البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

المبحث الثالث

81 views

آثار الفتوى المنضبطة في تحقيق دور التنمية المستدامة

إنَّ الصراع من أجل البقاء، والسعي إلى حياة أفضل، هما ميل رافق الإنسان منذ وجد على هذه الأرض: ينشئ علاقة، ويبني أسرة، ويُكوِّن مجتمعًا، وينشد استقرارًا.

فالثورات الزراعية والصناعية والتكنولوجية التي رافقت تطور الإنسان مذ كان يعيش على جمع الجذور، ويأوي إلى الكهوف، إلى أن وصل إلى ارتياد الفضاء والاشتغال بعلوم الإلكترونيات، ما هي إلا وَثَباتٌ هادفةٌ للسيطرة على العالم، وتسخير الطبيعة لخدمة أغراضه وتطلعاته، وتحسين الظروف المحيطة به([1]).

ومن المقرَّر لدى كل عاقلٍ أنَّ التنمية هي غايةُ المجتمعات الحديثة من أجل تحقيق الاكتفاء لشعوبها، وسعيًا إلى مستوى حياتي يُتيح العيش بكرامة لكل فرد من أفراد المجتمع، دون اللجوء إلى ذُل الحاجة والطلب من ناحية، أو الهجرة الاختيارية أو الإجبارية من ناحية أخرى.

ولقد قرَّر علماء الشريعة أنها جاءت بالمحافظة على الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل. يقول الإمام الشاطبي: “فقد اتفقت الأمة -بل سائر الملل- ‌على ‌أن ‌الشريعة وُضعت ‌للمحافظة ‌على الضروريات الخمس وهي: الدين، والنفس والنسل، والمال، والعقل، وعِلْمها عند الأمة كالضروري، ولم يثبت لنا ذلك بدليل معين، ولا شهد لنا أصل معين يمتاز برجوعها إليه، بل عُلِمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد”([2]).

والإسلام كنظام حياة هو مِن وَضْع الخالق سبحانه وتعالى، لا يُقابله ولا يدانيه أيُّ نظام وضعي؛ لأنه أكملُها وأشملُها وأفضلُها، طُبق خلال فترة من التاريخ -وما يزال يطبق- فكان تجربةً فريدة من حيث أبعادها ونتائجها؛ إذ أثبت التطبيق أنه نظام عالمي المحتوى والفكر، عالمي النظرة والتوجه، كفء الأداء والإنجاز([3]).

لهذا جاءت الشريعة الغراء لتحافظ على مكملات الحياة، وهو ما يعرف لدى العلماء بـ”المقاصد الحاجية”، و”المقاصد التحسينية”، وهذه المحافظة لا تتحقق للأفراد بمعزل عن المجتمع، وإنما تتحقق من خلال استغلال موارد الوطن، وتنميتها، وهو ما يتقابل مع مفاهيم التنمية الحديثة المعروفة باسم “التنمية المستدامة”([4]).

ونريد أن ننوه في هذا المقام إلى أنَّه بعد أن أصبحت التنمية بأشكالها وتطبيقاتها المتنوعة الشغل الشاغل للعالم حتى الأمس القريب، فإن هذا العالم أدرك -بعد أن تفاقمت مشاكله- أنه ماضٍ في طريق يحتاج إلى تصحيحٍ، وأن نموذج التنمية الحالي فيه تعدٍّ على حقوق الأجيال القادمة، لا سيما بعد أن ظهرت أزمات بيئية خطيرة؛ مثل: التغيرات المناخية، والتصحر، وقلة المياه العذبة، ونقص مساحات الغابات، وتلوث الماء والهواء، والفيضانات المدمرة الناتجة عن ارتفاع منسوب مياه البحار والأنهار، واستنفاد الموارد غير المتجددة، لا سيما بعد أن مارس الإنسان ضغوطًا كبيرةً على البيئة أدت إلى ظهور مشكلات بيئية تختلف حجمًا وخطورةً حسب درجات النمو والتطور التي وصلت إليها الأمم، مما دفع إلى الدعوة إلى نموذج تنموي بديل مستدام يعمل على تحقيق الانسجام بين تحقيق الأهداف التنموية من جهة، وحماية البيئة واستدامتها من جهة أخرى، فالتنمية المستدامة ما هي إلا نموذج تنموي بديل عن نموذج التنمية السابق الذي كان يهدف إلى زيادة رفاهية الإنسان بالدرجة الأولى من وجهة نظر رأسمالية([5]).

ولا ريب أن الاهتمام بالتنمية المستدامة جاء نتيجةً طبيعيةً لتنامي المشكلات والتحديات التي تواجهها البشرية، وهذه المشكلات البيئية لها ثمن، وكلما زادت حدة هذه المشكلات كان الثمن باهظًا، وله انعكاسات سلبية على التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلدان المتضررة. ولعل أكثر البلدان تضررًا من المشكلات البيئية الدول النامية التي ليست لها القدرات والإمكانيات الكافية لا على صعيد الوقاية ولا على صعيد العلاج.

لذلك نستطيع أن نقول: إن التنمية المستدامة تُعدُّ من المفاهيم الحديثة التي شغلت حيزًا كبيرًا من اهتمامات الدول والمنظمات العالمية والإقليمية، وهذا ما يجعلنا نتعرف على مفهوم التنمية المستدامة لكن بشكل مختصر ومجمل حتى لا نخل بموضوع بحثنا.

 مفهوم التنمية المستدامة:

يُستخدم المفهوم الحديث للتنمية ليشير إلى عمليات التغير الإيجابي في المجتمع، ويستند إلى خططٍ وبرامجَ علمية معدَّة ومدروسة للوصول إلى الأهداف المرجوَّة، وطبيعة عملية التنمية تؤكد الجانب الاقتصادي؛ أي: تحسين الظروف المادية والاقتصادية من أجل رفع مستوى معيشة الفرد وحياته الاجتماعية، فعلى التنمية أن تجعل الناس محور اهتماماتها… وأن الغرض منها ليس الدخل وحده أو الجانب الاقتصادي فقط([6]).

ونفهم من ذلك أن التنمية المستدامة هي الأسلوب العلمي لتحقيق التقدم في المجالات المختلفة، وهي عملية إنسانية واعية ومقصودة تعبر عن رقي العقل البشري، وتستعمل أساليب مختلفة بهدف تحقيق توازن الإنسان، وإشباع حاجاته المادية والمعنوية، متغلبة أحيانًا على ندرة الموارد الطبيعية وإن وُجدت الأخيرة.

فالتنمية المستدامة تهدف إلى تعظيم وتنظيم فائدتها ومثالية استغلالها، ضامنة بذلك حقوق الأجيال القادمة، والمحافظة على البيئة والعدالة في توزيع العائدات، فضلًا عن المشاركة الجماهيرية في صنع القرارات والخطط التنموية، في مناخٍ تسوده الحرية والديمقراطية، فمن الخطأ حصر التنمية وتضييق مفهومها لتشمل الجوانب الاقتصادية فقط بمعزل عن الجوانب الأخرى، فالتنمية عملية شاملة ومتكاملة لكل نواحي الحياة.

ويمكننا مما سبق أن نقول: إن مفهوم التنمية المستدامة عبارة عن: فلسفة برؤية جديدة للبحث عن بناءات اجتماعية، ونشاطات اقتصادية، وأنماط إنتاجية واستهلاكية، وتقنيات تعمل على استدامة البيئة، وتمكين الجيل الحالي وتحسين حياته، مع ضمان حياة ملائمة للأجيال القادمة، ولتحقيق ذلك لا بد من إعادة صياغة النشاطات الحالية أو ابتكار أخرى جديدة، ثم العمل على دمجها في البيئة القائمة لخلق تنمية مستدامة، على أن تكون مقبولة ثقافيًّا، وممكنة اقتصاديًّا، وملائمة بيئيًّا، وقابلة للتطبيق سياسيًّا، وعادلة اجتماعيًّا، ومن ثَم فإنه من الملائم البدء مباشرةً في تبني عدد من الممارسات الداعمة لاستدامة التنمية([7]).

أهمية الفتوى المنضبطة لتحقيق التنمية المستدامة:

من أهم النشاطات والمجالات التي تساعد على تحقيق التنمية المستدامة في مجتمعاتنا: مجال الفتوى وتبيين الأحكام الشرعية للناس، فالإسلام قد اهتم ببناء الإنسان قبل البنيان، وأرشده إلى أن العمارة المادية المتمثلة في بنيان الصخور والأحجار وحدها لا تُسمَّى حضارة ولا عمارة ما لم تُتوَّج بالبنيان والعمران الأخلاقي والروحي الذي يتسم به هذا الإنسان الباني، قال تعالى: {أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ} [التوبة: 19]، وقال تعالى أيضًا في شأن من يهتم بالبنيان ولا يهتم بعمارة الإنسان: {أَوَ لَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} [الروم: 9].

لقد انطلق المسلمون من هذه القواعد القرآنية السامية، فشيدوا بنيان الروح الإنسانية على قاعدة راسخة من الإيمان والمحبة والصلة المتينة القوية بالله تبارك وتعالى، ثم انطلق الإنسان المسلم يغرس في الأرض ويزرعها، ويبني فيها المساجد الشامخة والمنارات العالية التي ترفع قامتها إلى السماء رامزةً لتوحيد الله عز وجل، وحتى في أشد الحالات التي يستبد فيها الغضب والطيش بالإنسان، ألا وهي حالة الحرب والاقتتال، كان للمسلمين منهجٌ ورونقٌ جديدٌ لم تعرف له البشريةُ مثيلًا من قبل؛ لأن المسلم لا يعرف معنى كلمة الحرب بما تحمله من دلالات توحي بالدمار والخراب الذي يعم ويشمل كل شيء، لكن المسلم يعرف الجهاد في سبيل الله تعالى بما فيه من معاني المجاهدة وضبط النفس وجعل الوسيلة على قدر الغاية لا تتجاوزها من حالة الدفاع إلى حالة الانتقام والتشفي، فالجهاد في الإسلام يؤول إلى السلم والسلام، لا إلى الخراب والدمار.

وخير ما يُستدل به على ذلك ما روي عن الخليفة الراشد والصحابي الجليل أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما بعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام، فمشى معه يشيعه، قال يزيد بن أبي سفيان: إني أكره أن تكون ماشيًا وأنا راكب. قال: فقال: إنك خرجت غازيًا في سبيل الله، وإني أحتسب في مشيي هذا معك. ثم أوصاه، فقال: لا تقتلوا صبيًّا، ولا امرأة، ولا شيخًا كبيرًا، ولا مريضًا، ولا راهبًا، ولا تقطعوا مثمرًا، ولا تخربوا عامرًا، ولا تذبحوا بعيرًا ولا بقرة إلا لمأكل، ولا تغرقوا نخلًا، ولا تحرقوه([8]).

ومن المعلوم لدى كل عاقل وصاحبِ فهْمٍ أنَّ منصب الإفتاء عظيم، بل إن الفتوى في دين الله من أعظم الأمور التي يجب العناية بها، ومقامها مقام عظيم، وأثرها في الناس أثر خطير([9])، فالفتوى لها أثرٌ كبيرٌ في إرشاد الناس على الطريق الصواب، فهي تشتبك مع أهداف التنمية المستدامة في كثير من المجالات التي تحفظ على الناس حياتهم واستقرارهم، فعموم الناس دائمًا ما يحتاجون إلى الفتوى في كافة مجالات الدين والدنيا، فالفتوى داخلة في باب العقائد، والأحكام، والآداب، والمعاملات، والأنكحة، والجزاءات، والقضاء، ونحو ذلك، لذا لا بد أن تكون الفتوى على وفق المنهج الصحيح المنضبط حتى يكون لها الأثر الإيجابي في محافظة المجتمع الإسلامي على هويته، ولا زال العلماء الربانيون الملتزمون بالنهج القويم يسددون مسيرة الأمة، ويصححون ما عسى أن يقع فيها من انحرافات تبعًا لمنهج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدين وسائر صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم([10]).

وبناءً على ما سبق: يتبين لنا أنه لا بد من توفُّر الكتابات واستنهاض الهمم المؤهَّلة والقادرة على إبراز آثار الفتوى المنضبطة في تحقيق دور التنمية المستدامة، والتي يمكن محاولة تعدادها من عدة وجوه كثيرة ومتنوعة كما يلي:

أولًا: الحفاظ على النظام الاجتماعي:

من الأمور التي لا يختلف على أهميتها عاقل هو الحفاظ على النظام الاجتماعي متمثلًا في سلامة الأسرة، ومحاربة كل ما يهدد كيانها، وقد اعتنَى الإسلام أعظمَ العناية بتقوية الأسرة، وشرع لها نظامًا دقيقًا يُبيِّن فيه حقوقَ وواجبات أفرادها، فعلى سبيل المثال شرع الإسلام عدة أحكام تتعلق بعقد الزواج، والنفقة، والميراث، وتربية الأولاد، وأوجب الشرع الشريف أن تكون المحبة والإيثار والرحمة والسكينة هي العلاقة بين أفراد الأسرة؛ لأن في تقوية الأسرة وضبط سلوك أطرافها تقويةً للمجتمع، وضبطًا لحركته، ونشرًا للقيم الإنسانية والاجتماعية الرفيعة بين أبنائه، حتى يبتعد عن الفوضى والتصادم والتحلل الخُلُقي.

ومعلوم أن الفتوى لها دَور كبير وأثرٌ عظيم في تحقيق هذا النوع من التنمية المستدامة -الحفاظ على النظام الاجتماعي- فدائمًا ما يحتاج الناس إلى الفتوى في توضيح وبيان المقدمات السليمة للزواج من أحكام الخِطبة والمهر، وكذلك أيضًا يحتاج إلى الفتوى في تحديد الحقوق والواجبات الزوجية، حتى تكون الحياةُ الزوجية مبنيةً على أسس أخلاقية سليمة.

بل يتعدى أمر الفتوى إلى ما هو أبعدُ من ذلك، وهو الحفاظ على الأسرة من الضياع والانهيار في حالة استحالة العشرة بين الزوجين لأي سبب من الأسباب، فتتدخل الفتوى لتوضح أحكام الطلاق، وذلك من حيث العدة والنفقة وحضانة الأولاد الصغار، وغير ذلك من الأمور المتعلقة بهذه المسألة، فالفتوى المنضبطة هي التي يتحقق بها استدامة السلامة والتنمية لأفراد الأسرة.

ومما يجدر التنويه إليه في هذا المقام أن الفتوى المنضبطة لها أثرٌ مهمٌّ في توضيح دور المرأة في المجتمع، فالإسلام جاء رفعًا لشأن المرأة، معترفًا بإنسانيتها واستقلال شخصيتها، وعَدَّها أهلًا للتديُّن والعبادة، وأقرَّ حق المبايعة لها كالرجل، ودعوتها إلى المشاركة في النشاط الاجتماعي، وقد سمح لها بالأعمال التي تتفق مع طبيعتها، وشرع لها نصيبها في الميراث، وأشركها في إدارة شؤون الأسرة وتربية الأولاد، وأوجب معاملتها بالمعروف واحترام آدميتها، كما أنه ساوى بينها وبين الرجال في الولاية على المال والعقود، وأقرَّ لها شخصيتَها القضائية المستقلة، وغير ذلك من الحقوق([11]).

فإذا كان وضع المرأة اليومَ في كثير من جوانب حياتها في بعض المجتمعات يعيق عملية التقدم والتنمية المستدامة، فإن ذلك ناتجٌ عن عدة أمور، من أهمها وجود الخطاب الديني والإفتائي المتطرف الذي يدعو إلى تكريس بعض العادات القديمة والتقاليد الاجتماعية الفاسدة التي تتحكم في علاقات الناس العامة والخاصة، فتحكم على المرأة المسلمة بالمكوث وعدم التحرك في عملية التنمية، وهنا يبرز أهمية وجود خطاب إفتائي معتدل ومنضبط لتعديل مسار المرأة، وتفعيل دورها في المجتمع، مما يحقق التنمية المستدامة.

ثانيًا: الحفاظ على النظام الأخلاقي:

من المعلوم أن الله عز وجل خلق الإنسان وركبه من جسد وروح، يقول تعالى: {وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ٢٨ فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ} [الحجر: 28، 29].

فأحوالُ الإنسان العقلية والنفسية والاجتماعية توضح وتبيِّن أنه له جانب تكويني مادي غريزي يشدُّه إلى عالم الحيوان، وجانب معنوي روحي يُذكِّره بخالقه، وبعنصر الخير والمعاني الفطرية السامية فيه، وهذان الجانبان في صراع دائم، الواحد فيهما يبغي الغلبة على الآخر، فإما أن يتغلب الجانب المادي فتسيطر على الإنسان الغرائز، وتقربه من عالم الحيوان، وإما أن يتغلب الجانب الروحي المعنوي فيبعده عن الحياة، ويسلمه إلى عالم الرهبنة، ومحاولة قتل الغرائز المركوزة في طبعه، ولا شكَّ أنَّ غلبة أي من الجانبين إخراجٌ للإنسان من فطرته، وإدخال للاضطراب في حياته.

وفي سبيل مُحافظة الإنسان على إنسانيته دون إفراط أو تفريط يحتاج إلى نظام أخلاقي متزن يستطيع أن يدخل الاتِّزان عليه، ويبقيه في دائرة فطرته السليمة، ويقطع عليه طريق الميل إلى أحد الجانبين: الحيواني أو الرُّوحاني كي يستطيع أداء حق الخلافة على الأرض، وينفذ هذه الأمانة الضخمة التي كُلِّف بها؛ يقول تعالى: {إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا} [الأحزاب: 72].

ولأجل تحقيق هذا النظام الأخلاقي المتزن، كان لا بد وأن يتوفر خطاب ديني وإفتائي منضبط يوجه الناسَ إلى التمسُّك بتعاليم الدين الحنيف والخُلُق القويم الذي يرفع الإنسان إلى مستوى فطرته الإنسانية النظيفة المعتدلة، فلا يغترُّ بتلك الفتوى المتطرفة التي تدعو إلى التشديد على النفس وتحريم ما أحله الله تعالى من الطيبات، فيتجاهل الإنسان بسبب تلك الفتوى المتطرفة طبيعتَه وغرائزه التي أودعها الله تعالى فيه، فتلك الفتاوى المضللة التي تصدر من جماعات التطرف الإرهاب لا يراد بها إلا قتل تلك الغرائز المودعة في الإنسان من قِبَل خالقه، مما يعود على تعطيل عملية التنمية المستدامة.

لأجل ذلك نقول: إنه من الضروري لتحقيق التنمية المستدامة أن يوجد خطاب إفتائي معتدل وقوي، تُفتح له جميع الأبواب والمنصات الإعلامية وغيرها، وذلك ليَنشُر بين الناس الفتاوى المنضبطة لتقوم تلك الفتاوى بدَورها في توجيه وتهذيب الجوانب المادية والروحية في الإنسان، فيكون المسلم على بصيرةٍ من أمره في كل ما يصدر عنه من أفعال ومعاملات، فيؤدي دورَه في الحياة بشكل فعَّال، وتستمر عجلة التنمية، ويصبح المجتمع الإنساني مجتمعًا متوازنًا لا يميل إلى التطرُّف في جانب من جوانب الحياة.

ويجب التنبيه في هذا المقام إلى أنَّ انعدام هذا الخطاب الإفتائي الذي يُنظم الجانب الأخلاقي سيؤدي إلى ظهور الخطاب المضلل المنحرف الذي سيقود المجتمع إلى الظلم، فتتصادم المجتمعات، ويأكل القويُّ الضعيفَ، ولا تتحقق العدالة، وتختلُّ الموازين، ولا توضَع الأشياء في مواقعها الصحيحة، فينهار نظام المجتمع من منطلق سُنة الهلاك، قال تعالى: {وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا} [الإسراء: 16]، وقال تعالى: {وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا} [الكهف: 59].

ولنا أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر سلوكًا قد انتشر في بعض المجتمعات، وهو أنه لا تُقضَى مصالح الناس من قِبَل المكلفين بذلك إلا من خلال “الرشوة” التي تُقدَّم لهم، مع غياب الخطاب الإفتائي القوي الذي يُحذِّر من تلك الجريمة المحرمة شرعًا وقانونًا، فاعتاد الناس على ارتكاب هذا النوع من الظلم المحرم والمجرم قانونًا، وهنا لا بد من تدخُّل الخطاب الإفتائي المنضبط الذي يُبين للناس أن تلك الجريمة تقف حَجَرَ عثرةٍ في سبيل تقدُّم المجتمع، وتؤثر بالسلب على عملية التنمية المستدامة، فالمجتمع الذي تنتشر فيه الرِّشوة تنهار أسس العدالة فيه، فيظلم المرتشي نفسه وغيره ونظام مجتمعه.

أما نفسه فتذلُّ وتفقد الكرامة والإحساس بقيم العدالة، وأما غيره فيلحق به الضرر، ويحول حقه إلى الآخرين، وأمَّا نظام المجتمع، فبتصرُّفه ذلك ينتشر عدم الثقة بالنظام الرابط لوحدة المجتمع.

فالفتوى المنضبطة تضمن تحقق التنمية المستدامة للفرد والمجتمع؛ وذلك لأنها تعمل على ترسيخ النظام الأخلاقي النابع من الشرع الحنيف، والذي يتسم بعدَّة مميزات أهمها:

  1. أنَّه نظام أخلاقي شامل شُمول الحياة، ونعني بذلك أن دائرة الأخلاق النابعة من الشرع الحنيف واسعة جدًّا، فهي تشمل أفعال الإنسان الخاصة جميعًا، أو المتعلقة بغيره، سواء أكان هذا الغير فردًا أو جماعة أو دولة، فعلاقات الدول مع بعضها تدخل في هذا الإطار، ومن المعلوم أن الحياة كلها مظاهر لذلك التعامل الشامل([12]).
  2. أن الأخلاق ليست نسبية في الإسلام، وإنما هي تنبع من حقائقَ خالدةٍ تستند إلى الوحي الإلهي، وهذه النظرة قائمةٌ أساسًا على نظرة الإسلام التعادلية إلى الوجود، فمذهبية الإسلام في الوجود كله تقوم على أساس الترابط والتوازن، ولا تقوم على مبدأ النقيض الذي يفترض عدم وجود الحقائق الثابتة، ويَنبنِي على ذلك مبدأ نسبية الأخلاق في الحياة البشرية([13])، فقوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗاۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ}[الملك: 3] دليل على ما نقول، ونزيد على ذلك أن علم الفيزياء الحديث يثبت عدم وجود التناقض في تركيب الذَّرَّة، ومن ثَم في بنية الوجود([14]).

فالفتوى المنضبطة هي التي توصل الإنسان إلى حالة الاستقامة في السلوك، وهو التوازن الكامل بين طرفي التكوين الإنساني، كي لا ينجرفَ الإنسان وراء غرائزه، فيكون عبدًا لها، فتوجهه إلى الدرك الأسفل من الحياة الهابطة الحيوانية التي تخرجه من الفطرة السليمة، وقد امتدح الله تعالى هذه الاستقامة، وجعلها درجة عالية في السلوك الإنساني يستحق عليها صاحبها الدرجة الأوفى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ٣٠ نَحۡنُ أَوۡلِيَآؤُكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَشۡتَهِيٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت: 30، 31]، ولن تتحقق الاستقامة المطلوبة هذه إلا بالإيمان الصادق بالله تعالى، وإطاعته والاستسلام المطلق إلى أوامره، والانتهاء عن نواهيه.

وهذا لن يتم في صورته الصحيحة إلا بالخطاب الإفتائي المنضبط الذي يرشد الإنسان إلى الطريق المستقيم، فيوجِّهه إلى ما فيه رضا الرحمن، ويحذره مما يُغضِب به ربه، وما فيه ضرر لنفسه أو ضرر لغيره.

وفي ختام هذا المقام لا نبالغ إن قلنا: إن التنمية المستدامة لا تتحقق إلا من خلال خطاب إفتائي منضبط يُبرِز للعامة القانون الأخلاقي الذي يحدد قيم السلوك، والحياة في الإسلام، وهذا يتطلَّب القضاء على تلك الأقوال والفتاوى المضللة، والعمل على نشر الفتاوى المنضبطة التي تشارك في قيام حضارة إنسانية مبنية تسهم في تقدم وتطور الحياة والعمران.

الحفاظ على الأمن والسلام العالمي:

من المعلوم أنَّ الله تعالى أرسل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم رحمةً لجميع الخلق، يقول تعالى: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} [الأنبياء: 107]، فدين الإسلام يحمل الخير والسلام والأمن للناس جميعًا، وأصول هذا الشرع الشريف بعيدة كلَّ البُعد عما يؤجج الطائفية والعنصرية، فتعاليم الدين الإسلامي تدعو لاحترام الإنسان لذاته لا لجنسه أو لغته أو عقيدته، فالناس جميعًا أمة واحدة، متساوون في الحقوق والواجبات، وواجب القوي نحو الضعيف المعاونة والمساعدة لا التحكم والإذلال، ومن ثَمَّ كانت تعاليم هذا الدين أصولًا تحقق السلام والأمن العالمي بين البشر جميعًا تحقيقًا عادلًا لا يعرف المحاباة وعدم الإنصاف.

وقد استأصل الإسلام جذور الأحقاد والعداوات البشرية، فقضى على العصبية وتناحُر الطبقات، وأحلَّ محلَّها روح المحبة والإنسانية والتعاون والتسامح، ودعا إلى إقامة سلام عالمي تشيع فيه روح الألفة والعدالة والأمن والتعارف بين الناس جميعًا، يقول تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ} [الحجرات: 13].

ولتحقق التنمية المستدامة لا بد من توفر السلام والأمن في المجتمع، بل في العالم كله، وهو ما يدعو إليه الشرع الشريف؛ حيث يقول سبحانه: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} [الأنفال: 61]، ويقول تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ} [البقرة: 208]، ويقول تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا} [النساء: 94].

فقد جاءت شريعة الإسلام داعيةً إلى السلام والأمن وعدم نشر الحرب والدماء، فقد جعلت السلامَ أصلَ المعاملة بين المسلمين وغيرهم، وجعلت الحرب صدًّا للعدوان، وحفظًا للأديان والأبدان والأنساب والأموال، يقول سبحانه: {لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ٨ إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ} [الممتحنة: 8-9]، فجعل الله تعالى أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم السلام، ونهى المسلمين عن حرب غيرهم إلا أن يعتدوا.

أما ما يُروِّج له جماعاتُ الإرهاب والتطرُّف والإرجاف من فتوى تحضُّ على إثارة الفتن والاضطرابات والقلاقل باستحلال الدماء والأموال بين أبناء المجتمع الواحد تحت دعاوى مختلفة منها: التكفير للحاكم أو للدولة أو لطوائفَ معينة من الناس، ومنها استحلال دماء المسلمين تحت دعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو استحلال دماء غير المسلمين في بلادهم أو أولئك الذين دخلوا البلاد الإسلامية بدعوى أن دولهم تحارب الإسلام… إلى آخر ذلك من دعاوى الإرجاف التي يسولها الشيطان للمرجفين، والتي كان بعضها سببًا لظهور الخوارج في زمن الصحابة ومن جاء بعدهم، تلك الشُّبَه التي يُبررون بها إفسادهم في الأرض وسفكهم للدماء المحرَّمة، فما تفعله هذه التيارات في بلاد المسلمين من قتل للسائحين، أو في بلاد غير المسلمين من عمليات انتحارية، أو غير ذلك من أفعال التخريب التي أفرزتها مناهج وفتاوى جماعات الإرهاب الضالة، فهذا كله حرام، وهو نوعٌ من البغي الذي جاء الشرع بصده ودفعه، بل وقتال أصحابه إن لم يرتدعوا عن إيذائهم للمسلمين ولغير المسلمين مواطنين ومستأمنين.

فالتنميةُ المستدامة تحتاج في ظل هذا الركام من الفتاوى المضللة إلى خطاب ديني وإفتائي منضبط يعمل على إزالة هذا الكَمِّ الكبير من الغبار الذي أنتجته تلك الجماعات الإرهابية عبر فتاويها المضللة، مما أثَّر سلبًا على تخلُّف بعض المجتمعات، وعطَّل الكثير من وسائل التقدُّم والتنمية المستدامة، وذلك بسبب انعدام السلام والأمن في تلك المجتمعات التي استسلمت لتلك الدعاوى الهدامة والفتاوى المضللة.

فالفتوى المنضبطة هي التي توضح للناس أنَّ الحرب ما شُرعت في الإسلام إلا حمايةً للمجتمع المسلم، ودرءًا لاعتداء المعتدين فقط، ولهذا جعل الله تعالى للحرب حدًّا واضحًا هو أن لا يزيد عن صدِّ الاعتداء دون زيادة، وأن يتقوا الله تعالى بالالتزام بصد الاعتداء فحسب، كما قال تعالى: {ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} [البقرة: 194]، وأبان سبحانه للمؤمنين مَن يجوز قتالهم فقال: {وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ} [البقرة: 190].

فالفتوى المنضبطة هي التي توضح أن الإسلام نظامٌ إلهيٌّ عامٌّ للبشرية في أصل رسالته السماوية حتى تتحقق به الحياة الطيبة، وتتوفَّر للناس سعادة الدنيا والآخرة، لذا فإنه يقيم نظامه الاجتماعي على أسس ثابتة أهمها ما يأتي:

  1. حماية الكرامة الإنسانية: لذا لا يجوز شرعًا إهدار كرامة الإنسان، أو إباحة دمه وشرفه، سواء أكان محسنًا أم مسيئًا، مسلمًا أم غير مسلم؛ لأن العقابَ إصلاحٌ وزجرٌ، لا تنكيل وإهانة، ولا يحل شرعًا السبُّ والشتم والاستهزاء وقذف الأعراض، كما لا يجوز التمثيل بأحد ولو من الأعداء أثناء الحرب أو بعد انتهائها، يقول تعالى: {وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا} [الإسراء: 70]، وعن أبي بكرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ -قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ- حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا -أَوْ ضُلَّالًا- يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلِّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟))([15]).

يقول النووي في شرح الحديث: “فيه تغليظُ أمرِ الدماء، وأنها أول ما يُقضَى فيه بين الناس يوم القيامة، وهذا لعِظَم أمرها وكثير خطرها، وليس هذا الحديث مخالفًا للحديث المشهور في السنن ((أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ))؛ لأن هذا الحديث الثاني فيما بين العبد وبين الله تعالى، وأما حديث الباب فهو فيما بين العباد. والله أعلم بالصواب”([16]).

  1. تحقيق العدالة: ومن أخص الحالات التي ينبغي فيها العدل حالة الحكم، والشهادة، والقضاء بين الناس، وفرض الضرائب، وصرف المال في مصالح الناس، يقول تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا} [النساء: 58]، ويقول سبحانه: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَ‍َٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ}[المائدة: 8].

وعن الصحابي الجليل أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: ((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))([17]).

يقول النووي في شرح الحديث: “(( إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي)) قال العلماء: معناه تقدَّسْتُ عنه وتعاليتُ، والظلم مستحيل في حق الله سبحانه وتعالى، كيف يجاوز سبحانه حدًّا وليس فوقه من يطيعه، وكيف يتصرف في غير ملك والعالم كله في ملكه وسلطانه، وأصل التحريم في اللغة: المنع، فسمَّى تقدُّسَه عن الظلم تحريمًا؛ لمشابهته للممنوع في أصل عدم الشيء.

قوله تعالى: ((وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا)): هو بفتح التاء أي لا تتظالموا، والمراد: لا يظلم بعضكم بعضًا، وهذا توكيد لقوله تعالى: ((يَا عِبَادِي… وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا)) وزيادة تغليظ في تحريمه”([18]).

  1. تحقيق الحرية: والمقصود بالحرية هنا حرية الاعتقاد، وحرية التفكير، وحرية النقد، أي الحرية بما تحمله هذه الكلمة من معانٍ سامية تحفظ للإنسان كرامته؛ يقول تعالى في تقرير مبدأ حرية الاعتقاد: {لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّ} [البقرة: 256]، وجعل قبول اعتناق الإسلام منوطًا بالاختيار الحر والاقتناع الذاتي.

وتحريضًا على التفكير والنظر الطليق: ندَّد الله سبحانه وتعالى بالتقليد في العقائد وتعطيل العقول، فقال سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡ‍ٔٗا وَلَايَهۡتَدُونَ} [البقرة: 170]، ويقول سبحانه: {أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} [الحج: 46].

وفي أهمية النقد البنَّاء بيَّن الشرع الشريف أنه ليس حقًّا فقط، وإنما هو واجب ديني أحيانًا، لا سيما عند المساس بالمصالح العامة والأخلاق، فعن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ))([19]).

يقول النووي في شرح الحديث: “هذا حديث عظيم الشأن وعليه مدار الإسلام…، وأَمَّا النصيحة لأئمة المسلمين فمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم به، وتنبيهم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم…، وأما نصيحة عامة المسلمين… فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكف الأذى عنهم، فيعلمهم ما يجهلونه من دينهم ويعينهم عليه بالقول والفعل… وتخوُّلهم بالموعظة الحسنة وترك غشهم وحسدهم… والذَّبُّ عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة وتنشيط هِمَمهم إلى الطاعات”([20]).

ويتضح لنا أَنَّ الفتاوى المنضبطة بما يدعو إليه الشرع الشريف من إقامة السلام والأمن والعدل في العالم كله جزء لا يتجزأ من عوامل تحقق التنمية المستدامة في المجتمعات التي تتشوَّف إلى الرقي والحضارة والتَّقدُّم.

وصَلَّى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

([1]( التنمية في الإسلام، مفاهيم، مناهج، وتطبيقات، للدكتور إبراهيم العسل (ص 7)، ط. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.

([2]( الموافقات، للشاطبي (1/ 31).

([3]( التنمية في الإسلام، مفاهيم، مناهج، وتطبيقات، للدكتور إبراهيم العسل (ص 8).

([4]( التنمية المستدامة وعلاقتها بفقه المصالح، للدكتور محمد صلاح حلمي سعد، حولية كلية الدراسات الإسلامية بنين، أسوان، العدد الثاني، لسنة 2019م، (ص 863).

([5]( التنمية المستدامة بين الحق في استغلال الموارد الطبيعية والمسؤولية عن حماية البيئة، للدكتور عبد الله بن جمعان الغامدي، (ص 2)، ط. جامعة الملك سعود، الرياض.

([6]( السكان والتنمية البشرية، لعبد الله عطوي، دار النهضة العربية (ص 26).

([7]( التنمية المستدامة بين الحق في استغلال الموارد الطبيعية والمسؤولية عن حماية البيئة، للدكتور عبد الله بن جمعان الغامدي، (ص 32).

([8]( أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (9/ 153).

([9]( ‌‌الفتوى وأثرها في حماية المعتقد وتحقيق الوسطية، للدكتور فهد بن سعد الجهني (ص 7).

([10]( ‌‌أثر الفتوى في تأكيد وسطية الأمة، للشيخ عبد الله آل خنين (ص 29).

([11]( ينظر: المرأة بين الفقه والقانون، لمصطفى السباعي (ص 23- 26)، ط. دار الوراق للنشر والتوزيع، بيروت.

([12]( ينظر: روح الدين الإسلامي، لعفيف عبد الفتاح طبارة ( ص 171).

([13]( الفكر المادي الحديث وموقف الإسلام منه، لمحمود عثمان (ص 275).

([14]( أسس الاشتراكية العربية، للدكتور عصمت سيف الدين (ص 99).

([15]( أخرجه مسلم (3/ 1305).

([16]( شرح صحيح مسلم، للنووي (11/ 167).

([17]( أخرجه مسلم (4/ 1994).

([18]( شرح صحيح مسلم، للنووي (16/ 132).

([19]( أخرجه مسلم (1/ 74).

([20]( شرح صحيح مسلم، للنووي (2/ 37- 39).

اترك تعليقاً