البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

تاريخ الإلحاد الغربي

66 views

قبل ظهور المسيحية اتهم الإغريق عددًا من فلاسفتهم وأدبائهم ومفكريهم بالهرطقة، وهي مقابِلَة للزندقة السابقة، وتعني الخروج عن العقائد الموجودة بالبلد، وذلك كسقراط مثلًا الذي حُكِمَ عليه بالموت بشرب السم عام 399 ق.م، والنَّحات فيدياس المولود نحو 500 ق.م، والكاتب التراجيدي يوربيديس المولود عام 407 ق.م وغيرهم([1]).

وفي أورُبا الوسيطة كان من المستحيل تقريبًا أن يعلن أحدٌ إلحاده وذلك بسبب طغيان الكنيسة في ذلك الوقت، لكنْ ظهرت في أواخر العهد الوسيط حركات هرطقية([2])، أنتج ذلك صدامًا بين الكنيسة وبين تلك الحركات التي أدت إلى ظهور التيار العلماني فيما بعد أيضا، والذي كان له بعض السمات والأسباب في تنامي الإلحاد في الغرب.

مكانة الكنيسة في أورُبا والصدام بين الكنيسة والعلم

قبل أن نذكر بعضًا من مظاهر الصدام بين الكنيسة والعلم نتعرض لما حققته الكنيسة من مركز مهم في الحياة الأورُبية على كافة المستويات بحيث أصبحت ركنًا ركينًا فيها بحيث إنه لما وقع الصدام بين الكنيسة والعلم، أو بين الدين عندهم والعلم واكتشافاته تم الصدام مع هذه المكانة إلى أن تم اقتلاعها في نهاية الأمر؛ فقد كانت سلطة الكنيسة تسيطر على كافة الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في أورُبا في ذلك الوقت، اتسع -بعد ذلك- النفوذ الكَنَسِيُّ اتساعًا رهيبًا دامجًا السلطتين الزمنية والروحية في شخص البابا، يقول سلامة موسى في كتابه حرية الفكر: “ولكنَّ الكفاح الأكبر هو ذلك النزاع الذي نشب بين البابوية والقومية؛ فإن البابا هو أمير المؤمنين بين النصارى، وهو لذلك ينظر إليهم كأنهم أمة واحدة، لغتهم الرسمية هي اللغة اللاتينية، كما أن ديانتهم هي النصرانية، وهو يعترف بوجود أمراء لهم ولكنَّ كلمته هي العليا، يجب على هؤلاء الأمراء أن يصدعوا لها.

وقد كان للبابا سلاح قوي لا يتحرج من استعماله إذا أراد إخضاع أمير خارج عليه وهذا السلاح هو (الحرم) يحرمه من المسيحية وقد يحرم رعيته؛ فتكفُّ الكنائس عن دق النواقيس وتقفل أبوابها فلا يستطيع أحد أن يتزوج، وأيضا يُحمَل الموتى إلى قبورهم بلا صلاة، وفي الوقت نفسه يغري البابا أحد الأمراء المجاورين لكي يغير على إمارة هذا الأمير الخارج ويبارك عليه في غارته، وللقارئ أن يتصور أحوال الرعية في هذا الوقت؛ فإنَّ كل مسيحي كان يرى نفسه مرتبطًا بولائين: ولائه لأميره، وولائه للبابا، فإذا اختلف هذان الاثنان احتاج إلى أن يقرر ترك أحدهما وفي الترك خسارة عليه على كل حال فهو يختار أهون الخسارتين فكان ينزل عن الولاء لأميره ويخرج عليه إرضاءً للبابا. ولننظر في حادثتين فقط من حوادث هذا النزاع؛ فقد حدث في القرن الحادي عشر أن هنري الرابع إمبراطور ألمانيا الذي مات سنة 1106 اختلف مع البابا غريغوريوس السابع على مسألة أوقاف الكهنة؛ فلم يكن بأسرع من أن حرمه البابا وألَّب عليه أمراء ألمانيا، ورأى الإمبراطور أنه بين رعيته كالأجرب لا يقرب منه أحد بعد هذا الحرم فخرج ساعيًا إلى البابا وكان البابا في طريقه إلى ألمانيا قد نزل في قصر في كانوسه([3])، فوقف الإمبراطور على الباب ثلاثة أيام وهو في لباس الرهبان حافي القدمين عاري الرأس يحمل عكازته ويقر بتوبته، وبعد هذا الذل أَذِنَ له البابا فقبَّل الأرض بين يديه وخرج إمبراطورًا مسيحيًّا كما كان قبل الحرم، ولكنَّ نار الانتقام صارت تأكل قلبه؛ فعاد إلى رومية بجيش جرار سنة 1081 وطرد البابا وأقام غيره.

وهناك حادثة أخرى من حوادث هذا النزاع؛ اختلف الملك يوحنا ملك إنجلترا الذي مات سنة 1216 مع البابا، فحرمه البابا وعطلت الكنائس من الصلاة، ومنعت عقود الزواج، وحملت الجثث إلى القبور بلا صلاة، ورأى يوحنا أن ملك فرنسا يتهيأ لغزو بلاده بأمر البابا فأخذ يبحث عن أمير المؤمنين بين المسلمين لكي يخاطبه في أن يدخل هو وجميع الأمة الإنجليزية في دين الإسلام ولكنَّ البعثة التي أرسلها أخفقت، فعاد يوحنا صاغرًا يقر بخطيئته ويطلب الغفران من البابا، وصفح هذا عنه بعد أن رأى منه من الذل وصدق التوبة ما جعله يرفع الحرم عنه وعن الأمة”([4]).

بالإضافة إلى ذلك اتساع النفوذ المالي والاقتصادي للكنيسة سواءٌ كان ذلك عن طريق النظام الإقطاعي؛ فقد كانت الكنيسة جزءًا من هذا النظام حيث “أصبحت الكنيسة أكبر ملَّاك الأراضي، وأكبر السادة الإقطاعيين في أورُبا، فقد كان دير فنلندا مثلًا يمتلك 15.000 قصر صغير من قصور الريف، وكان دير سانت جول يمتلك ألفين من رقيق الأرض، وكان ألكوين في تور سيدًا لعشرين ألفا من أرقاء الأرض…”([5]).

“وهكذا أضحت الكنيسة جزءًا لا يتجزأ من النظام الإقطاعي، فألْفَت نفسها منظمة سياسية واقتصادية وحربية لا منظمةً دينية وكفى، وكانت أملاكها الزمنية أي المادية، وحقوقها والتزاماتها الإقطاعية مما يجلل بالعار كلَّ مسيحي مستمسك بدينه، وسخرية تلوكها ألسنة الخارجين على الدين، ومصدرًا للجدل العنيف بين الأباطرة والباباوات، وهكذا أصبحت الكنيسة جزءًا لا يتجزأ من نظام الإقطاع”([6]).

وبجانب النظام الإقطاعي كانت هناك الأوقاف؛ فكانت الكنيسة تملك المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية باعتبارها أوقافًا للكنيسة بدعوى أنها تصرف عائداتها على سكان الأديرة، وبناء الكنائس، وتجهيز الحروب الصليبية. إلا أنها أسرفت في تملُّك الأوقاف حتى وصلت نسبة أراضي الكنيسة في بعض الدول إلى درجةٍ لا تكاد تُصدَّق، كل هذا وغيره من الوسائل التي تشبعت بها الكنيسة لتصل إلى أعلى مستوى من النفوذ المالي والسياسي النابع كله من الحق الديني.

وعلى هذا دبَّت الصراعات الروحية والدنيوية -على حد تعبير جورج مينوا- في العصور الوسطى “ودخلت أورُبا في صراع كبير بين البابا الذي يرى حقه في السلطة، وبين الإمبراطور الذي يريد هو الآخر الاحتفاظ بملكه الذي ورثه عن آبائه بعيدًا عن سلطة البابا، ثم صراعًا آخر بين بابا وبابا في الانشقاق الكبير حيث “انشطرت المسيحية شطرين روما ضد أفينيون، بابا ضد بابا، أكيلروس على إكليروس، وبدأت المعارضة في السلطة والعقيدة، وانتقد جوهن ويكيلف وجان هوس ثراءَ الباباوات والأساقفة في السلطة ورؤساء الأديرة، وشهَّرُوا بهؤلاء الأحبار الأعظمين الذين يتنازعون التاج البابوي كما تتقاتل الكلاب لأجل عظمة…”([7])، ليظهر حل للخروج من تلك الفوضى بدعوى مارسيل البدواني بالفصل بين السُّلطتين الزمنية والروحية في كتابه (المدافع عن السلام)، وكانت هذه الدعوى من أوائل الدعوات للفصل بين الدين والسياسية([8])، أو ما يسمى بـ(العلمانية).

الصدام بين الكنيسة والعلم:

من الأسباب والعوامل التي أدت لظهور الإلحاد في الغرب هو الصدام الذي حدث بين الكنيسة والعلوم الحديثة، أو بين الدين عندهم وبين الحقائق العلمية:

فبجانب ما سبق من التسلط السياسي والنفوذ الاقتصادي كان للكنيسة نفوذ آخر لا يقل عما سبق، وهو التسلط العلمي.

لقد كانت الفلسفة المسيحية المدرسية ترى أن الطبيعة لا يمكنها أن تقول شيئا عن الله، وأنها صامتة في هذه المسائل على حد تعبير توما الأكويني، فقط هو الوحي الذي يتكلم، وبفهمه يمكننا إصابة الحقيقة، وذلك على العكس تمامًا من موقف العلم الذي يرى أن الطبيعة تتكلم وتنبئ عن الله وصفاته، وقدرته، وأبديته، وأزليته، وكليته في العلم، وكليته في الإرادة، وكليته في الحضور، لقد كان هذا التعارض الحادُّ في النظرة سببًا لنشوب نزاع آخَر بين العلم واللاهوت لن يرجح فيه ميزان اللاهوت، وسيجد الشكاك والملاحدة في العلم عونًا لهم في خصامهم مع الدين([9]).

فالكنيسة التي كان لها مع العلم ثلاث مراحل كما يقسمها لنا جورج مينوا في كتابه “الصراع بين العقل الديني والعلمي”؛ فالزمان بين القرن الأول الميلادي إلى الرابع هو زمان الحذر؛ حيث كان للكنيسة موقف مناهض له، فهو لا يصل بنا إلى الخلاص المنشود بجانب مصادره الوثنية التي لا تتفق والكتاب المقدس، جَعَلَ الكنيسة في جانب والعلم في جانب آخَر، إلى أن حدث الوفاق -ولكن بعد فوات الأوان؛ فقد جفت منابع العلم اليوناني ولم يبق منه إلا النزر اليسير- على يد القديس أوغسطينوس مع ما تيسر إنقاذه من علم اليونان.

وقد استمر هذا الوفاق من القرن الخامس إلى العاشر، ولكن كان السبب في هذا الوفاق مع العلم وتبنِّيه هو جفاف منابع العلم وانهيار مبانيه التي أعادها بشكل كبير المسلمون في عصرهم الذهبي، ولكن لمَّا أُذِنَ لهذه الأنقاض أن تُعادَ حدثت المشكلة؛ حيث إن العلم الذي كان في عصر الوفاق أصبح جزءًا من تفسير الكتاب المقدس، فأصبحت إزالته بنظريات جديدة -وبالتحديد نظريات أرسطو- تمثل مشكلة كبيرة للكنيسة، فحاربت الكنيسةُ العلم الأرسطي الذي لا يتوافق والكتاب المقدس، فالذي يتبني فكر أرسطو أو ابن رشد هو هرطوقي مبتدع فـ”في القرن 13 بالذات استهلت السلطة الكاثوليكية في شخص الأساقفة والباباوات، دورَها كحكم في المسائل العلمية المحضة، وإذ بقي ترتيب السلطة هذا متحفظًا نسبيًّا حتى تلك الفترة، حول هذه المشكلات، بدأ يتدخل بشكل حرمانات وإدانات أمْلَتْهَا دواعٍ من نوع لاهوتي محض. وفي هذا الصدد تمت عام 1277 الإدانة العلنية لـ219 من القضايا، وغالبيتها عملية على يد أسقف مدينة باريس إتيين تامبييه، فمهرت هذه الإدانة بسمتها بداية ممارسة محزنة.

في صميم هذه الجدالات، وعند مصدر هذه الإدانات كان أرسطو، وتسببت أعماله العلمية التي اكتُشِفَت مجددًا في بداية القرن، بصدمة في عالم المثقفين، بصدمة تشبه -مع بعض الفوارق- الصدمات التي سوف يحدثها ديكارت ونيوتن. وإن أرسطو الذي قلب تدخُّله الكثيرَ من التصورات القائمة رأسًا على عقب، لن يتم تبنيه في الوهلة الأولى وبحماس من الأكليريكيين المسيحيين. وكانت ردة الفعل الأولى ردة فعل نابذة، لأن عدة عبارات من نظرياته العلمية عارضت العقيدة المسيحية معارضة مفرطة. وإن حاول بعضُ اللاهوتيين مثل القديس توما الأكويني، ولو ببعض التشويهات. أن يدمجوا أرسطو في فكر الكنيسة”، ثم تابع قائلا: “فالكنيسة والعلم في القرن 13 قد مثَّلا فعلًا وجوهريًّا الكفاحَ الموالي أو المناهض لفيزياء أرسطو” إلى أن حدث الوفاق -كما ذكر- على يد القديس توما الأكويني الذي أحدث توليفة بين العلم الأرسطي والكتاب المقدس ليصير بعد أن كان منبوذًا جزءًا من تفسير الكنيسة للكتاب المقدس، والذي سيسعد به المجتمع الأوروبي كثيرًا؛ فالكنيسة هي مصدر العلم والإيمان، ولكنَّ هذا الحال لن يستمر طويلًا، فقد خرجت نظريات معارضة لنظريات أرسطو الفيزيائية التي تقول بمركزية الشمس والذي يخالف المذهب الأرسطي القائل بمركزية الأرض والذي تبنته الكنيسة تفسيرًا للكتاب المقدس، وأيضًا في القول بوجود الذَّرَّة التي لا تقبل الانشطار والذي يخالف المذهب الأرسطي والذي تبنَّته الكنيسة أيضًا، لتخرج الكنيسة مدافعة عن مذهبها، مدافَعَةً عن الكتاب المقدس، حيث سيصير المخالفُ للكنيسة في نظرياته العلمية هرطوقيًّا أو كافرًا يستحق العقاب أو الموت الأبدي إن لم يتراجع عن مقولته. وقد طبق هذا العقاب على الكثير ممن ظهرت هرطقته؛ فعوقب في حياته ككوبرنيكوس القائل بمركزية الشمس ودوران الأرض حولها وتبعه في ذلك غاليليو وديكارت وغيره. مضافًا إلى ذلك تبنيهم المذهب القائل بوجود الذَّرَّة التي لا تقبل الانشطار، مخالفين بذلك العقيدة الكنسية، مستحقين بذلك العقاب في نظر الكنيسة، فها هو على سبيل المثال الإيطالي جيوردانو برونو القائل بالذَّرَّة ومركزية الأرض؛ فقد حكمت عليه الكنيسة بالهرطقة، وعوقب حرقًا من قِبَلِ المكتب المقدس (محكمة التفتيش)([10]) و”في سنة 1546 حدث تعذيب إيتين دوليه. وعند آخِر نهاية القرن تكاثرت الإجراءات ولحقت بـ”باتريزي” بعض المضايقات من المكتب المقدس (1595)، واعتقل كامبانيلا للمرة الأولى عام 1594 بعد أن اختلست محكمة التفتيش أوراقه، وتم تنفيذ الإعدام بجيوردانو برونو (1600).

ومأساة جيوردانو برونو هذا أيقونية الطابع؛ فقد كان طرح الكاهن جيوردانو برونو فكرة تعدُّد العوالم ووجود بشر آخرين في كواكب أخرى، وهي فكرة فلسفية تجد أصلها عند الفيلسوف اليوناني أناكساغوراس، كما تبنَّى نظرية كوبرنيكوس حول مركزية الشمس وصَدَعَ بها، فعدَّتْهُ الكنيسة مهرطِقًا يجب وقفه بأي ثمن قبل أن يستفحل خطره، أما وجه الهرطقة في دعوى تعدُّد العوالم فيظهر بالالتفات إلى حقيقة أن المسيح المخلِّص لن تشمل بشارته سكان تلك العوالم، وقد زُجَّ ببرونو في غيابات السجن ثماني سنين أبى خلالها أن يعود عن رأيه، وفي النهاية، أُعدِم حرقًا بعد أن قطعوا لسانه.

وفي عام 1601 ثم 1612 قامت جامعة باريس ولحق بها البرلمان لتكرار التأكيد على سلطة مذهب المشائية، وحكم على كامبانيلا بالسجن مدى الحياة 1601 وسيمكث فيه خمسة وعشرين عامًا قبل وضعه في الإقامة الجبرية داخل دير دومينيكاني ثم في قصر المكتب المقدس، وفي عام 1616 تم إعلان مذهب كوبرنيك مذهبًا هرطوقيًّا، وقُطِعَ لسان فانيني وأُحرِقَ حيًّا بحكمٍ صدر عن برلمان تولوز بصفته منجمًا وساحرًا بالتنجيم وملحدًا 1619…”([11]).

من مظاهر الصدام بين الكنيسة والعلم:

كانت الكنيسة -كما كانت في نظر علماء هذا الزمان- محارِبَة للنهضة؛ لذلك سعوا لإخفاء آرائهم هربًا من بطش الكنيسة وإلا فالتوبة هربًا من الموت؛ فها هو غاليليو الذي مَثُلَ “لابسًا قميص التائب الأبيض راكعًا أمام قضاة المكتب المقدس، ثم أصغى إلى إصدار الحكم عليه: نقول ونحكم ونتفوه بأنك أنت غاليليه من جراء العناصير التي كشفَتْهَا الدعوى والتي اعترفْتَ بها قد جعلتَ نفسكَ في نظر المكتب المقدس هذا مشتبهًا بهرطقةِ شبهة قوية جدًّا، أي أنَّكَ منحتَ الدعم والتصديق لمذهبٍ خاطئ ومناقض للكتب المقدسة والإلهية؛ ألا وهو أن الشمس هي مركز الأرض ولا تنتقل من الشرق إلى الغرب، وأن الأرض هي التي تتحرك وأنها ليست مركزًا للعالم، وأن من الممكن الاعتقاد برأي قد تم إعلانه وتحديده مناقضًا للكتاب المقدس، والدفاع عن ذلك بصفته أمرًا محتملًا. تَبِعَ ذلك الارتدادَ العلني التوقيعُ على نص أَعلَنَ فيه غاليليه ما يلي: ألعن وأكره الأخطاء والهرطقات المذكورة آنفا”. ونقل أيضًا برتراند راسل نصَّ قرار المكتب المقدس ومنه: “وأنت يا جاليليو جاليلي المتهم، الذي حوكم واعترف بما سلف من جهة أخرى، إننا نقرر ونحكم ونعلن بأنك يا جاليليو المذكور، بسبب هذه الأمور التي فُصِّلَت في هذه الوثيقة، والتي اعترفتَ بها كما سلف فقد جعلتَ نفسك موضع الشك الشديد من هذه المحكمة المقدسة بأنك كافر؛%%% وذلك بأنك صدقت واعتنقت العقيدة الخاطئة والمتعارضة مع الكتاب المقدس بأن الشمس مركز العالم، وأنها لا تتحرك من الشرق إلى الغرب، بل أن الأرض هي التي تدور، وليست مركز العالم”([12]).

ثم قال: “وكان نص إقرار جاليليو بالتخلي عن أفكاره الذي اضطر جاليليو إليه تنفيذًا لهذا الحكم هو: أنا جاليليو جاليلي، ابن المرحوم فنسنزيو جاليلي من فلورنسا، وعمري سبعون سنة، قد حوكمتُ حضوريًّا، وأُقسِم راكعًا أمامكم يا أصحاب النيافة المطارنة، الحاكمين العامين في الجمهورية المسيحية العالمية لاستئصال شرور الكفر وأمام ناظرَي الكتب المقدسة ألمسها بيدي، أقسم بأني كنت دائمًا مؤمنًا، وسأظل في المستقبل أؤمن بعون الله بكل ما تؤمن به كنيسة روما الكاثولوكية الرسولية، أو تُعَلِّمُه أو تَحُثُّ عليه، ولكن لما كانت المحكمة المقدسة قد أمرتني بأن أتخلى كلية عن الفكرة الزائفة القائلة بأن الشمس هي مركز الكون الثابت، ونهتني عن أن أؤمن أو أحمي أو أعلِّم تلك العقيدة الخاطئة بأي وسيلة من الوسائل، ولما كنت بعد أن بُيِّن لي سابقًا أن الفكرة المذكورة تمقتُها الكتب المقدسة، قد قمت بتأليف وطبع كتاب يتناول نفس الفكرة الفاسدة، وتحمستُ لانتحال حجج لهذه الفكرة دون أن أقطع في الموضوع برأي؛ ولذلك حُكِمَ عليَّ بأني مشتبه أشد الاشتباه في أني من الكافرين أي أني صدقتُ وآمنتُ بأن الشمس مركز الكون الثابت، وأن الأرض ليست مركز الكون وأنها تتحرك؛ فإني على استعداد لِأَنْ أمحو من أذهانكم يا أصحاب النيافة الأمجاد ومن ذهن كل مسيحي كاثوليكي، تلك الريبة الشديدة التي تحوم حولي بحق، ولذلك فإني بقلب مخلص وإيمان صادق ألفِظُ وألعَن وأمقُت هذه الأخطاء والتجديفات، وكلَّ خطأ آخَر أو عقيدة أخرى لا تتفق مع آراء الكنيسة المقدسة المذكورة، وأقسم أني لن أعود في المستقبل فأقول أو أقرر أي شيء سواء بالمشافهة أو الكتابة يكون من شأنه أن يجعلني عرضة لمثل هذه الريبة، بل إني إذا عرفتُ أي كافر أو أي شخص في إيمانه زيغ لعنْتُهُ علنا أمام هذه المحكمة المقدسة، أو أمام المحقق أو القاضي الكنسي للمكان الذي أكون فيه. وأقسم فوق ذلك وأَعِدُ بأني سأنفذ أدقَّ التنفيذ كلَّ الكفارات التي فُرِضَت عليَّ أو تُفْرَضُ عليَّ بأمر هذه المحكمة المقدسة. ولو حدث في المستقبل (لا قدر الله) أني حنثت بشيء من وعودي أو عهودي التي أقسمتُ عليها؛ فإني أُعرِّض نفسي لكل الآلام والعقوبات التي نصت عليها وقررتها القوانين المقدسة، وغيرُها من الدساتير العامة والخاصة ضد المارقين الذين ينطبق عليهم هذا الوصف، لذلك أسأل العون من الله وكتبه المقدسة التي ألمسها بيدي… أنا المذكور أعلاه جاليليو جاليلي قد تخلَّيتُ وأقسمتُ ووعدتُ، وتعاهدتُ على ما هو مبين أعلاه، يشهد بذلك أني وقعت بيدي وثيقة التبرؤ هذه التي قرأتُها لفظًا لفظًا روما -دير منيرفا -22 يونيو سنة 1633 -أنا جاليلو جاليلي أقرر بخط يدي أني تبرأت على النحو الموضع أعلاه”.

 ثم تابع برتراند قائلًا: “لقد ذكرت محكمة التفتيش أن مصير جاليليو ينبغي أن يكون عبرة لغيره؛ فيقصرون عن التجديف الذي من نوع تجديفه. وقد نجحوا في ذلك في إيطاليا على الأقل. فقد كان جاليليو آخِرَ الإيطاليين العظماء، ولم يستطع إيطالي بعده تجديفًا من تجديفه…” وبهذه التوبة استُبدِلَت العقوبة وهي السجن مدى الحياة بالإقامة الجبرية في منزله بمدينة أرستيري([13])، هذا لا يمنع أنه ما زال مقتنعا بآرائه؛ فالمطالعون لكتاب القس إبرائيله المسمى بـ”مسجالات أدبية” أن غاليليه تفوَّه حين خروجه من المحكمة قائلا: “ورغم ذلك فالأرض تدور” وإنْ شَكَّكَ برتراند في ذلك بأن العالم هو الذي قال ذلك ولم يقله جاليليو. وظهرت -بسبب هذا- تراجعات وانتماءات متكلفة ومؤقتة إلى مذهب مركزية الأرض؛ مثل انضمام ريدينتو زانو البرنابي الذي دعم حركة الأرض في مؤلَّفه “التنظير السماوي”، ثم ارتد عن هذه الحركة في كتابه “الأمور الجديدة عن حركة الأرض”، ورأى آخرون أنه من الأفضل أن يُخْفُوا رأيهم الحقيقي. وكان ديكارت مَنِ امتاز في هذا التصرف الحذر، فهو الذي آثر راحة البال؛ فلم ينشر رسالته “العالم” ولا آراءه التي تؤيد ما قاله غاليليه قائلا: “إن أفكاري لا تساوي مجازفتي من أجلها بطمأنينتي”، فهو الذي كان شعاره الدائم: “عاش سعيدًا مَنْ أَحْسَنَ في الاختفاء”([14]). ومع ذلك لم يسلم من اتهامات الكنيسة بعد موته! فقد حذرت الكنيسةُ المؤمنين من الأخطار التي كانت تمثلها: “آراء رجلٍ يُدعَى رونيه دِه كارت (رونيه دِه كارت)…”([15]) كل هؤلاء وغيرهم الكثير؛ فها هو مارسيلوس بالينجينوس الذي قال بأن الأرض ما هي إلا كوكب سيَّار تائه في الفضاء، فما هي الأرض والبحار بالمقارنة بالفضاء الواسع الفسيح. عوقب بعد موته بخمسة عشر عامًا لتُنبَشَ عظامه وتُحرَق بأمر من المكتب المقدس!

إسحاق نيوتن والنموذج الميكانيكي للكون([16])

في السنة التي مات فيها جاليليو وُلِدَ إسحاق نيوتن، وقد كان رينيه ديكارت طمح إلى الإحاطة بعلم شمولي يفسر كل شيء، وكانت الرياضيات هي ذلك العلم في تقدير ديكارت، لكنَّ نيوتن نظر من جهته إلى الميكانيك كعلم شمولي، وأبدع فيه بوضعه لقوانينه المعروفة، وقد اعتقد نيوتن أن الطبيعة ليست صامتة، وإنما هي مخلوقة كَيْمَا تخبرنا الكثير عن الرب خالقها ومبدعها، وقد كان لاهوت نيوتن علميًّا يقوم على التأكيد أن الطبيعة ناطقة تخبرنا عن الله، لكنَّ النموذج الذي قدمه نيوتن ومَنْ سار في نهجه نموذج ميكانيكي صارم، يصور الله تعالى وكأنما هو صانع ماهر، أبدع آلةً هائلةً مُحكَمَة دقيقة الصنع هي الكون، لا تحتاج إلى قيامه عليها وتدبيره لها، وإنما هي متروكة لقوانينها المضبوطة تُسَيِّرُها وتحكمها، وهو تصوُّر ليس يخفي استلزامه لنفي العناية الإلهية وتأكيد فكرة الإله الغائب.

وقد صُبَّ هذا في محيط منظور جديد للإيمان، وهو الربوبية.

([1]) الإلحاد في الغرب (ص 7).

([2]) مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد (ص 48).

([3]) بلدة في إيطاليا.

([4]) سلامة موسى، حرية الفكر، دار الهلال ص53.

([5]) ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة: محمد بدران، دار الجيل، بيروت- لبنان، الجزء:14، ص428.

([6]) المرجع السابق ص429.

([7]) جورج مينوا، الكنيسة والعلم تاريخ الصراع بين العقل الديني والعلمي، ترجمة موريس جلال، دار الأهالي، سورية، دمشق، الطبعة الأولى، الجزء الأول ص331.

([8]) المرجع السابق، نفس الصفحة.

([9]) مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد (ص 63).

([10]) المرجع السابق صـ 439.

([11]) المرجع السابق صـ 476.

([12]) برتراند راسل، النظرة العلمية، تعريب: عثمان نويه، الهيئة المصرية العامة للكتاب، صـ 19.

([13]) الكنيسة والعلم صـ 499

([14]) رونيه ديكارت، مقدمة الكتاب.

([15]) الكنيسة والعلم 533.

([16]) مطرقة البرهان (ص 65).

اترك تعليقاً