البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفتوى صناعة وعلم مخصوص

67 views

وسوف نطرح هذا المبحث من خلال الآتي:

مراحل صناعة الفتوى:

المرحلة الأولى: مرحلة التصوير:

فيها يتم تصوير المسألة التي أثيرت من قِبل السائل، وينبغي على المفتي في هذه المرحلة أن يكون متيقِّظًا حتى يتصوَّر المسألة تصورًا صحيحًا، فتيقظ المفتي وعدم غفلته أثناء عملية الفتوى من الأهمية بمكان، فقد يسأل المستفتي عن أمر شرعي وتدل القرائن للمفتي المتيقِّظ أنَّ مراد المستفتي التوصُّل بالفتوى إلى غرض فاسد، وقد نص الفقهاء على هذه المسألة حيث يقول الحصكفي: «وشرط بعضهم تيقظه»([1])، أي شرط بعض العلماء أن يكون المفتي متيقِّظًا وذلك للاحتراز عمن غلب عليه الغفلة والسهو أثناء الإفتاء؛ وذلك أن المفتي إذا كان متيقِّظًا عالمًا بوقته مدركًا لزمانه حريصًا على النظر الثاقب في المسائل المطروحة أمامه ليعطيها الحكم الشرعي المناسب كانت الفتوى أقرب للسلامة والموافقة لحال المستفتي.

المرحلة الثانية: مرحلة التكييف:

والمراد بالتكييف التكييف الفقهي للمسألة المطروحة.

تعريف التكييف الفقهي:

يعرف التكييف الفقهي بأنه تحديد لحقيقة الواقعة المستجدة لإلحاقها بأصل فقهي، خصَّه الفقه الإسلامي بأوصاف فقهية، بقصد إعطاء تلك الأوصاف للواقعة المستجدة عند التحقق من المجانسة والمشابهة بين الأصل والواقعة المستجدة في الحقيقة.

من التعريف السابق يتضح أن عناصر التكييف الفقهي تتكون من: الواقعة المستجدة، والأصل، وأوصاف الأصل الفقهية، والحقيقة، والإلحاق([2]).

المرحلة الثالثة: مرحلة بيان الحكم:

الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، ويؤخذ هذا الحكم من الكتاب والسنة والإجماع، ويتم إظهاره أيضًا بواسطة القياس والاستدلال.

ويجب على المفتي أن يكون مُدركًا للكتاب والسنة ومواطن الإجماع وكيفية القياس ودلالات الألفاظ العربية وترتيب الأدلة وطرق الاستنباط وإدراك الواقع إدراكًا صحيحًا، ويتأتَّى هذا بتحصيله لعلوم الوسائل والمقاصد، كالأصول والفقه واللغة والحديث ونحوها، وبتدريبه على الإفتاء الذي ينشئ لديه ملكة راسخة في النفس يكون قادرًا بها على ذلك، وكذلك تحليه بالتقوى والورع والعمل على ما ينفع الناس.

المرحلة الرابعة: الإفتاء:

أو مرحلة تنزيل الحكم الذي توصل إليه على الواقع الذي أدركه.

إذًا هذه هي المراحل التي تمر فيها صناعة الفتوى، وأهم ما يؤثر في صناعة الفتوى هو إدراك المفتي للواقع الذي يعيش فيه حتى تتم صناعة الفتوى متناسبة للواقع الذي يكون فيه المستفتي، وبالتالي تخرج الفتوى صحيحة لا غبار عليها، وسنفرد الحديث للكلام عن الواقع لما له من أهمية وأثر في الفتوى.

أهمية إدراك الوقع:

من المعلوم أن النصوص الشرعية محدودة بينما الوقائع غير متناهية؛ فنشأ بسبب ذلك هذا التراث الفقهي الضخم الذي يمثل كنزًا تشريعيًّا ثريًّا، إلا أن بعض جمله قد تأثرت بواقعها، وقد أمرنا العلماء ألا نقف عند وقائعهم، بل نأخذ المناهج التي بنوا عليها استنباطهم للأحكام الشرعية ونستعملها لواقعنا نحن.

يقول الإمام القرافي: «فمهما تجدد في العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجلٌ من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تُجرِه على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأَجرِه عليه وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلالٌ في الدين، وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين»([3]).

فهذا الكلام ينبهنا إلى أهمية مسألة: (إدراك الواقع) كركن أساسي من أركان الإفتاء، ويقول تأكيدًا على ذلك:

«فإن العوائد لا يجب الاشتراك فيها بين البلاد خصوصًا بعيدة الأقطار، ويكون المفتي في كل زمان يتباعد عما قبله، يتفقد العرف، هل هو باقٍ أم لا؟ فإن وجده باقيًا أفتى به، وإلا توقَّف عن الفتيا، وهذه هي القاعدة في جميع الأحكام المبنية على العوائد، كالنقود، والسكك في المعاملات، والمنافع في الإجارات، والأيمان، والوصايا، والنذور في الإطلاقات، فتأمل ذلك فقد غفل عنه كثيرٌ من الفقهاء، ووجدوا الأئمة الأوائل قد أفتوا بفتاوى بناءً على عوائد لهم، وسطروها في كتبهم بناءً على عوائدهم، ثم المتأخرون وجدوا تلك الفتاوى، فأفتوا بها وقد زالت تلك العوائد، فكانوا مخطئين، خارقين للإجماع، فإن الفتيا بالحكم المبني على مدرك بعد زوال مدركه، خلاف الإجماع»([4]).

ويوضح خاتمة المحققين ابن عابدين إلى أهمية التنبه للمسائل الاجتهادية المبنية على العرف فيقول: «المسائل الفقهية، إما أن تكون ثابتةً بصريح النص، وإما أن تكون ثابتةً بضرب اجتهادٍ ورأي، وكثير منها ما يبنيه المجتهد على ما كان في عرف زمانه، بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أولًا، ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد أنه لا بد فيه من معرفة عادات الناس، فكثيرٌ من الأحكام تختلف باختلاف الزمان، لتغير عرف أهله، ولحدوث ضرورةٍ، أو فساد الزمان، بحيث لو بقي على ما كان عليه أولًا للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنيَّة على التخفيف والتيسير، ودفع الضرر والفساد، لبقاء العالم على أتم نظام، ولهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضيع كثيرة بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذًا من

([1]) الدر المختار وعليه رد المحتار (5/ 359) للشيخ علاء الدين الحصكفي الحنفي- دار الفكر-بيروت- الطبعة الثانية- 1992م

([2]) انظر: التكييف الفقهي للوقائع المستجدة وتطبيقاته الفقهية (ص25) للأستاذ: محمد شبير- دار القلم- دمشق- سوريا.

([3]) الفروق (1/ 176، 177).

([4]) الفروق (3/ 162).

اترك تعليقاً