البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

تعريفُ الفتوى في اللُّغة والاصطلاح

31 views

– تعريفها لغةً:

2- تعريف الفتوى اصطلاحًا:

التَّعريف الاصطلاحيُّ يقتربُ من التَّعريف اللغوي، وهو يقتضي معنى الإخبار، يقول الشيخ إبراهيم اللقاني رحمه الله في تعريفها من جهة الاصطلاح إنها: «الإخبارُ عن الحكم على غير وجه الإلزام»([1]). وهذا التعريف الاصطلاحي قد تضمَّن قيودًا جعلتهم يُخرجونَ القضاءَ من ذلك التعريف، وهو ما وضَّحه الإمام اللقاني بقوله: «قيل: احترز بالقيد الأخير -أي على غير وجه الإلزام- عن القضاء»([2]). وقد وضح الإمام اللقاني قضية إخراج القضاء من ذلك التعريف بسبب هذا القيد وتناوله بين القبول والرفض.

وهذه الأمور التي ذكرها الإمام اللقاني رحمه الله قد أوردها قبله الإمام الحطاب الرعيني في تعريفه للفتوى، قال رحمه الله: «والإفتاء الإخبار عن حكم شرعي لا على وجه الإلزام. قيل: ولا حاجة إلى القيد الأخير؛ لأنه ذُكِرَ للاحتراز عن القضاء وهو لم يدخل في الحد؛ لأنه إنشاءٌ»([3]).

أما الإمام الونشريسي في المعيار المعرب فإنه لم يقف على تعريف الفتوى فقط، بل إنه ذهب للتفرقة في التعريف بين علم الفتوى وفقه الفتوى، يقول رحمه الله: «ففقه الفُتيا هو العلم بالأحكام الكلية، وعلمها هو العلمُ بتلك الأحكام مع تنزيلِها على النَّوازل»([4]).

ولكن من خلال مناقشة الإمام اللقاني رحمه الله لتلك التعريفات فقد خَلُص في تعريفه للفتوى إلى أنها: «جوابُ حديث لأمر حديث». كما حققه بعض الشافعية، وقد أورد هذا التعريف صاحب البهجة الوردية وقال قبله: «وكل حَدَثٍ أشكل على أحد طلب من المفتي فيه أمرًا حديثًا»([5]). وهذا التعريف ربما يكون جامعًا لتعريف الفتوى من ناحية الاصطلاح إلا أنَّ ابن الشاط رحمه الله كان تعريفه تعريفًا جامعًا لها أيضًا حيث قال: «وحاصله أن ضابط الفتيا أنها: مجرد إخبار عن حكم الله تعالى المتعلِّق بمصالح الآخرة والدنيا يختص لزومُه بالمقلد للمذهبِ المُفتَى به»([6]).

من خلال ما جاء في السطور السابقة في تعريف الفتوى فإننا نلمح أن العلماء في تعريفهم لها ربطوا بينها وبين تعريف المفتي، ومن هنا كان لابد من عرض تعريفه، فقد عرَّفه الزَّركشيُّ بأنه: «مَن كان عالمًا بجميع الأحكام الشرعيَّة بالقوة القريبة من الفعل، والمستفتي: مَنْ لا يَعرِفُ جميعها»([7]). وهذا التَّعريف يحمل شروط المفتي المجملة التي ينبغي أن تتوفَّر فيه، ويبين حال المستفتي الذي يتلقى الفتوى من العالم، الذي يعلم الدليل حق العلم، وهذا ما عرفه به ابن حمدان فقال: «هو المخبر بحكم الله تعالى لمعرفته بدليله»([8]).

وتنقسم الفتوى إلى ثلاثة أقسام: الفتوى التشريعية والفتوى الفقهية والفتوى الجزئية؛ «أمَّا الفتوى التشريعية فهي التي صدرت من الشارع، إما بوحي متلوٍّ في القرآن أو بوحي غير متلوٍّ في سنة النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في الجواب عن سؤال، أو لبيان نازلة في عهد النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم فأصبحت شرعًا عامًّا، وذلك مثل قوله تعالى: {وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ}… وظيفته أن يُحقِّق صحته في نفس الأمر بطلب البينة وغيرها. ولذلك يقول المفتي: (الحكم في الصورة المسؤول عنها كذا). ولا يلزم منه أن تكون الصورة المسؤول عنها موافقة للواقع في نفس الأمر. الثالث: الفتوى تجري فيما يترتب عليه الوجوب أو الحرمة أو الإباحة أو الندب أو الكراهة التنزيهية؛ لأن الندب والكراهة حثٌّ على الفعل أو الترك من غير إلزام، والقضاء إجبار وإلزام. الرابع: أن الفتوى لا تقتصر على الأحكام الفقهية، بل تتعلق بالعقائد والعبادات أيضًا، والقضاء لا يتعلق بالعقائد والعبادات إلا عن طريق التبيعة»([9]).

وقد اعتنت المذاهب الفقهية بالفتوى من خلال التأليف فيها، وكان من أهم المذاهب التي اعتنت بها المذهب المالكي، فقد ذكر القاضي عياض ما صنفه الإمام مالك في الفتوى وهي عبارة عن رسالة قال: «ومن ذلك رسالته إلى أبي غسان محمد بن مطرف في الفتوى وهي مشهورة يرويها عنه خالد بن نزار ومحمد بن مطرف وهو من كبار أهل المدينة»([10]).

وهذه الرسائل والمؤلفات تتضمن ما ينبغي على المفتي أن يفعله وشروطه، وكيف يحمل الناس على المعهود الوسط الذي يليق بالجمهور؟ وكيف يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى الانحلال؟ وغير ذلك من الأمور التي استخلصها الخطيب البغدادي عندما ذكر صفات المفتي فقال: «قلت: وينبغي أن يكون: قوي الاستنباط، جيد الملاحظة، رصين الفكر، صحيح الاعتبار، صاحب أناة وتؤدة، وأخا استثبات، وترك عجلة، بصيرًا بما فيه المصلحة، مستوقفًا بالمشاورة، حافظًا لدينه، مشفقًا على أهل ملته، مواظبًا على مروءته، حريصًا على استطابة مأكله، فإن ذلك أول أسباب التوفيق، متورِّعًا عن الشبهات، صادفًا عن فاسد التأويلات، صليبًا في الحق، دائم الاشتغال بمعادن الفتوى وطرق الاجتهاد، ولا يكون ممن غلبت عليه الغفلة، واعتوره دوام السهر، ولا موصوفًا بقلة الضبط، منعوتًا بنقص الفهم، معروفًا بالاختلال، يجيب بما لا يسنح له، ويفتي بما يخفى عليه»([11]).

([1]) منار أصول الفتوى وقواعد الإفتاء بالأقوى (ص231) تأليف: الشيخ إبراهيم اللقاني- تحقيق: عبد الله الهلالي- وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية- المغرب.

([2]) السابق، نفس الموضع.

([3]) مواهب الجليل شرح مختصر خليل (1/ 32) تأليف: الحطاب الرعيني- دار الفكر- الطبعة الثالثة- 1992م.

([4]) المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب (10/ 78)، تأليف: أحمد بن يحيى الونشريسي- تحقيق: جماعة من الفقهاء تحت إشراف د. محمد حجي- وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية- المغرب- 1981م.

([5]) انظر: منار الفتوى (ص233) والغرر البهية شرح البهجة الوردية (1/ 9) تأليف: الشيخ زكريا الأنصاري- المطبعة الميمنية.

([6]) إدرار الشروق على أنواء الفروق (4/ 121) تأليف: قاسم بن عبد الله بن الشاط- تحقيق: خليل منصور- دار الكتب العلمية- الطبعة الأولى- 1998م.

([7]) البحر المحيط (8/ 359) تأليف: محمد بن عبد الله بهادر الزركشي- دار الكتبي- الطبعة الأولى- 1994م.

([8]) صفة الفتوى والمفتي والمستفتي (ص4) تأليف: أحمد بن حمدان الحراني- المكتب الإسلامي- الطبعة الثالثة- 1397هـ.

([9]) انظر: أصول الإفتاء وآدابه (ص11- 12) تأليف: محمد تقي العثماني- مكتبة معارف القرآن- باكستان.

([10]) ترتيب المدارك وتقريب المسالك (2/ 92) للقاضي عياض- تحقيق: ابن تاويت الطنجي وغيره- مطبعة فضالة- المغرب- الطبعة الأولى. وانظر: أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي (ص109) وما بعدها.

([11]) الفقيه والمتفقه (2/ 333) تأليف: الخطيب البغدادي- دار ابن الجوزي- السعودية- الطبعة الثانية- 1421هـ.

اترك تعليقاً