البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفصل الثاني: دور الفتوى في حفظ حقوق الطفل في الإسلام.

55 views

إن الأسرة محضن الطفل وبيئته الطبيعية اللازمة لرعايته وتربيته، وهي المدرسة الأولى التي يُنَشّأ الطفل فيها على القيم الإنسانية والأخلاقية والروحية والدينية؛ يقول صلى الله عليه وسلم في تأثير الأسرة على الطفل: «ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»([1]).

وقد وضعت الشريعة المطهرة سائر الأحكام التي توفر البيئة المناسبة للطفل وأمرت بكل ما فيه مصلحة له؛ ويتناول هذا الفصل حقوق الطفل ودور الفتوى في حفظها، وذلك في عدة مباحث، وهي:

المبحث الأول: النسب.

المبحث الثاني: العناية بالجنين.

المبحث الثالث: الرضاع.

المبحث الرابع: الحضانة.

المبحث الخامس: الولاية على النفس والمال.

المبحث السادس: إحسان تربية الطفل وتعليمه.

المبحث السابع: الحماية المتكاملة.

المبحث الثامن: المعاملة الحانية.

المبحث التاسع: الاستمتاع بالوقت مع الحماية من المفاسد.

المبحث العاشر: حرية الفكر والوجدان.

المبحث الحادي عشر: خصوصية العناية بالابنة.

 

 

المبحث الأول: النسب([2]).

تولي الشريعة موضوع النسب عناية خاصة؛ فحفظ النسب من المقاصد الخمس الكبرى؛ يقول الله تعالى: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناحٌ فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورًا رحيمًا} [الأحزاب: 5]، وقد حرّمت الشريعة الإسلامية الزنا، وفرضت عدّة للمطلقة والمتوفى عنها زوجها، لا يجوز لها أن تتزوج بآخر إلا بعد انقضائها، لعدم اختلاط الأنساب، واعتبر الأصوليون حفظ الأنساب من مقاصد الشريعة، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرامٌ»([3]).

وثبوت النسب فرعٌ عن الزواج الصحيح أو الفاسد -أي الذي فقد شرطًا مِن شروط صحة النكاح- أو في حالة الوطء بشبهة؛ كأن يطأ امرأة ظنًّا منه أنها زوجته فيظهر خلاف ذلك، والأبوة علاقةٌ شرعيةٌ لا طبعيةٌ، أي: أنَّ نسب الطفل إلى مَن تَخَلَّق مِن مَائِهِ إنما يثبت مِن طريق الشرع لا مِن طريق الطبع، أمَّا النسب بين الطفل وأمه فيثبت مِن جهة الطبع؛ لأن الأمومةَ علاقةٌ طبعيةٌ.

ومن هنا كان المتخلق مِن ماء الزنا ليس ابنًا للزاني؛ حيث تم الاجتماع بين الرجل والمرأة مِن غير عقد زواج، وإن كان بالطبع هو ابنٌ للزانية؛ حيث حملته في بطنها ووُلِد منها قطعًا، فتجري عليه أحكام هذه البنوة في شأن المحرمية والميراث وغير ذلك، ولا يثبت نسب الطفل إلى الرجل إلَّا إذا كان اجتماعه مع أمه في عقدٍ صحيحٍ أو حتى فاسدٍ أو في وطءِ شبهةٍ، فإذا انتفى العقدُ فلا يثبت النسبُ شرعًا بإجماع الأمة، وقد نصت بعض القوانين في البلاد الإسلامية على ذلك فورد في المادة الخامسة عشرة مِن قانون الأحوال الشخصية المصري رقم 1 لسنة 2000م أنه: “لا تُسمَع عند الإنكار دعوى النسب لولدِ زوجةٍ ثَبَتَ عدمُ التلاقي بينها وبين زوجها مِن حين العقد، ولا لولدِ زوجةٍ أَتَتْ به بعد سنةٍ مِن غَيبةِ الزوجِ عنها، ولا لولدِ المطلَّقةِ والمتوفى عنها زوجُها إذا أَتَت به لأكثرَ مِن سنةٍ مِن وقت الطلاق أو الوفاة”([4]).

ورغم ذلك فإن الشرع تشوَّف لإثبات النسب مراعاة لحق الطفل فيه وإحياءً للولد وحملًا لحال المرأة على الصلاح؛ فمن هنا أوجب على القاضي الاحتيال بكل وجهٍ لإثبات النسب، ولذلك أثبت النسب بشتى الوسائل: كالشهادة، والإقرار، والقيافة، وغيرها من الوسائل، فإذا تبين للقاضي أن الطفل وُلِد مِن زواجٍ صحيحٍ أو حتى مِن زواجٍ فاسدٍ أو وطءِ شبهةٍ فعليه أن يحكم بثبوت النسب، وله أن يأخذ في هذا الصدد بالوسائل العلمية المادية التي توصل إلى معرفة الحقيقة؛ فمن هنا نصت الفتاوى المنضبطة على أنه يجوز إثبات النسب بالبصمة الوراثية باعتبارها مِن الوسائل العلمية الحديثة في الإثبات إذا كان ذلك في عقدِ زواجٍ صحيحٍ أو فاسدٍ أو وطءِ شبهةٍ، أما في حالة الزنا فلا يثبت نسب الطفل إلى الزاني وإنما يُنسَب لأمه فقط؛ لأن ماء الزنا هدَرٌ: أي لا يُعتَدُّ به شرعًا.

كما نصت على أن الإقرار بالنسب إذا تم مستوفيًا لشروطه فإنه لا يقبل الإنكار بعد ثبوته ولا يحتمل النفي ولا ينفك بحال، وذلك سواء أكان المُقِرُّ صادقًا في الواقع ونفس الأمر أم كاذبًا؛ حيث نص الفقهاء على أنه إذا أقر الرجل لولدٍ لم يَدَّعِه غيرُه بأنه ولدُه، وكان هذا الولد يولَد مثلُه لمثل المُقِرِّ، ولم يصرح المقِرُّ أن هذا الولد مِن الزنا، ولم يكن هذا الولد مِن أهل التصديق بأن كان لا يُعبِّر عن نفسه، أو كان الولدُ مِن أهل التصديق وصدَّق المُقِرَّ في إقراره: يثبت نسبه مِن المُقِر، ولا يصح للمقر الرجوعُ في إقراره؛ لأن النسب بعد ثبوته لا يقبل الإبطال ولا يصح بعد ذلك نفيه ولا إقرارُ شخصٍ آخر ببُنُوَّتِه.

والاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب غير معتدٍّ به شرعًا؛ حيث إن التحاليل يعتريها الخطأ البشري المحتمل، وحتى لو دلت البصمة الوراثية في نفسها على نفي النسب أو إثباته يقينًا فإن ذلك اليقين في نفسه يقع الظنُّ في طريق إثباته، مما يجعل تقرير البصمة الوراثية غير قادر على نفي النسب، أما إثبات النسب بهذه البصمة فلا يكون إلَّا في عقد صحيح لا يتم اللعان فيه بين الزوجين، فإن تم اللِّعان فاللِّعان أقوى مِن البصمة الوراثية.

ويجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في الحالات الآتية:

  1. حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء؛ سواء أكان التنازع على مجهول النسب بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها، أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة ونحوه.
  2. حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات ومراكز رعاية الأطفال ونحوها، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب.
  3. حالات ضياع الأطفال واختلاطهم بسبب الحوادث أو الكوارث أو الحروب وتعذر معرفة أهلهم، أو وجود جثثٍ لم يمكن التعرف على هويتها، أو بقصد التحقق مِن هويات أسرى الحروب والمفقودين.

ولا مانع شرعًا مِن إلزام المنكِر سواء أكان الرجل أم المرأة أم طرَفًا آخر -كالولي مثلًا- بإجراء تحليل البصمة الوراثية في إطار الزوجية وذلك عندما يدعي أحدهما أو كلاهما قيام علاقة زوجية بينهما مع عدم وجود مانع شرعي للزواج بين الرجل والمرأة ولو لم تثبت تلك العلاقة الزوجية بينهما في ذاتها بشهود أو توثيق أو نحوهما، وكذلك الحال في حدوثِ وطءٍ بشبهةٍ أو عقدٍ فاسدٍ بينهما؛ وهذا لإثبات نسبِ طفلٍ يدَّعي أحدُهما أو كلاهما أنه وُلِدَ منهما، وفي حالة رفض المدَّعَى عليه إجراء التحليل المذكور يُعَدُّ الرفضُ قرينةً قويةً على ثبوت نسب هذا الطفل له، وإن لم نلتفت إلى بقاء الزوجية في ذاتها والآثار المترتبة عليها؛ فإن إثبات النسب لا يعني استمرار قيام الزوجية. وإذا ثبت عدم صحة نسب المولود مِن المدعى عليه يُعَدُّ المدَّعي للعقوبة التعزيرية المناسبة التي يقررها ولي الأمر([5]).

وحفظًا للنسب أيضًا صدر قرار مجمع البحوث الإسلامية رقم (1) بتاريخ 29/3/2001م بتحريم تأجير الأرحام مطلقا؛ فلا يجوز شرعًا أن تستنبت الزوجة في رحمها بويضة من امرأة أخري سواء كانت مخصبة من زوجها أو من غيره وسواء كانت صاحبة البويضة امرأة أجنبية أو ضرة تشترك معها في الزوج نفسه.

وفي سياق حفظ النسب أصدرت دار الإفتاء المصرية فتواها بشأن حكم إجهاض المغتصبة التي حملت بسبب الاعتداء عليها، وقررت الفتوى أن المختار والمفتى به أن الإجهاض لا يجوز قبل نفخ الروح إلَّا إذا كانت النطفة من زنًا، أو كان ذلك لعذر، وعليه فإنه يجوز الإجهاض في حالة المغتصبة التي حملت بسبب الاعتداء عليها، ما دام الجنين لم يبلغ تمام الأشهر الأربعة؛ عملًا بقول مَن أجاز من العلماء الإجهاض خلال هذه المدة للعذر([6]).

المبحث الثاني: العناية بالجنين.

تبدأ حقوق الطفل في الشريعة الإسلامية مبكرًا قبل زواج الوالدين؛ وذلك بإحسان اختيار كل منهما للآخر؛ الأمر الذي ينعكس بطبيعة الحال على الطفل الذي يجئ إلى الدنيا وقد اكتسب من والديه الصفات الوراثية، كما تتحدد له بحكم تحديد الأب والأم البيئة التي سينشأ فيها والعناية التي سيحظى بها في مجالات الصحة والتغذية والتربية والتعليم، وغيرها، والطفل الذي ستصيبه وتتجسد فيه آثار هذا الاختيار، ليس له من يرعى مصلحته المقبلة أعظم من والديه، ولذلك حرصت الشريعة الإسلامية على التوصية بحسن اختيار الزوجين أحدهما للآخر، وأن يلتزم بمعايير الزواج الناجح التي حددتها الشريعة الإسلامية.

ثم تستمر عناية الشريعة بالطفل بإيجابها حماية الجنين، فتتمتع حياة الجنين في الشريعة الإسلامية بالحماية والرعاية الكاملة باعتباره إنسانًا حيًّا خلقه الله، ولو كانت حياته مستكنَّة في بطن أمه، حتى يكتمل له النمو الكافي لولادته حيًّا، ويرتبط بحقّ الحياة ابتداءً حقُّ البقاء والنماء مما يستوجب الرعاية الصحية والتغذية الملائمة للأم الحامل، وقد أوجب الإسلام على والد الطفل الإنفاق على أمه الحامل، فقال تعالى: {وإن كن أولات حملٍ فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروفٍ وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} [الطلاق: 6].

وحمايةً لحق الجنين في الحياة حرم الإسلام الإجهاض إلا لضرورة، وقد راعت الفتوى المنضبطة ذلك فاختارت أنه إذا مضى على الحمل مائة وعشرون يومًا في بطن أمه فلا يجوز إسقاطه بحال؛ لأنه حينئذ يكون قد نفخت فيه الروح، والاعتداء عليها غير جائز، ويكون الإسقاط حينئذ قتلًا للنفس التي حرم الله تعالى قتلها إلا بالحق؛ إلا أن يكون في استمراره خطرٌ محققٌ على حياة الأم -ويقرر ذلك الأطباء المتخصصون-، فلا مانع حينئذ من الإجهاض؛ لأن الحياة المتَيَقَّنة مقدمةٌ على الحياة المظنونة([7]).

ومن العناية بالجنين تحريم الإسلام الإضرار بالجنين بوجه عام حتى إنه أباح لأمه الحامل الإفطار في رمضان؛ فعن أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام»([8]).

ومن الفتاوى المنضبطة التي راعت هذا الجانب: فتوى دار الإفتاء المصرية التي جاء فيها: «إذا خافت زوجتُك على نفسها، أو خافت على نفسها مع خوفها على الجنين، فعليها القضاء فقط، ولا فدية عليها، أما إذا كان خوفها على الجنين فقط، بحيث حذرها المختصون من ضرر الصوم على الجنين، فعليها القضاء والفدية: وهي إطعام مسكينٍ عن كل يومٍ مُدًّا مِن طعام، والمُدُّ ربع صاع، أي ربع ما يخرج في زكاة الفطر من الحبوب أو التمر أو ما شابه مما يجزئ في زكاة الفطر»([9]).

ومن العناية بالجنين أيضًا أنه في حالة استحقاق الحامل عقابًا بحدٍّ أو قصاصٍ أمر الشرع بتأخير تنفيذ ذلك حتى تضع حملها وترضعه حتى الفطام؛ فعن عمران بن حصينٍ أن امرأةً من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها، فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني»، ففعل فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها، فقال له عمر: نُصَلي عليها يا رسول الله وقد زنت؟ قال: «لقد تابت توبةً لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله»([10]).

المبحث الثالث: الرضاع([11]).

فللطفل الرضيع الحق في الرضاعة من أمه فيما عدا حالتي مصلحة الرضيع والمصلحة الصحية للأم، وهاتان الحالتان يُحدّدهما أهل الخبرة، وقد نص القرآن الكريم على ذلك: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233].

ومن هنا نصت الفتوى المنضبطة على أن للمرضع الفطر في نهار رمضان مراعاةً لمصلحة الرضيع، وهذا ما قررته فتوى دائرة الإفتاء الأردنية، فقد جاء فيها: «الأصل أنه يجب الصيام على الحامل والمرضع، لكن: إن خافت على نفسها أو على نفسها وولدها، بأن لحقهما ضرر أو مشقة غير معتادة بسبب الامتناع عن الطعام والشراب أو أخذ دواء معين، أو نصح الطبيب الثقة المختص بعدم الصيام أفطرت وعليها القضاء فقط، ولا يجزئها دفع فدية بدلاً عن القضاء.

وإن كان الفطر خوفاً على الجنين فقط فيلزمها مع القضاء دفع فدية، وهي: إطعام مسكين مُد طعام ويقدر بـ (600 جم) من القمح أو الرز عن كل يوم حصل فيه الفطر. ويمكن إخراج قيمتها، التي تتفاوت بحسب الزمان والمكان.

يقول الخطيب الشربيني رحمه الله: “إن أفطرتا خوفًا من حصول ضرر بالصوم كالضرر الحاصل للمريض على نفسهما ولو مع الولد، وجب القضاء بلا فدية كالمريض. أو خافتا على الولد وحده، بأن تخاف الحامل من إسقاطه، أو المرضع بأن يقل اللبن فيهلك الولد، لزمتهما من مالهما مع القضاء الفدية في الأظهر”([12])»([13]).

 

المبحث الرابع: الحضانة([14]).

الحضَانة هي القيامُ على مصلحة الصغير ورعايته وحفظه في سِنٍّ مُعَيَّنَةٍ مِمَّن له الحق فيها، وللطفل الحقّ في أن يكون له من يقوم بحضانته -أي ضمّه- والقيام على تنشئته، وتربيته، وقضاء حاجاته الحيوية والنفسية.

والحضانة وتنظيمها إنما هي وسيلة لحماية المحضون ورعايته، والقيام بحقوقه والعناية بشؤونه، حتى إن الحاضنة إذا أرادت إسقاط الحضانة لا تسقط، وكل هذا حتى لا يضيع المحضون، الذي هو الغاية والمقصد من تنظيم شؤون الحضانة، فليست الحضانة ساحة لكيد المطلق ضد مطلقته، أو لمكر المطلقة بمطلقها، على حساب مصلحة المحضون، بل هي ولاية للتربية؛ غرضها الاهتمام بالصغير وضمان مصلحته والقيـام على شئونه، وقد أناطها الشرع الشريف بالأمن على المحضون في شخصه ودينه وخلقه، ومن جهة أخرى فهي مجال جيد لتعويد النفس على العطاء والبذل وإنكار الذات([15]).

كما أن حق الوالدين في حضانة الطفل حق طبيعي فطري؛ لما جُبل عليه الوالدان من الرحمة والشفقة والرفق بمولودهما، فهما أجدر النار بحضانته باعتباره جزءًا منهما، وأيضًا من حق الطفل أن ينشأ في كنف والديه، وقد أثبتت الدراسات النفسية والاجتماعية أن حرمان الطفل من رعاية والديه لأي سبب كان يعطل ارتقاء كثير من وظائفه الحيوية وقدراته النفسية والعقلية ويصيبه بالأمراض والاضطرابات العصبية والنفسية، والنقص في النمو الطبيعيّ في ناحية أو أكثر من نواحي شخصيته، ومسئولية الوالدين عن رعاية الطفل بالتشاور فيما بينهما، تستند إلى قوله تعالى: {فإن أرادا فصالًا عن تراضٍ منهما وتشاورٍ فلا جناح عليهما} [البقرة: 233]، فإذا كان الفطام يتم بالتشاور، فرعاية الطفل وتأديبه ومعيشته -من باب أولى- تكون أجدر بالتشاور والتراضي بين الطرفين؛ ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: «كلكم راعٍ ومسئولٌ عن رعيته؛ فالإمام راعٍ وهو مسئولٌ عن رعيته، والرجل في أهله راعٍ وهو مسئولٌ عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعيةٌ وهي مسئولةٌ عن رعيتها، والخادم في مال سيده راعٍ وهو مسئولٌ عن رعيته»([16]).

ولكن مع أن حضانة الطفل حق طبيعي للوالدين إلا أنه عند الفرقة فإن الأولى بالحضانة في سِنِيِّها الأولى النساء؛ لصُلُوحِهنّ فطريًا وخِلقيًا لهذه المهمة النبيلة في رعاية المحضون؛ فهنّ أقدر مِن الرجال على رعاية المحضون في هذه السنّ والعناية به والصبر عليه وعلى احتياجاته والبقاء معه بما يكفي لحسن نشأته وصلاح نَباتِه([17]).

وقد نصت الفتاوى المنضبطة على ذلك ففيها أن أَوْلى النساء بالحضانة الأم، فإذا فُقِدَت أو عَجَزَت أو كانت متزوجة بأجنبي عن المحضون فتحضن النساء مِن جانبها؛ كأمها وأختها بشرط عدم زواجهنّ مِن أجنبي عن المحضون، فإن فُقِدنَ أو عَجَزنَ أو كنّ متزوجات بأجنبي عن المحضون فالنساء من جانب أبي المحضون بشرط عدم زواجهن من أجنبي عن المحضون، فإن فُقِدنَ أو عَجَزنَ أو كنّ متزوجات بأجنبي عن المحضون فالأَوْلى بالحضانة حينئذ الأب.

والذي عليه المحققون من الحنفية: أن زواج الحاضنة بغير ذي رحم محرم للمحضون لا يُسقط بمجرده حضانتَها عنه حتى يثبت للقاضي أن زواجها يضر بمصلحة المحضون؛ لأن مدار الحضانة على نفع الولد، وكل ذلك مع رعاية عدم وجود ما يُعَكِّر على رعاية المحضون أو يُعَرِّض بدنه أو عقله للخطر، أو يشوِّش عليه ما يجب أن يتربى عليه من دِينٍ قويمٍ وعاداتٍ سليمة([18]).

وقد أخذت بعض القوانين في البلاد الإسلامية بذلك؛ ففي القانون المصري؛ في المادة رقم 20 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929م والمعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985م: [يثبت الحق في الحضانة للأم، ثم للمحارم من النساء، مقدما فيه من يدلي بالأم على من يدلي بالأب، ومعتبرًا فيه الأقرب من الجهتين على الترتيب التالي:

الأم، فأم الأم وإن علت، فأم الأب وإن علت، فالأخوات الشقيقات، فالأخوات لأم، فالأخوات لأب، فبنت الأخت الشقيقة، فبنت الأخت لأم، فالخالات بالترتيب المذكور في الأخوات، فبنت الأخت لأب، فبنت الأخ بالترتيب المذكور، فخالات الأم بالترتيب المذكور، فخالات الأب بالترتيب المذكور، فعمات الأم بالترتيب المذكور، فعمات الأب بالترتيب المذكور. فإذا لم توجد حاضنة من هؤلاء النساء، أو لم يكن منهن أهل للحضانة، أو انقضت مدة حضانة النساء انتقل الحق في الحضانة إلى العصبات من الرجال بحسب ترتيب الاستحقاق في الإرث، مع مراعاة تقديم الجد الصحيح على الإخوة”.

ولا تجيز الشريعة الإسلامية نظام التبنّي، ولكنها تكفل حقوق الرعاية الاجتماعية بكافة صورها للأطفال أيًّا كان انتماؤهم؛ فكفالة الأيتام واللقطاء ورعايتهم الاجتماعية تمثل النظام الإسلامي الذي يغني عن نظام التبني، الذي لا تُقِرُّه الشريعة الإسلامية، التي تحرص على نقاء الأنساب وحفظها من الاختلاط، وتنهى عن انتساب الولد إلى غير أبيه الشرعي؛ يقول الله تعالى: {أرأيت الذي يكذب بالدين ، فذلك الذي يدع اليتيم ، ولا يحض على طعام المسكين} [الماعون: 1، 2، 3]، ويقول سبحانه وتعالى: {فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} [الروم: 38]، ويقول الله تعالى: {وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم} [النساء: 36]، والرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم هكذا»، وأشار بالسبابة والوسطى وفرَّجَ بينهما شيئًا([19])، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ابغوني ضعفاءكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم»([20])، ومعنى ابغوني: أي أحضروهم لي كي أقضي لهم حاجاتهم، وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل»([21])، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا»([22]).

ومن منطلق حفظ مصلحة الطفل نصت الفتاوى المنضبطة على أنه يجوز للقاضي أن يسمح للأب المطلِّق باستضافة ابنه يومًا في الأسبوع ومدةً مناسبة في إجازتَي نصف العام الدراسي ونهايته وأعياد السنة المختلفة حسبما يراه محققًا للمصلحة والعدل في ذلك كله، مع المحافظة على حق الحاضنة في شعورها بالأمـن على محضونها وإعطائها الضمانات الكافـية التي تكفل لها عدم انتزاعه منها من جهة وحق الأب في التربية والملاحظة من جهة أخرى؛ فعند القاضي من الصلاحية المخوَّلة له ما يجعله يقضي بذلك وهو مرتاح الضمير مطمئن البال ما دام الهدف من ذلك هو تحقيق المنشود من شريعة الحضانة المُحكَمة ورعاية المحضون على الوجه الأكمل([23]).

وتحقيقًا لمصلحة الطفل أيضًا أوجبت الشريعة له حُقوقًا ماليَّةً تَستوفيها له الحاضنةُ مِمَّن تَجِب عليه نَفَقَتُه باعتبارها أَمِينَةً على مالِه، وتكونُ يدُها على هذه الأموال يَدَ حِفظٍ لا يَدَ تَمَلُّك؛ يقول المستشار أحمد نصر الجندي: “والذي عليه العمل أن في الحضانة حقوقًا ثلاثة: حق المحضون، وحق الحاضنة، وحق الأب، فإذا أمكن التوفيقُ بينها ثبتت كلُّها، وإن تعارضت قُدِّم حقُّ الصغير، بدون الْتِفاتٍ إلى حق الأب أو الحاضنة؛ لأن حق الصغير في الرعاية أقوى مِن حقَّيْهما، فيُقَدَّم دائمًا، ولذلك ينصح الفقهاءُ القاضيَ أن يتدبر الأمر ويقدر الوقائع، وأن يكون بصيرًا بطبائع الخصوم، ذا خبرةٍ بالحوادث وحِكمةٍ في تطبيقها؛ حتى لا يضيع الولد بين الأب والحاضنة”([24]).

فالحاصل أن هذه الحقوق هي نَفَقَتُه بكُلِّ أنواعها؛ مِن نَفَقَةِ مأكَلٍ ومَلبَسٍ وعِلاج وتعليم؛ وذلك حسبما يقتضيه العرف.

ومسكن الحضانة هو مِن نَفَقَة الصغير، ويجب في ماله إن كان له مال، وإلَّا ففي مالِ مَن تجب عليه نَفَقَتُه.

ولِلقاضي بِناءً على طَلَبِ الحاضنة -إذا لم يَكُن للصغير مالٌ يَفي بنَفَقَتِه- أن يُلزِم الأبَ بالإنفاق إذا امتَنَع عن الإنفاق على الصغير أو أنفق عليه بما لا يَفي بحاجَته أو بما لا يُناسِب يَسارَ هذا الأب.

كما أن الحاضنة تَستَحِقُّ مُقابِلًا على حضانة صغيرها مُدَّةَ حضانَتِها له، وهذا المُقابِلُ ذو شَبَهٍ بالنَّفَقَة؛ لأنه مِن ضِمنِ نَفَقَةِ الصغير، ويجب في مال الصغير إن كان له مالٌ، أو في مال مَن تجب عليه نَفَقَتُه إن لم يكن للصغير مال، كما أنه يُشْبِهُ الأَجر؛ لأنه يَجب للمرأة مُقابِلَ حضانتها للصغير، ويَزُول هذا الاستِحقاق بِزَوَال يَدِ الحاضنة عن المحضون؛ لأنه أجرٌ مُقابِلَ عَمَلٍ وقد انتهى العَمَلُ فلا تَستَحِقُّ الأَجر.

كما أن الحاضنة تَستَحِقُّ أَجرًا مُقابِل إرضاعِها المحضونَ، ويُشتَرَطُ لاستِحقاقِ الحاضنةِ أَجرًا عن الحضانة أو أَجرًا عن الإرضاع -إذا كانت أُمًّا للصغير- ألَّا تَكونَ الزوجيةُ قائمةً بينها وبين والد الصغير وألَّا تَكونَ مُعْتَدَّتَهُ في طَلاقٍ رَجْعِيّ؛ وذلك لأنها في الحالين تَستَحِقُّ عليه النَّفَقَة؛ والقاعدة أنه لا يُجمعُ بين نَفَقَتَين، وأَجرُ الحضانة هو نَفَقَةٌ مِن أَحَدِ وَجْهَيه.

وقد استَدَلَّ العُلَماءُ لِوُجوبِ أَجرِ الحضانة وأَجرِ الإرضاع بقوله تعالى في حَقِّ المُطَلَّقات: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 6]، وقد قَرَّر الفُقَهَاءُ أنَّ الآيةَ قد أَوْجَبَت الأَجرَ للإرضاع، وبما أنَّ الأَجرَ قد وَجَبَ على الإرضاع فيَكونُ على الحضانة أَوْجَب.

قال الإمام أبو بكر الجَصَّاص الحنفي: “قولُه تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} قد انتَظَم للدّلَالَةِ على أحكامٍ؛ منها: أنها إذا رَضِيَت بأن تُرضِعَه بأَجْرِ مِثلِها لم يَكُن للأبِ أن يَستَرضِع غيرَها؛ لِأَمْرِ الله إيَّاهُ بإعطاء الأجر إذا أَرضَعَت، ويَدُلُّ على أنَّ الأُمَّ أَوْلى بحضَانةِ الوَلَدِ مِن كُلِّ أَحَد، ويَدُلُّ على أنَّ الأُجرةَ إنَّمَا تُستَحَقُّ بالفَرَاغ مِن العَمَل ولا تُستَحَقُّ بالعَقد؛ لأنه أوْجَبَها بَعد الرَّضاع بقوله: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}”([25]).

وقال الإمام السرخسي الحنفي: “والرضاع والنَّفَقَة على الوالِدِ؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ} [الطلاق: 6] يَعني مُؤْنَةَ الرضاع، وهذا بخِلَاف حال قِيَام النكاح بينهما؛ فإنها لا تَستَوجِبُ الأَجرَ على إرضاع الولد وإن استَأْجَرَها عندنا؛ لأنَّ في حالِ بَقَاءِ النكاحِ الرضاعُ مِن الأعمالِ المُستَحَقَّةِ عليها دِينًا، وبَعدَ الفُرقةِ ليس ذلك بِمُستَحَقٍّ عليها دِينًا ولا دُنيا، وكما أنَّ النَّفَقَةَ بَعدَ الفِطَامِ على الأب لا يُشارِكُه أَحَدٌ في ذلك باعتبارِ أنَّ الولدَ جُزءٌ مِنه والإنفاقَ عليه كالإنفاقِ على نَفْسِه، فكذلك قَبْلَ الفِطَامِ مُؤْنَةُ الرضاعِ عَلَيْه”([26]).

وقال العلَّامة الجَمل الشافعي في تعريفه للحضانة وثُبُوت الأُجرة عليها: “قولُه (تَربِيَةُ مَن لا يَستَقِلُّ بأُمُورِه) ولِمَن تَثبُتُ له -أي الحضانةُ-طلبُ الأُجرةِ عليها حتى الأُمّ، وهذه غيرُ أُجرةِ الإرضاع، فإذا كانت الأُمُّ هي المرضعة فطَلَبَت الأُجرةَ على كُلٍّ مِن الإرضاعِ والحضانةِ أُجِيبَت”([27]).

وقد نصت الفتوى المنضبطة على ذلك([28]).

المبحث الخامس: الولاية على النفس والمال([29]).

والولاية بفتح الواو وكسرها، ويقصد بها: أن يتولى الكبير الراشد تدبير شئون القاصر الشخصية والمالية، والقاصر: من لم يستكمل أهلية الأداء؛ سواء كان فاقدًا لها كصبي غير مميز ومجنون، أم ناقصها كصبي مميز ومعتوه ومحجور عليه بسفه. والولاية نوعان: ولاية على النفس، وولاية على المال، والولاية على النفس: هي الإشراف على شئون القاصر الشخصية من صيانة وحفظ وتأديب وتعليم وتزويج، والولاية على المال: هي الإشراف على شئون القاصر المالية من استثمار وتصرفات كالبيع والإجارة والرهن وغيرها.

والولاية تقوم بالحفاظ على مال القاصر من الضياع والهلاك، بل تقوم بتنمية ذلك المال واستثماره، وقد تقرر من مقاصد الشريعة العامة الضرورية حفظ المال وتنميته، قال الله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا ، وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 5، 6]، وقال تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا} [الفرقان: 67]، وقال تعالى: {ولا تبذر تبذيرًا} [الإسراء: 26]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يرضي لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا: فيرضي لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»([30])؛ ففي هذه النصوص دلالةٌ على وجوب حفظ المال والنهي عن تبذيره وتضييعه، ومعنى إضاعة المال: صرفه في غير مصلحة دينية أو دنيوية، وذلك ممنوع؛ لأن الله تعالى جعل الأموال قيامًا لمصالح العباد، وفي تبذيرها تفويت لتلك المصالح، إما في حق مضيعها، أو في حق غيره، وفي تنمية المال يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة»([31])؛ فثبت بهذا أولوية مراعاة مصلحة الحفاظ على مال الموليّ بالوصاية عليه.

والولاية على الطفل تكون لوالده إن كان حيًّا فللأبَ الحقَّ في تربية أولاده وتوجيههم ورعايتهم والإشراف عليهم بما يعود عليهم بالصلاح والنفع في حياتهم، وذلك بولايته الطَبَعِيّة والشرعية عليهم، وهو مُلزَمٌ برعاية اللهِ تعالى فيهم، مِن باب كونه راعيًا ومسؤولًا عن رعيته، فيختار الأنفع والأصلح لهم، والذي من شأنه أن يكفل لهم حياةً كريمة ويُهَيِّئَهم لأن يعودوا بالنفع على مجتمعهم، ويكون إنفاقه عليهم متوافقًا مع مستوى معيشته ومتناسبًا مع دخله؛ لقوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِه} ]الطلاق: 7[.

ومن هنا نصت الفتوى المنضبطة على أن الولاية التعليمية على الطفل حقٌّ للأب، ولكن حفظًا لمصلحة الطفل جعلت للقاضي الحق في تحويلها إلى الأم إن قصَّر الأب في ذلك؛ ففي فتوى دار الإفتاء المصرية في مسألة نزاع في الولاية التعليمية بين الأب والأم جاء أنه: ” إذا راعى الأب مصلحة ابنه في تعليمه لأولاده فليس للأم أو لغيرها أن تلزمه فوق طاقته، وإن رأت الأم أن تساهم بمالها لتعليمهم تعليمًا أرقى مما وجب على الأب أن يُلحِقَهم به -حسب حالته المادية- فلا بأس بذلك، بشرط ألّا يكون في هذا النوع من التعليم ضرر على المحضون في دينه أو نفسه؛ لأن مدار الحكم في ذلك على تحقيق مصالح المحضون التي كُلِّف الأب برعايتها، وليس له أن يتعنت في ذلك على حساب المحضون، فإذا بقي النزاع بين الأب والحاضنة قائمًا، فالقاضي هو المُخَوَّل بالفصل بينهما بما يحقق المصلحة للمحضون”([32]).

المبحث السادس: إحسان تربية الطفل وتعليمه.

من مسئوليات الأسرة إحسان تربية الطفل وتعليمه، وأحسن الناس من ترك بعده أولادًا صالحين يستفيد منهم المجتمع، ومن هنا أولى نظام الأسرة في الإسلام عنايته بإحسان تربية الطفل وتعليمه، ويُعنى هذا المبحث ببيان ذلك مع بيان دور الفتوى في دعمه في أربعة مطالب، وهي:

المطلب الأول: الاهتمام بتربية الطفل:

المطلب الثاني: تعليم السلوكيات الصحيحة:

المطلب الثالث: العادات الاجتماعية الطيبة:

المطلب الرابع: التعليم المتكامل والمتوازن للطفل:

 

المطلب الأول: الاهتمام بتربية الطفل:

فللطفل الحق تجاه والديه أن يقوما بمسئوليتهما المشتركة عن إحسان تربيته تربية قويمة ومتوازنة، وعن نموه العقلي والبدني، وينصرف هذا الحق إلى كل من يحلّ محل الوالدين من المسئولين عن رعايته والقيام على مصالحه، وتكون مصالح الطفل الفضلى موضع اهتمامهما الأساسي.

وينطلق الاهتمام بالتربية من نصوص صريحة مثل قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة} [التحريم: 6]، وقوله تعالى: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا} [الإسراء: 24]، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته؛ فالإمام راعٍ ومسئولٌ عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسئولٌ عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسئولةٌ عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسئولٌ عن رعيته»، قال: وحسبت أن قد قال: «والرجل راعٍ في مال أبيه ومسئولٌ عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسئولٌ عن رعيته»([33])، وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يلي من هذه البنات شيئًا فأحسن إليهن كن له سترًا من النار»([34])، وفي حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: «فأنفق عليهم وزوجهن وأحسن أدبهن»([35])، وفي رواية: «يؤدبهن ويرحمهن ويكلفهن»([36])، وهذه كلها يجمعها لفظ: «فأحسن إليهم»، وعن أيوب بن موسى عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نحل والدٌ ولده نحلا أفضل من أدبٍ حسنٍ»([37])، وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حق الولد على والده أن يعلمه كتاب الله عز وجل والسباحة والرمي»([38])، وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حق الولد على والده أن يحسن اسمه ويعلمه الكتاب، ويزوجه إذا أدرك»([39])، وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم»([40]).

فهذه النصوص في عمومها تشتمل على مسئولية الوالدين، ومن في حكمهم، في اختيار نوع التربية الفاضلة التي يربّون عليها أولادهم من البنين والبنات، مع وجوب مراعاة مصلحتهم ومستقبلهم في ضوء القيم الأخلاقية، والأحكام الشرعية.

المطلب الثاني: تعليم السلوكيات الصحيحة:

ومن أولويات التربية الأساسية تعليم الطفل قواعد الإيمان، وتدريبه على عبادة الله وطاعته، وكذلك تمرينهم على أداء الشعائر التعبدية، كالصلاة وما يتصل بها من وضوء ونحوه، والوقت الذي يؤمر فيه الصبي بالصلاة هو السابعة من عمره.. والطفل بطبيعته سيحاول تقليد أبيه وأمه في صلاتهما ووضوئهما قبل تلك السن، وسيرى الناس مع أبيه في المسجد يصلون باستمرار، فيرتسم في نفسه أن هذا أمر لابد منه.. وإذا تأملت حالة الطفل الذي يصطحبه أبوه مع المسجد، وجدته ينظر إلى أبيه عندما يصلي، ويحاول محاكاة أبيه في قيامه وركوعه وسجوده.

وكذلك العناية بتعليمهم قراءة القرآن، وإذا تيسر تحفيظهم إياه فلا ينبغي أن يفرط في ذلك، وإذا لم يتيسر حفظ الجميع فما تيسر منه، مع تفهيمهم أن هذا القرآن كلام الله الذي نزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وحثهم على حبه واحترامه. وأن المطلوب من تعلمه وقراءته وحفظه وتعليمه هو العمل بأوامره واجتناب نواهيه، وأن يكون هو المرجع والمنهج الذي تبنى عليه حياتهم. كما يجب أن يُعلموا الأحكام الشرعية عندما يبلغون السن التي يحصل معها الفهم الكافي.

وكذلك يجب تأديب الطفل بآداب الإسلام، ومكارم الأخلاق، وتعويده على اجتناب المحرمات، وسائر السلوكيات والعادات السيئة والضارة، فيجب أيضًا العناية بتنشئة الأطفال على الأخلاق الفاضلة في وقت الصغر؛ فإن الأمور التي يطبع عليها الصغير قلما يفارقها في كبره، فينبغي أن يمرن على الصدق والوفاء وعلى الشجاعة والكرم، وإكرام الضيف والجار، والشفقة على الضعيف، والاعتماد على النفس في جلب المعاش وغير ذلك من الصفات الحميدة.. كما ينبغي أن ينفر من أضداد تلك الصفات وأشباهها، ولا يتأتى هذا الأمر إلا إذا توفرت هذه الصفات الحميدة في الآباء وغيرهم من أهل البيت، فإن الطفل يكتسب من أهل البيت صفاتهم التي يراهم يلازمونها، حسنة كانت أم سيئة، فيجب أن يكون الكبار قدوة للصغار في أعمال الخير.

وينبغي توجيه الطفل إلى البعد عن قرناء السوء، وتوجيهه إلى الرياضة المفيدة، والقراءة النافعة، وأن يكون الوالدان أو المسئولون عن رعايته قدوة عملية صالحة له في كل ذلك.

وقد ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية نماذج رفيعة وجامعة من ألوان التربية السلوكية والأخلاقية والتأديب للأولاد، وأبرز مثال لذلك: وصايا لقمان لابنه في قول الله تعالى: {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلمٌ عظيمٌ ، ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهنٍ وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علمٌ فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ، يا بني إنها إن تكُ مثقال حبةٍ من خردلٍ فتكن في صخرةٍ أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيفٌ خبيرٌ ، يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ، ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحًا إن الله لا يحب كل مختالٍ فخورٍ ، واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} [لقمان: 13-19]، وقال الله تعالى: {نحن نقصُّ عليك نبأهم بالحق إنهم فتيةٌ آمنوا بربهم وزدناهم هدى ، وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهًا لقد قلنا إذًا شططًا} [الكهف: 13، 14].

ومنها وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- فيما رواه أنه قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: «يا غلام إني أعلمك كلماتٍ: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأُمَّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلى بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليه، رفعت الأقلام وجفت الصحف»([41])، وفي رواية: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائنٌ، فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيءٍ لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيءٍ لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا»([42]).

وعن عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «علموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين واضربوه عليها ابن عشرٍ»([43]) وقال الترمذي: وعليه العمل عند بعض أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق وقالا: ما ترك الغلام بعد العشر من الصلاة فإنه يُعيد. وعن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع»([44]).

وعن بكر بن عبد الله بن زريع الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «علموا أولادكم السباحة والرماية، ونعم لهو المؤمنة الغزل، وإذا دعاك أبواك فأجب أمك»([45]).

المطلب الثالث: العادات الاجتماعية الطيبة:

ينبغي تنشئة الطفل منذ البداية على اكتساب العادات الاجتماعية الطيبة، وخاصة بالحرص على التماسك الأسري والاجتماعي، بالتوادِّ والتراحم بين أفراد الأسرة والأقرباء، وصلة الأرحام؛ فقد حرص الشرع على صلة الأرحام؛ فقال تعالى: {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، وقال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22]، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهُوَ لَكِ»، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}» متفقٌ عليه([46]).

وينبغي كذلك تربية الطفل على الإحسان إلى الوالدين، وطاعتهما في المعروف، والبر بهما، والإنفاق عليهما، ورعايتهما عند الحاجة لكبر أو عوز، وأداء سائر حقوقهما المقررة شرعًا؛ يقول تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا ، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا} [الإسراء: 23، 24]، ويقول: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل..} [النساء: 36]، {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علمٌ فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا واتبع سبيل من أناب إلي} [لقمان: 15]، وعبد عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟»، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان مُتكئًا فجلس فقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور»، فما زال يقولها حتى قلت: لا يسكت. ([47])، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قلت: «يا نبي الله، أي الأعمال أقرب إلى الجنة؟»، قال: «الصلاة على مواقيتها»، قلت: «وماذا يا نبي الله؟»، قال: «بر الوالدين»، قلت: «وماذا يا نبي الله؟»، قال: «الجهاد في سبيل الله»([48])، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، من أحق الناس يحسن صحابتي»، قال: «أمك»، قال: «ثم من؟»، قال: «أمك»، قال: «ثم من؟»، قال: «أمك»، قال: «ثم من؟»، قال: «أبوك»([49])، وعن أبي أسيدٍ مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله عنه قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجلٌ من بني سلمة فقال: «يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيءٌ أبرهما به بعد موتهما؟»، قال: «نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما»([50])، وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبر البر أن يصل الرجل ودَّ أبيه»([51])، وعن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن أبي اجتاح مالي» فقال: «أنت ومالك لأبيك». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من أموالهم»([52]).

كما ينبغي تنشئته على توقير الكبير والرحمة بالصغير، وحب الخير للناس، والتعاون على البر والتقوى؛ فعن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا»، وفي رواية: «حق كبيرنا»([53])، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويُوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر»([54])، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعينوا أولادكم على البر، فمن شاء استخرج العقوق لولده»([55]).

المطلب الرابع: التعليم المتكامل والمتوازن للطفل:

أولًا: مكانة العلم والتعليم:

لا ريب أن للعلم مكانةً عظيمةً وقيمةً كبيرة في منظومةِ القيمِ الإسلامية، فالعلماء هم ورثة الأنبياء، والعلمُ أساسٌ للدين والدنيا، ولقد عني الإسلام عناية كبيرة بالعلم في فترة كان الجهل فيها هو السائد في جميع أنحاء العالم؛ فقد بدأت الدعوة إلى العلم منذ مطلع الدعوة الإسلامية؛ فأول نص قرآني نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم} [العلق: 1- 5] ، ثم تتنزل الآيات التي يشير كثير منها إلى أهمية العلم وأدواته وحث الرسول صلى الله عليه وسلم على دعاء ربه للاستزادة منه.

وقد بين سبحانه وتعالى أن المسلم لا يرتفع بفضيلة كما يرتفع بفضيلة العلم؛ فقال: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11]، وقال تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9].

ولا يوجد شيء أعز في تكريم العلم والعلماء من الآية الكريمة التي تقول: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]، بل لقد قرن سبحانه وتعالى ذوي العلم بالملائكة في المعرفة الحقة بألوهيته ووحدانيته {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم} [آل عمران: 18].

إن هذا الاهتمام بالعلم وأدواته الذي وجد في النصوص الإلهية كان مفتاحًا انفتحت به أبواب العقلية الإسلامية التي تحترم العلم وتقدسه، وتدفع المسلمين إلى التزود منه، وتحرضهم على اتخاذه غاية ومنهاج حياة.. بل لقد حث الله سبحانه وتعالى رسوله في القرآن فأوصاه بأن يجعل من طلب العلم دعاءً له إلى رب العالمين؛ فقال له: {وقل رب زدني علمًا} [طه: 114]، وجعل سبحانه من التعليم غاية للرسالة ذاتها ولرسولها المصطفى؛ قال: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} [البقرة: 151]. كل هذا أثار في نفوس المسلمين عامة حب التعلم.

ولذلك اهتم المسلمون عبر تاريخهم بالعلم والعلماء والكِتَاب والمؤسسات التعليمية، وكان لهم السَّبْقُ في ميادينَ علميةٍ كثيرةٍ أنتجتها الحضارةُ الإسلاميةُ، أفادت بها البشريةُ جمعاء، دون تفرقةٍ بين المسلم وغيره.

ويحتل التعليم مكانةً رفيعة في هذه المنظومة، فهو رأسُها وأهمُّ مراحلها؛ فهو المسئول عن إنتاج الثقافة العلمية ويساهم بشكل مباشر في توفير الكوادرِ المؤهَّلَةِ والقادرةِ على قيادةِ المستقبلِ على نحوٍ أفضل؛ فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم»([56])، وقال حميد بن عبد الرحمن: سمعت معاوية رضي الله عنه خطيبًا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»([57])، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خرج في طلب العلم كان في سبيل الله حتى يرجع»([58])، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإنه ليستغفر للعالم من في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. إن العلماء هم ورثة الأنبياء، لم يرثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه بحظٍّ وافرٍ»([59])، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «الناس عالمٌ ومتعلمٌ، ولا خير فيما بعد ذلك»([60]).

وقد جاء في الهدي النبوي الشريف ما يدل على طلب العلم والوصية بالمتعلمين؛ أخرج الإمام الترمذي في سننه، بَاب مَا جَاءَ فِي الاسْتِيصَاءِ بِمَنْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ، عَنْ أَبِي هَارُونَ العَبْدِيِّ، قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَبَا سَعِيدٍ، فَيَقُولُ: مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ النَّاسَ لَكُمْ تَبَعٌ، وَإِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الأَرَضِينَ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ، فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا»، وقد أوضح العلامة المناوي ما يشير إليه الحديث الشريف من معانٍ؛ فقال في “فيض القدير” (2/ 399، ط: المكتبة التجارية الكبرى): “وكان بعض الصحب إذا أتاه طالب، قال: مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ ومنه أُخِذَ أنه ينبغي أن يكون الطالب عنده أعز الناس عليه، وأقرب من أهله إليه… وأن يتواضع مع طلبته، ويرحب بهم عند إقبالهم عليه، ويكرمهم، ويؤنسهم بسؤاله عن أحوالهم، ويعاملهم بطلاقة وجه، وظهور بِشْر، وحُسن وُدٍّ، ويزيد في ذلك لمن يُرجَى فلاحُه، ويَظهَر صلاحُه، ومن ظهرت أهليته”.

ثانيًا: العناية بتعليم الطفل:

فمن هنا كان من الواجب العناية بتعليم الطفل وتنمية وعيه بحقائق الوجود الكبرى: من خالقٍ مدبر، وكونٍ مسخر، وإنسانٍ ذي رسالة، وحياة ابتلاءٍ في الدنيا تمهيدًا لحياة جزاءٍ في الآخرة، ثم تنمية شخصيته، ومواهبه، وقدراته العقلية، والبدنية إلى أقصى إمكاناتها بما يمكنه من أداء رسالته في الحياة، وتنمية احترام حقوق الإنسان، وحرياته الأساسية، وتوعيته بواجباته الخاصة والعامة، وتنمية احترام البيئة الطبيعية، في سياق الوعي بتسخير الكون للإنسان، لتمكينه من أداء رسالته في الحياة، خليفةً في إعمار الأرض.

وكذلك من حقوق الأطفال العناية بتنمية مواهبهم العقلية بالتدريج، بحيث لا يُكلفون ما لا يطيقون ولا يهملون مطلقًا، بل يبدأ معهم بتمارين مناسبة لعقولهم.

ثالثًا: الفتوى والحفاظ على هوية الطفل:

ينبغي تنشئة الطفل على احترامه هويته الثقافية ولغته وقيمه الخاصة، وقد راعت الفتوى المنضبطة هذه المعاني جميعها؛ ونجد ذلك في الكثير من الفتاوى المنضبطة؛ منها:

1- الاحتفال بالمولد النبوي:

ففي سياق تنمية احترام الطفل هويته صدرت فتوى دار الإفتاء المصرية بجواز الاحتفال بالمولد النبوي وشراء الحلوى وتهاديها، وجاء فيها: “وقد سَنَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه الشريفة جنس الشكر لله تعالى على ميلاده الشريف؛ فقد صح أنه كان يصوم يوم الاثنين ويقول: «ذلكَ يَومٌ وُلِدتُ فيه» رواه مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه، فهو شكر مِنْه عليه الصلاة والسلام على مِنّة الله تعالى عليه وعلى الأُمّة بذاته الشريفة، فالأَولى بالأُمّة الائتساءُ به صلى الله عليه وآله وسلم بشكر الله تعالى على مِنّتِه ومِنحَته المُصطفوية بِكُلّ أنواع الشكر، ومنها الإطعام والمديح والاجتماع للذكر والصيام والقيام وغير ذلك، وكلُّ ماعُونٍ يَنضَحُ بما فيه، وقد نقل الصالحي في ديوانه الحافل في السيرة النبوية “سُبُلُ الهُدى والرشاد في هَدي خيرِ العِباد” عن بعض صالحي زمانه: أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منامه، فشكى إليه أن بعض مَن ينتسب إلى العلم يقول ببدعية الاحتفال بالمولد الشريف، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “مَن فرِح بنا فَرِحنا به”. وقد ورد الأمر الشرعي أيضًا بالتذكير بأيام الله تعالى في قوله سبحانه: {وذَكِّرهم بأَيامِ اللهِ} [إبراهيم: 5]، ومِن أيام الله تعالى أيامُ الميلاد وأيامُ النصر، وأعظمها يوم ميلاد النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصوم يوم الاثنين من كل أسبوع شكرًا لله تعالى على نعمة إيجاده واحتفالًا بيوم ميلاده كما سبق في حديث أبي قتادة الأنصاري في صحيح مسلم، كما كان يصوم يوم عاشوراء ويأمر بصيامه شكرًا لله تعالى وفرحًا واحتفالًا بنجاة سيدنا موسى عليه السلام، وقد كرَّم الله تعالى يوم الولادة في كتابه وعلى لسان أنبيائه؛ فقال سبحانه: {وسَلامٌ عليه يَومَ وُلِدَ} [مريم: 15]، وقال جل شأنه على لسان السيد المسيح عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم: {والسَّلامُ عليَّ يَومَ وُلِدتُ} [مريم: 33]، وذلك أن يوم الميلاد حصلت فيه نعمةُ الإيجاد، وهي سببٌ لحصول كلّ نعمة تنال الإنسان بعد ذلك، فما بالنا بيوم ميلاد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو سببٌ لكلّ خير ونعمة ننالها في الدنيا والآخرة، فكان تَذَكُّرُه والتذكيرُ به مِن أعظم أبواب شكر نعم الله تعالى على الناس، ولا يقدح في هذه المشروعية ما قد يحدث في هذه المواسم الشريفة المباركة من أمور محرمة؛ بل تُقام هذه المناسبات مع إنكار ما قد يكتنفها من منكرات، ويُنبَّهُ أصحابها إلى مخالفة هذه المنكرات للمقصد الأساس الذي أقيمت مِن أجلِه هذه المناسبات الشريفة”([61]).

2- المحافظة على الآثار الوطنية:

وكذلك فتواها عن المحافظة على الأماكن والمباني التاريخية والأثرية ذات الطابع التاريخي الديني، وفيها: “المحافظة على الأماكن والمباني التاريخية والأثرية ذات الطابع التاريخي الديني من المطلوبات الشرعية والمستحبات الدينية التي حثت عليها الشريعة؛ لأن فيها تعظيمًا لِمَا عظَّمه الله تعالى من الأيام والأحداث والوقائع والأشخاص والأعمال الصالحة التي حصلت فيها أو ارتبطت بها؛ فهي تُذَكِّر المسلمين بماضيهم وتربط قلوبهم بوقائعه وأيّامه، والله تعالى يقول في كتابه الكريم: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ} [إبراهيم: 5]، فهذا أمر مُطْلَق بالتذكير بأيام الله؛ التي هي وقائع الله في الأزمنة السابقة، فكُلّ ما يحصل به هذا التذكير يكون وسيلةً لتحقيقه، فيكون مطلوبًا شرعًا؛ والقاعدة الشرعية أن الوسائل تأخذ حكم المقاصد، وأن المُطْلَق يجري على إطلاقه حتى يأتي ما يقيده.

قال الإمام الزركشي: “الخطاب إذا ورد مُطلَقًا لا مُقَيِّد له حُمِلَ على إطلاقه”([62]).

ومن الفوائد الجليلة لهذا التذكير أيضًا: أنه يعطي دليلًا واقعيًّا على صحة هذه الوقائع التي حدثت فيها، أما إزالتها وهدمها فهو الذي يكون ذريعةً لإنكار هذه الأحداث مِن أصلِها، وادعاء أنها قضايا مفتعلة ليس لها أساسٌ واقعيّ.

ومن مقاصد الشريعة الربط بين العبادات والشعائر وبين الأماكن التي تذكر بأصلها التاريخي الديني؛ كالصفا والمروة التي كانت السيدة هاجر رضي الله عنها تتردد بينهما؛ فيقول تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158]… وأما دعوى أن تعظيم هذه الأماكن مُحَرَّم، وقد يكون من ذرائع الشرك لأنه يؤدي إلى أن يعتقد العوام بَرَكَة تلك الأماكن فليست بمُسَلَّمة؛ لأن الشرع لم يَمنع من مُطْلَق تعظيم غير الله، وإنما يَمنع منه ما كان على وجه عبادة المُعَظَّم كما كان يفعل أهل الجاهلية مع معبوداتهم الباطلة فيعتقدون أنها آلهة وأنها تضر وتنفع مِن دون الله، وأما ما سوى ذلك مِمَّا يدل على الاحترام والتوقير والإجلال فهو جائزٌ إن كان المُعَظَّم مُستحِقًّا للتعظيم، ولو كان جمادًا من بناءٍ أو غيرِه؛ وقد روى البيهقي بسنده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: «اللهم زِد هذا البيت تشريفًا، وتعظيمًا، وتكريمًا، ومهابة».

وروى الدارمي عن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه أنه كان يضع المصحف على وجهه، ويقول: “كتاب ربي، كتاب ربي”.

فتعظيم ما عَظَّمه الله تعظيمٌ بالله، والتعظيم بالله تعظيمٌ لله؛ كما قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ} [الحج: 32]، كما أن طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طاعةٌ لله تعالى الذي أرسله: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} [النساء: 80]، ومبايعته مبايعةٌ لله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10].

أما كون ذلك من ذرائع الشرك؛ لأنه يؤدي إلى أن يعتقد العوام بَرَكَة تلك الأماكن، فهو مبني على خَلَلٍ في مفهوم الشرك؛ فالشرك تعظيمٌ مع الله أو تعظيمٌ مِن دون الله؛ ولذلك كان سجودُ الملائكة لآدم عليه السلام إيمانًا وتوحيدًا وكان سجودُ المشركين للأوثان كفرًا وشركًا مع كون المسجود له في الحالتين مخلوقًا، لكن لَمَّا كان سجودُ الملائكة لآدم عليه السلام تعظيمًا لِمَا عَظَّمه الله كما أمر الله كان وسيلةً مشروعةً يَستحق فاعلُها الثواب، ولَمَّا كان سجود المشركين للأصنام تعظيمًا كتعظيم الله كان شركًا مذمومًا يَستحق فاعلُه العقاب.

واعتقاد وجود البَرَكَة أو حصولِها بواسطة مخلوقٍ مُعيّنٍ لا علاقة له بالشرك مِن قريبٍ أو مِن بعيد، فضلًا عن أن يكون ذريعةً له، إلا أن يُعتقد بأن ذلك المخلوق مؤثرٌ بذاته في إيجاد تلك البَرَكَة على وجه الاستقلال، أما إن اعتقد الإنسان أن البَرَكَة مِن الله وأنه هو الذي يجعلها في إنسانٍ مُعيّنٍ أو شيءٍ مُعيّنٍ أو بُقعةٍ مُعيّنة، وأن البَرَكَة توجد عند هذه الأشياء لا بها، لأنه لا مُؤثِّر في الوجود إلا الله، فهذا عين التوحيد، لأنه مِن توحيد الأفعال.

وقد تضافرت الأدلة التي تثبت وجود البركة في الذوات المخلوقة بإيجاد الله تعالى لها؛ وقد حكى الله تعالى لنا قصة إنزال التابوت -الذي كان يُتَبَرَّك به- على بني إسرائيل، بما كان فيه من آثار الأنبياء؛ فقال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 248]”([63]).

3- المحافظة على الهوية الوطنية.

وفي هذا السياق صدرت فتوى دار الإفتاء المصرية بشأن الحكم الشرعي في تحية العلم والوقوف للسلام الوطني، وفيها: ” أن تحية العلم المعهودة أو الوقوف للسلام الوطني أمران جائزان لا كراهة فيهما ولا حرمة، فإذا كان ذلك في المحافل العامة التي يُعَدُّ فيها القيام بذلك علامة على الاحترام وتركه مشعرًا بترك الاحترام: فإن الوقوف يتأكد فعله حينئذ؛ دفعًا لأسباب النفرة والشقاق، واستعمالا لحسن الأدب ومكارم الأخلاق([64]).

رابعًا: عناية الإسلام بتعليم المرأة:

إن النساء في ذلك هن شقائق الرجال، يشاركنهم في المسئولية. وتتجلى أهمية دور المرأة في بناء المجتمع وعظم مكانتها في كونها الأم والأخت والزوجة والابنة، فهي تمثل نصف المجتمع.

ولأن الأم هي التي تربي وترعى وتعلم اعتنى الإسلام بتعليمها عناية فائقة، وكما قال الشاعر حافظ إبراهيم:

الأم مدرسة إذا أعددتها      أعددت شعبًا طيب الأعراق

وحثت نصوص شرعية على تعليم المرأة خاصة قوله صلى الله عليه وسلم: “ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، والعبد المملوك إذا أدى حق الله تعالى وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران”([65]).

فهذا الحديث يبين لنا مدى أهمية العلم في حق المرأة حتى كان سعي الرجل إلى تعليم المرأة من وسائل التقرب إلى الله تعالى.

وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم من نفسه الأسوة الحسنة في الاهتمام بتعليم المرأة والحرص عليه؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ومعه بلال فظن أنه لم يُسمع النساء فوعظهن وأمرهن بالصدقة فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم وبلال يأخذ في طرف ثوبه([66]).

وقد راجعت الصحابيات وأمهات المؤمنين الرسول صلى الله عليه وسلم فيما كن يجهلنه من أمر حتى يعلمونه؛ فعن ابن أبي مليكة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه([67]).

وبذلك نالت المرأة حظها من التعليم في صدر الإسلام حيث حضرت مجالس الذكر وأدت واجبها خير أداء في هذا الجانب، وفي مقدمتهن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولم يقتصر الأمر على صدر الإسلام بل ظل الاهتمام بتعليم المرأة عقيدة ثابتة في الحضارة الإسلامية عامة، ولم يكتف العلماء المسلمون بتعليم المرأة أمور دينها فقط؛ بل تعدى الأمر إلى غير ذلك؛ فحثوا على تعليمها كل المجالات التي يتعلمها الرجال، واهتموا خاصة بأمور تدخل في واجباتها؛ فإنه لما كان مجال التكليف في العبادة وفي الأمور الدنيوية يكاد يكون واحدًا للرجل والمرأة مع مراعاة بعض الاختلاف لاختلاف طبيعتهما كانت المجالات التي ينبغي ألا تجهلها المرأة مشابهة للمجالات الواجب على الرجل تعلمها، ولكنها تنفصل عنها في بعض الأمور.

فحث علماء الإسلام أولا على تعليم المرأة أمور الدين من عبادات وأخلاق، وقد وضع القرآن الكريم والسنة النبوية من التعاليم والآداب ما يحفظ للمرأة مكانتها الرفيعة، وفي مقدمة هذه الآداب التعفف والتصون؛ لأنها بذلك تسمو بنفسها عن مطمع أصحاب القلوب المريضة، ومن هذه النصوص قوله تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورًا رحيمًا} [الأحزاب: 59]، وفي قوله تعالى: {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفًا} [الأحزاب: 32].

كما حث النبي صلى الله عليه وسلم النساء على البذل والعطاء ومراقبة الله في جميع أعمالهن.

ومن مجالات تعليم المرأة التي حث عليها العلماء تعليمها مبادئ الصحة العامة؛ فإن قوام العائلة ونظامها في يد المرأة؛ فلذلك يجب تعليم المرأة الطرق السليمة لتغذية أطفالها وكيفية وقايتهم من أعراض الحر والبرد ونحو ذلك. كما يجب على المرأة أن تكون على علم واسع بنفس طفلها ووظائف قواه العقلية والأدبية، وكذلك نظام بيتها وتربية أولادها ونحو ذلك من أمور الدنيا.

هذه بعض المجالات التي وصى علماء الإسلام بتعليمها للمرأة، ولكن المرأة المسلمة طوال التاريخ الإسلامي تعلمت كل ما تعلمه الرجال فلم يتميز عنها الرجل بشيء، وكان لهذا أثره في قيامها بغالب الأدوار التي قام بها الرجال.

ولقد كان من أثر هذه العناية بتعليم المرأة أن حَفَلَ التاريخ الإسلامي بنماذج مشرقة لنساء قدمن الغالي والنفيس من أجل نشر الدعوة والحفاظ على مكتسبات الأمة الإسلامية على مر تاريخها، فكانت المرأة حاضرة ولها دور بارز في المجتمع الإسلامي منذ اللحظة الأولى لظهور الإسلام، فكانت تَتَعلَّم وتُعَلِّم، وتُفْتِي، وتُستشار في الأمور العامَّة، فلم تكن حبيسة المنزل، أو مقصورة على مهنة معينة، بل كانت جميع المجالات مُفتَّحة لها الأبواب في ظل تعاليم الإسلام ومبادئه السمحة، فالنساء المسلمات كن المبادرات والأوائل في مواطن عديدة ومواقف رائعة.

ولقد امتدَّ عطاء المرأة المسلمة إلى العلم والتعليم والجهاد والتطبيب، وإلى غيرها من المجالات، فظهرت الفقيهة والمُحدِّثة والمفتية، وظهر من العالمات المسلمات من تعقد مجالس العلم في المساجد الكبرى في حواضر العالم الإسلامي، كما خاضت المرأة المسلمة تجربة المشاركة في القضايا المصيرية التي تخص الأمة الإسلامية.

وها هي أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها فقيهة أهل المدينة التي كانت من أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قلبه وأكثرهن تلقيًا للعلم عنه؛ فقد كانت رضي الله عنها من أعلم الناس بتعاليم الإسلام، وفي فضل السيدة عائشة رضي الله عنها قال صلى الله عليه وسلم: “فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام”([68])، قال الزهري: ” لو جُمِع عِلمُ عائشة إلى عِلمِ جميعِ النساء، لكان علمُ عائشةَ أفْضلَ”([69])، وقد وهبها الله الذكاء والفِطنة وسرعة الحافظة، قال ابن كثير: “لم يَكُن في الأُممِ مثلُ عائشةَ في حِفْظها وعِلْمها، وفصاحتِها وعَقْلِها”([70])، ويقول الذهبيُّ: “أفْقَهُ نِساء الأمَّة على الإطلاق… ولا أعْلمُ في أمَّة محمَّد، بل ولا في النِّساء مطلقًا امرأةً أعلمَ منها”([71])، وقدْ تجاوز عددُ الأحاديث التي روتْها ألْفَيْن ومائة حديث عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

كذلك نجد أم المؤمنين السيدة أمّ سلمة رضي الله عنها كانتْ كما وصَفَها الذَّهبيُّ “من فقهاء الصحابيات”، وكانت رضي الله عنها ممن روى كثيرًا من الأحاديث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنها كثير من الصحابة والتابعين.

ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار زوجته السيدة أم سلمة رضي الله عنها عند صلح الحديبية‏؛‏ فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله لأصحابه‏:‏ قوموا فانحروا ثم احلقوا قال‏:‏ فوالله ما قام منهم رجل حتى قال صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل عليه الصلاة والسلام على أم سلمة رضي الله عنها فذكر لها ما لقي من الناس‏،‏ قالت له أم المؤمنين‏: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج النبي فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك‏،‏ نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه‏،‏ فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا([72]).

وكانت المرأة أيضًا أول من ضحت بِنفسها في سبيل الله فتصدَّرت سجل الشهداء في الإسلام، فنجد السيدة سمية بنت خياط رضي الله عنها هي أول شهيدة في الإسلام، كذلك كانت المرأة أول مَن هاجر في سبيل الله؛ فالسيدة رقية بنت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هي أول من هاجرت إلى الله تعالى مع زوجها عثمان بن عفان رضي الله عنهما إلى الحبشة.

كذلك فقد خاضت غمار الحروب، ومن ذلك اشتراك الصحابية الجليلة أم حِرام بنت ملحان الأنصارية في فتح قبرص، ذلك أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أول جيش من أمتي يركبون البحر قد أوجبوا. قالت أم حرام: يا رسول الله: أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم. فكانت من الأولين ممن ركب البحر جهادًا في سبيل الله، وما زال قبرها رضي الله عنها في قبرص شاهدًا على بلاء المسلمات وتضحياتهن في سبيل الله.

وجاءت الآثار في تولي المرأة لسلطة الحسبة،‏ وكان ذلك في القرن الأول، فقد كانت سمراء بنت نهيك الأسدية كانت تمر في الأسواق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر‏،‏ وتنهى الناس عن ذلك بسوط معها، حيث روى أبو بلج يحيي بن أبي سليم قال‏:‏ “رأيت سمراء بنت نهيك وكانت قد أدركت النبي صلى الله عليه وسلم عليها درع غليظ وخمار غليظ، بيدها سوط تؤدب الناس، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر”([73]).

خامسًا: التربية الجنسية:

راعى الإسلام الغرائز الفطرية في الإنسان؛ فلم يَكبِتْها، ولم يُقِم أمر الدين على الرهبانية، وفي ذات الوقت شرع الزواج ورفع شأنه؛ لينأى بالبشر عن استغلال الغريزة واللُّهاث خلف الشهوة، وليقرر كرامة الأنثى ويُعلِيَ شأنها، فأقام العلاقة الزوجية تحت إطارٍ تحكمه ضوابط وتحيطه أحكامٌ شرعيةٌ ومقاصد عُليَا من أجل ديمومة المودة والرحمة بين الزوجين، وليستعينَا بهذه العلاقة الطيبة على العيش في حياةٍ كريمة، وعلى التناسل الذي فيه حفظُ الجنس البشري وإعمارُ الدنيا وتزكيةُ النفس بعبادة الله عز وجل؛ قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، ولا يتحقق ذلك إلا بقيام كل واحدٍ من الزوجين بحقوق الآخر عليه قيامًا يكفل دوام العشرة بالمعروف والمودة فيما بينهما.

ولا شك أن المعاشرة الجنسية أصلٌ في تقوية الروابط بين الزوجين، وقد أباحت الشريعة استمتاع الزوجين كل منهما بالآخر بأي طريقة يرتضايانها عدا الممارسات المحرمة؛ كالوطء في الدبر، أو في وقت الحيض أو النفاس، أو في نهار رمضان، أو أثناء الإحرام بالحج والعمرة، وكذلك الممارسات الشاذة؛ كالسادية وهي: (انحرافٌ في طريقة إشباع الغريزة الجنسية، حيث يحس الشخص بالنشوة الجنسية عندما يتسبب في إيلام الطرف الآخر، ويكون هذا الاشباع بالإيلام الجسدي بالضرب ونحوه، أو بالإيلام المعنوي كالسب والشتم والإهانة).

وكالماسوشية أيضًا وهي: (شذوذٌ في الغريزة الجنسية حيث يتطلب الحصولُ على النشوة وقوعَ الإيلام على الشخص المتلذذ).

وكالتَّضَمُّخِ -أي التَّلَطُّخ- بالنجاسات، وما فيه من امتهانٍ لأحد الطرفين.

ومن هنا كان من الضروري حماية الطفل وخاصة في سن المراهقة من استثارة الغرائز الجنسية والانفعال العاطفي وذلك بالتوعية الجنسية له؛ فالإسلام يعتبر العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة أمرًا فطريًا غريزيًا، ومن حاجات الجسد الأساسية، وأن الله قد غرزها في البشر، لتؤدي وظيفة اجتماعية من أسمى الوظائف الإنسانية وهي حفظ الجنس البشري وتعمير الأرض بالإنجاب والتناسل، وترك هذه العلاقة فوضى دون ضوابط يخرج بها عن حدود فطرتها ووظيفتها الأساسية، وتصبح عامل إفساد ومضار للأفراد وللجماعة بأسرها وهو أمر يؤكده الواقع الحي المشاهد وكافة الدراسات الاجتماعية، ومن ثم فإن كافة الضوابط التي وضعها الإسلام لتنظيم هذه العلاقة إنما تهدف إلى الحفاظ على وظيفتها الأساسية وعلى حماية الأنساب من الاختلاط ومن الضياع، وحماية الأفراد والجماعة من المضار التي تحيق بها من وراء الفوضى الجنسية إذا ما تحوّلت إلى مجرد متعة لحظية لا هدف لها ولا غاية تحققها، ويعبر القرآن الكريم والأحاديث النبوية عن هذه العلاقة باعتبارها أمرًا طبيعيًّا لا مندوحة من تنظيم أحكامه بوضوح كامل، مع الحرص على سمو التعبير، والترفع عن أساليب الفكر الهابط المنحل، والحذر الشديد من الفحش في القول، أو خدش حياء المرأة أو جرح كرمتها الإنسانية، أو إثارة الغرائز الدنيا خاصة لدى المراهقين والمراهقات.

ولقد أشارت النصوص الشرعية إلى هذا الجانب من العلاقة الزوجية باعتباره غريزةً واحتياجًا طبعيًّا في الإنسان، لكن هذه الإشارات أَتَتْ في ضمن ألفاظٍ راقيةٍ وتعبيراتٍ بليغةٍ للتنبيه إلى ما ينبغي على المسلم أن يتخلق به من الحياء والأدب وحسن التعبير؛ فقال تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ} [البقرة: 223]، وقال سبحانه: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187]، وقال سبحانه: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187].

قال الإمام بدر الدين الزركشي الشافعي في “البرهان في علوم القرآن” (2/ 303-304، ط. دار المعرفة، بيروت) في أسباب الكناية: [ومن عادة القرآن العظيم الكناية عن الجماع باللمس والملامسة والرفث والدخول والنكاح ونحوهن؛ قال تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} [البقرة: 187] فكَنَّى بالمباشرة عن الجماع؛ لما فيه من التقاء البشرتين، وقوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة: 6] إذْ لا يخلوا الجماع عن الملامسة، وقوله في الكناية عنهن: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187] واللباسُ من الملابسة وهي الاختلاط والجماع، وكَنَّى عنهن في موضع آخر بقوله: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223]، وقوله تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} [يوسف: 23] كناية عما تطلب المرأة من الرجل، وقوله تعالى: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا} [الأعراف: 189]] اهـ.

ووردت في السنة النبوية المطهرة أيضًا إشارات نحو المعاني المتعلقة بالفعل الجنسي أو الجماع بنحو ذلك الأسلوب الراقي في بلاغته وأدبه؛ فعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قال: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»([74]).

وعَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ»([75]).

قال الإمام المناوي في “فيض القدير” (1/ 238، ط. المكتبة التجارية الكبرى، مصر): : «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ» أي أراد جماع حليلته: «فَلْيَسْتَتِرْ» أي فَلْيَتَغَطَّ هو وإياها بثوبٍ يسترهما ندبًا] اهـ.

ولم تجد الشريعة الإسلامية حرجًا في أن تؤسس “للتربية الجنسية” بمفهومها العام؛ كبيان الأحكام الفقهية المتعلقة بالجانب الجنسي من أحكام الطهارة، وحدود العورة، وما يجب من سترها، وما يحرم من الجماع والاستمتاع وما يُباح، وآدابه ومقدماته بين الزوجين، وغير ذلك.

وفي سياق التريبة الجنسية للطفل يجب استخدام الأسلوب الأمثل في التعبير، والملائم لكل مرحلة من مراحل نمو الطفل العقلي والوجداني، وإدماج المعلومات الجنسية بصورة ملائمة في مواد العلوم المناسبة لها كعلم الأحياء، والعلوم الصحية، والعبادات والأحوال الشخصية، والتربية الدينية، واقتران عرض مواد التوعية الجنسية بتعميق الآداب السلوكية الإسلامية المتصلة بهذه الناحية، وبيان الحلال من الحرام، ومخاطر انحراف السلوك الجنسي عن التعاليم الإسلامية السامية([76]).

أما كون تعليم هذه الأمور ذريعةً لنشر الفاحشة: فليست كل ذريعة تُسَدُّ؛ بل من الذرائع ما يُسَدُّ باتفاقٍ، ومنها ما لا يُسَدُّ باتفاقٍ، ومنها ما هو مختَلَفٌ فيه، وإذا كان في الأمر مصلحةٌ غالبةٌ ومفسدةٌ نادرةٌ؛ فإن المصلحة الكلية تُقدم، ولا تُعتبر المفسدة النادرة.

يقول الإمام المقري المالكي: «تُقدَّم المصلحةُ الغالبةُ على المفسدة النادرة ولا تُترَك لها؛ أي لأجل المفسدة النادرة»([77]).

ومن هنا أجازت الفتوى المنضبطة العناية بالتربية الجنسية للطفل؛ ففي فتاوى دائرة الإفتاء الأردنية: «التربية الجنسية تعني تعليم الأطفال وتوعيتهم ببعض قضايا البلوغ والغريزة والزواج، وهي تربية مستمدة -عندنا نحن المسلمين- من أحكام الشريعة الإسلامية، هدفها تحصين أبناء المسلمين من السلوكيات البعيدة عن ثقافتنا الإسلامية، وغرس التصورات القويمة في عقول أطفالنا في صغرهم، حتى إذا كبروا عرفوا ما يحل وما يحرم عليهم، وأصبحوا متسلحين بالأخلاق الإسلامية الفاضلة في حياتهم اليومية، وفي شريعتنا الكثير من الأمثلة على مفردات مادة التربية الجنسية القويمة… فالتربية الجنسية لا تعني تعليم الجنس، بل تربية الأبناء وتوجيههم في هذه المسائل وجهة دينية وأخلاقية توافق أحكام الشريعة الإسلامية، وهذا يحفظ الأطفال من مرافقة أصدقاء السوء أو التجارب الخاطئة التي يقع فيها أبناؤنا»([78]).

المبحث السابع: الحماية المتكاملة.

من حقوق الطفل أيضًا حمايته حماية متكاملة، بالسعي في جلب ما ينفعه ودفع ما يضره عاجلا وآجلا؛ وذلك عبر عدة أمور بيانها في المطلبين الآتيين:

المطلب الأول: الرعاية الصحية.

المطلب الثاني: الرعاية النفسية.

 

المطلب الأول: الرعاية الصحية:

ينبغي العناية بتربية الطفل الجسمانية وقت الطفولة من غذاء منظم مفيد، ونظافة وعلاج عند الحاجة، ونحو ذلك مما يساعد على نمو أجسامهم وسلامتها، وقوة أعضائهم؛ فإن قوة الجسم مطلوبة مع غيرها من القوى المعنوية، كقوة العقل.. وقد مدح الله تعالى طالوت عندما خصه بالقيادة بصفتين عظيمتين، إحداهما قوة الجسم والثانية كثرة العلم، فقال: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البقرة: 247]، والمؤمن القوي الجسم الذي يقدر على القيام بأعمال مفيدة نافعة له ولإخوانه المؤمنين خير من ضعيف الجسم الذي لا يقدر على ذلك..فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير.

لقد أولى الإسلام الرعاية الصحية للإنسان عمومًا وللطفل خاصة عناية فائقة؛ إذ يوجب العمل على بناء القوة المتكاملة للإنسان بما فيها قوة البدن؛ لأن الجسم هو عدة الإنسان في الحياة، وفي القيام بالتكاليف الشرعية، وعن وهب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمن حديث طويل: «.. إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حقٍّ حقه»([79])، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»([80])، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري لا إله إلا أنت»([81])، وقد تضمنت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم العديد من القواعد الصحية التي تحافظ على قوة الجسم حتى وجد في العلوم الإسلامية علم كامل يسمى «الطب النبوي»، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالنظافة وتنظيم التغذية والتداوي وتجنب العدوى، وما يعرف الآن بالحجر الصحّي، وحث على الرياضة البدنية، والقاعدة في الإسلام أنه يجب المبادرة بأخذ كل جديد نافع ومفيد طالما لا يصطدم بنص شرعي قطعي، وليس ضارًا ولا خبيثًا، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز»([82])، ويقول: «إن الله طيبٌ يحب الطيب، نظيفٌ يحب النظافة»([83])، ويقول: «لا يوردن ممرضٌ على مصحٍّ»([84])، ويقول: «ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً»([85])، و: «إذا سمعتم بالطاعون بأرضٍ فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا منها»([86]).

ولم تقتصر الفتوى المنضبطة على إيجاب حماية الطفل صحيًّا بعد ولادته؛ بل تجاوزت ذلك إلى حمايته قبل ولادته؛ فبعض الأطفال يولدون ببعض الأمراض أو العيوب الخِلقية أو التشوهات التي يمكن أن تصيب أيَّ عضو من أعضاء الجسد، وقد أمكن في ظل المعارف والعلوم والمخترعات الحديثة في مجال الطب والعلاج الكشف عن تلك الأمراض والوقوف على هذه التشوهات والعيوب حال وجود الجنين في بطن أمه أثناء شهور الحمل عن طريق بعض الوسائل الآلية والتحليلات المعملية التي تساعد على التشخيص.

وهذا الكشف المبكر يساعد في بعض الحالات على تداركها بالعلاج سواء أكانت الإصابة من قبيل المتلازمات المرضية التي يمكن علاجها بالجينات أو بتقنية الخلايا الجذعية ونحو ذلك، أم من قبيل التشوهات والعيوب الخِلقية التي يمكن علاجها وإصلاحها إما بإجراء جراحة جنينية أو عادية بعد الولادة إن تعذرت الجراحة الجنينية.

وهذه الوسائل التشخيصية نوعان: وسائل لا اختراقية (Non invasive methods)، ووسائل اختراقية (Invasive methods)؛ أما الوسائل اللا اختراقية فهي التي لا تستدعي دخول شيء إلى جسم الحامل؛ كالفحص بالموجات فوق الصوتية ثنائية الأبعاد أو ثلاثية الأبعاد أو رباعية الأبعاد وكالأشعة التليفزيونية وكذلك الرنين المغناطيسي. وأما الوسائل الاختراقية فهي التي تكون عن طريق غرس أداة دقيقة -كالإبرة- تنفذ داخل الجسد. ويلجأ إليها في أحوال؛ كأن يحتاج إلى أخذ عينة من السائل الأمينوسي، أو من المشيماء أو من دم الحبل السُّرِّي أو يحتاج إلى أخذ خلايا جنينية من دم الأم، أو عينة من جسم الجنين ذاته.

ومن هنا اختارت الفتوى المنضبطة إباحة هذه الوسائل([87])؛ انطلاقًا من أن الأخذ بالعلاج والتداوي قد طلبه الشرع وندبه وحث عليه؛ فروى أبو داود والترمذي عن أسامةَ بنِ شَرِيكٍ رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كأنما على رءوسهم الطيرُ، فسَلَّمتُ ثم قعدتُ، فجاء الأعرابُ من هاهنا وهاهنا، فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: «تَداوَوا؛ فإنَّ اللهَ عز وجل لم يَضَع داءً إلا وَضَعَ له دَواءً غيرَ داءٍ واحِدٍ: الهَرَمُ»([88]) (والهَرَمُ: الكِبَر). وهذا الحديث جاء فيه الحث على التداوي مطلقًا غير مُقَيَّدٍ بقَيد، والقاعدة أن المطلق يجرى على إطلاقه حتى يَرِد ما يقيده؛ قال الإمام الخَطَّابي: «في هذا الحديث إثبات الطبِّ والعلاجِ، وأن التداويَ مباحٌ غيرُ مكروهٍ»([89])، وقال الإمام عز الدين بن عبد السلام: «إن الطبَّ كالشرع وُضِع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام، ولدرء ما أمكن درؤه من ذلك، ولجلب ما أمكن جلبه من ذلك»([90]).

واستعمال تلك الوسائل التشخيصية هو مما يتوقف العلاج عليه، فإذا كان العلاج مأذونًا فيه كانت وسائله وما يتوقف عليه مأذونًا فيها أيضًا؛ لأن القاعدة أن الإذن في الشيء إذنٌ في مُكَمِّلات مقصوده([91])، فالأصل في استعمال آحاد هذه الوسائل المذكورة أنه مأذون فيه ما دام القائمون بإجرائها من الأطباء المختصين الأَكْفاء، إلا أن يترتب عليه ضررٌ مُحَقَّق أو غالب على الظن يقع على الأم أو على الجنين، فإنه حينئذ يكون ممنوعًا؛ لأن القاعدة الشرعية أن الضرر يزال، وأصلها ما رواه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار»([92])، ويقول الإمام البَغَوي: «والعلاج إذا كان فيه الخطر العظيم كان محظورًا»([93]).

كما أباحت الفتوى المنضبطة الوسائل العلاجية التي تستعمل لعلاج تشوهات الأجنة كالعلاج الدوائي أو التدخل الجراحي([94])؛ وذلك بناء على أنها داخلة في أصل مطلوبية العلاج، ولا يُمنَع منها إلا ما كان ضرره راجحًا؛ بحيث تكون مفسدة استعماله تفوق مفسدة تركه يقينًا أو بغلبة الظن؛ ومن القواعد الشرعية المقررة أنه إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما، وأن الضرر لا يزال بالضرر المساوي أو الأشد([95]).

المطلب الثاني: الرعاية النفسية:

ومن الحقوق التي يجب على الآباء الانتباه لها والعمل بها حماية الصحة النفسية للأطفال ويكون ذلك بأمور؛ لعل أهمها التسوية بين الأولاد في العطية والنفقة والكسوة وغير ذلك، لأن ذلك من العدل الذي أمر الله به.. وهو من أسباب الألفة بين الأولاد وعدم عقوق الأب، ويكره له أن يفضل بعضهم على بعض دون سبب لأن تفضيل بعضهم على بعض سبب في بث الحقد بينهم، وفي عقوق بعضهم للأب، ولا يجوز له أن يعين الشيطان على دخوله بين الأولاد للإفساد بينهم.

ومن حماية الطفل نفسيًّا أمر الشريعة بإحسان تسميته عند ولادته؛ فقد روى ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه وأن يحسن أدبه»([96])، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم»([97]).

ونجد مراعاة الصحة النفسية للطفل في فتوى دار الإفتاء المصرية بجواز مَنحُ الطفل المكفول لَقَبَ عائلةِ كافِلِه، وفيها: “لا يجوز شرعًا تسمية الطفل المكفول باسم كافِلِه بحيث يشترك معه في كامل اسمه، أو فيما يوهِم أنه ابنه مِن صُلبه؛ لِمَا يحصل بهذا مِن صورة التَّبَنِّي المَنْهِيِّ عنه شرعًا، قال تعالى: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 5].

والجائز مَنحُ الطفل المكفول لَقَبَ عائلةِ كافِلِه؛ بحيث يَظهَرُ مُطلَقُ الانتماءِ إلى العائلة، بل إن تلك الإضافة التي تكون في آخر اسم الطفل اليتيم أو مجهول النسب ستكون مِثل عُلْقة الولاء التي كانت بين القبائل العربية قديمًا، وليس في ذلك شيءٌ من التَّبَنِّي المُحَرَّم في الشرع؛ لأن التَّبَنِّي هو إضافةُ ولدِ غيرِه إليه وإقامتُه مُقامَ ولدِه في الميراث والنسَب والخلوة بنساء الأسرة على أنَّهُنَّ محارمه وغير ذلك مما كان شائعًا في الجاهلية وصَدْرِ الإسلام، ثم حَرَّمه الإسلام حِرْصًا على عدم اختلاط الأَنْسَاب، أما إضافة الاسم الأول للكفيل فإنه يُؤَدِّي إلى التدليس بأنه ابنه أو ابنته مِن صُلْبه؛ فيدخل ذلك في نِطاق التَّبَنِّي الْمُحَرَّم شرعًا‏”([98]).

المبحث الثامن: المعاملة الحانية.

للطفل في الإسلام الحق في أن يلقى من والديه ومن غيرهما المعاملة الحانية العادلة المحقِّقة لمصلحته؛ فعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حاملٌ أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها([99])، وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى (الظهر) ثم خرج إلى أهله وخرجت معه، فاستقبله ولدانٌ فجعل يمسح خدي أحدهم واحدًا واحدًا قال: وأما أنا فمسح خدي([100])، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الأقرع بن حابس رضي الله عنه أبصر النبي صلى الله عليه وسلم يُقبل الحسن فقال: إن لي عشرةً من الولد ما قبلت واحدًا منهم، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه من لا يرحم لا يُرحم»([101])، وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله تبارك وتعالى ساعة نيل فيها عطاءٌ فيستجيب لكم»([102]).

وأما العدالة في المعاملة؛ فعن النعمان بن بشيرٍ -رضي الله عنهما- قال: تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهده على صدقتي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفعلت هذا بولدك كلهم»، قال: «لا»، قال: «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم»، فرجع أبي فرد تلك الصدقة([103]).

ويكون العدل في العطاء، والحنان، والبسمة، والكلمة.

المبحث التاسع: الاستمتاع بالوقت مع الحماية من المفاسد.

للطفل حق الاستمتاع بطفولته، فلا يُسلب حقه في الراحة والاستمتاع بوقت الفراغ ومزاولة الألعاب والاستجمام والمشاركة بحرية في الحياة الثقافية والفنية([104])؛ فعن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان له صبي فليتصاب له»([105])، وعن جابر رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمشي على أربعة، وعلى ظهره الحسن والحسين -رضي الله عنهما- وهو يقول: «نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما»([106])، وروى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عُرامة الصبي في صغره زيادةٌ في عقله في كبره»([107])، والعرامة: الحيوية والحركة والنشاط في اللعب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لمن يقابله من الأطفال: «يا غلام اذهب العب»([108])، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وتقديرًا لأهمية اللعب التربوية كان الصحابة يدفعون أطفالهم إلى اللعب ويشجعونهم عليه، وكان عروة بن الزبير يقول لولده: «يا بني، العبوا فإن المروءة لا تكون إلا بعد اللعب»، وعن مغيرة بن إبراهيم قال: «كان أصحابنا يرخِّصون لنا في اللعب كلها»، أي: للصبيان، وقال أبو عقبة: «مررت مع ابن عمر بالطريق فمر بغلمة يلعبون فأخرج درهمين فأعطاهم»؛ تشجيعًا لهم على نشاطهم في اللعب.

ويكون الاستمتاع المكفول للطفل بما يتناسب مع سنه ويحفظ هويته، مع إبعاده عن وسائل اللهو المحرم؛ فاللعب مباح بشرط أن لا يتضمّن ضررًا بإنسان بأن يتأذَّى بهذا اللعب، أو يسبب ضررًا بحيوانٍ، وألا يؤدي إلى ضياع مال ولا يكون حرامًا في ذاته كالقمار، وهذا الإبعاد يقع على عاتق المسئول عن تربية الطفل من الأب ونحوه([109])، قال الله عزَّ وجلَّ: {يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكةٌ غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6]، قال علي رضي الله عنه في قوله: {قُوا أنفسكم وأهليكم نارًا} قال: «علموا أهليكم خيرًا»([110])، وقال مجاهدٌ: «قُوا أنفسكم وأهليكم: أوصوا أنفسكم وأهليكم بتقوى الله وأدبوهم»([111])، وقال قتادة: «مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن معصيته»([112]).

وقد راعت الفتوى المنضبطة فيما تقرره من فتاوى إبعاد الطفل عما يضره من ألعاب؛ فأفتت دار الإفتاء المصرية بحرمة المشاركة في اللعبة المسمّاة بـ”الحوت الأزرق”([113])؛ لأن المشارك في هذه اللعبة يبدأ بعد التسجيل فيها بنقش رمزٍ على جسده بآلة حادة؛ كالسكين أو الإبرة أو نحوهما، ثم يقوم في نهاية اللعبة بأحد فعلين: إما أن يقتل نفسه وهو الانتحار، أو يقتل غيره.

المبحث العاشر: حرية الفكر والوجدان.

أقر الشرع الشريف الحرية الدينية للناس جميعًا حيث صرح القرآن الكريم بأن اختلاف الناس في معتقداتهم من سنن الله تعالى في خلقه كما في قولِه تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119،118]، ويقول تعالى: {وما كان الناس إلا أمةً واحدةً فاختلفوا ولولا كلمةٌ سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون} [يونس: 19]، {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم} [الروم: 22]؛ فتقرر حرية العقائد والأديان بنصوص آمرة وعديدة في قوله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256]، {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99]، {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29]، وحرية العقيدة تقتضي من باب أولى حرية الفكر وحرية التعبير أو حرية إبداء الرأي.

وهذا يقتضي ضرورة التعامل مع هذه السنة الإلهية الربانية بإيجابية لأنها تحمل في طياتها أبعادًا ومضامين تُنظِّم علاقة المسلم بغيره من أتباع الديانات الأخرى، وهي تتجلى إجمالًا في الإقرار بوجود هذا النوع من الاختلاف وضرورة التعايش والتعاون والتكامل معه بما يحقق النفع للخلق واكتمال العمران في الدنيا؛ فلا يكون العيش بين الشخص وذات ذلك الشخص؛ إنما يكون بين شخصين أو أكثر بينهما تمايز، ولا يقتضي هذا التعايش بالضرورة معاداة العقائد والأديان أو مخالفة أحكامها أو فصلها عن كيان الدولة أو تهميش دورها في الحياة، أو إزالة الفروق والتمايز بينها؛ وإنما يقصد به الاتحاد لإعمار الأرض، والتعاون في المتفق عليه انطلاقًا من القيم العليا المشتركة بين الناس.

وإذا كانت الحرية الدينية، وهي عقيدة؛ مكفولة للجميع فلا ريب أن حرية الفكر بصفة عامة أولى بأن تكون مكفولة؛ والأولى منها حرية الوجدان؛ إن اختلاف الناس في أحوالهم وألسنتهم من سنن الله في الكون، وهو ما يقتضي بالضرورة اختلاف الأفهام والأفكار ويستلزم الحق في حرية الرأي، وحرية التعبير لكل قوم من الأقوام ولكل أمة من الأمم، ولكل فرد من الأفراد في الحدود المقررة شرعًا وقانونًا.

وتنطلق تنمية حرية الفكر في الطفل من العناية بالحوار معه منذ الصغر، والحوار هو: طريقة في المناقشة ومراجعة الكلام بأسلوب حسن بغرض الوصول إلى الحق بعيدًا عن التعصب والهوى.

وإجراء الحوار الإنساني ليس هدفًا في حدِّ ذاته، فالحوار في الأصل سمة إنسانية تقتضيها طبيعة الإنسان التواصلية، وإنما الهدف هو إجراء ذلك الحوار البنَّاء الذي يسعى للمكاشفة الذاتية وعرض الأفكار وتصحيح المفاهيم.

وإجراء ذلك الحوار البناء يتطلب تهيئة المناخ المناسب لإجرائه، بحيث تتم إزالة كافة العوائق التي يمكن أن تحول بين الحوار وبين تحقيق غاياته.

ولعل من أهم مشكلات الحوار التي يجب الالتفات إليها هو معاملة البعض للحوار على كونه واجبًا شكليًّا تكتمل به صورة الحرية؛ ولذلك يأتي الحوار سطحيًّا إلى أقصى درجة، يحاول الابتعاد قدر الإمكان عن مواطن الإشكال الحقيقية خوفًا من تبعاته، فيتفرغ الحوار عن مضمونه، ويتحول إلى صورة شكلية غايتها إثبات حصول الحوار بقطع النظر عن مقاصده.

المبحث الحادي عشر: خصوصية العناية بالابنة.

لم يكن غريبًا أن يبادر الإسلام إلى إنقاذ البنات من الوأد، وهو دفن الأب لابنته وهي حية، فقد كان الرجل من العرب إذا وُلدت له بنت وأراد أن يتركها حية ألبسها جبةً من صوف أو شعر وتركها ترعى له الإبل والغنم في الصحراء، وإذا أراد أن يقتلها حفر لها بئرًا في الصحراء فدفعها فيه ثم يهيل على رأسها التراب حتى يستوي البئر بالأرض. قال تعالى: {وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوء مَا بُشّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَآء مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 59].

وقد استنكر الإسلام في الكثير من الآيات هذا وحرمه، قال عز وجل: {وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت} [التكوير: 9].

لقد أزال الإسلام هذه الأوضاع الفاسدة ومنعها، وحث على تربية البنات تربية صالحة وتعليمهن باعتبارهن أمهات المستقبل وصانعات الرجال، بل تعدى الأمر إلى التوصية بالإحسان إلى الجواري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران”([114]).

وتشترك البنات مع الأبناء في الحقوق؛ فيجب السعي في جلب ما ينفعهن ودفع ما يضرهن عاجلا وآجلا، وينبغي العناية بتربيتهن الجسمانية وقت الطفولة من غذاء منظم مفيد ونظافة وعلاج عند الحاجة، ونحو ذلك مما يساعد على نمو أجسامهن وسلامتها، وكذلك العناية بتنشئتهن على الأخلاق الفاضلة في وقت الصغر؛ فإن الأمور التي يطبع عليها الصغير قلما يفارقها في كبره، فينبغي أن تمرن البنت على الصدق والوفاء وعلى الشجاعة والكرم، وتحمل المسئولية واحترام ولي أمرها، والشفقة على الضعيف؛ مما يعلمها الشفقة على أطفالها وأخواتها الصغار، وغير ذلك من الصفات الحميدة، كما ينبغي أن تنفر من أضداد تلك الصفات وأشباهها، ولا يتأتى هذا الأمر إلا إذا توفرت هذه الصفات الحميدة في الأمهات وغيرهن من أهل البيت، فإن الطفل يكتسب من أهل البيت صفاتهم التي يراهم يلازمونها، حسنة كانت أم سيئة، فيجب أن يكون الكبار قدوة للصغار في أعمال الخير.

ومن حقوق البنات أيضًا: تمرينهن على أداء الشعائر التعبدية، كالصلاة وما يتصل بها من وضوء ونحوه، وتعليمهن قراءة القرآن، وإذا تيسر تحفيظهن إياه فلا ينبغي أن يفرط في ذلك، وإذا لم يتيسر حفظ الجميع فما تيسر منه، مع تفهيمهن أن هذا القرآن كلام الله الذي نزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وحثهن على حبه واحترامه. وأن المطلوب من تعلمه وقراءته وحفظه وتعليمه هو العمل بأوامره واجتناب نواهيه، وأن يكون هو المرجع والمنهج الذي تبنى عليه حياتهن. كما يجب أن يُعلمن الأحكام الشرعية التي تخصهن عندما يبلغن السن التي يحصل معها الفهم الكافي.

وهناك أمور أخرى تخص البنت يجب على أبيها رعايتها معها؛ ومن أهمها اختيار الزوج الكفء المعروف بالصلاح والتقوى والأخلاق الفاضلة؛ فإن الزوج قرين الحياة فيجب أن يكون زوجًا صالحًا يحسن عشرة الزوجة ويقوم بحقها، ويصبر عليها.

وقد راعت الفتوى المنضبطة هذه الخصوصية للعناية بالبنت ففي فتاوى دار الإفتاء المصرية أن الأب أصيل في ولايته على ابنته، ولكن لو كان تصرفه مع ابنته بموجَب ولايته يتنافى مع البر والشفقة والمصلحة الحاليَّة والمستقبلية؛ بحيث يضر بها ضررًا محضًا، أو كان يرمي إلى تحقيق مصالح مَوهومة أو قليلة الأهمية لا تتناسب مع ما يصيبها مِن ضَرَرٍ بسببها، فإنه بذلك يكون مُتَعَسِّفًا في استعمال حقه.

وقررت الفتوى أن للبنت حَقًّا على أبيها في أن يُعَلِّمها، وأن ضَرَر تَرك التعليم بالنسبة لها ظاهرٌ غيرُ مَدفوع.

وأن العمل مثلُ التعليم، إذا قامت الحاجة الخاصة أو العامة إليه، وكان مشروعًا لا يلابسه شيء مِن الممنوعات الشرعية، وكانت المرأة تأمَن معه على نفسها وعِرضها ودينها، مع مناسبته لتكوينها الجسدي والنفسي، فلا يكون خروجُها حينئذ قادحًا في البر، ولا ناقضًا لولاية الولي عليها.

وأما ولاية الأب في تزويج ابنته؛ فهو حق شرعي له على ابنته، ولكنه إن أبى أن يزوجها مطلقًا ممن ترغب فيه مِن الأَكفاء سقطت ولايته عنها([115]).

وكذلك ليس للأب أن يَمنع ابنته مِن العلاج؛ إذا أرادت تحصيله، بل يجب عليه ما دام مستطيعًا أن يتكفل لها بالدواء والتطبيب، ما دامت البنت تحت رعايته وفي كفالته؛ لأنه يلزمه كفايتها من كل وجه.

ثم خُتِمت الفتوى بنصح الآباء وأولياء الأمور أن يتقوا الله تعالى في بناتهم، وأن يتصرفوا معهن بما تقتضيه مصالحهن العامة والخاصة، وبما يقتضيه وصف الأنوثة القائم فيهن من لزوم الرعاية الدائمة، وأن يستحضروا ما في ذلك مِن الثواب الجزيل عند تحققه، والوعيد الأكيد عند تخلفه.

وكذلك نصح البنات أيضًا أن يتلطفن في طلب حقوقهن مِن آبائهن، وأن يتوصلن إليها باستطابة أنفسهم ما أمكن([116]).

 

 

([1]) تقدم تخريجه.

([2]) ينظر: أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد كمال إمام (ص162).

([3]) تقدم تخريجه.

([4]) انظر: نظام الأسرة في الإسلام للدكتور مصطفى ديب البغا (ص210).

 

([5]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (41) لسنة 2014م.

([6]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (162) لسنة 2011م.

([7]) ينظر: قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الثانية عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة عام 1410هـ الموافق 1990م، وفتوى دار الإفتاء المصرية رقم (34) لسنة 2012م.

([8]) أخرجه الترمذي وحسنه (715).

([9]) موقع دار الإفتاء المصرية، فتوى الدكتور علي جمعة، بتاريخ: 28 مايو 2008م.

https://www.dar-alifta.org/

([10]) أخرجه مسلم (1696).

([11]) ينظر: الأسرة لأحمد حمد (ص282)، أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد كمال إمام (ص187).

([12]) مغني المحتاج للخطيب الشربيني (2/174)، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1415هـ-1994م.

([13]) موقع دائرة الإفتاء الأردنية، رقم الفتوى: (2946)، بتاريخ: 22-07-2014م.

https://www.aliftaa.jo/

([14]) ينظر: الأسرة لأحمد حمد (ص286)، أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية لعبد الوهاب خلاف (ص194)، أحكام الأسرة في الإسلام للدكتور محمد مصطفى شلبي (753).

([15]) انظر: نظام الأسرة في الإسلام للدكتور مصطفى ديب البغا (ص532)، أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد كمال إمام (ص171).

 

([16]( تقدم تخريجه.

([17]) انظر: نظام الأسرة في الإسلام للدكتور مصطفى ديب البغا (ص536).

([18]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (37) لسنة 2013م.

([19]) أخرجه البخاري (5304).

([20]) أخرجه أبو داود (2594).

([21]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (6013)، ومسلم (2319).

([22]) أخرجه الترمذي (1921).

([23]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (49) لسنة 2011م.

([24]) الأحوال الشخصية في الإسلام (ص: 68-69).

([25]) أحكام القرآن (5/360).

([26]) المبسوط (5/208).

([27]) فُتُوحات الوهَّاب بتوضيح شَرح مَنهَج الطُّلَّاب (4/516).

([28]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (71) لسنة 2013م.

([29]) ينظر: الأسرة لأحمد حمد (ص297).

([30]) أخرجه مسلم (1715).

([31]) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (6990)، والبيهقي في الصغير (1221).

([32]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (44) لسنة 2013م.

([33]) تقدم تخريجه.

([34]) أخرجه البخاري (5995).

([35]) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (11/ رقم 11542).

([36]) أخرجه الحسين بن حرب المروزي في البر والصلة (190- دار الوطن- الرياض) من حديث جابر رضي الله عنه.

([37]) أخرجه الترمذي (1952).

([38]) أخرجه البيهقي في الكبرى (19742) من حديث أبي رافع رضي الله عنه.

([39]) أخرجه البزار في مسنده (8540) بلفظ: «أن يحسن اسمه ويحسن أدبه». وأخرجه البيهقي في الشعب (8299) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: «فليحسن اسمه وأدبه، فإذا بلغ فليزوجه».

([40]) أخرجه ابن ماجه (3671).

([41]) أخرجه الترمذي (2516) وقال: «حسن صحيح».

([42]) أخرجه أحمد (2803) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

([43]) أخرجه الترمذي وحسنه (407).

([44]) أخرجه أبو داود (495).

([45]) أخرجه ابن منده في المعرفة (فيض القدير 4/327- دار المعرفة- بيروت).

([46]( تقدم تخريجه.

([47]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (2654)، ومسلم (87).

([48]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (527)، ومسلم (85).

([49]) تقدم تخريجه.

([50]) تقدم تخريجه.

([51]) تقدم تخريجه.

([52]) أخرجه أبو داود (3530)، وابن ماجه (2292).

([53]) أخرجه الترمذي (1920) وقال: «حسن صحيح».

([54]) تقدم تخريجه.

([55]) أخرجه الطبراني في الأوسط (4076).

([56]) أخرجه ابن ماجه (224).

([57]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (71)، ومسلم (1037).

([58]) أخرجه الترمذي وحسنه (2647).

([59]) أخرجه أبو داود (3641).

([60]) أخرجه الدارمي في سننه (252).

([61]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (34) لسنة 2013م.

([62]) البحر المحيط (5/8)، ط. دار الكتبي.

([63]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (39) لسنة 2013م.

([64]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (295) لسنة 2012م.

([65]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (97)، ومسلم (154) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

([66]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (98)، ومسلم (884).

([67]) أخرجه البخاري (103).

([68]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (3770)، ومسلم (2446) من حديث أنس رضي الله عنه.

([69]) أخرجه الطبراني في الكبير مرسلًا (23/رقم299).

([70]) البداية والنهاية (4/ 322- دار هجر).

([71]) ينظر: سير أعلام النبلاء (2/135، 140- مؤسسة الرسالة).

([72]) أخرجه البخاري (2731).

([73]) أخرجه الطبراني في الكبير (24/ رقم785).

([74]( أخرجه مسلم (1006).

([75]( أخرجه ابن ماجه (1921) من حديث عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه.

([76]) ينظر: ميثاق الأسرة في الإسلام (ص 328).

([77]) القواعد للمقري (ص 113)، ط. دار الأمان.

([78]) موقع دائرة الإفتاء الأدرنية في فتوى بعنوان: “التربية الجنسية في الثقافة الإسلامية”.

https://www.aliftaa.jo/

([79]) أخرجه البخاري (1968).

([80]) أخرجه مسلم (2664).

([81]) أخرجه أبو داود (5090) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.

([82]) أخرجه مسلم (2664) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([83]) أخرجه الترمذي (2799) من حديث سعد رضي الله عنه.

([84]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (5771)، ومسلم (2221) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([85]) أخرجه البخاري (5678) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([86]) أخرجه البخاري (5728) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما.

([87]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (34) لسنة 2012م.

([88]) أخرجه أبو داود (3855)، والترمذي (2038) وقال: «حسن صحيح».

([89]) معالم السنن (4/217).

([90]) قواعد الأحكام (1/6).

([91]) انظر: إحكام الإحكام لابن دقيق العيد (2/288).

([92]) تقدم تخريجه.

([93]) شرح السُّنَّة (12/147).

([94]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (34) لسنة 2012م.

([95]) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: 86، 87).

([96]) تقدم تخريجه.

([97]) أخرجه أبو داود (4948).

([98]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (56) لسنة 2013م.

([99]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (516)، ومسلم (543).

([100]) أخرجه مسلم (2329).

([101]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (5997)، ومسلم (2318).

([102]) أخرجه مسلم (3009).

([103]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري (2587)، ومسلم (1623).

([104]) ينظر: ميثاق الأسرة في الإسلام (ص 306).

([105]) ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق (72/ 38- دار الفكر).

([106]) أخرجه الطبراني في الكبير (3/ رقم 2661).

([107]) ذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (2/ 346- دار الجيل- بيروت) من حديث عمرو بن معدي كرب رضي الله عنه.

([108]) أخرجه أحمد (10271) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([109]) ينظر: ميثاق الأسرة في الإسلام (ص 307).

([110]( تقدم تخريجه.

([111]( تقدم تخريجه.

([112]( تقدم تخريجه.

([113]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (31) لسنة 2018م.

([114]) تقدم تخريجه.

([115]) راجع كتاب فضيلة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور شوقي علام “الولاية في عقد النكاح.. دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي”، دار الوفاء، الطبعة الأولى، 2013م، (ص164).

([116]) ينظر: فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (677) لسنة 2009م.

اترك تعليقاً