أسست القاعدة الفقهية القائلة: «لا يُنكَر تغيُّر ‌الأحكام ‌بتغيُّر ‌الأزمان»([173]).

ومن الأمثلة العملية لهذه القاعدة: ما روي أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله يرى عدم لزوم تزكية الشهود ما لم يطعن فيهم الخصم، اكتفاءً بظاهر العدالة، وأما عند صاحبيه: أبي يوسف ومحمد رحمهما الله فيجب على القاضي تزكية الشهود بناءً على تغيُّر أحوال الناس.

يقول فخر الدين الزيلعي: «ويسأل عن الشهود سرًّا وعلانية في سائر الحقوق، وهذا عند أبي ‌يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يقتصر على ‌ظاهر عدالة المسلم، ولا يسأل عن الشاهد حتى يطعن الخصم فيه، فإن طعن فيه سأل عنه سرًّا وجهرًا إلا في الحدود والقصاص، فإنه يسأل عنه في السر والعلانية وإن لم يطعن فيه الخصم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الْمَحْدُودُ فِي قَذْفٍ))([174]).

13- مراعاة العرف والعادة: فينبغي على المفتي أن يراعي عادات الناس وأعرافهم عند الإفتاء بالأيسر([175])، ومن أشهر تعاريف العرف في اصطلاح العلماء هو: «كل ما عرفته النفوس مما لا تردُّه الشريعة» ([176])، ومنها أنه: «ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول»([177])، وكذلك الأمر بالنسبة لتعريف العادة، فقد عُرِّفت بأنها: «ما استمر الناس عليه على حكم العقول وعادوا إليه مرة بعد أخرى»([178]).

فعلى ذلك: فالعادة اصطلاحًا ترادف العرف، وهي: «الأمر الذي يتقرر بالنفوس، ويكون مقبولًا عند ذوي الطباع السليمة بتكراره المرة بعد المرة، على أن لفظة العادة يُفهم منها تكرر الشيء ومعاودته؛ بخلاف الأمر الجاري صدفة مرة أو مرتين، ولم يعتَدْه الناس، فلا يعدُّ عادة، ولا يُبنى عليه حكم، والعرف بمعنى العادة أيضًا»([179]).

ومراعاة العرف والعادة من الأمور المعتبرة والمهمة في بيان الأحكام الشرعية، لذا نصَّ العلماء على عدة قواعد تبين مدى وجوب أهمية مراعاة المفتي لعرف الناس وعاداتهم في التيسير عليهم في الفتوى، فوضعوا قواعدَ للأخذ بالعرف والعادة أهمها ما يلي:

1- القاعدة الفقهية الكبرى: «العادة محكَّمة»([180]).

2- «المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا»([181]).

3- «إنما تعتبر العادة إذا اطردت وغلبت»([182]).

4- «كل ما ورد به الشرع مطلقًا ولا ضابط له فيه، ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف»([183]).

5- «ما يعاف في العادات يكره في العبادات»([184]).

يقول القرافي: «وعلى هذا القانون تراعى الفتاوى على طول الأيام، فمهما تجدد في العرف اعتَبِرْه ومهما سقط أسقِطْه، ولا تجمُدْ على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تُجْرِه على عُرف بلدك، واسأله عن عُرف بلده وأَجْرِه عليه وأفْتِه به دون عُرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين»([185]).

 

 

([1]( الاجتهاد، للإمام الأكبر محمد مصطفى المراغي (ص 113).

([2]( الاجتهاد، للإمام الأكبر محمد مصطفى المراغي (ص 114).

([3]( اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية، للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، (ص: 20)، ط. دار الفارابي، دمشق.

([4]( المتشددون: منهجهم، ومناقشة أهم قضاياهم، للدكتور علي جمعة (ص 35)، ط. دار المقطم، القاهرة.

([5]( بلوغ السول في مدخل علم الأصول، للعلامة حسنين مخلوف (ص 26)، ط. مطبعة المعاهد، الجمالية، القاهرة.

([6]( المتشددون: منهجهم، ومناقشة أهم قضاياهم، للدكتور علي جمعة (ص 37).

([7]( الموافقات، للشاطبي (5/ 336، 337).

([8]( المتشددون: منهجهم، ومناقشة أهم قضاياهم، للدكتور علي جمعة (ص 37).

([9]) الأشباه والنظائر، لابن نجيم، (ص92)، ط. دار الكتب العلمية.

([10]) التحبير شرح التحرير، للمرداوي، (1/128)، ط. مكتبة الرشد.

([11]) المغني، لابن قدامة، (2/11)، ط. دار إحياء التراث العربي.

([12]) تحفة المحتاج بحاشية الشرواني، (1/118)، ط. دار إحياء التراث العربي.

([13]) ينظر: رد المحتار (5/481)، ط. دار الفكر، والفواكه الدواني (2/356)، ط. دار الفكر، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (2/510)، ط. دار الفكر، وتحفة المحتاج (10/112)، ط. دار إحياء التراث العربي، وأسنى المطالب بحاشية الرملي (4/286)، ط. دار الكتاب الإسلامي، وفتاوى الرملي (4/378)، والإنصاف (12/50)، ط. دار إحياء التراث العربي.

([14]) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (2/927)، ط. دار ابن الجوزي، والفواكه الدواني، للنفراوي المالكي (2/356).

([15]) ينظر: الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (20/220).

([16]) الموافقات، للشاطبي، (5/102)، ط. دار ابن عفان.

([17]) السابق، (5/103).

([18]) إعلام الموقعين (2/150)، ط. دار ابن الجوزي.

([19]) ينظر: فتح القدير (7/258)، وفيض القدير (1/209)، وجامع بيان العلم (2/ 898)، والتحبير (8/4091- 4093)، وشرح الكوكب المنير (4/578)، وشرح الجلال بحاشية العطار (2/441).

([20]) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، برقم (1760)، (2/925).

([21]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: ما يصلي بعد العصر من الفوائت ونحوها، برقم (590)، (1/121).

([22]) أخرجه أحمد في مسنده، برقم (5866)، (5/272).

([23]) الموافقات (5/104، 105).

([24]) ينظر: المستصفى (ص368)، ط. دار الكتب العلمية، والإحكام للآمدي (4/204)، ط. المكتب الإسلامي، وقواطع الأدلة لابن السمعاني (2/341)، ط. دار الكتب العلمية.

([25]) المستصفى، ص 369.

([26]( صناعة الفتوى وفقه الأقليات، لابن بيَّه (ص 232)، ط. مركز الموطأ، مسار للطباعة والنشر دبي، الإمارات.

([27]( مجموع الفتاوى، لابن تيمية (29/132)، ط. مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية.

([28]( المعيار المعرب، للونشريسي (ص 215)، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للمملكة المغربية.

([29]( صناعة الفتوى وفقه الأقليات، لابن بيه (ص 232).

([30]( القاموس المحيط، للفيروزآبادي (ص 334).

([31]( الفتاوى الشاذَّة وأثرها على المجتمع، دراسة فقهية تطبيقية، للدكتور جمال شعبان حسين علي (ص 922)، أحد أبحاث مؤتمر الفتوى واستشراف المستقبل، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة القصيم.

([32]( رد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين (1/73).

([33]( المجموع شرح المهذب، للنووي (1/47).

([34]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (3/308).

([35]( الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم (8/74).

([36]( الفتاوى الشاذة: مفهومها، أنواعها، أسبابها، آثارها، للدكتور أحمد محمد هليل (ص 26).

([37]( الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمع، دراسة فقهية تطبيقية، للدكتور جمال شعبان حسين علي (ص 924، 925).

([38]( ظاهرة الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمعات الإسلامية، للدكتور محمود عبد العزيز يوسف أبو المعاطي حجاب (ص 10)، بحث ضمن مؤتمر الاجتهاد في الفكر الإسلامي بين الأصالة والمعاصرة، بكلية الدراسات الإسلامية للبنات بالإسكندرية، جامعة الأزهر.

([39]( الموافقات، للشاطبي (5/253 – 255).

([40]( ظاهرة الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمعات الإسلامية، للدكتور محمود عبد العزيز يوسف أبو المعاطي حجاب (ص 10، 11).

([41]( أحكام القرآن، لابن العربي (3/166).

([42]( أخرجه أبو داود في سننه (3/321).

([43]( فتح الباري، لابن حجر (3/584).

([44]( ظاهرة الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمعات الإسلامية، للدكتور محمود عبد العزيز يوسف أبو المعاطي حجاب (ص 12).

([45]( يقصد الشيخ ابن تيمية.

([46]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (4/166،  167).

([47]( ظاهرة الفتاوى الشاذَّة وأثرها على المجتمعات الإسلامية، للدكتور محمود عبد العزيز يوسف أبو المعاطي حجاب (ص 13).

([48]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (2/199).

([49]( ظاهرة الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمعات الإسلامية، للدكتور محمود عبد العزيز يوسف أبو المعاطي حجاب (ص 14).

([50]( الضوابط الشرعية لترشيد الفتوى المعاصرة، لتوفيق الغلبزوري (ص 13).

([51]( الضوابط الشرعية لترشيد الفتوى المعاصرة، لتوفيق الغلبزوري (ص 13). وظاهرة الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمعات الإسلامية، للدكتور محمود عبد العزيز يوسف أبو المعاطي حجاب (ص 14).

([52]( ظاهرة الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمعات الإسلامية، للدكتور محمود عبد العزيز يوسف أبو المعاطي حجاب (ص 14).

([53]( المحلى بالآثار، لابن حزم (4/12).

([54]( الإجماع، لابن المنذر (ص 48).

([55]( الضوابط الشرعية لترشيد الفتوى المعاصرة، لتوفيق الغلبزوري (ص 13).

([56]( الإقناع في مسائل الإجماع، لأبي الحسن ابن القطان (1/215).

([57]( الضوابط الشرعية لترشيد الفتوى المعاصرة، لتوفيق الغلبزوري (ص 13).

([58]( ظاهرة الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمعات الإسلامية، للدكتور محمود عبد العزيز يوسف أبو المعاطي حجاب (ص 15).

([59]( ظاهرة الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمعات الإسلامية، للدكتور محمود عبد العزيز يوسف أبو المعاطي حجاب (ص 15).

([60]( الموافقات، للشاطبي (2/9).

([61]( الضوابط الشرعية لترشيد الفتوى المعاصرة، لتوفيق الغلبزوري (ص 13).

([62]( ظاهرة الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمعات الإسلامية، للدكتور محمود عبد العزيز يوسف أبو المعاطي حجاب (ص 16).

([63]( ظاهرة الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمعات الإسلامية، للدكتور محمود عبد العزيز يوسف أبو المعاطي حجاب (ص 16). والضوابط الشرعية لترشيد الفتوى المعاصرة، لتوفيق الغلبزوري (ص 13).

([64]( البرهان في أصول الفقه، للجويني (2/233).

([65]( البرهان في أصول الفقه، للجويني (2/53).

([66]( إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، لابن دقيق العيد (ص 289).

([67]( أدب المفتي والمستفتي، لابن الصلاح (ص 100).

([68]( أدب المفتي والمستفتي، لابن الصلاح (ص 137).

([69]( آداب الفتوى والمفتي والمستفتي، للنووي (ص 63).

([70]( ظاهرة الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمعات الإسلامية، للدكتور محمود عبد العزيز يوسف أبو المعاطي حجاب (ص 17).

([71]( الموافقات، للشاطبي (5/233).

([72]( أخرجه البخاري (1/37).

([73]( فتح الباري، لابن حجر (1/225).

([74]( ظاهرة الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمعات الإسلامية، للدكتور محمود عبد العزيز يوسف أبو المعاطي حجاب (ص 17).

([75]( الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، للقرافي (ص 218،  219).

([76]( الفروق، للقرافي (1/191).

([77]( أخرجه البخاري (1/19).

([78]( الفتاوى الشاذة: مفهومها، أنواعها، أسبابها، آثارها، للدكتور أحمد محمد هليل (ص 30).

([79]( أخرجه الترمذي في جامعه (4/367).

([80]( أخرجه مسلم (1/48).

([81]( ينظر: شرح صحيح مسلم، للنووي (1/189).

([82]( الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي (2/350)، مرجع سابق.

([83]( المنثور في القواعد الفقهية، للزركشي (3/205)، ط. وزارة الأوقاف الكويتية، والأشباه والنظائر، للسيوطي (ص 152)، والأشباه والنظائر، لابن نجيم (ص 132).

([84]( الكافي في فقه أهل المدينة، لابن عبد البر (2/952)، ط. مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية، سنة ١٤٠٠هـ – ١٩٨٠م.

([85]( الكافي في فقه أهل المدينة، لابن عبد البر (2/955)، مرجع سابق.

([86]( الفتاوى الشاذة: مفهومها، أنواعها، أسبابها، آثارها، للدكتور أحمد محمد هليل (ص 30).

([87]( جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (2/1127).

([88]( المجموع شرح المهذب، للنووي (1/48)، مرجع سابق.

([89]( مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، للحطاب (1/32)، ط. دار الفكر، الطبعة الثالثة، سنة ١٤١٢هـ – ١٩٩٢م.

([90]( الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي (2/349)، مرجع سابق.

([91]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (4/170)، مرجع سابق.

([92]( رد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين (3/569)، ط. مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثانية، سنة ١٣٨٦هـ – ١٩٦٦م.

([93]( رد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين (3/801)، مرجع سابق.

([94]( رد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين (6/37)، مرجع سابق.

([95]( المجموع شرح المهذب، للنووي (1/47 – 50)، مرجع سابق.

([96]( رد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين (3/801)، مرجع سابق.

([97]( الفتاوى الشاذة: مفهومها، أنواعها، أسبابها، آثارها، للدكتور أحمد محمد هليل (ص 33).

([98]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (1/69).

([99]( الفتاوى الشاذة: مفهومها، أنواعها، أسبابها، آثارها، للدكتور أحمد محمد هليل (ص 33 – 34).

([100]( فتاوى الإمام الشاطبي، (ص 76)، ط. مطبعة الكواكب، تونس.

([101]( الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمع، دراسة فقهية تطبيقية، للدكتور جمال شعبان حسين علي (ص 933).

([102]( مباحث في أحكام الفتوى، للدكتور عامر سعيد (ص 153)، طبعة دار ابن حزم.

([103]( الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمع، دراسة فقهية تطبيقية، للدكتور جمال شعبان حسين علي (ص 933).

([104]( سير أعلام النبلاء، للذهبي (8/90). ط. مؤسسة الرسالة.

([105]( الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمع، دراسة فقهية تطبيقية، للدكتور جمال شعبان حسين علي (ص 934، 935).

([106]( سير أعلام النبلاء، للذهبي (6/198).

([107]( الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمع، دراسة فقهية تطبيقية، للدكتور جمال شعبان حسين علي (ص 935).

([108]( الموافقات، للشاطبي (5/187،  188).

([109]( الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمع، دراسة فقهية تطبيقية، للدكتور جمال شعبان حسين علي (ص 935، 936).

([110]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (3/126).

([111]( الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمع، دراسة فقهية تطبيقية، للدكتور جمال شعبان حسين علي (ص 937).

([112]( الفتاوى الشاذة: مفهومها، أنواعها، أسبابها، آثارها، للدكتور أحمد محمد هليل (ص 26).

([113]( الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمع، دراسة فقهية تطبيقية، للدكتور جمال شعبان حسين علي (ص 924، 925).

([114]( الموافقات، للشاطبي (5/136).

([115]( الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمع، دراسة فقهية تطبيقية، للدكتور جمال شعبان حسين علي (ص 943).

([116]( تاريخ الإسلام، للذهبي (13/116)، ط. دار الكتاب العربي، بيروت.

([117]( الفتاوى الشاذة وأثرها على المجتمع، دراسة فقهية تطبيقية، للدكتور جمال شعبان حسين علي (ص 944).

([118]( أخرجه البخاري (1/16).

([119]( الموافقات، للشاطبي (5/276، 277).

([120]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 17)، ط. المركز العالمي للوسطية – الكويت.

([121]( الموافقات، للشاطبي (2/286).

([122]( المجموع شرح المهذب، للنووي (1/46).

([123]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 18).

([124]( جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (1/784).

([125]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 17).

([126]( أدب المفتي والمستفتي، لابن الصلاح (ص 86).

([127]( مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، للحطاب (6/96).

([128]( أصول الفتوى والقضاء، للدكتور محمد رياض (ص 287).

([129]( صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، لابن حمدان (ص 14)، مرجع سابق.

([130]( آداب الفتوى والمفتي والمستفتي، للنووي (ص21)، مرجع سابق.

([131]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 18).

([132]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 18).

([133]( ترتيب المدارك وتقريب المسالك، للقاضي عياض (1/179).

([134]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 19)، وأصول الفتوى والقضاء، للدكتور محمد رياض (ص 219).

([135]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 20).

([136]( جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (2/848).

([137]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 20).

([138]( قول العلامة الخطيب البغدادي.

([139]( الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي (2/333).

([140]( المفتي في الشريعة الإسلامية وتطبيقاته في هذا العصر، للدكتور عبد العزيز الربيعة، (ص 25).

([141]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 21).

([142]( أخرجه ابن ماجه في سننه (1/189).

([143]( جامع البيان في تأويل القرآن، للطبري (16/191)، ط. مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، سنة 1420هـ – 2000م.

([144]( أحكام القرآن، للجصاص (5/263)، ط. دار إحياء التراث العربي – بيروت، سنة 1405هـ.

([145]( المجموع شرح المهذب، للنووي (20/138)، مرجع سابق.

([146]( أدب المفتي والمستفتي، لابن الصلاح (ص 138)، مرجع سابق. وصفة الفتوى والمفتي والمستفتي، لابن حمدان (ص 58)، مرجع سابق.

([147]( المبسوط، للسرخسي (16/71)، ط. دار المعرفة – بيروت، سنة ١٤١٤هـ – ١٩٩٣م.

([148]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 21).

([149]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 21).

([150]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (4/123، 124)، مرجع سابق.

([151]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 21).

([152]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (4/200)، مرجع سابق.

([153]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 21).

([154]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (4/121، 122).

([155]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 24).

([156]( المستصفى، للغزالي (ص 174).

([157]( شرح تنقيح الفصول، للقرافي (ص 446).

([158]( الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (4/28).

([159]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 24).

([160]( ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، للبوطي (ص 115 – 272)، ط. مؤسسة الرسالة.

([161]( رفع الحرج في الشريعة الإسلامية ضوابطه وتطبيقاته، للدكتور صالح بن عبد الله بن حميد، (ص 47)، ط. مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى.

([162]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 25).

([163]( أخرجه البخاري (1/16).

([164]( رفع الحرج في الشريعة الإسلامية دراسة أصولية تأصيلية، للدكتور يعقوب عبد الوهاب الباحسين، (ص 42)، ط. مكتبة الرشد – الرياض.

([165]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 25).

([166]( الموافقات، للشاطبي (5/177).

([167]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 27).

([168]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 27).

([169]( المستصفى، للغزالي (2/239).

([170]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 27).

([171]( إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (3/11).

([172]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 27).

([173]( شرح القواعد الفقهية، للزرقا (ص 227)، ط. دار القلم، دمشق – سوريا.

([174]( تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، لفخر الدين الزيلعي (4/210)، ط. المطبعة الكبرى الأميرية – القاهرة.

([175]( التيسير في الفتيا معالم وضوابط، للدكتور مسفر بن علي القحطاني، بحث مقدم لمؤتمر منهجية الإفتاء في عالم مفتوح، (ص 29).

([176]) شرح الكوكب المنير، لابن النجار (4/448)، ط. مكتبة العبيكان.

([177]) التعريفات، للجرجاني (ص 149). ودرر الحكام في شرح مجلة الأحكام، (1/44)، ط. دار الجيل.

([178]) التعريفات، للجرجاني، (ص 149).

([179]) درر الحكام في شرح مجلة الأحكام (1/ 44)، ط. دار الجيل.

([180]) الأشباه والنظائر، للسبكي (1/12)، والأشباه والنظائر، للسيوطي (1/89)، والأشباه والنظائر، لابن نجيم (ص 79).

([181]) الأشباه والنظائر، لابن نجيم (1/84). وشرح القواعد الفقهية، للزرقا (ص237).

([182]) الأشباه والنظائر، لابن نجيم (1/81). وشرح القواعد الفقهية، للزرقا (ص233).

([183]) المنثور في القواعد، للزركشي (2/391). والأشباه والنظائر، للسيوطي (1/98).

([184]) مواهب الجليل، للحطاب (1/117).

([185]) الفروق، للقرافي (1/176، 177)، ط. عالم الكتاب.

اترك تعليقاً