البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفصل الأول: الأسرة.. المبادئ والقيم والمقاصد.

30 views

يشتمل هذا الفصل على مبحثين:

المبحث الأول: التعريف بـ”الأسرة” وقيمها الحاكمة في الإسلام.

المبحث الثاني: مراعاة الفتوى لمقاصد نظام الأسرة في الإسلام.

 

المبحث الأول: التعريف بـ”الأسرة” وقيمها الحاكمة في الإسلام.

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: التعريف بالأسرة.

المطلب الثاني: القيم الحاكمة لنظام الأسرة في الإسلام.

 

المطلب الأول: التعريف بـ”الأسرة”:

أُخذت لفظة “الأسرة” من “الأسر”، وهو القوة والشدة؛ ولذلك تُفسر بأنها: الدرع الحصينة؛ فإن أعضاء الأسرة يشد بعضهم أزر بعض، ويعتبر كل منهم درعًا للآخر، وتُطلَق كذلك على أهل الرجل وعشيرته، كما تطلق على الجماعة يضمهم هدف مشترك؛ كاسرة الأطباء وأسرة المهندسين وأسرة السائقين وأسرة المحامين وأسرة الأدباء.

وقد تأتي الأسرة بمعنى العائلة، وهي مأخوذة من “العيلة” أي: الحاجة؛ فإن أعضاء العائلة يحتاج بعضهم إلى بعض أو يعتمدون في حاجتهم إلى رب العائلة.

ولم يأت في القرآن الكريم لفظ الأسرة ولا العائلة، وإن جاء لفظ “العيلة” في قوله تعالى: {وإن ختم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} [التوبة: 28]، ولفظ العائل في قوله تعالى: {ووجدك عائلًا فأغني} [الضحى: 8]، وجاء في القرآن لفظ “الأهل” في قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132]. وفي غير ذلك من الآيات كثير.

وتتدرج دوائر الأسرة في الاتساع، وغالبًا ما يدل معناها على جماعة يصل أفرادها رابطة الدم وآصرة النسب؛ فتمتد إلى شبكة واسعة من ذوي القربى من الأجداد والجدات والأخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وغيرهم ممن تجمعهم رابطة النسب أو المصاهرة أو الرضاع أينما كان مكانهم، وتتسع حتى تشمل المجتمع كله، ولكن في الاستعمال الحديث إذا أُطلق لفظ “الأسرة” انصرف في غالب الاستعمال إلى الزوجين ثم يدخل معهما فروعهما وأصولهما([1]).

 

المطلب الثاني: القيم الحاكمة لنظام الأسرة في الإسلام([2]):

إن أي مجتمع إنساني يتكون من مجموع الأفراد الذين يعيشون فيه، وهؤلاء الأفراد جميعًا نشئوا في أُسرٍ أساسها زوج وزوجة، والأسر في حقيقتها كوحدات البناء في الأبنية المحسوسة التي تحيط بنا أو نسكن فيها، ولا شك أنه إذا كانت الوحدات التي يتكون منها أي بناء قوية متماسكة فإن ذلك ينعكس على البناء نفسه بالقوة والتماسك.

وقد وضع الإسلام عدة قِيَمٍ حاكمةٍ لنظام الأسرة فيه تُمثِّلُ مادةَ تماسكِ وحداتِ هذه الأسرة؛ بحيث تبقى الأسرة في الإسلام قويةً متينةً لتحقق مقاصد الشرع منها، وهذه القيم هي:

أولًا: امتلاك العقل وإرادة التغيير:

خلق الله الإنسان مفطورًا على الإيمان به سبحانه وتعالى؛ قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم: 30]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودِّانه أو ينصِّرانه أو يُمجِّسانه»([3])، ومَنَحَ الله الإنسانَ العقل والإرادة الذي يتأتَّى بهما: إما الانحراف عن فطرته، أو الارتقاء بقدراته حسب مكتسباته المعرفية، وملكاته الروحية، وظروفه الاجتماعية، وهذه الإرادة هي مناط الجزاء الأخروي ثوابًا أو عقابًا؛ قال الله تعالى: {قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنسفه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ} [الأنعام: 104]، وقال جل ذكره: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29]، وقال تعالى: {إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا} [الإنسان: 3]، وقال تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99].

ثانيًا: التساوي في أصل الخلق وتنوُّع الخصائص:

خلق الله البشر جميعًا متساوين في أصل الخَلْق من نفس واحدة، ويتساوون تبعًا لذلك في الخصائص العامة؛ قال الله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً} [النساء: 1]، وقال تعالى: {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} [الروم: 20]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الناس كلهم بنو آدم، وآدم خُلِقَ من تراب»([4]).

وقد اقتضت حكمة الله أن يتفاوت الناس في بعض الخصائص كالقوة والضعف، وفي المَلَكات والقدرات النفسية والعقلية والجسمية، وهي ظواهر اجتماعية مشاهَدة ومحسوسة ولا تحتاج إلى تدليل؛ قال الله سبحانه: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبةً يخلق ما يشاء وهو العليم القدير} [الروم: 54]، وقال تعالى: {إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم} [البقرة: 247]، وقال تعالى :{وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون} [الأعراف: 69].

وهذا التنوع البشري في بعض الخصائص هو قِوام الحياة بالتعارف والتعاون والتكامل بين الأفراد والمجتمعات، وليس مدعاة للعداوة والتباغُض، قال جل شأنه: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [الحجرات: 13]، وقال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله} [المائدة: 2]، وقال تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} [الأنفال: 46].

ثالثًا: تكامل الزوجين: الذكر والأنثى:

مع وحدة الإنسان في أصل الخَلْق من نفس واحدة فقد خلق الله منها بقدرته زوجين ذكرًا وأنثى، قال الله جل شأنه: {والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجًا} [فاطر: 11]، وقال تعالى: {ألم يك نطفة من مني يُمنى ، ثم كان علقة فخلق فسوى ، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى} [القيامة: 37-39]، وقال تعالى: {وخلقناكم أزواجًا} [النبأ: 8].

والحياة لا تستمر ولا تعْمُرُ الأرض ولا يتكاثر النوع الإنساني إلا بتلاقي الذكر والأنثى وتعاونهما وتكاملهما، وتلك هي سُنّة الله في جميع الكائنات والأشياء الدنيوية قال الله جل شأنه: {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} [الذاريات: 49]، ومن الرابطة بين الرجل والمرأة تتكون الأسرة، وهي النواة الأولى للمجتمع الإنساني، قال الله تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون} [النحل: 72] وقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً}[النساء: 1]، وقال تعالى: {سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون}[يس: 36] ([5]).

رابعًا: وحدة الخطاب الشرعي والتمايز في الوظائف:

إن من مقتضيات المساواة في فطرة الخَلْق الطبيعية بين الرجل والمرأة المساواة في التكاليف الشرعية في الأعم الأغلب ووحدة الخطاب الشرعي، ويقتضي التمايز في بعض الخصائص: تنوُّع التخصصات، والوظائف، والمهام، وتمايز المراكز القانونية، ومن الضروري الإقرار بهذه الخصائص والتمايزات لصلاح المجتمع.

فتقتضي المساواة بين الرجل والمرأة في فطرة الخَلْق الطبيعية أمرين:

الأمر الأول: المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في الأغلب الأعمّ من شئون الحياة، قال الله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا}[الأحزاب: 35]، وقال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}[التوبة: 71]، وقال صلى الله عليه وسلم: «النساء شقائق الرجال»([6])، أي: إن النساء نظائر الرجال وأمثالهم كأنهن شُقِقَنْ منهم؛ ولأن حواء خُلِقَت من آدم عليه السلام.

والشرع يعتبر كلًّا من الرجل والمرأة مُكمِّلًا للآخر ومتمِّمًا لرسالته، وشريكًا له في الحياة الزوجية والاجتماعية؛ فقال الله تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون} [النحل: 72]، وقال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الروم: 21]، وقال تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} [الأعراف: 189].

وقد جعل الله بعض الخصوصيات المميِّزة لكل منهما في تكوينه البدني والنفسي فيختص كل منهما بما تميَّز فيه؛ فقال تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليمًا} [النساء: 32]، وقال تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة} [البقرة: 228]، وقال تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} [النساء: 34]، وهذه الخصوصيات المميّزة لكل منهما سيأتي بيانها بالتفصيل في ثنايا هذا المجلد وأنها لا تعني تفضيل الرجل على المرأة أو العكس.

الأمر الثاني المترتب على التساوي بين الرجل والمرأة في أصل الخلق مع تنوع الخصائص هو: مجيء الخطاب الشرعي مُوحَّدًا يتناول كلًّا من الرجل والمرأة في سائر الأمور التي يتساويان فيها كالتكليف بالأوامر والنواهي وفي الحلال والحرام والثواب والعقاب وفي الحقوق والواجبات الإنسانية العامة، وفي الكرامة البشرية، كما جاء هذا الخطاب خاصًّا بكل منهما في الأمور الخاصة به ويدل عليه الآيات المذكورة آنفًا كما يدل عليه قول الله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13]، فلفظ «الناس» اسم للجمع من بني آدم، واحده: إنسان([7])، ويشمل الرجل والمرأة، فيذكر ويؤنث فيقال: هو إنسان، وهي إنسان، وتُبيّن الآية أنه لا فضل لأحدهما على الآخر إلا بمقياس ومعيار خارجي لا علاقة له بنوع الجنس، ألا وهو «التقوى»، فهو معيار محايد يستطيع أن يحصله أي من الجنسين باجتهاده، فهما مؤهّلان من حيث الخِلْقة للقيام بالمهمة الإلهية الموكولة إليهما لقول الله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30]، والمقصود هو النوع الإنساني المكون من الرجل والمرأة.

كما أن كلًّا من الرجل والمرأة متصف بأهلية التكليف، ويقصد بأهلية التكليف: الصلاحية للالتزام بأوامر الله عز وجل ونواهيه، يقول الله عز وجل: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا} [الأحزاب: 72]، والأمانة هنا تعني([8]): التكليف وقبول أوامر الله ونواهيه بشرطها، فإن قام الإنسان بذلك أثيب وإن تركها عوقب، ومناط التكليف هنا هو العقل، فلا دخل للجنس هنا، فخطاب الله سبحانه موجّه للذكر والأنثى، ويؤكد هذا المعنى من سُنّة الله رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «النساء شقائق الرجال»([9])؛ قال العلماء: «وفيه –أي وفي الحديث من الفقه- أن الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطابًا للنساء إلا مواضع الخصوص التي قامت أدلة التخصيص عليها»([10])، أي: أن الأصل العموم إلا ما خُصِّصَ؛ فالاستثناء هو اختصاص كل من الرجل أو المرأة ببعض الوظائف التي لا يستطيع الآخر القيام بها بحكم طبيعة تكوينه البدني والنفسي وخصائصه الذاتية، وليس ثمة مانع شرعي من توزيع الأعباء الاجتماعية بين الرجل والمرأة بما يحقق المصلحة العامة للأسرة والمجتمع.

وعلى هذا التأصيل جرى عمل الفقهاء والأصوليين منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم إلى وقتنا الحاضر؛ فهذه أم سلمة –رضي الله عنها- تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينادي: «أيها الناس» وهي تمتشط فتقول لماشطتها: استأخري عني، فقالت الجارية: إنما دعا الرجال ولم يدع النساء، فقالت أم سلمة: «إني من الناس»([11]).

خامسًا: تنوُّع التخصُّصات:

إن قاعدة العلاقات الاجتماعية بين الرجال والنساء هي المساواة مع مراعاة العدل؛ فإنه مع المساواة في أغلب أمور الحياة يتمايز كل من الرجل والمرأة بخصائص ومَلَكات وقدرات بدنية ونفسية معينة، قال الله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} [النساء: 32]؛ أي في الأمور الدنيوية وكذا الدينية، وعن مجاهد قال: «قالت أم سلمة: يا رسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث؛ فأنزل الله: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض}»([12])، وقال تعالى: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء علمًا} [النساء: 32]، أي: كل له جزاء على عمله بحسبه إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، وقال تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} [النساء: 34]، وهذا التمايز ثابت أيضًا ومقرر من واقع الحياة الحسية والاجتماعية، ولا ينكره إلا من ينكر حقائق الأمور وطبائع الأشياء.

ولا يعني هذا التمايز أن أحدهما أعلى شأنًا من الآخر، قال الله جل شأنه: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [الحجرات: 13]، وقال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: «يا أيها لناس، ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى»، ثم قال: «ليبلغ الشاهد الغائب»([13]).

وهذا التمايز بين الرجل والمرأة يقتصر على صلاحية أيهما لأداء وظائف حياتية وحيوية معينة لا يستطيع الآخر القيام بها، وهي سُنَّة الله في البشر كافة حتى بين الرجال وبعضهم والنساء وبعضهن، قال الله تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} [الأعراف: 189]؛ فهذه الآية تنطوي على تقرير كون الرجل والمرأة زوجًا يكمّل أحدهما الآخر، وكونهما بناء على ذلك في مرتبة واحدة من الناحية الإنسانية، وكل ما في الأمر أن لكل منهما وظيفة مختلفة عن وظيفة الآخر فحسب، وهي وظيفة تلائم خصائصه الذاتية.

فالمرأة بعاطفتها ورقتها وأنوثتها مصدر الاستقرار والسكن النفسي والاجتماعي للرجل والأسرة، قال الله سبحانه وتعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم: 21]، ويقول سبحانه: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} [البقرة: 187]، قال علماء التفسير: «المعنى أن الرجل والمرأة كل منهما يخالط الآخر ويماسّه ويضاجعه»([14])، وإنما عبر عن هذه العلاقة باللباس، لما توحي به الكلمة من الزينة والستر واللصوق والدفء.

كما أن المرأة بفطرتها وصبرها غير المحدود على مشاق الحمل والولادة والأمومة، ترعى أطفالهما وتعتني بهم رضاعة وتربية وتقوم على سائر شئونهم، قال جل شأنه: {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانًا حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا} [الأحقاف: 15]، وقال تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233]، وقال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} [لقمان: 14]، ولما في الحمل من مشقة خاصة لا تتحملها إلا المرأة جعل لها الرسول صلى الله عليه وسلم أجرًا خاصًا في قوله صلى الله عليه وسلم: «الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله عز وجل …» –وذكر منهم- «والمرأة تموت بجُمْعٍ([15]) شهيدة»([16]).

كما أن الرجل بقوته وجَلَده وكَدْحه المتواصل منوط به تحصيل الرزق وتلبية احتياجات أسرته، والقيام على رعايتها وحمايتها، فالرجل هو المكلّف بالنفقة على زوجته وأطفاله، ولم يوجب على المرأة أن تنفق على الرجل ولا على البيت، حتى ولو كانت غنية، إلا أن تتطوع بمالها عن طِيب نفس، قال الله عز وجل: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} [النساء: 34]، وقال تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا} [النساء: 4]، وقال جل شأنه: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها} [الطلاق: 7]، وقال تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233]، وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: «…ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف»([17]).

سادسًا: توزيع المسئوليات وتمايُز المراكز القانونية:

مما يترتب على الخصائص الفطرية الطبيعية المختلفة لكل من الرجل والمرأة وجوب مراعاة تلك الخصائص في توزيع المسئوليات والتبعات والوظائف التي يؤديها كل منهما في الحالات التي تقتضيها، والأسرة من أهم الميادين التي تبرز فيها تلك الفروق والملكات والمكوِّنات الخِلقيَّة البدنية والنفسية لكل من الرجل والمرأة، وهذا التقرير يعتمد في أساسه على حقائق كونية وشرعية في آنٍ واحد، فالله جل شأنه لم يخلق فردًا واحدًا مكررًا، بل زوجين ذكرًا وأنثى، وهي حقيقة كونية كذلك، قال الله تعالى: {ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون} [الذاريات: 49]، فالفلسفة العامة التي تحكم الحياة والسلوك الإنساني بين الرجل والمرأة قامت على المساواة بين الحقوق والواجبات العامة، فلهما مهمات مشتركة باعتبار كونهما خُلِقَا من نفس واحدة، ومهمات مختلفة باعتبار الجنس، وهي تفرقة في الأدوار أو الوظيفة الموكلة لكل منهما، مع التساوي في الحقوق والمسئوليات، والمساواة هنا تعني التماثل والتطابق، فالرجال والنساء يجب أن يكمِّل كل منهما الآخر داخل منظومة متعددة الوظائف بدلًا من أن ينافس كل منهما الآخر داخل مجتمع أحادي الجانب، فالظلم كل الظلم يكون في المساواة بين المختلفين والتفرقة بين المتماثلين، فليس من العدل والإنصاف أن يتساوى الرجال والنساء في جميع الاعتبارات، مع التفاوت في الخصائص التي تُناط بها الحقوق والواجبات، فالتماثل والتطابق التام بين الرجل والمرأة هي مخالفة لتلك الحقائق الكونية والشرعية.

وتُعد الأسرة من أهم الميادين التي تبرز فيها تلك الفروق والملكات والمكونات الخلقية البدنية والنفسية لكل من الرجل والمرأة كما سبق توضيحه.

سابعًا: تضييق آثار الفوارق الطبيعية بين الرجل والمرأة:

إن التنكُّر للفروق والخصائص بين الرجل والمرأة غير جائز عقلًا وطبعًا وشرعًا؛ لما فيه من امتهان للفطرة وإنكار لظواهر طبيعية متجسدة واقعًا وعملًا ومعلومة للكافة بالعلم اليقيني والمعملي، لكن من جهة أخرى لا يجوز التوسُّع في إعمال هذه الفوارق بمدِّها خارج نطاق الحالات التي تستوجبها الشريعة أو تشهد لها الفطرة لما فيه من ظلم للمرأة وافتئات على أحكام الشريعة، ولأن كلا الأمرين يؤدي إلى فساد كبير وخلل مجتمعي وقيمي يهدد بتدمير المجتمع ولو طال الأمد.

ولم يحظَ نظام اجتماعي بالعناية والتفصيل في القرآن الكريم بمثل ما حظيت به الأسرة في كل شئونها على النحو الوارد تفصيلًا في الأحكام الشرعية.

ثامنًا: العلاقة بين الزوجين تقوم على المودة والإحسان والشراكة:

تقوم العلاقة الزوجية على عدد من القيم المعنوية والأخلاقية والضوابط الشرعية الآتية:

1- المودة والرحمة والثقة المتبادلة والتعاون على السراء والضراء:

لا تنحصر العلاقة بين الزوجين في صورة جسدية بحتة فقد نبهت الشريعة أن من القيم الحاكمة لهذه العلاقة أن يسكن كل من الزوجين إلى الآخر، وأن تتحقق بينهما المودة والرحمة؛ قال الله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19]، والمعروف هنا: ما يقره العرف السليم، ويعتاده أهل الاعتدال والاستقامة من الناس، وقال تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} [البقرة: 187]، وإنما عبر عن هذه العلاقة باللباس؛ لما توحي به الكلمة من الزينة والستر واللصوق والدفء، وقال تعالى: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض} [آل عمران: 195]، ومعنى: {بعضكم من بعض} أن المرأة من الرجل والمرأة من المرأة، فلا خصومة ولا تناقض، بل تكامل وتناسق وتعاون؛ وبذلك تؤمّن الشريعة لكل أفراد الأسرة حياة اجتماعية هانئة وسعيدة قوامها المودّة والحب والتراحم والتعاون في السراء والضراء وتُحقِّق الاستقرار والسكن النفسي والثقة المتبادلة([18])؛ يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثمٌ ولا تجسسوا}[الحجرات: 12]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا([19]) ولا تحسسوا([20]) ولا تباغضوا وكونوا إخوانًا»([21])، ويقول الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديدُ العقاب} [المائدة: 2]، وعن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، ثم شَبَّك بين أصابعه([22]).

2- العشرة بالمعروف والإحسان واحترام الكرامة البشرية([23]):

تُوجِبُ الشريعة الإسلامية على الزوج أن يعامل زوجته بالمعروف والإحسان، ويدل عليه قول الله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19]، قال المفسرون: أي يجب عليكم أيها المؤمنون أن تُحْسِنوا عشرة نسائكم، بأن تكون مصاحبتكم ومخالطتكم لَهُنَّ بالمعروف الذي تعرفه وتألفه طباعهنّ، ولا يُستنكر شرعًا ولا عرفًا ولا مروءة، فالتضييق في النفقة والإيذاء بالقول أو الفعل وكثرة عبوس الوجه وتقطيبه عند اللقاء، كل ذلك ينافي العشرة بالمعروف، والغرض أن يكون كل منهما مدعاة سرور الآخر وسبب هنائه في معيشته، والمدار في المعروف على ما تعرفه المرأة من العادات المألوفة في المجتمع ولا تنكره العقول والأخلاق القويمة، وما يليق بها بحسب طبقتها في المجتمع([24]).

والتعامل بهذا المعنى واجب على الأزواج كما ذكر المفسرون([25])، والأصل في الأمر الوجوب إلا إذا قام الدليل على صرفه عن هذا الوجوب، بل إن الأدلة متضافرة على هذا المعنى ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استوصوا بالنساء خيرًا»([26])، والاستيصاء قبول الوصية، والمعنى أوصيكم بهن خيرًا فاقبلوا وصيتي فيهن([27]).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم خلقًا»([28])، وعن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وذكر النساء، فوعظ فيهن، فقال صلى الله عليه وسلم: «يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد، فلعله يضاجعها من آخر يومه»([29])، وعن عائشة -رضي الله عنها- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»([30]).

وقد أمرت الشريعة بمراعاة فطرة الزوجة واختلاف نشأتها ونظرتها لبعض الأمور؛ فعن أم سلمة -رضي الله عنها- أنها قالت: أرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له، فقلت: إن لي بنتًا وأنا غيورٌ، فقال: «أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب بالغيرة»([31])، وعن أنس رضي الله عنه قالوا: «يا رسول الله، ألا تتزوج من نساء الأنصار؟» قال: «إن فيهم لغيرةً شديدةً»([32])، وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم إذا كنت عنى راضيةً وإذا كنت علي غضبي» قالت: فقلت: «من أين تعرف ذلك؟»، فقال: «أما إذا كنت عني راضيةً فإنك تقولين: لا ورب محمدٍ، وإذا كنت علي غضبي قلت: لا ورب إبراهيم»، قالت: قلت: «أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك»([33])، وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي، فبكت، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال: «ما يبكيك؟» فقالت: قالت لي حفصة: إني بنت يهودي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك لابنة نبيٌ، وإن عمك لنبيٌّ، وإنك لتحت نبيٌّ ففيم تفخر عليك»، ثم قال: «اتقي الله يا حفصة»([34]).

كما أمرت الشريعة بمعاملة الزوجة باللين والرفق في حلم وهوادة؛ فورد عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: حضت وأنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الخميلة، فانسللت فخرجت منها فأخذت ثياب حيضتي فلبستها، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنفست؟» قلت: «نعم»، فدعاني فأدخلني معه في الخميلة. قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائمٌ، وكنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناءٍ واحدٍ من الجنابة. ([35])، وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا: «يا عائش، هذا جبريل يقرئك السلام»، فقلت: «وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى»، تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ([36])، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك([37]) مؤمنٌ مؤمنةً؛ إن كره منها خلقًا رضي منها آخر»([38]).

ومنعت الشريعة التعسُّف في استعمال السلطة؛ فعلى الزوج ألا يتعسّف في استعمال سلطته فيمنع زوجته من زيارة أهلها، خاصةً إذا كانت الزيارة واجبة للوالدين مثلًا وذلك قيامًا بواجب بر الوالدين أو لحاجتهما إلى هذه الزيارة كما لو كانا مريضين ولا يوجد من يخدمهما سوى ابنتها (الزوجة) فتتعهدهما بين الحين والآخر، ولا يجوز للزوج أن يمنعها من ذلك إلا لِمُسَوِّغٍ شرعيّ.

3- الشَّراكة التامة في أمور الحياة الزوجية:

من القيم المعنوية والأخلاقية بين الزوجين: الشراكة التامة في أمور الحياة الزوجية كل على حسب ما يناسب تكوينه وقدراته ومركزه القانوني، وينبغي أن تكون هذه الشراكة قائمة على التراضي والتشاور؛ وهو من باب احترام عقل الإنسان واختياراته الشخصية؛ قال الله تعالى: {فإن أرادا فصالا عن تراضٍ منهما وتشاورٍ فلا جناح عليهما} [البقرة: 233]، أي فإن اتفق والدا الطفل على فطامه قبل الحولين (العامين) ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك وأجمعا عليه، فلا جناح عليهما ويلا يجوز لواحد منهما أن يستبدَّ بذلك من غير مشاورة الآخر.

ولابدَّ أن يعتبر كلٌّ من الزوجين نفسه جزءًا من الآخر ومُكَمِّلًا له ومُتَمَّمًا لرسالته في الحياة الزوجية والاجتماعية؛ قال الله تعالى: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عاملٍ منكم من ذكرٍ أو أنثى بعضكم من بعضٍ} [آل عمران: 195]، ومعنى: {بعضكم من بعضٍ} أن المرأة من الرجل والرجل من المرأة، فلا خصومة ولا تناقض، بل تكامل وتناسق وتعاون، وقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً} [النساء: 1]، وفي نفس المعنى آيات أخرى كثيرة.

 

المبحث الثاني: مراعاة الفتوى لمقاصد نظام الأسرة في الإسلام:

 

ويشتمل على تمهيد وأربعة مطالب:

المطلب الأول: مقصد حفظ النسل.

المطلب الثاني: مقصد حفظ النسب.

المطلب الثالث: الإحصان.

المطلب الرابع: حفظ التدين في الأسرة.

 

تمهيد في مقاصد الشريعة الإسلامية:

في ظل التطورات والمتغيرات التي يشهدها العالم بعوالمه المختلفة على مستوى الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار تشتد فيه الحاجة إلى المنهج، والإسلام دين العلم، والمنهج من أهم المفردات التي يقوم عليها العلم، ومن أهم النماذج المتعلقة بالمنهج التي يمكن للمسلم أن يطرحها ويعتمد عليها في هذا الزمان: النموذج المقاصدي، أو ما يتعلق بمسألة “المقاصد الشرعية” التي استنبطها العلماء وفَهِمُوها من مُجمَل الشريعة وبالتأمل والتدبر في النصوص الشرعية.

والمقاصد في اللغة: جمع مَقصِد، من القَصْدُ: وهو إتيان الشيء، وبابه ضرب، تقول: قَصَدَهُ وقصد له، وقصد إليه، كله بمعنى واحد. وقَصَدَ قصده: أي نحا نحوه، والقَصيدُ: جمع القَصِيدةِ من الشعر، مثل سفين وسفينة، والقاصدُ القريب. يقال: بيننا وبين الماء ليلة قاصِدةٌ، أي هينة السير لا تعب فيها ولا بطء، والقَصْدُ بين الإسراف والتقتير. يقال: «فلان مُقْتَصدٌ في النفقة»، «واقْصِدْ في مشيك»، «واقْصِدُ بذرعك»، أي أربع على نفسك، والقَصْدُ العدل. والقاصد القريب، ومنه قوله تعالى: {لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك} [التوبة: 42].

ولم يتعرض علماء الأصول القدماء إلى تعريف المقاصد تعريفا اصطلاحيا، وإنما تكلموا عن مفهوم تلك المقاصد، وذلك يرجع إلى أن مصطلح المقاصد لم يعرف قديما لدى الأصوليين، وإنما تكلم الفقهاء من المذهب الحنفي على الاستحسان، وتكلم المالكية عن المصالح المرسلة؛ لذا نجد أن الحديث عن المقاصد مرتبط بالحديث عن المصالح لدى علماء الأصول، ومن ذلك قول الإمام الغزالي رحمه الله: «أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يُفَوِّت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة»([39]).

ويقول العز بن عبدالسلام في نفس المعنى: «ولو تتبعنا مقاصد ما في الكتاب والسنة لعلمنا أن الله أمر بكل خير دقه وجله، وزجر عن كل شر دقه وجله، فإن الخير يعبر به عن جلب المصالح ودرء المفاسد، والشر يعبر به عن جلب المفاسد ودرء المصالح، وقد قال تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ} [الزلزلة:7، 8] وهذا ظاهر في الخير الخالص والشر المحض. وإنما الإشكال إذا لم يعرف خير الخيرين، وشر الشرين، أو لم يعرف ترجيح المصلحة على المفسدة، أو ترجيح المفسدة على المصلحة، أو جهلنا المصلحة والمفسدة، ومن المصالح والمفاسد ما لا يعرف إلا كل ذي فهم سليم، وطبع مستقيم، يعرف بهما دق المصالح والمفاسد وجلهما، وأرجحهما من مرجوحهما، وتفاوت الناس في ذلك على قدر تفاوتهم فيما ذكرته، وقد يغفل الحاذق الأفضل عن بعض ما يطلع عليه الأخرق المفضول ولكنه قليل»([40]).

ويرى بعض الباحثين أن الغزالي ذهب إلى تعريف المقاصد في كتابه «شفاء العليل» حيث قال: «فرعاية المقاصد عبارة حاوية للإبقاء ودفع القواطع وللتحصيل على سبيل الابتداء»([41]).

إلا أن المتأخرين حاولوا صياغة تعريفات أكثر تحديدًا، قال العلامة الطاهر بن عاشور: «مقاصد التشريع العامة هي: المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها؛ بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة»([42]). ثم قال: «فيدخل في هذا: أوصاف الشريعة، وغاياتها العامة، والمعاني التي لا يخلو التشريع من ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضًا معان من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنوع كثيرة منها»([43]).

والحق أن التشريع الإسلامي لا يرجع إلى حفظ هذه المقاصد في المسلمين فقط؛ بل إنه عائد إلى حفظ هذه المقاصد في الخلق جميعًا؛ يقول الإمام الشاطبي: «تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق»([44])، وهذا وارد في سائر أبواب الشريعة الإسلامية فيما يخص أحكام أهل الذمة؛ وأظهر ذلك فيها تطبيق القصاص فيما بينهم لحفظ النفس وتطبيق عقوبة الزنا فيما بينهم لحفظ النسل وكذا عقوبة السرقة ونحو ذلك، وذلك انطلاقًا من أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا، ولا تتحقق مصالح العباد إلا بهذه الكليات الخمس، ولذلك فقد راعتها جميع الشرائع؛ يقول الشاطبي: «ومجموع الضروريات خمسة، وهي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وقد قالوا: إنها مراعاة في كل ملة»([45]).

ويتمكن العالم من إدراك المقاصد بطول ممارسته للعلم، والتدقيق في الأحكام، فتتكون لديه مَلكة وخبره تجعله يحكم بأن هذا المعنى من مقاصد الشارع، أو أن ذلك المعنى ليس مقصدًا من مقاصده، وقد عبر العلامة العز بن عبدالسلام عن ذلك فقال: «ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص، فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك. ومثل ذلك أن من عاشر إنسانًا من الفضلاء الحكماء العقلاء وفهم ما يؤثره ويكرهه في كل ورد وصدر ثم سنحت له مصلحة أو مفسدة ولم يعرف قوله؛ فإنه يعرف بمجموع ما عهده من طريقته وألفه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة»([46]).

وتنقسم مقاصد الشريعة من حيث أهميتها إلى ثلاثة أقسام أساسية:

  • الضروريات.

2- الحاجيات.

3- التحسينيات.

وتلك الأقسام الثلاثة للمقاصد اتفق الناس على ترتيبها على النحو السابق؛ إذ إن هذا الترتيب يخضع لقوة الاحتياج إلى كل قسم منها، وهو ما عبر عنه الغزالي بالقوة في ذات المصلحة، فقال: «إن المصلحة باعتبار قوتها في ذاتها تنقسم إلى ما هي في رتبة الضرورات وإلى ما هي في رتبة الحاجات وإلى ما يتعلق بالتحسينات والتزيينات وتتقاعد أيضًا عن رتبة الحاجات. ويتعلق بأذيال كل قسم من الأقسام ما يجري منها مجرى التكملة والتتمة لها»([47]).

وبعضهم من جعل الأقسام خمسة؛ وذلك بتقسيم القسم الثالث إلى ثلاثة أقسام، ومن هؤلاء بدر الدين بن بهادر الزركشي؛ حيث يقول: «فائدة: جعل بعضهم المراتب خمسة ضرورة، وحاجة، ومنفعة، وزينة، وفضول»([48]).

والحاصل أن النوع الأول من هذه الأقسام، وهي الضروريات، هي الأهم، وهي المقاصد الكلية العليا للشريعة الإسلامية التي تُعتَبَر ضرورية لبقاء نظام العالم وحفظه، ويترتب على فقدها اختلال نظام الحياة وشيوع الفوضى والفساد بين الناس، ومن ثَمَّ ضياع الحياة في الدنيا، وفي الأخرى ضياع النجاة، وقد اتفقت الشرائع المختلفة عليها؛ فلابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، وهذه الضرورات خمسة، هي: حفظ النفس والعقل والدين والنسل والمال، وقد توصل العلماء لتلك الكليات الخمس عن طريق الاستقراء([49])

ولقد تغيَّا الشارع عدة مقاصد من تكوين الأسرة وقد راعتها الفتوى في التطبيق، وفيما يلي نتناول في عدة مطالب هذه المقاصد وكيف راعتها الفتوى:

المطلب الأول: مقصد حفظ النسل([50]):

لقد أوضح القرآن الكريم أن الأطفال هبة ونعمة من الله وأن حب البنين والبنات فطرةٌ في الإنسان، ومن متاع الحياة الدنيا؛ يقول تعالى: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثوابًا وخيرٌ أملا} [الكهف: 46]؛ فالولد يكون سندًا وعونًا لأبوَيْه حالَ حياتهما، ويلحَقُ الوالدَ دعاءُ ولده الصالح له بعد موته، فينفع الولدُ الصالح أبوَيْه في الدنيا والآخرة، وقد دعا غير واحد من الأنبياء طلبًا للذرية الصالحة، فحكى لنا القرآن أن سيدنا إبراهيم عليه السلام قال في دعائه: {رب هب لي من الصالحين} [الصافات: 100]، ودعا سيدنا زكريا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء}]آل عمران: 38].

قال الإمام السيوطي: «وبعضهم يقول: الذي يريد الولد أحمق، فلا نال الدنيا ولا الآخرة؛ إن أراد أن يأكل أو ينام أو يجامع نُغِّصَ عليه، وإذا أراد أن يتعبَّد شغله أيضًا.

غلط عظيم؛ لأنه لما كان مراد الله تعالى من إيجاد الخلق اتصال دوامها إلى أن ينقضي أجلها، حثَّ الله تعالى الآدمي على ذلك، تارةً من حيث الطبع بإيقاد نار الشهوة، وتارةً من باب الشرع بقوله: {وأنكحوا الأيامى منكم}]النور: 32]، وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا؛ فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَوْ بِالسَّقطِ»([51])، وقد طلب الأنبياءُ الأولادَ، وتسبَّب الصالحون إلى وجودهم… وقد يموت له ولد فيبقَى له ذخرًا وأجرًا كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ يَقُولُ اللَّهُ تعَالَى للْمَلائِكَةِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ تعَالَى: فمَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ -أيْ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ- فَيَقُولُ اللَّهُ تعَالَى: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ»([52]).

وإما أن يخلفه بعده فيلحقه بركةُ دعائه كما في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»([53])، فمن أعرض عن طلب الأولاد خالفَ السنةَ، وعُدِم هذا الفضل والثواب الجزيل»([54]).

والمقصِد الأول للأسرة في الشريعة الإسلامية هو حفظ النسل أو النوع الإنساني؛ فالنسل يعدُّ من أهم مقاصد الزواج في الشريعة الإسلامية؛ وذلك تعميرًا للأرض، وتواصلًا للأجيال؛ قال الله جل شأنه: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها}[هود: 61]، وقال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}[الحجرات: 13]، وهي ذات الحكمة من ترغيب الرسول صلى الله عليه وسلم في طلب الأطفال فيما رواه معقل بن يسارٍ رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصبت امرأةً ذات حسبٍ وجمالٍ، وإنها لا تلد أفأتزوجها، قال: «لا»، ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثرٌ بكم الأمم»([55])، فهذا يقتضي بالضرورة بقاء الجنس البشري وتعاقب الأجيال.

ولأجل هذا المقصِد فقد فطر الله الرغبة الجنسية في الأبدان لكونها الوسيلة الطبيعية للإنجاب المشروع، وليست غاية في ذاتها([56]).

وقد راعت الفتوى تحقيق هذا المقصد؛ وذلك في عدة أمور:

أولًا: تحريم العلاقات الشاذة التي لا تؤدي إلى الإنجاب.

نحت الفتوى المنضبطة إلى تحريم الصور الشاذة التي يُطلَق عليها زورًا وبهتانًا اسم الزواج؛ سواء بين رجلين أو امرأتين أو الزواج الجماعي أو غير ذلك مما يُنادَى به بدعوى أن للزواج صورًا متعددة، وقد حرم الإسلام كل هذه الصور؛ لأنها أنواع من الاقتران العقيم الذي لا ينتج نسلًا يحفظ مسيرة البشرية، وتحريمها في الشريعة الإسلامية أمر تؤكده العديد من النصوص القطعية التي تحرم الزنى واللواط والسحاق وتأمر بحفظ الفروج والأعراض وهي واردة بكثرة في القرآن الكريم والسنة المطهرة ومعلومة لكافة المسلمين.

ثانيًا: ضبط عملية تنظيم النسل.

أجازت الفتوى تنظيم النسل لما سيأتي من مسوغات في مكانه([57])، ولكن مع إجازتها لذلك راعت الفتوى مقصد حفظ النوع الإنساني في اختياراتها الخاصة بتنظيم النسل؛ وذلك من عدة جهات:

  • أن تنظيم النسل إنما يجوز على المستوى الفردي لا على مستوى الأمة.

فالاتفاق بين الزوجين على عدم الإنجاب إنما يجوز على المستوى الفردي؛ أما على مستوى الأمة فلا يجوز؛ فقد تقرَّر شرعًا أنَّ الفتوى تختلف باختلاف تعلُّق الحكم بالفرد وتعلُّقه بالأمة، ولأن الأمر حينئذٍ يكون فيه إعاقة لاستمرار التناسل البشري، وتصبح المسألة نوعًا من الاعتراض على الله تعالى في خلقه بمحاولة تغيير نظامه وخلخلة بنيانه وتقويض أسبابه التي أقام عليها حياةَ البشر.

وقد قررت الفتوى أنه لا يدخل في هذا المنع العام الممنوع شرعًا ما تقومُ به الدول من تدابير تحديد النسل وترغيب الناس فيه؛ فإنه ليس منعًا من الإنجاب مطلقًا، وإنما هو حرصٌ على الموازنة بين المواردِ وعدد السكان الذين ينتفعون بهذه الموارد، ويُطالِبون الحكومات بتقديم الخدمات اللازمة لهم في أمور المعيشة المختلفة، والتي يؤثر عليها بالضرورة الزيادة في عدد السكان وفق الدراسات المفصحة عن إمكانيات هذه الدول؛ فتصرف ولي الأمر منوط بالمصلحة([58]).

  • أن تنظيم النسل لا يجوز إلا بموافقة الزوجين.

اختارت الفتوى أن تنظيم النسل لا يجوز إلا بموافقة الزوجين بناء على الرأي الفقهي القائل بمنع العزل([59]) إلا بموافقة الزوجة؛ وذلك لأنهما معًا أصحاب الشأن ويرجع إليهما تقدير الضرورة أو المصلحة من وراء تنظيم النسل([60])؛ يقول العلامة البهوتي الحنبلي: «ويحرم العزل عن الحرة إلا بإذنها؛ لما روي عن عمر قال: “نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْزَلَ عَنِ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا”([61])، ولأنَّ لها في الولد حقًّا، وعليها في العزل ضرر، فلم يَجُزْ إلا بإذنها»([62]).

ثالثًا: ضبط عملية تحديد نوع الجنين:

لم تمنع الأدلة الشرعية تحديد الزوجين لنوع الجنين في عملية الحقن المجهري، ومن هنا جاز للزوجين هذا التحديد؛ باعتبار أن الأصل في الأشياء الإباحة؛ لأن الإنسان يمكنه أن يتزوج أو لا يتزوج، وإذا تزوج فيمكنه أن ينجب أو لا ينجب، وإذا أنجب فيمكنه أن ينظم النسل أو لا ينظمه، كلٌّ حسب ظروفه وأحواله، وكما يجوز للإنسان أن يعمل على زيادة نسبة اختيار نوع الجنين بما ينصح به المختصون في ذلك –من اختيار نوع الغذاء، أو توقيت الجماع قبل التبويض أو أثناءه، أو غربلة الحيوانات المنوية، أو غير ذلك من الأساليب التي يعرفها أهلها– فكذلك يجوز التعامل المجهري مع الكروموسومات والمادة الوراثية DNA لنفس الغرض؛ إذ ليس في الشرع ما يمنع من ذلك على المستوى الفردي، ولكن كل هذا بشرط ألاّ يكون في التقنية المستخدمة ما يضرّ بالمولود في قابل أيامه ومستقبله، وهذا مَرَدُّه لأهل الاختصاص؛ فلا يُقبَل أن يكون الإنسان محلاّ للتجارب، ومحطًّا للتلاعب.

ولكن لما خلق الله تعالى الإنسان خلقًا متوازنًا؛ فجعله زوجين: ذكرًا وأنثى، وميز كلًّا منهما بخصائص تتناسب مع الوظائف التي أقامه فيها، وبيَّن أن هذه هي طبيعة الخلق التي تقتضي استمراره؛ فقال تعالى: {يا أيها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم الذي خَلَقَكم مِن نَّفسٍ واحِدةٍ وخَلَقَ منها زَوجَها وبَثَّ منهما رِجالا كَثِيرًا ونِساءً واتَّقُوا اللهَ الذي تَساءَلُونَ به والأَرحامَ إنّ اللهَ كان عليكم رَقِيبًا} [النساء: 1]، وقال تعالى: {وأَنَّه خَلَقَ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ والأُنثَى مِن نُطفَةٍ إذا تُمنى} [النجم: 45-46]، وقال تعالى: {ومِن كُلِّ شَيءٍ خَلَقنا زَوجَينِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49] ولما كان هذا التنوع في الخلق والتوازن في الطبيعة هو ما اقتضته حكمة الله تعالى العليم بكل شيء والقدير على كل شيء: {للهِ مُلكُ السَّمَواتِ والأَرضِ يَخلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لمَن يَشاءُ الذُّكُورَ أو يُزَوِّجُهم ذُكرانًا وإناثًا ويَجعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا إنَّه عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى: 49-50]؛ من هنا كان الإخلال بذلك إخلالًا بمقتضى الحكمة؛ وكانت إجازة تحديد نوع الجنين على المستوى الجماعي إخلالًا بمقصد حفظ النوع الإنساني؛ فمن هنا منعت الفتوى تحديد نوع الجنين على المستوى الجماعي؛ وذلك بناءً على ما هو مقرر شرعًا من اختلاف الفتوى باختلاف تعلق الحكم بالفرد وتعلقه بالأمة، فالأمر في مسألة تحديد نوع الجنين يختلف كذلك؛ لأن الأمر إن كان على المستوى الجماعي سيتعلق باختلال التوازن الطبيعي الذي أوجده الله تعالى، وباضطراب التعادل العددي بين الذكر والأنثى الذي هو عامل مهم من عوامل استمرار التناسل البشري، وتصبح المسألة نوعًا من الاعتراض على الله تعالى في خلقه بمحاولة تغيير نظامه وخلخلة بنيانه وتقويض أسبابه التي أقام عليها حياة البشر([63]).

رابعًا: إجازة استخدام الوسائل العلمية الحديثة لمساعدة الزوجين على الإنجاب في إطار المشروعية.

من المعروف أن الله سبحانه وتعالى قد يُقدِّر للزوجين ألا يستطيعا الإنجابَ بالطرق الطبيعية لمانعٍ؛ وقد استطاع العلم الحديث أن يصل إلى وسائل وطُرُق مختلفة لمساعدة مَن يريد الإنجاب على تحقيق أمله في ذلك؛ وحفظًا للنوع الإنساني لم تمنع الفتوى من استخدام هذه الوسائل بعد وضع الضوابط الشرعية لها؛ ومن ذلك إجازة الإنجاب الصناعي بوضع لقاح الزوج والزوجة خارج الرحم ثم إعادة نقله بعد ذلك إلى رحم الزوجة بشرط أن يثبُت قطعًا أن البويضة من الزوجة والحيوان المنوي من زوجها، ويكون ذلك في حالة قيام الزوجية بينهما، وأن يتم تفاعلهما وإخصابهما خارج رحم هذه الزوجة –فيما يسمى بالأنابيب– وتُعاد البويضة ملقحةً إلى رحم تلك الزوجة دون استبدالٍ أو خلطٍ بمني إنسان آخر، وتكون هناك ضرورة طبية داعية إلى ذلك؛ كمرضٍ بالزوجة أو الزوج يمنع الإنجاب بالأسلوب الطبيعي، أو أن الزوجة لا تحمل إلا بهذه الوسيلة، على أن يتم ذلك على يد طبيب حاذق مؤتمن في تعامله([64]).

 

المطلب الثاني: مقصد حفظ النسب([65]):

إن انتساب الإنسان إلى أصله ونقاء الأنساب وصيانتها من الاختلاط هو أحد مقاصد الأسرة، وهو مقصِد للشريعة مستقل عن مقصِد حفظ النسل.

ونسب الولد عن طريق الزواج لوالديه يكون وفق قواعد وضوابط معينة يثبت بها هذا النسب، وبالتالي تترتب عليه الأحكام الشرعية.

والزواج الشرعي في الإسلام هو الأساس في تكوين الاسرة؛ وهو السبيل الوحيد فيه لإيجاد النسل الشرعي؛ والأولاد الذين خلقهم الله من ماء الزوجين يُنسبون إليهما؛ لأنهم بهذا النسب يظفرون برعايتهما وتربيتهما على وجهٍ مقبولٍ مناسبٍ لكرامة الإنسان؛ لذلك حرَّم الله تعالى أي صورة من صور اجتماع الرجل بالمرأة على غير أساسٍ من الزواج المشروع، وقد نص القرآن الكريم على ذلك في كلا الجانبين؛ مرة في جانب الرجل ومرة في جانب المرأة، وركز على صورتين معهودتين عند العرب في عصر نزوله، وهما صورة السفاح وصورة الخدانة؛ ففي جانب الرجل يقول الحق جل شأنه بعد أن عدَّد أصناف المحرمات من النساء: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} [النساء: 24]، وفي جانب النساء يقول تعالى: {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} [المائدة: 5].

وقد حرَّم الإسلام هذه الصور لأنها لا تؤدي إلى تكوين صورة “الأسرة” التي قررها الإسلام، والتي من مقاصدها حفظ النسب؛ ذلك لأن هذه الصور وإن أدت إلى ثمرة هي إلا أن هذه الثمرة لا قيمة لها في حكم الإسلام؛ فإن النسب نعمة يمتن الله بها على عباده؛ يقول: {وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا وكان ربك قديرًا} [الفرقان: 54]؛ فلأجل حفظ النسب حرّم الإسلام الزنا وشُرِعَتْ الأحكام الخاصة بالعِدَّة، وعدم كتم ما في الأرحام، وإثبات النسب وجحده، وهي أحكام لها تفصيلها في مظانِّها من المراجع الفقهية([66]).

وقد راعت الفتوى المنضبطة هذا المقصد في اختياراتها؛ وذلك من عدة وجوه؛ منها:

أولًا: إبطال نظام التبني:

أبطل الله تعالى نظام التبني الذي كان معمولًا به في الجاهلية، وأمرنا بإرجاع نسب الأولاد بالتبنِّي إلى أنسابهم الحقيقية، قال الله جل شأنه: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ، ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 4-5]، وقال صلى الله عليه وسلم: «من ادَّعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام»([67])، وفي رواية: «أيُّما رجل ادَّعى إلى غير والديه أو تولى غير مواليه الذين أعتقوه، فإن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلى يوم القيامة لا يُقْبَل منه صَرْف([68]) ولا عدل([69])»([70]).

وقد أسهمت الفتوى المنضبطة في هذا الصدد بالعديد من الفتاوى التي تتوخَّى حرص الشريعة على حفظ الأنساب فقد جاء في فتوى دار الإفتاء المصرية: « لا يجوز شرعًا تسمية الطفل المكفول باسم كافله بحيث يشترك معه في كامل اسمه، أو فيما يوهم أنه ابنه من صلبه؛ لِما يحصل بهذا من صورة التبني المنهي عنه شرعًا؛ قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]، ومعلوم أن الصحابي الجليل زيد بن حارثة رضي الله عنه كان يُسَمَّى بـ”زيد بن محمد” لَمَّا تَبنَّاه سيدُنا محمد صلى الله عليه وسلم، فلما نزل التحريم عاد اسمه كما كان “زيد بن حارثة”.

والجائز منح الطفل المكفول لقبَ عائلةِ كافلِه؛ بحيث يَظهَرُ مُطلَقُ الانتماءِ إلى العائلة، دون التدليس بأنه ابنه أو ابنته من صلبه؛ حتى لا يدخل ذلك في نطاق التبني الْمُحَرَّم شَرْعًا، بل إن تلك الإضافة التي تكون في آخر اسم الطفل اليتيم أو مجهول النسب ستكون مثل عُلقة الولاء التي كانت بين القبائل العربية قديمًا، وهذا هو القدر الجائز، المُشْعِرُ بالولاء، الخارج عن التبني المحرم شرعًا؛ لأن التَّبَنِّي هو إضافةُ ولدِ غيرِه إليه وإقامتُه مُقامَ ولدِه في الميراث والنسب والخلوة بنساء الأسرة على أنهنَّ محارمه وغير ذلك مما كان شائعًا في الجاهلية وصدر الإسلام، ثم حرَّمه الإسلام حِرْصًا على عدم اختلاط الأَنْسَاب‏.

أما الزيادة على ذلك بكتابة اسم الكافل أو الكافلة، مكان اسم أبي المكفول أو أمه المدوَّنَين في شهادة ميلاده: فهو أمر غير جائز شرعًا؛ لِما يتضمَّنُه مِن صورة التبني المحرَّم شرعًا؛ حيث إن المعتاد بين الناس التخاطب باسم الإنسان وأبيه وعائلته؛ فإذا سمح بتغيير اسم الأب والأم واللقب كان ذلك تدليسًا بنسبة الطفل إلى الكافل أو الكافلة، وإنما الجائز إظهار مُطْلَق الانتماء إلى العائلة الحاصل بإضافة لقب الكافل وحده دون اسمه، فإذا تعدى ذلك إلى التدليس بادِّعاء البُنُوَّة الصُّلْبِيَّة أو ما يُشعِر بها عن طريق إضافة الاسم الأول فإنه ينتقل من نطاق إظهار مطلق الانتماء إلى التبني المحرم شرعًا، وهو ما نهى عنه الله تعالى بقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ الله فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 5].

وبناءً على ذلك: فإنه لا يجوز تغيير اسم أم المكفول المدون في شهادة ميلاده ليوافق اسم الكافلة؛ لِمَا في ذلك من التبني المحرم شرعًا»([71]).

وجاء في فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية بشأن رجل وزوجته ليس لديهما أولاد ويرغبان في تبني طفل وبنت ليسا من عائلة واحدة، ويسألان عن كيفية معاملتهما لهما منذ الصغر إلى أن يبلغا فقالت اللجنة في فتواها: « لا يجوز لكما تبني الطفل المهجور ولا البنت المذكورة، ولا غيرهما من الأولاد الذين ليسوا أولادًا شرعيين لكما؛ لأن الله حرم التبني في الإسلام، وأبطل التبني الذي كان معمولا به في الجاهلية وأول الإسلام، ومن ذلك تبني رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [ سورة الأحزاب الآية 4] كما حرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل مسلم ومسلمة أن ينسب إنسانًا له أو إلى غيره وهو ليس كذلك، أو يدَّعي نسبه إلى شخص أو قبيلة وهو كاذب، ويدل لذلك ما رواه أبو ذر رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس من رجل ادَّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادَّعى قومًا ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار» متفق عليه([72])، وفي رواية عند البخاري: «إن من أعظم الفِرَى أن يدعى الرجل إلى غير أبيه([73])»… الحديث. فالواجب أن ينسب كل شخص إلى أبيه، فإن لم يكن له أب معروف وكان له ولاء نسب إليه، فإن لم يكن له ولاء دعي باسم الأخوة في الدين، فيقال له: يا أخي، أو يا أختي؛ لقول الله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5]، والمشروع لكما الإحسان إليهما وحضانتهما إن لم يكن لهما أحد من ذويهما يكفلهما، ولكما الأجر والثواب عند الله على ذلك، وإن بقيا عندكما حتى البلوغ ولم يكن بينكما رضاع محرم فإنهما أجنبيان منكما، لا يحل للزوج أن يخلو بالمرأة ولا النظر إليها، ولا يحل للزوجة أن تخلو بالرجل ولا نظرها إليه أو نظره إليها، ويجب على المرأة أن تتحجب الحجاب الشرعي عن الرجل، وكذلك لا يجوز السفر بهما بدون محرم، وكذلك الشأن بين الطفل والطفلة إذا بلغا، وليس بينهما رضاع محرم هي أجنبية منه، لا يجوز الخلوة بينهما، ويجب على المرأة أن تتحجب منه الحجاب الشرعي، ولا يجوز له أن يسافر بها بدون محرم، كما لا يجوز لكما أن تليا عقد نكاحها، فإن لم يكن لها ولي من النسب أو وصي شرعي عليهما ولا عصبة فالمرجع في ذلك إلى الإمام أو نائبه كالقاضي»([74]).

ثانيًا: حفظ النسب بالوسائل العلمية الحديثة:

من الطرق التي أقرتها الشريعة في حفظ النسب الاستعانة بالوسائل العلمية الحديثة إذا احتيج إلى ذلك، ومن ذلك البصمة الوراثية أو الحامض النووي (DNA) فقد أثبت العلم الحديث أن الصفات الوراثية التي تنتقل من الأصول إلى الفروع لها دور في تحديد شخصية كل فرد عن طريق تحليل عينة من الحامض النووي، فمن الممكن أن يُستعان في إثبات النسب بهذا الطريق إذا حدث خلاف بين الزوجين في نسب المولود، ولكن لابدَّ من توافر شروط وضوابط للاعتماد على تحليل الحامض النووي في إثبات النسب.

وقد كان للفتوى المنضبطة دور في هذا الشأن، فقد أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى في سنة 2005م جاء فيها: «الاعتماد على تحليل البصمة الوراثية المعروف باسم “D. N. A” في نفي النسب لا يجوز شرعًا حيث إن التحاليل يعتريها الخطأ البشري المحتمل، وحتى لو دلت البصمة الوراثية في نفسها على نفي النسب أو إثباته يقينًا فإن ذلك اليقين في نفسه يقع الظن في طريق إثباته، مما يجعل تقرير البصمة الوراثية غير قادر على نفي النسب، أما إثبات النسب بهذه البصمة فلا يكون إلا في عقد صحيح لا يتم اللعان فيه بين الزوجين فإن تم اللعان فاللعان أقوى من البصمة الوراثية.

ويجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في الحالات الآتية:

1- حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء سواء أكان التنازع على مجهول النسب بسبب انتفاء الأدلة أم تساويها أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة ونحوه.

2- حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات ومراكز رعاية الأطفال ونحوها، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب.

3- حالات ضياع الأطفال واختلاطهم بسبب الحوادث أو الكوارث أو الحروب، وتعذر معرفة أهلهم، أو وجود جثث لم يمكن التعرف على هويتها، أو بقصد التحقق من هويات أسرى الحروب والمفقودين.

ثانيًا: أما عن المدة التي يجوز للرجل نفي الولد خلالها فنقول:

إذا ثبت نسب الولد فلا يمكن نفيه، وإثبات نسبه يكون بقبول التهنئة بولده، وكذلك السكوت على النفي وقت الولادة؛ أي الوقت الذي يمكنه فيه النفي ولم ينفه، وكذلك إثبات مولده في شهادات الميلاد والسجلات الحكومية»([75]).

ثالثًا: تحريم كل صور اللقاء خارج الزواج المشروع.

وسيأتي بيان تفصيلي بدور الفتوى في ذلك.

 

 

المطلب الثالث: الإحصان:

من مقاصد الأسرة في الإسلام الإحصان؛ فقد اختُصَّ الإسلام بمراعاته للفطرة البشرية وقبوله بواقعها ومحاولة تهذيبها والارتقاء بها لا كَبْتها وقمعها، قال الله جل شأنه: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} [النساء: 14]؛ فهي شهوات مستحبّة مستلذّة، ويوفر الزواجُ الشرعي تحقيق هذه الشهوات بالإحصان؛ ولكن مع صون العفاف وحفظ الأعراض؛ فيجب أن توضع شهوات الإنسان في مكانها لا تتعداه، ولا تطغى على ما هو أكرم في الحياة وأعلى، بعد أخذ الضروري من تلك الشهوات في غير استغراق ولا إغراق، كما حث الرسول صلى الله عليه وسلم أمته على وضع الأمور في نصابها في صوت العفاف والإحصان وحفظ الأعراض، وسد ذرائع الفساد الجنسي بالقضاء على فوضى الإباحية والانحلال فقال صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج»([76])، وعن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان أخبره أن هِرَقْلَ أرسل إليه فسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: -يعني النبي صلى الله عليه وسلم- يأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة([77])([78]).

وسيأتي ذكر فتاوى تتعلق بإحصان الرجل لزوجته والزوجة لزوجها في المبحث الخاص بالحقوق والواجبات الزوجية في الفصل الثاني (حماية الحياة الزوجية في النظر الإفتائي).

 

المطلب الرابع: حفظ التديُّن في الأسرة:

الأسرة هي محضن الأفراد، لا برعاية أجسادهم فقط، بل الأهم هو غرس القيم الدينية والخُلُقية في نفوسهم، وتبدأ مسئولية الأسرة في هذا المجال قبل تكوين الجنين بحُسن اختيار كل من الزوجين للآخر، وأولوية المعيار الديني والخلقي في هذا الاختيار، وتستمر هذه المسئولية بتعليم العقيدة والعبادة والأخلاق لأفراد الأسرة وتدريبهم على ممارستها، ومتابعة ذلك حتى بلوغ الأطفال رُشدهم واستقلالهم بالمسئولية الدينية والقانونية عن تصرفاتهم.

وللفتوى المنضبطة دور في الحث على التدين داخل محيط الأسرة، ففي فتوى أصدرتها دار الإفتاء الأردنية عن رجل عنده امرأة لا تصلي بيَّنت واجب زوجها نحوها فقالت: «قال الله تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} [طه: 132]. فواجب الرجل أن يأمر أهل بيته بالصلاة وأن يدعوهم إلى ذلك بالأسلوب الذي يراه مناسبًا حتى يستجيبوا لأمر الله تعالى».

وأضافت الفتوى: «والمرأة أيضًا إذا كان زوجها لا يصلي يجب عليها أن تدعوه للصلاة وأن تثابر على ذلك حتى يهديه الله تعالى»([79]).

وقد بيَّنت فتوى أخرى لدار الإفتاء المصرية جانبًا من هذا التدين داخل محيط الأسرة يتمثل في استحباب اصطحاب الأطفال المميزين إلى المسجد فقد جاء في الفتوى: «اصطحاب الأطفال المميزين إلى المسجد هو أمرٌ مستحبٌّ شرعًا؛ لتعويدهم على الصلاة، وتنشئتهم على حب هذه الأجواء الإيمانية التي يجتمع المسلمون فيها لعبادة الله تعالى؛ حتى يكون ذلك مكونًا من مكونات شخصيتهم بعد ذلك، مع الحرص على تعليمهم الأدب، ونهيهم عن التشويش على المصلين أو العبث في المسجد، على أن يكون ذلك برفق ورحمة، وأن يُتَعامَل مع الطفل بمنتهى الحلم وسعة الصدر من غير تخويف أو ترهيب له؛ فإن ردود الأفعال العنيفة التي قد يلقاها الطفل من بعض المصلين ربما تُوَلِّد عنده صدمةً أو خوفًا ورعبًا من هذا المكان، والأصل أن يتربَّى الطفل على أن المسجد مليء بالرحمات والنفحات والبركات، فيَكْبُر على حُبِّ هذا المكان ويتعلق قلبه ببيت الله تعالى، كما جاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله؛ حيث ذكر النبي صلى الله عليه وسلم منهم: (ورجل قلبه معلق في المساجد)([80])».

وأضافت الفتوى: «وقد استدل العلماء على جواز إحضار الأطفال عمومًا إلى المساجد بأحاديث؛ منها: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أُمامةَ بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم([81]).

قال الحافظ ابن حجر([82]): [واستُدِلَّ به على جواز إدخال الصبيان في المساجد] اهـ بتصرف.

وأخرج الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما([83]) عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه» واللفظ للبخاري.

ومن هذه الأحاديث أخذ العلماءُ جواز إحضار الأطفال للمسجد، واستثنوا منهم من كان لا ينتهي عن التشويش على المصلين إذا نُهِيَ عنه، فبيَّنوا مشروعية منعهم من دخول المساجد، على أن يكون ذلك المنع بالرفق والرحمة»([84]).

ومن الفتاوى التي رسَّخت لمبدأ حفظ التدين في الأسرة فتوى دار الإفتاء المصرية بعدم طاعة الزوجة لزوجها إذا طلب منها خلع الحجاب، فقد جاء في الفتوى: «لا يحل للمرأة أن تَخرج إلى الشارع وهي عارية الرأس؛ لأن الرأس من العورة التي أُمِرت بسترها شرعًا، كما لا يحل لها أن تُطيع زوجها في ذلك؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»([85]).

 

([1]) ينظر: الأسرة: التكوين-الحقوق والواجبات.. دراسة مقارنة في الشريعة والقانون، أحمد حمد، (ص 14)، وميثاق الأسرة في الإسلام، اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل بالمجلس الإسلامي العالمي للدعوة الإغاثة، الطبعة الأولى، 1428هـ، 2007م، (ص 125).

([2]) ينظر: ميثاق الأسرة في الإسلام (ص 105) وما بعدها.

([3]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (1359)، ومسلم (2658) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([4]) أخرجه أبو داود (5116) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([5]) انظر: الأسرة: التكوين-الحقوق والواجبات.. دراسة مقارنة في الشريعة والقانون، أحمد حمد، (ص21)، وما بعدها.

([6]) أخرجه أبو داود (236) من حديث عائشة رضي الله عنها.

([7]) ينظر: المعجم الوسيط (1/ 1001).

([8]) ينظر: تفسير ابن كثير (3/ 530).

([9]) تقدم تخريجه.

([10]) ينظر: معالم السنن للخطابي، (2/ 311).

([11]) أخرجه مسلم (2295) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.

([12]) أخرجه أحمد (26736).

([13]) أخرجه أحمد (23489) من حديث أبي نضرة، قال: حدثني من سمع خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

([14]) تفسير ابن كثير (1/ 226).

([15]) تموت بجُمْع: أي تموت في النفاس، أو وولدها في بطنها.

([16]) أخرجه أبو داود (3111)، والنسائي (1846)، وابن ماجه (2803) من حديث جابر بن عتيك رضي الله عنه.

([17]) أخرجه مسلم (1218) من حديث جابر رضي الله عنه.

([18]) ينظر: ميثاق الفتوى في الإسلام (ص 134).

([19]) التجسس: البحث عن عيوب الناس وعوراتهم.

([20]) التحسس: تتبع الأخبار والاستماع إلى عورات الناس.

([21]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (5143)، ومسلم (2563) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([22]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (481)، ومسلم (2585) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

([23]) انظر: المشكلات الأسرية وعلاجها من خلال جهود مكاتب الإصلاح بوزارة العدل للدكتور علي بن حمد البدر (ص43)، دار التدمرية-الرياض.

([24]) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج4، ص456.

([25]) الجصاص، أحكام القرآن، ج2، ص109، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج5، ص97.

([26]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (5186)، ومسلم (1468).

([27]) عبد الرحمن المباركفوري، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ج4، ص326.

([28]) أخرجه الترمذي (1162) وقال: «حسن صحيح».

([29]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (4942)، ومسلم (2855).

([30]) أخرجه الترمذي (3895) وقال: حسن صحيح.

([31]) أخرجه مسلم (918).

([32]) أخرجه النسائي (3233).

([33]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (5228)، ومسلم (2439).

([34]) أخرجه الترمذي (3894)، وقال: حسن صحيح غريب.

([35]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (322)، ومسلم (296).

([36]) أخرجه البخاري (3217).

([37]) يفرك: أي يكره.

([38]) أخرجه مسلم (1469).

([39]) «المستصفى» للغزالي، (ص 174).

([40]) «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» للعز بن عبد السلام، (2/189).

([41]) «شفاء الغليل» للغزالي، (ص 159).

([42]) «مقاصد الشريعة الإسلامية» لمحمد الطاهر بن عاشور، (ص 51).

([43]) المصدر السابق.

([44]) الموافقات، للشاطبي، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، 1417هـ، 1997م، (2/ 17).

([45]) الموافقات، للشاطبي (2/ 20).

([46]) «قواعد الأحكام في مصالح الأنام»، للعز بن عبد السلام، (2/189).

([47]) «المستصفى»، للغزالي، (ص 174).

([48]) «المنثور في القواعد» لابن بهادر الزركشي، (2/319).

([49]) يراجع: الموافقات، للشاطبي، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، ط. دار ابن عفان، الطبعة الأولى، 1417هـ، 1997م، ومقاصد الشريعة الإسلامية، للطاهر بن عاشور، تحقيق: محمد الحبيب بن الخوجة، 1425هـ، 2004م.

([50]) ينظر: موقف الإسلام من تنظيم الأسرة (ص25).

([51]) أخرجه الشافعي في الأم (5/154- دار المعرفة- 1410هـ/ 1990م) بلاغًا.

([52]) أخرجه الترمذي وحسنه (1021) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

([53]) أخرجه مسلم (1631) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([54]) ينظر: الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع، السيوطي، مطابع الرشيد، (ص 164).

([55]) أخرجه أبو داود (2050)، والنسائي (3227).

([56]) ينظر: ميثاق الأسرة في الإسلام (ص 132).

([57]) راجع الكلام على دور الفتوى في حماية الأسرة في هذا المجلد؟؟؟.

([58]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (2) لسنة 2019م.

([59]) معنى العزل: أن ينزع الرجل عن زوجته إذا قرب الإنزال فيُنزِل خارجًا عن الفرج. ينظر: كشاف القناع للبهوتي، دار الكتب العلمية، (5/ 189).

([60]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (2) لسنة 2019م.

([61]) أخرجه ابن ماجه (1928).

([62]) كشاف القناع للبهوتي، دار الكتب العلمية، (5/ 189).

([63]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (144) لسنة 2010م.

([64]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (100) لسنة 2012م.

([65]) ينظر: أحكام الأسرة في الإسلام للدكتور محمد مصطفى شلبي (695)، الدار الجامعية-بيروت.

([66]) ينظر: الأسرة لأحمد حمد (ص 17)، وميثاق الأسرة في الإسلام (ص 135).

([67]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (4326)، ومسلم (63) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

([68]) الصرف: الفريضة أو النافلة، وقيل التوبة.

([69]) العدل: التوبة أو الفدية.

([70]) أخرجه مسلم (1370) من حديث علي رضي الله عنه.

([71]) فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (13713) لسنة 2017.

([72]) أخرجه البخاري، رقم (3508)، ومسلم، رقم (61).

([73]) أخرجه البخاري، رقم (3509).

([74]) فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (20/391-394)، جمع وترتيب: أحمد بن عبد الرزاق الدويش، رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء-الرياض.

([75]) انظر: الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية (30/56-61)، القاهرة، 1431هـ-2010م.

([76]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (1905)، ومسلم (1400) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

([77]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (7)، ومسلم (1773).

([78]) ينظر: ميثاق الأسرة في الإسلام (ص 137)، التربية الأسرية من هدي السنة النبوية لعبد العزيز فاضلي (ص209)، دار الكتب العلمية-2010م.

([79]) ينظر: موقع دار الإفتاء الأردنية، الفتوى رقم (2141).

https://www.aliftaa.jo/

([80]) متفق عليه: أخرجه البخاري، رقم (660)، ومسلم، رقم (1031).

([81]) أخرجه البخاري، رقم (516)، ومسلم، رقم (543).

([82]) ينظر: فتح الباري (1/592)، ط. دار المعرفة.

([83]) أخرجه البخاري، رقم (709)، ومسلم (470).

([84]) ينظر: موقع دار الإفتاء المصرية، الفتوى رقم (185) لسنة 2012.

https://www.dar-alifta.org/

([85]) ينظر: موقع دار الإفتاء المصرية، فتوى الشيخ أحمد محمد عبد العال هريدي، بتاريخ 11 يناير 1962م.

https://www.dar-alifta.org/

اترك تعليقاً