البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفصل الأول: التأصيل المنهجي للفتاوى المعتدلة

39 views

تمهيد:

إن بناء شخصية الإنسان المسلم لا بد أن يكون قائمًا على أصول علمية، وقواعد منهجية، ومنطلقًا من مبادئ راسخة في العقل العلمي، حتى يكون بناءً راسخًا، يعرف مبادئه التي انطلق منها، وغاياته التي يقصدها، وسبله ومسالكه التي يتوخاها في سبيل الوصول إلى غايته، بحيث يمثل تكوينه معرفة بحقيقة وجوده على هذه الأرض، ووظيفته التي خلق لأجلها.

فبناء العقل والوعي السليم في النفس المسلمة هو طريق الحماية الأول ضد أي فكرٍ أو جماعة، تريد أن تختطفه، وتورده المهالك، من خلال العبث بتلك المبادئ الرصينة، التي ورثتها الأمة عن علمائها على مدى القرون، بل السعي إلى إيجاد مفاهيم بديلة، تمثل أيديولوجيات خاصة، وأفكار لا علاقة لها بمنهج العقل المسلم المبني على أساس متين من العلم والفكر.

لأجل تلك المقاصد المهمة كان من الضروري بناء تصور متكامل عن أدوات صناعة العقل المسلم عمومًا، والعقل الإفتائي خصوصًا، وبيان المرتكزات التي قامت عليها جوانب البناء الإنساني لذلك العقل الرشيد، وذلك خلال تناول عدد من الجوانب الإنسانية التي تشكل بمجموعها مفهومًا مترابطًا لما ينبغي أن يكون عليه المسلم، وهذه الجوانب قد أثرت بلا شك في صناعة الفتوى التي هي جزء لا يتجزأ من البناء الفكري الإسلامي، والتي أدى اختلال بعض تلك الجوانب فيها إلى آثار سلبية لا نهاية لها.

وقد تنوعت جوانب ذلك البناء النظري التأصيلي إلى ما يتعلق بخصائص العقل المسلم، وخصائص أدواته المعرفية، وكيفية رصانة البناء التشريعي، وصولًا إلى العديد من الجوانب القيمية، والأخلاقية، والسلوكية، من خلال عدد من المباحث:

  • المبحث الأول: بناء العقل المسلم.
  • المبحث الثاني: منهجية التوثيق ودورها في ضبط الفتوى.
  • المبحث الثالث: ترسيخ العقيدة وبناء النموذج المعرفي.
  • المبحث الرابع: مكونات العقلية الفقهية.
  • المبحث الخامس: ترسيخ القيم التربوية من خلال الفتوى.
  • المبحث السادس: ترسيخ القيم الإنسانية من خلال الفتوى.
  • المبحث السابع: بناء المفاهيم والتحرر من خطر الفكر المتطرف.
  • المبحث الثامن: الصلاح والإصلاح في وعي العقل المسلم.
  • المبحث التاسع: التأصيل للسلوك الروحي من خلال الفتوى.
  • المبحث العاشر: دور الفتوى في ترسيخ احترام المرجعيات العلمية.

 

المبحث الأول: بناء العقل المسلم

إن الغرض الأول من عملية الإفتاء هي تصحيح أفعال الإنسان المسلم، بمعرفة حكم الله في الوقائع، بما يجعل المسلم يعيش واقعه في إطار ديني سليم، وفي هذا العصر الذي يموج بمئات من الأفكار والنظريات التي تستقطب عقل المسلم، كان من الواجب في صناعة الإفتاء أن تكون حصنًا للمسلم من الوقوع في براثن الأفكار الهدامة، التي تعوق مسيرة الأفراد والمجتمعات، فصار من واجبات الوقت تبيين مسلك العقل ودوره في صناعة الإفتاء، بل في الفكر الديني بوجه عام، وكذلك معرفة كيفية استخدام التكوين العقلي للمعرفة الإسلامية كطريق للحماية من خطر الفكر المتطرف، سواء كان تطرفًا دينيًّا أو لا.

إن طريق المعرفة في المنهج العلمي السليم هو مكون من مكونات العقل الواعي الذي يؤسس لمعرفة رشيدة، تكون غايتها الإحياء والبناء بالتأصيل لواقع يجمع بين رؤية الوحي وتطورات العصر، دون جمود أو توقف عن مواكبة الحضارة، بأسس منهجية قائمة على العقل والعلم.

إن أول طرق المعرفة السديدة التي خلقها الله في الإنسان بعد الحواس التي يشترك فيها الناس هو العقل الذي به يتمايز الخلق بعضهم عن بعض، وهو أول طرق البناء المعرفي الذي ينطلق منه المفتي بحثًا عن الحكم الشرعي، من خلال النظر في النص الشرعي بأدوات علمية أولها العقل الذي هو آلة النظر والفكر، وهو كذلك مناط التكليف الإلهي الذي يقع في صميم عملية التفقه وصناعة الفتوى.

وانطلاقًا من هذا الدور المهم للعقل نتعرف على شيء من ماهية العقل ودوره في الفكر عمومًا، والفقه والفتوى خصوصًا، وصناعة الوعي المؤسس على العقل العلمي البعيد عن الخرافة والسطحية والعواطف السلبية، وذلك من خلال النقاط الآتية:

أولًا: ماهية العقل

شغلت قضية العقل وماهيته كثيرًا من المفكرين والحكماء، ومنهم علماء المسلمين، حيث بحثوا عن ماهية العقل وحقيقته ضمن تأسيسهم للمكون العلمي لحضارتهم منذ القرون الأولى، وقد أدركوا أن إعمال العقل هو أول مفاتيح الإدراك لنصوص الشريعة ومفاهيمها.

والعقل في اللغة أصل معناه المنع والحجر، ومنه العقال للبعير؛ لأنه يمنعه عما لا يليق([1]).

ومن هنا كان اشتقاق العقل للإنسان؛ لأنه يمنعه عن ارتكاب ما لا يليق به، وقد كثر الخلاف في تعريفه الاصطلاحي بين أصحاب العلوم من الفلاسفة، والأطباء، والمتكلمين، والفقهاء، كلٌّ يحكي فيه ما يناسب نوع المعرفة التي يتكلم بصددها، كما نقل الإمام الزركشي رضي الله عنه في البحر المحيط أن الاختلاف فيه وصل إلى ألف قول، وأنه أصل لكل علم، بل هو أم العلم، كما نقله عن بعض الأئمة([2]).

فمن التعريفات التي تدرك بها حقيقة العقل ما نقل عن بعض العلماء أنه العلم، وهذا المعنى موافق لاستعمال أهل اللغة، فإنهم لا يفرقون بين معنى العلم والعقل، ويقولون: هذا أمر معقول، أو معلوم، بلا فرق بين المفهومين([3])، وقيل إنه خصوص العلم بصفات الأشياء، من حسن وقبح وكمال ونقصان، أو هو معرفة الخير والشر، وتلك المعاني من الإطلاقات العامة التي يتميز بها معنى العقل([4])، وقد ذكر السيد الشريف الجرجاني أكثر من تعريف للعقل، فقال: «العقل: جوهر مجرد عن المادة في ذاته، مقارن لها في فعله، وهي النفس الناطقة التي يشير إليها كل أحد بقوله: أنا، وقيل: العقل: جوهر روحاني خلقه الله تعالى متعلقًا ببدن الإنسان، وقيل: العقل: نور في القلب يعرف الحق والباطل، وقيل: العقل: جوهر مجرد عن المادة يتعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف، وقيل: قوة للنفس الناطقة، وهو صريح بأن القوة العاقلة أمر مغاير للنفس الناطقة، وأن الفاعل في التحقيق هو النفس والعقل آلة لها، بمنزلة السكين بالنسبة إلى القاطع، وقيل: العقل والنفس والذهن واحد؛ إلا أنها سميت عقلًا لكونها مدركة، وسميت نفسًا؛ لكونها متصرفة، وسميت ذهنًا؛ لكونها مستعدة للإدراك، وقيل: العقل: ما يعقل به حقائق الأشياء، قيل: محله الرأس، وقيل: محله القلب… والعقل مأخوذ من عقال البعير، يمنع ذوي العقول من العدول عن سواء السبيل، والصحيح أنه جوهر مجرد يدرك الفانيات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة»([5]).

وكل تلك المعاني السابقة تدور حول حقيقة العقل اصطلاحًا عند الحكماء والمتكلمين، والأمر الجامع المشترك بين تلك المعاني هو الإدراك، فهي إما تعبر عن حقيقة الإدراك في ذاته، أو الآلة التي يتوصل بها إليه، أو القوة المهيئة للإدراك، فنستطيع أن نقول إن حقيقة العقل في الاصطلاح أنه ما يدرك به الإنسان حقائق الأشياء، أو يميزها، وهو يقارب ما نقل عن الإمام الشافعي -رضي الله عنه- أنه جعل معنى العقل أنه آلة التمييز([6])، وهو يتسق مع قضية التكليف الذي أناطه الله بالعقل.

والأصوليون أيضًا كانت لهم عناية بقضية مدارك العلوم، وكيف يتوصل الإنسان إلى المعرفة، وأي نوع من الإدراك تكون له قوة اليقين، أو رتبة الظن، فقد تكلموا في حقيقة العقل كذلك، فذهب بعض العلماء كالقاضي أبي بكر الباقلاني إلى أن العقل هو: مجموعة العلوم الضرورية التي يتصف بها العاقل، وهي علمه بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات([7])، وهذا تعريف يجعل من العقل أساسًا للمعارف التي توجد في ذهن الإنسان قبل تحصيله للعلوم، فهي قدر من العلم يخلقه الله في الإنسان؛ ليؤسس عليه سائر العلوم التي يتوصل إليها.

لكن الإمام الجويني تلميذ القاضي الباقلاني يرى أنه قد يوجد من العقلاء من يغفل عن تلك القضايا الضرورية، وعلى هذا فلا بد أن يكون للعقل معنًى آخر غير ذلك، ويؤيد الجويني -رضي الله عنه- ما قاله الحارث المحاسبي رضي الله عنه الذي كتب كتابًا في ماهية العقل، وهو أن العقل غريزة تدرك بها العلوم، لكنه ليس منها([8])، قال الإمام المحاسبي: «فالعقل نور في القلب والبصر نور في العين، فالعقل غريزة يولد العبد بها ثم يزيد فيه معنى بعد معنى بالمعرفة بالأسباب الدالة على المعقول»([9]).

وقد كان العلماء من خلال هذه النظرات لماهية العقل وحقيقته يؤسسون لحجيته على النفس البشرية؛ لأن ما سبق من ذكر حقيقته يجعله حَكَمًا على جميع المعلومات التي يتلقاها الإنسان، وتلك الحجية قد استحقها بمجرد خلق الله له، وجعله آلة للتمييز والإدراك([10]).

ثانيًا: شرف العقل وفضله

مما زاد من شرف العقل على كونه وسيلة للإدراك أن الخطاب الإلهي جاء دافعًا إلى النظر والتدبر والتعقل، وذلك في كثير من آيات الذكر الحكيم، فمنها قوله تعالى: ﴿قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118] وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [يوسف: 2] وقوله سبحانه: ﴿أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾ [الحج: 46] وكثير من نصوص الوحي الشريف التي تدعو إلى النظر والتأمل والتفكر، وغيرها من العبارات التي تصرح بأن التعقل والإدراك غاية شريفة يطلبها الخالق سبحانه من المكلفين، بل من الإنسانية كلها، وفي السنة الشريفة ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأشج وفد عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة»([11])، قال الإمام النووي في شرحه: «وأما الحلم فهو العقل، وأما الأناة فهي التثبت وترك العجلة»([12]).

ومن هنا جاءت الشريعة كلها بتعظيم العقل، وأدرك المسلمون ذلك فبحثوا عن فضيلته، وكتبوا في ذلك كتبًا مستقلة، حتى إن بعض المفسرين جعل تحقيق الإيمان إنما يكون بتحقيق الإنسانية الكاملة بالعقل، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ﴾ [البقرة: 13] يقول الشيخ المفسر أبو السعود رحمه الله: «أي: حققوا إيمانكم كما تحقق إيمانهم، واللام للجنس، والمراد بالناس: الكاملون في الإنسانية، العاملون بقضية العقل، فإن اسم الجنس كما يُستعمل في مسماه يُستعمل فيما يكون جامعًا للمعاني الخاصة به، المقصودة منه، ولذلك يسلب عما ليس كذلك، فيقال: هو ليس بإنسان»([13]).

والعقل هو أعظم النعم التي قد يرزق بها إنسان بعد الإيمان بالله عز وجل ذكر ذلك ابن أبي الدنيا في كتابه (العقل وفضله) فقال: «حدثنا عبد الله، قال: ثنا هارون بن سفيان، ثنا: عبد الله بن محمد القرشي، قال: ثنا وهيب بن خالد، عن أبي مسعود الجريري، عن أبي العلاء، عن مطر، عن عبيد الله، قال: ما أوتي رجل بعد الإيمان بالله عز و جل خيرا من العقل» وقال كذلك: «حدثنا عبد الله، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة، قال: ثنا عمران بن خالد، قال: سمعت الحسن يقول: ما يتم دين الرجل حتى يتم عقله»([14]).

من خلال هذه النصوص والآثار، تكونت وجهة نظر علماء المسلمين في قضية العقل، وصار جزءًا لا يتجزأ من بنائهم المنهجي.

ثالثًا: العقل مصدر المعرفة ومناط التكليف

إن هذه الرؤية التي انطلق منها المسلمون في إدراك حقيقة العقل وشرفه جعلتهم يتساءلون عن مكانته بين الطرق المؤدية إلى المعرفة، فإذا كان العقل طريقًا من طرق الإدراك سواء في نفسه، أو من خلال كونه وسيلة لذلك، أو آلة، أو غريزة تتطور من خلال المعارف، فلا بد من الوقوف على رتبته بين مدارك العلم، وهل هو قطعي أم ظني، وفي ذلك خلاف ناشئ عن الخلاف في حقيقة العقل، فمن قال إن العقل هو العلم الضروري، سيكون العقل عنده على درجة عالية من القطع، فإن العلماء قسموا مراتب العلم، وجعلوا أولها هو علم الإنسان بنفسه وصفاته، ذلك العلم المشاهد المحسوس، الذي لا يحتاج فيه إلى أدنى واسطة، ثم يليه ذلك العلم الضروري، فالقائل بأنه يرادف العقل، سيجعله في هذه المرتبة، لكن جمهور العلماء في تقسيمهم جعلوا ما حصل من خلال الاستدلال بالعقل في درجة متأخرة عن كل المحسوسات والمشاهدات، سواء كانت في نفس الإنسان أو خارجة عنه، وفي ذلك يقول إمام الحرمين رضي الله عنه في عرضه لمراتب المعرفة: « قال الأئمة رحمهم الله: مراتب العلوم في التقسيم الكلي عَشرٌ: الأولى: علم الإنسان بنفسه، ويلتحق بذلك علمه بما يجده ضروريًّا من صفاته كألمه ولذاته. والدرجة الثانية: تحوي العلوم الضرورية كالعلم باستحالة المستحيلات، وهذا دون الدرجة الأولى، من حيث إنه يستند العلم فيه إلى فكر في ذوات المتضادات وتضادها. والثالثة: تجمع العلوم بالمحسوسات، وهذه الرتبة دون الثانية؛ لأن الحواس عرضة الآفات والتخييلات. والمرتبة الرابعة: تحوي العلم بصدق المخبرين تواترًا، وهذا دون العلم بالمحسوسات، ولما يتطرق إلى إخبار المخبرين من إمكان التواطؤ وإن كثر الجمع، فلا بد من نوع من الفكر، ولذلك ألحق الكعبي هذا القسم بالنظريات. والمرتبة الخامسة: العلم بالحرف والصناعات وهي محطوطة عما تقدم؛ لما فيها من المعاناة والمقاساة وتوقع الغلطات. والمرتبة السادسة: في العلوم المستندة إلى قرائن الأحوال، كالعلم بخَجَل الخَجِل، ووَجَل الوَجِل، وغضب الغضبان، وإنما استأخرت هذه المرتبة لتعارض الاحتمالات في محامل الأحوال، وخروجها عن الضبط. والمرتبة السابعة: العلوم الحاصلة بأدلة العقول، وهي مستأخرة لا محالة عن الضروريات المذكورة في المراتب السابقة. والثامنة: العلم بجواز النبوات، وابتعاث الرسل، وجواز ورود الشرائع. والتاسعة: في العلم بالمعجزات إذا وقعت. والعاشرة: في العلم بوقوع السمعيات الكلية ومستندها الكتاب والسنة والإجماع»([15])، وليس ذلك الترتيب حطًّا من قدر العقل وقيمته، وإنما هي لمحة تفيد مدى احترام علماء المسلمين لقطعية الحس المشاهد، فالمراتب الستة الأولى هي ما أدرك بحاسة من الحواس بذاتها مباشرة أو بقرينة من الحس أيضًا، أو كان ضروريًّا لا يحتاج إلى نظر أو فكر، فتحصيل العلم من الحواس أقوى بلا شك من تحصيله بالنظر العقلي، وهو ما يفسد دعوى من يقول إن العلماء لم تكن لهم قناعة بالعلم المحسوس المشاهد -كما يروج البعض عن تراث المسلمين- وهذا مبني -كما ذكرنا- على كون العقل غريزة أو آلة للتمييز، لا على أنه علم ضروري، وإلا كانت مرتبته بمرتبة ذلك القسم من أقسام المعرفة، ومع ذلك فإنه على المعنى الأول قد تصير درجة العقل أرفع إذا اعتبرنا المحسوسات كلها درجة واحدة، دون تفصيل، وهو قول لبعض العلماء([16]).

إن هذا العرض لمراتب المعرفة سواء عند الإمام الجويني أو غيره من العلماء الذين كتبوا في هذه القضية، توضح كيف كان اتساع العقل المسلم وانفتاحه في البحث عن مصادر المعرفة وسبل إدراك الحقيقة ووضع كل وسيلة في مرتبتها اللائقة بها، فما هو ضروري ومشاهد يسبق ما كان ضروريًّا غير مشاهد، وما هو بديهي وأولي يسبق ما هو نظري يحتاج إلى مزيد فكر وتأمل، ومن هنا كان البنيان المعرفي للحضارة الإسلامية قويًّا، مرتكزًا على أسس منهجية، وقد انعكس ذلك على علومهم ومعارفهم، فقضية العقل والنظر ستنعكس على نموذجهم المعرفي، ومن ثَم سيتجلى ذلك في خلافهم حول أول الواجبات، هل هو النظر، أو غيره، كما سيأتي عند الحديث عن تأسيسهم العقدي والمعرفي.

كذلك فإن تلك الرؤية انعكست على التأصيل الفقهي، ومن ثَم على صناعة الإفتاء، فالعقل عند الأصوليين والفقهاء -فضلًا عن كونه وسيلة لإدراك المعارف– هو مناط التكليف، هذه القاعدة الجليلة التي ترسخت في العقل الفقهي المسلم، جعلته يتعمق في البحث عن معنى العقل، وأنه متى ارتفع العقل ارتفع التكليف، حتى نقل أبو يعلى تعريفًا للعقل يؤيد هذا المعنى، فقال: «وقال بعضهم: ما حسن معه التكليف»([17])، ولذا كان كل من زال عقله أو اختلَّ بوجه من الوجوه غير مخاطب بالشريعة؛ لأنه فَقَد آلة التمييز، ومن شروط الخطاب أن يوجَّه إلى من يفهمه. وبناء تلك القاعدة من تعلق العقل بالتكليف جاء استنادًا إلى الحديث النبوي الشريف الذي قال فيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل))([18])، فهي أحوال يحصل فيها اختلال الإدراك أو التمييز، ومن هنا جعل الإمام الشاطبي أحد أدلة عدم منافاة الشرع للعقل فيما استدل به أن مورد التكليف هو العقل، وأن ذلك ثابت قطعًا بالاستقراء التام، حتى إذا فُقِد ارتفع التكليف رأسًا، وأن هذا واضح في اعتبار تصديق العقل بالأدلة في لزوم التكليف([19]).

ويقول الإمام الغزالي في الركن الثالث من أركان الحكم: «المحكوم عليه وهو المكلف، وشرطُه أن يكون عاقِلًا يفهم الخطاب، فلا يصح خطاب الجماد والبهيمة، بل خطاب المجنون والصبي الذي لا يُميِّز؛ لأن التكليف مقتضاه الطاعة والامتثال، ولا يمكن ذلك إلا بقصد الامتثال، وشرطُ القصدِ: العلمُ بالمقصود والفهمُ للتكليف، فكلُّ خطاب متضمنٌ للأمر بالفهم، فمن لا يفهم كيف يُقال له افهم؟! ومن لا يسمع الصوت كالجماد كيف يُكلَّم؟! وإن سمع الصوت كالبهيمة ولكنه لا يفهم فهو كمن لا يسمع، ومن يسمع وقد يفهم فهمًا ما لكنه لا يعقل ولا يثبت كالمجنون وغير المميز فمخاطبته ممكنة، لكن اقتضاء الامتثال منه مع أنه لا يصح منه قصد صحيح غير ممكن»([20]).

وعلى هذا الأساس -من دوران التكليف حول شرط العقل- بنى الفقهاء فروعهم واستنباطهم للحكم الشرعي، وتجلت الشريعة في المذاهب الفقهية عقلانية المدرك، لا ترى بمعزل عن مدارك الأفهام، بل محافِظة على أدوات الوعي لدى الإنسان المسلم، بما يجعله يقظًا لما يُلقَى له، ومميزًا لما يُوجَّه إليه من خير أو شر.

رابعًا: الفتوى والحفاظ على العقل

إن شرف العقل وأهميته ودوره في صناعة المعرفة والوعي هي مفاهيم تجعل الحفاظ عليه واجبًا عقلًا وشرعًا، وهو ما يتأكد إذا عُلم أن الحفاظ على العقل مقصد من مقاصد الشريعة، بل هو من ضرورياتها، فهو أحد خمسة أمور هي جماع المقاصد الشرعية الضرورية التي قيل إنها مراعاة في كل ملة كما نقله الإمام الشاطبي([21])، وهذه الخمسة هي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، ومعنى حفظ العقل حمايته من أن يدخله خلل؛ لأن ذلك يؤدي إلى عدم انضباط التصرفات، وذلك مؤذِن بالفساد على مستوى الفرد أو المجتمع([22]).

وإذا كان دور الفتوى هو الإخبار بالحكم الشرعي، مع مراعاة الوقائع المتغيرة، فإن من واجبها المشاركة في الحفاظ على البناء العقلي للإنسان المسلم، وتحصين وعيه وفكره، بل إيقاظ ذلك الوعي الذي يساهم في البناء والتعمير، ولذلك لما تكلم الإمام الطاهر بن عاشور رحمه الله عن قضية حفظ العقل، ضرب لها مثلًا على حفظه من جهة الحسيات، وذلك بتحريم المفسدات المتفشية في بعض المجتمعات، فيقول: «ولذلك يجب منع الشخص من السُّكر، ومنع الأمة من تفشي السكر بين أفرادها، وكذلك تفشي المفسدات، مثل: الحشيشة، والأفيون، والمورفين، والكوكايين، والهروين، ونحوها مما كثر تناوله في القرن الرابع عشر الهجري»([23])، فهذا مثال على بعض المسائل التي تسهم الفتوى فيها بالحفاظ على العقل.

وفي عصر التجاذبات الفكرية، تسهم الفتوى في بناء الوعي بالرد على الشبهات التي يثيرها المتطرفون بشقيهم الديني واللاديني؛ لأن كثيرًا من تلك القضايا التي يثيرونها هي طعن في الفكر والعقل الجمعي الواعي الذي ورثه المسلمون على مدى قرون، فكثير مما تنشره الجماعات الإسلامية هو تهميش لدور العقل، أو تحويله إلى أداة للتخريب، أو نشر دعاوى زائفة، مثل دعوى تعارض العقل والنقل، أو نبذ للعلوم التي لها صلة بإعمال مدارك العقل وأدوات النظر، كعلوم المعقولات، أو علم أصول الفقه، وكذلك ما ينشره الملحدون مما يتهمون فيه الإسلام باللامعقولية، ويسعون إلى استبداله بعقل نسبي ينكر كل مطلق وكل سماوي، أو ادعاء التعارض بين العلم المبني على التجربة والملاحظة وبين الدين، كل ذلك تعالجه الفتوى بما يقع على عاتقها من جواب عن الاستشكالات التي ترد على العقل المسلم، بما يصحح الفكر، ويضبط النظر، ويعمل على إعلاء دور العقل، والتدبر والتفكر في العقيدة الصحيحة، والتدين الصحيح، لبناء عقل مسلم حضاري، يكمل ما بدأه السلف من إدراك لقيمة العقل، ويبني عليه، مسترشدًا بمصادر المعرفة ومناهجها، بعيدًا عن السطحية والسذاجة الفكرية، وشيوع الوهم، والاختزالية، وكثير مما تنشره التيارات التي لا تستقي معارفها بعقل وعلم.

هذه الأهمية العظمى لدور الفتوى في حفظ العقل وصيانته، جعلت الأصوليين يشترطون في المجتهد أن يكون عالمًا بالدليل العقلي، وأن يكون عقله بلغ من الجودة أن يكون المجتهد ذكيًّا فطِنًا، قال الزركشي في شروط المجتهد: «وشرط الغزالي والرازي أن يكون عارفًا بالدليل العقلي، وبأننا مكلفون، وشرط الماوردي وإلكيا الطبري فيه الفطنة والذكاء؛ ليصل بهما إلى معرفة المسكوت عنه من أمارات المنطوق»([24]).

وكذلك يشترط في المفتي ذلك القدر من جودة العقل وصحة الرأي؛ ليكون على بصيرة فيما يفتي به، فلا تهلك الأمة بفتواه، كما تفعله جماعات الضلال والانحراف، يقول الخطيب البغدادي: «قال ابن نعيم: أخبرني إبراهيم بن محمد بن حاتم الزاهد، نا الفضل بن محمد الشعراني، قال: سمعت يحيى بن أكثم وسئل: متى تحب للرجل أن يفتي؟ قال: إذا كان بصيرًا بالرأي، بصيرًا بالأثر. قلت: وينبغي أن يكون قوي الاستنباط، جيد الملاحظة، رصين الفكر، صحيح الاعتبار، صاحب أناة وتؤدة، وأخا استثبات، وترك عجلة، بصيرًا بما فيه المصلحة، مستوقفًا بالمشاورة، حافظًا لدينه، مشفقًا على أهل ملته…» ثم يقول: «… ولا يكون ممن غلبت عليه الغفلة، واعتوره دوام السهر، ولا موصوفًا بقِلَّة الضبط، منعوتًا بنقص الفهم»([25]) كل تلك الشروط التي تتعلق بالفهم والإدراك وُضِعت توصُّلًا إلى صحة العقل وتمام الوعي، وهو ما يُظهر عمق إدراك العلماء لأثر الفتوى في العقول، فوضعوا شروطًا تجعل صناعة الإفتاء أداة من أدوات ترسيخ العقل، لا من أدوات التغييب، والاستغلال، كما هو شأن المفسدين من المرجفين في الأرض.

وبذلك تمثل قضية العقل حلقة من حلقات بناء الإنسان، ذلك الدور الذي تشارك الفتوى في صناعته وبنائه والحفاظ عليه كمقصد من مقاصد الشريعة وأداة من أدوات المنهج العلمي الصحيح الذي يجعل غايته دوام اليقظة، وصحة الإدراك، واستمرار التفاعل الحضاري داخل الأمة الواحدة، ومع العالم كله، في إطار عقلاني سديد، مبدأه الفكر والنظر، وغايته العمران والبناء، وهو ما سيتجلى مع العديد من القضايا المنهجية الأخرى، خصوصًا ما يتعلق بالنموذج المعرفي، والبناء العقدي والفقهي، وتداخل الصناعة العقلية تأصيلًا واستدلالًا، ليمثل ذلك بناءً منهجيًّا للعقل الإسلامي عمومًا، ولصناعة الإفتاء المنضبطة خصوصًا.

والعبادة الصحيحة لله سبحانه وتعالى لا تقتصر على الشعائر الدينية والعبادات الشكلية فقط، بل هي مسيرة ممتدة وأساليب حياتية، والتي يعكف فيها العقل المنير على قراءة الوحي وتدبر مقاصده، وتحويله إلى واقع معيش، وأن هذه العبادات هي عبادة الحياة والإحياء، فهي ليست بدنية فقط، بل بدنية وفكرية وعملية.

فإذا فهم الإنسان الوحي وعرف مقاصده؛ استكشف الكون ونظم برنامجًا حياتيًّا لمعايشته، فيصنع الحضارة بوعي وحكمة وأخلاق فاضلة، في ضوء الوحي الشريف والتعاليم الدينية.

وإذا استطاع المرء أن يقيم تلك المنظومة الدينية في نفسه ومن حوله؛ ينتج عن هذا التدين التوسط والتوازن، وعندما تمتزج المكونات الدينية والحضارية في شخص واحد ينتج عنها عقلية مسلمة مفكرة معتدلة، بلا جنوح لانفتاح زائد أو انغلاق مذموم، فلا يغلق على نفسه أبواب الفهم والمعرفة.

وينبغي للمسلم المستنير أن ينظر إلى الوحي والنصوص في ظل الأحوال والوقائع المحيطة بالنص، فيدركها ويستنبط المعنى على ضوئها، ولا يكتفي بظاهرها ولفظها بل يغوص في أعماقها.

فالشخصية المعتدلة ترى كل أحداث الحياة من منصة عالية، فلا تستغرق في الجزئيات ولا تكتفي بالكليات، بل تراها كاملة غير منفصلة، تعرف مآلها وأحوالها، فتحكم على كل حدث وعلى كل شيء حكمًا سديدًا واعيًا.

وهذه الشخصية المتزنة هي التي تصلح للتربية والقيادة والبناء والتعمير، فتطبق شريعة المولى بقلب واع وعقل مستنير.

وكلما ازداد الإنسان تبحرًا في العلم وتفكرًا في الوحي؛ ازداد حكمةً وورعًا وخشية من الله تعالى، فمن يغوص في الأعماق يرى اللآلئ ويصطاد الجواهر، لذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ﴾ [فاطر: 28].

أما العقول المتحجرة فهي التي تقف عند ظواهر الأمور، وتكتفي برؤيتها والعبور عليها، دون غوص ولا فكر ولا تحليل، فهي منحصرة دائمًا داخل الأحداث، تلهث وراء مجريات الحياة التي لا تنتهي، وتغرق في ضجيج المعيشة.

والواقع يؤكد أن من ينشغل بفتات الأمور، وينظر نظرة سطحية، فإنه يقف عاجزًا أمام الإشكالات والمستجدات، فلا يستطيع مواكبة التطور، فيُكفِّر ويُبدِّع ويُحرِّم، حتى يتحول تدريجيًّا إلى إنسان متحجر، لا يعرف من الأمور إلا ضجيجها وتسارعها وتقاطعها، فلا يُنتج فكرًا، ولا يصنع عمرانًا، ولا يزداد إيمانًا، ولا يبدع حضارة، بل يذهب منه العمر هباء.

لذا حرصت دور الإفتاء على صناعة الشخصية المسلمة وتدريبها على التفكير المستقيم، حيث حشدت عددًا من القضايا المهمة، ومهارات التدريب والتمرس بالأدوات العلمية التي لا بد منها في الفهم، رغبةً منهم في النزول في ساحة الفكر، بكل ما يمثله من بريق علمي ساطع، ومنزلة رفيعة بين المدارس العلمية المنتشرة في المشرق والمغرب، كانت كل تلك العوامل بمثابة تحضير وتمهيد لوجود متطلبات قيام عملية شديدة الدقة والتخصص في صناعة الشخصية، وتزويدها بالعلوم والمعارف والمهارات، ومناهج البحث، وطرق التفكير، وكيفيات التطبيق، مما يؤدي حتمًا إلى بناء الإنسان، على نحو يجعله مؤهلًا لإنتاج الحكمة، والخروج إلى الناس بالبصيرة، والقيام بتعليم الناس والاحتكاك بهم، فيجد الناس في قربهم الاستفادة والتهذيب، ويكتسبون من مخالطتهم جمال الشرع وأنواره وأخلاقه والوعي بمقاصده.

ولقد حرصت دور الإفتاء على عدة أطر لبناء الإنسان، من أهمها تحديد الطرق المنهجية التي يتم انتهاجها في معرفة الشرع الشريف، مما يتوصل به المسلم إلى منظور موزون وصادق لطبيعة الشرع الشريف في منظومة عقائده وأحكامه وقواعده ومقاصده ومناهج فهم نصوصه، وكيفية سريان معاني الرحمة العامة من خلاله إلى البشر أجمعين، مع شدة الحرص على الهداية، وجمال السلوك الاجتماعي، بحيث لا تغيب تلك الكليات والمقاصد العليا عن عقل المسلم، بل لا تزال تلك تتكشف له بالتدريج من خلال دوائر العلم التي يدرسها، وعند غياب هذا الإطار فإن صورة الشرع الشريف تتحول في الذهن إلى الاستعلاء والتسلط على الخلق، ووضع مقاصد مخترعة، تضيع معها المقاصد الأصلية للشرع، وتحول صورة الشرع الشريف أمام العالمين إلى صورة قاتمة تصد الناس عما في هذا الدين من سعة ورحمة وهداية.

 

المبحث الثاني: منهجية التوثيق ودورها في ضبط الفتوى

بدأ العقل المسلم في تلقي العلوم مشافهة، ابتداءً بعهد صاحب الرسالة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستمر ذلك في أجيال الصحابة ومن بعدهم، وكان تلك الطريقة هي مصدر التلقي الأساسي للعلوم، حتى في حضارات أخرى سبقت عصر الرسالة، وكذلك في الأمة العربية، كانت تلك الطريقة مصدرًا لحفظ ما تناقله العرب من الشعر والآداب العربية التي سبقت زمن البعثة المحمدية، وهذا التلقي الشفهي قد حفظ لنا نصوص الوحي، حتى على مستوى الأداء اللفظي، وصاحب ذلك بداية التدوين للوحي، ومع وقوع الفتنة في زمن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وما بعده، وكثرة الفرق المختلفة، والتي تتدافع فيما بينها تحت إطار النص الشرعي، حتى إن بعضها قد أخذ في وضع الحديث النبوي الشريف، واختلاق نصوصٍ لا أصل لها، من أجل تدعيم موقفه المذهبي أو الفكري، كل ذلك جعل الأمة تتنبه إلى أصل مهم لديها، وهو التوثيق، ذلك الأصل الذي توجد شواهده في الكتاب والسنة، وتدعو إليه ضرورة المنهجية العلمية المنضبطة، ومن هنا بدأت عملية التوثيق كمكون أصيل في ذلك البناء المعرفي الرصين، وحلقة من حلقات انضباط العقل المسلم، ومن ثَم فإن أي تلمُّس لأصول منهجية للعقل المسلم لا بد أن تتوقف عند ذلك الركن الركين، ما هو؟ وما أهميته، وعلاقته بالمصادر الشرعية؟ وكيف صار أداة من الأدوات العلمية؟ وكيف تأصَّل ذلك في العقل الفقهي والإفتائي خصوصًا؟ هذه جملة من القضايا التي تبرز ذلك المعلم المنهجي، نقف عليها من خلال النقاط التالية:

أولًا: معنى التوثيق

التوثيق لغةً: مصدر (وثق) وهو يدور في اللغة حول عدة معانٍ، منها: الإحكام، والأخذ بالثقة في الأمر، قال الزبيدي: «وَثِق بِهِ يَثِق كوَرِث يرِثُ ثِقَةً ومَوْثِقًا، وعَلى الأوَّل اقْتصَر الجوهريُّ، زَاد ابنُ سِيدَه: وِثاقَة، كوِراثَة، وَزَاد الزَّمخشَريُّ بعد ثِقَة وُثُوقًا بالضمِّ: ائْتَمَنَه. يُقال: بِهِ ثِقَتي. والوَثيقُ: الشيءُ المُحْكَم، ج: وِثاق بالكَسْر. ووَثُق الشَّيْء وَثَاقَة كَكَرُم كَرامَةً: صارَ وَثيقًا أَي: مُحْكَمًا. أَو وَثُق الرَّجل: أخذَ بالوَثِيقَة فِي أمْرِه، أَي: بالثِّقَة، نقَلَه الجوهريُّ كتَوَثَّقَ فِي أمْرِه، نقَلَه ابنُ سِيدَه»([26]).

أما في الاصطلاح فقد تمثل ذلك المعنى كمصطلح ينطق به العلماء في مختلف المعارف، ويتضح معناه على حسب العلم الذي يتكلم العالم بصدده، لكنه دائر في الغالب الأعم على قصد الدلالة على إحكام التثبت من النص، أو القضية، أو الشخصية محل البحث، وذلك من خلال العديد من الأدوات، المادية الحسية، أو المعنوية، والآليات التي ابتُكرت لضبط كل ما هو قائم على النقل، والسماع، فالقضايا العقلية هي في أصلها قطعية واضحة الثبوت، ولو بالتأمل والنظر، أو تنتهي إلى ما هو كذلك، أما القضايا المسموعة المنقولة، فتحتاج إلى تثبُّت، وضبط، فصار ذلك أمرًا بدهيًّا في العلوم الإسلامية، سواء عُبِّر عنه بمصطلح التوثيق، أو الإثبات، أو الضبط، أو تصحيح النقل، أو غير ذلك من العبارات التي تدل على نفس المعنى المقصود، وإنما اختلاف العبارات لاختلاف نوع المعرفة التي يراد توثيقها وضبطها، وكيفية اصطلاح أهلها على التعبير عن تلك المنهجية داخل ذلك العلم.

هذا المعنى لم يقع في تراث الأمة إلا بدافع حقيقي، وأهمية قصوى، جعلت التوثيق معنًى مستقرًّا داخل أغلب المعارف التي تداولها المسلمون، وشاركوا فيها، وهذه الأهمية تعتمد يقينًا على مصدر المعرفة الأول لتلك الحضارة، وهو الوحي الشريف، بل إن انطلاقة ذلك المنهج إنما كانت سعيًا للحفاظ على نص الوحي، ومن ثَمَّ على العلوم التي تخدمه حفظًا وفهمًا واستنباطًا.

ثانيًا: أهمية التوثيق، وعلاقته بالمصادر الشرعية

كان مبدأ التوثيق عند المسلمين حاضرًا في النص الشرعي بوضوح، وذلك في العديد من الآيات القرآنية، والأقوال والأفعال الصادرة عن صاحب الشرع الشريف، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ﴾ [البقرة: 282] وهي دعوة إلى التثبت بالكتابة في قضية مخصوصة وهي الدَّين، لكنها يؤخذ منها توجيه الشارع إلى عموم التوثيق، خصوصًا ما يتعلق بتوثيق المعاملات المالية، ووضعت شروطًا لضمان أن يتم ذلك التوثيق على أكمل وجه، وفي ذلك يقول الإمام النسفي في تفسيره: «﴿وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ﴾ بين المتداينين ﴿كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ هو متعلق بكاتب، صفة له، أي: كاتب مأمون على ما يكتب، يكتب بالاحتياط، لا يزيد على ما يجب أن يكتب، ولا ينقص. وفيه دليل أن يكون الكاتب فقيها، عالما بالشروط، حتى يجئ مكتوبه مُعدَّلًا بالشرع، وهو أمر للمتدينين بتخيُّر الكاتب، وألا يستكتبوا إلا فقيهًا ديِّنًا، حتى يكتب ما هو متفق عليه، ﴿وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ﴾ ولا يمتنع واحد من الكتاب ﴿أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ﴾ مثل ما علمه الله كتابة الوثائق، لا يبدل، ولا يغير، و﴿كَمَا﴾ متعلق بـ﴿أَن يَكۡتُبَ﴾ ﴿فَلۡيَكۡتُبۡ﴾ تلك الكتابة لا يعدل عنها»([27]) وهو ما يأتي صريحًا في قول الحق سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6] وهذا القيد في التثبت حال كون المخبر فاسقًا، لا يخصص عموم التثبت، وإنما يؤكده في حال كون المخبر على هذه الحال، التي يخشى معها أن يكون خبره عاريًا عن الصحة والوثوق، فهي ضابط لحالة من الحالات التي يصل فيها التوثق إلى حد الوجوب.

وهذه الحقائق القرآنية في بناء منهج التوثيق قد تجلت أيضًا بطريقة واضحة في السنة النبوية الشريفة قولًا وفعلًا، ففيما روي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا»([28])، وهو توجيه نبوي شريف بالتثبت، وأن لا يصدر الإنسان في قوله وفعله عن مقولات وقضايا لم يتثبت منها، أو لم يعرف لها مصدرًا أو مستندًا. قال ابن الأثير: «وإنما يقال: «زعموا» في حديث لا سند له ولا ثَبْتَ فيه، وإنما هو شيء يُحكى على الألسن على سبيل البلاغ، فذمَّ النبيُّ  صلى الله عليه وسلم من الحديث ما كان هذا سبيله»([29]).

ومن هنا ترسخت تلك المنهجية في نفوس المسلمين، وصارت سمة من سمات العقل المسلم، وكانت أول غاية توجه إليها المسلمون في قضية التوثيق هي حفظ الدِّين، من خلال حفظ النص الشرعي، وذلك من خلال كل السبل والوسائل الممكنة، فحفظوه عن طريق المشافهة والتدوين، وأسسوا علومًا تضبط النص عن أن يلحقه أي نوع من أنواع التحريف، ولا بد هنا من الوقوف عند حقيقة مهمة، وهي أن القرآن الكريم قد حفظ من خلال التواتر القطعي، فثبوت اللفظ القرآني بكل رواياته المتواترة، هو ثبوت قطعيٌّ، لا يحتاج إلى أمر زائد عن النقل الشفهي الذي تلقته الأمة في أجيال متتابعة، وحفظه المسلمون على مستوى الحرف القرآني، ومن ثَم فإن العلوم التي نشأت من أجل ضبط النص القرآني، رسمًا، وعدًّا، وكيفية أداءٍ، وغير ذلك من أوجه الضبط، إنما هي تدوين وخدمة لما هو ثابت أصالة، لا يطرأ عليه تحريف، أو تبديل، بل هو محفوظ بحفظ الله له، على مر الأزمان، يقول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9] وذلك التواتر المقطوع به الثابت بالتلقي هو أجلُّ الأدوات التي حفظ من خلالها الذكر الحكيم، ومع ذلك وثَّق العلماء أدوات ضبط النص القرآني، في صورة علوم ومعارف مستقلة، فكتبوا في رسم المصحف الشريف، وفي قراءاته القرآنية المتواترة، بل صار لكيفية أدائه علم مستقل، وهو علم التجويد، وتفنَّنوا في ضبط الوقف والابتداء في آيات القرآن الكريم، فصار محفوظًا على مستوى اللفظ، والأداء، والكتابة، وإيصال المعنى على الطريقة اللائقة به؛ لأنه كتاب الله إلى العالمين، الذي صارت العناية به في أعلى وأرقى درجات الرعاية والعناية من الأمة كلها.

هذه القضية المتعلقة بطريقة توثيق النص القرآني هي مسألة شديدة الأهمية، وذلك لضرورة إدراك المسلمين للآلية التي وفق الله المسلمين إليها في طريقة توثيق وتلقي هذا النص، والوقوف على طريقة ثبوته؛ لأنه باب إلى الشريعة كلها، يقول الإمام ابن الجزري رضي الله عنه: «ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة، ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال: «إن ربي قال لي: قم في قريش فأنذرهم فقلت له: رب إذا يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزة، فقال: مبتليك ومبتلٍ بك ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان، فابعث جندا أبعث مثلهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأنفق ينفق عليك». فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء، بل يقرؤوه في كل حال كما جاء في صفة أمته: “أناجيلهم في صدورهم”، وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه لا في الكتب ولا يقرؤونه كله إلا نظرا لا عن ظهر قلب، ولما خص الله تعالى بحفظه من شاء من أهله أقام له أئمة ثقات تجردوا لتصحيحه وبذلوا أنفسهم في إتقانه وتلقوه من النبي  صلى الله عليه وسلم  حرفا حرفا، لم يهملوا منه حركة ولا سكونا ولا إثباتا ولا حذفا، ولا دخل عليهم في شيء منه شك ولا وهم، وكان منهم من حفظه كله، ومنهم من حفظ أكثره، ومنهم من حفظ بعضه، كل ذلك في زمن النبي  صلى الله عليه وسلم.

وقد ذكر الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في أول كتابه في القراءات: من نقل عنهم شيء من وجوه القراءة من الصحابة وغيرهم، فذكر من الصحابة أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا، وطلحة، وسعدا، وابن مسعود، وحذيفة، وسالما، وأبا هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وابنه عبد الله، ومعاوية، وابن الزبير، وعبد الله بن السائب، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وهؤلاء كلهم من المهاجرين، وذكر من الأنصار أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبا الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبا زيد، ومجمع بن جارية، وأنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين»([30]).

إذا كان القرآن قد حُفظ بهذه الطرق القويمة القاطعة، فإن السنة وإن كانت في حقيقتها وحيًا، كما قال الله تعالى في حق نبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ٣ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3، 4]، فإنها جاءت في أغلبها بطريق الظن، وهذه الظنية إنما هي متعلقة بطرق وصول اللفظ النبوي، ولا علاقة لها بما يترتب عليها من بعض العقائد أو بعض الأحكام الشرعية التي تثبت دلالتها ثبوتًا قطعيًّا، من خلال حجج وأدلة متكاثرة، تصل إلى مرتبة القطع، كما هو معروف في علم الكلام وأصول الفقه، وذلك في المسائل التي هي جماع الدين، وشعائره، وضرورياته، التي لها منزلة القطع، وإن ثبتت بطريق ظني.

هذه الظنية في الثبوت هي التي دفعت علماء المسلمين لضبط طرق توثيق الحديث النبوي الشريف؛ صيانة لكلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيامًا بواجب حفظ الأمة من الوقوع في دائرة الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، كما حذرنا صلى الله عليه وسلم بقوله: « إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»([31]).

وهذا الحديث الجليل بما فيه من دعوة إلى التحري والتثبت، خصوصًا في الحديث النبوي الشريف، والتحذير من مغبَّة مخالفة ذلك –هو من الأحاديث التي بلغت أعلى درجات الصحة، حتى قيل بتواتره، وكأن الطريق إلى إثبات السنة، ومبدأ توثيقها إنما كان بطريق القطع، لا الظن، قال الإمام النووي في شرح أحد طرق هذا الحديث: «وأما متن الحديث فهو حديث عظيم في نهاية من الصحة، وقيل إنه متواتر ذكر أبو بكر البزار في مسنده أنه رواه عن النبي عليه السلام نحو من أربعين نفسًا من الصحابة رضي الله عنهم، وحكى الإمام أبو بكر الصيرفي في شرحه لرسالة الشافعي رحمهما الله أنه روى عن أكثر من ستين صحابيًّا مرفوعًا، وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن منده عدد من رواه فبلغ بهم سبعة وثمانين، ثم قال: وغيرهم، وذكر بعض الحفاظ أنه روي عن اثنين وستين صحابيًّا، وفيهم العشرة المشهود لهم بالجنة، قال: ولا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة إلا هذا، ولا حديث يروى عن أكثر من ستين صحابيًّا إلا هذا، وقال بعضهم رواه مائتان من الصحابة، ثم لم يزل في ازدياد، وقد اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في صحيحيهما من حديث علي والزبير وأنس وأبي هريرة وغيرهم»([32])، ثم ذكر جملة من فوائد هذا الحديث، ومنها أن فيه تعظيم وتحريم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك فاحشة عظيمة، وموبقة، وكبيرة من الكبائر، وأن من فعل ذلك يفسق، وتُرَدُّ روايته، ويبطل الاحتجاج بها، ومن خلال هذا النص استقرت منهجية التثبت في الأخبار، خصوصًا ما اتسم منها بسمة القداسة، وانبنت عليه الأحكام والشرائع.

ثالثًا: التوثيق كمنهج علمي

تعظيم الجناب النبوي الشريف جعل العلماء يتجهون إلى تفعيل أدوات منهجية عملية، تتسق مع ذلك التوجيه القرآني والنبوي، فتحافظ على النص على وجهه الذي قيل به، وتفتح بابًا لوضع نسق منهجي لضبط أي نص أو نقل، سواء كان شفهيًّا، أو مكتوبًا، ومن هنا انطلق العلماء في تأسيس ما يمكن أن يطلق عليه علوم التوثيق، أو أدوات التوثيق العلمي، وغالب تلك العلوم مما يندرج تحت علوم أصول الحديث الشريف؛ لأنه أهم نص شرعي بعد القرآن الكريم.

  • توثيق الحديث الشريف

أول ما حرص عليه المسلمون في إطار ذلك المنهج هو قضية الإسناد، تلك الخاصية التي كانت أول درجات توثيق النصوص، بل والعلوم كلها، والسند لغةً: هو ما ارتفع من الأرض، وفي اصطلاح العلماء: ما أسند إلى قائله([33]).

والمسند عند علماء الحديث: ما اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه، وأكثر ما يستعمل ذلك فيما جاء عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم([34]).

وأهمية الإسناد في تلقي العلم عمومًا، وفي ثبوت السنة المشرفة خصوصًا، لا تخفى على متتبع لتطور العلوم عند المسلمين، وبلغت تلك الأهمية ما جعل الإسناد في حكم ضروريات المنهج العلمي عند المسلمين، وكثرت العبارات التي تدل على أنها قضية دين وعلم، وليست قضية تحسينية في المنهج العلمي، حتى اشتهرت عبارة عبد الله بن المبارك رضي الله عنه التي أخرجها مسلم في مقدمة صحيحه توطئة لضوابط النقل والتثبت، وصارت شعارًا علميًّا وحضاريًّا، وهي قوله: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء»([35])، هذه العبارة وغيرها كانت تمثل رؤية واضحة لدى علماء المسلمين في أهمية التلقي أولًا، وفي أهمية التوثيق والتثبت من خلال الإسناد، وتجلى ذلك عمليًّا في تأسيس علوم الحديث، وعلوم الإسناد.

والعلوم المتعلقة بالإسناد تشمل البحث عن اتصال الإسناد، وعن معاصرة كل راوٍ لشيخه، ومدى ثبوتها، وحقيقة رواية الطالب عن شيخه الذي لقيه وعاصره، وتاريخ الراوي، وما يتعلق بحياته، أين عاش؟ ومتى درس؟ وكيف تلقى العلم؟ كما يُبحث عن عدالة كل راوٍ، ومدى ثبوت أوصاف العدالة له، وثبوت ضبطه، وهذه ألصق قضية بالتوثيق، فهي تمحيص عن مدى ثبوت النص، وكيفية تحقق الراوي له من لفظه، ومدى ضبطه للرواية، وقدرته على الاحتفاظ بالرواية المنضبطة طيلة عمره، دون أن يتأثر بعوامل زمنية، فينسى أو تختلط عليه الروايات بعضها مع بعض.

ويترتب على ذلك البحث في العلل التي قد ترد على الحديث، وإن كان متصل السند، ورواته عدولًا، لضرورة أن يسلم من الشذوذ، أو أي علة أخرى قد تقدح فيه، ويحققون ذلك عن طريق جمع الطرق والروايات ودراستها.

وذلك الحكم على الرواة بتلك الدرجة من التدقيق كان هو الوازع لوجود أحد علوم التوثيق وهو علم الجرح والتعديل، أو علم الرجال، وقد كان الهدف منه التثبت من نقل الأخبار والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتوقف على هذا العلم الحكم بصحة الخبر أو الحديث أو ضعفه أو كذبه، وهو امتثال للتوجيه الإلهي الذي حث الله سبحانه عليه المؤمنين، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6] كما سبق بيان ما تُوجِّه إليه الآية الكريمة، وهذا العلم لم يكن عند أحد قبل المسلمين، ومن قلَّدوهم بعد ذلك فإنهم لم يبلغوا ما بلغه المسلمون من تحرير ونقد، ومتابعة تامة لأحوال الرواة المحدثين.

وقد ألَّف العلماء كتبًا كثيرة احتوت على أحوال الرواة، ودرجة توثيق كلٍّ منهم، فيتبين مَن يؤخذ منه ويكون مصدَّقًا، ومن يحتاج إلى أن يعضد روايته رواة آخرون يُسندون ما قاله بلفظه أو معناه، بدرجة من الصحة تفوق رواية ذلك الراوي، حتى يتم قبول روايته، ويتبين كذلك مَن هو كذاب لا يجوز الأخذ عنه، يقول الإمام الذهبي في كتابه الجليل (ميزان الاعتدال): «إنما يضر الإنسان الكذب، والإصرار على كثرة الخطأ، والتجري على تدليس الباطل، فإنه خيانة وجناية، والمرء المسلم يُطبع على كل شيء إلا الخيانة والكذب، وقد احتوى كتابي هذا على ذكر الكذابين الوضاعين المتعمِّدين قاتلهم الله، وعلى الكاذبين في أنهم سمعوا ولم يكونوا سمعوا، ثم على المتهمين بالوضع أو بالتزوير، ثم على الكذابين في لهجتهم لا في الحديث النبوي، ثم على المتروكين الهلكَى الذين كثر خطؤهم، وتُرك حديثهم، ولم يُعتمد على روايتهم، ثم على الحفاظ الذين في دينهم رقة، وفي عدالتهم وهن، ثم على المحدِّثين الضعفاء من قِبل حفظهم، فلهم غلط وأوهام، ولم يُترك حديثهم، بل يُقبل ما روَوْه في الشواهد والاعتبار بهم، لا في الأصول والحلال والحرام، ثم على المحدِّثين الصادقين، أو الشيوخ المستورين الذين فيهم لين، ولم يبلغوا رتبة الأثبات المتقنين، ثم على خلق كثير من المجهولين، ممن ينص أبو حاتم الرازي على أنه مجهول، أو يقول غيره: لا يُعرف، أو فيه جهالة، أو يُجهل، أو نحو ذلك من العبارات التي تدل على عدم شهرة الشيخ بالصدق، إذ المجهول غير محتَجٍّ به، ثم على الثقات الأثبات الذين فيهم بدعة، أو الثقات الذين تكلم فيهم من لا يُلتفت إلى كلامه في ذلك الثقة، لكونه تعنَّتَ فيه وخالف الجمهور مِن أُولِي النقد والتحرير، فإنا لا ندَّعي العصمة من السهو والخطأ في الاجتهاد في غير الأنبياء»([36]).

وهذا النص يُبين مدى الدقة والتحري والتثبت في معرفة الرواة، وأحوالهم، ولا غرض من ذلك إلا توثيق نسبة النص الشريف، ولم يقف الأمر عند حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل صار منهجًا ساريًا في تراث المسلمين في مختلف أنواع العلوم.

  • التوثيق من آداب البحث

أراد العلماء تعميم هذا النسق من الضبط والتوثيق في ضبط كل ما فيه إخبار، أو نقل، فجعلوا تصحيح النقل وتوثيقه، أحد أهم آداب البحث والحِجاج العلمي المنضبط، فالدليل إما أن يكون من المعقولات المحضة، أو أن يدخله نقل يحتاج إلى إثبات وتصحيح، ومن هنا جاءت قاعدة تصحيح النقول، بمعنى إثباتها وتوثيقها، فإذا ادَّعى شخص دعوى علمية، وكان قد نقلها عن بعض العلماء، أو نقل بعض الأدلة عليها، وجب في الصناعة العلمية إلزامه بتصحيح هذا النقل، أي توثيق الموضع الذي نقله، أو الكتاب الذي نقل منه([37]).

وهكذا صار ذلك منهجًا مستقرًّا في بحث العلوم كلها، وصار مبدأً منهجيًّا لا ينبغي الحياد عنه، أو استبداله بمنهجية قائمةٍ على إطلاق النصوص، والنقول، بدون تثبت أو تمحيص.

رابعًا: التوثيق في الفقه والفتوى

تأثر الفقه الإسلامي تأثرًا شديدًا بقضية التوثيق، فالنص القرآني الذي جاء داعيًا إلى هذا المبدأ كان نصًّا وثيق الصلة بالأحكام الشرعية، وهو مسألة توثيق الديون، كما سبق ذلك في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ﴾ [البقرة: 282]، ومن هنا تداخلت قضية التوثيق مع كثير من القضايا والفروع الفقهية، في أبواب المعاملات، كمسائل الدين، والوقف، وغيرها، بل في الأحوال الشخصية من النكاح والطلاق والخلع، وقضايا الإشهاد، وغير ذلك من الحقوق، حتى صار إجراءً من إجراءات ضمان الحقوق في تعاملات المكلفين، وتعددت طرقه ما بين الكتابة، والإشهاد، وغيرهما من طرق توثيق الحقوق والعقود وضمانها، بل نشأ في بعض المذاهب صناعة للتوثيق في القضاء والشهادات، وهو أبرز ما يكون في المذهب المالكي، الذي اشتدت العناية فيه بقضايا الإشهاد والتوثيق، حتى كثرت كتب الوثائق في المذهب، تحريرًا وضبطًا، ووضعوا شروطًا لكتاب الوثائق، تبين أهمية تلك القضية في عقول الفقهاء، يقول الإمام برهان الدين بن فرحون المالكي في كتابه (تبصرة الحكام) عن شروط وأحكام كاتب الوثائق: «وينبغي أن يكون فيه من الأوصاف ما نذكره، وهو أن يكون حسن الكتابة، قليل اللحن، عالمًا بالأمور الشرعية، عارفًا بما يحتاج إليه من الحساب، والقِسَم الشرعية، متحليًا بالأمانة، سالكًا طرق الديانة والعدالة، داخلًا في سلك الفضائل، ماشيًا على نهج العلماء الأجلاء، فهي صناعة جليلة شريفة، وبضاعة عالية منيفة، تحتوي على ضبط أمور الناس على القوانين الشرعية، وحفظ دماء المسلمين وأموالهم، والاطلاع على أسرارهم وأحوالهم، ومجالسة الملوك، والاطلاع على أمورهم، وعيالهم، وبغير هذه الصناعة لا ينال أحد ذلك، ولا يسلك هذه المسالك.

وفي التنبيه لابن المناصف: ولا ينبغي أن ينصب لكتابة الوثائق إلا العلماء العدول، كما قال مالك رضي الله تعالى عنه: لا يكتب الكتب بين الناس إلا عارف بها، عدل في نفسه، مأمون على ما يكتبه، لقوله تعالى: ﴿وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [البقرة: 282] وأما من لا يحسن وجوه الكتابة، ولا يقف على فقه الوثيقة، فلا ينبغي أن يُمكن من الانتصاب لذلك؛ لئلا يفسد على الناس كثيرًا من معاملاتهم، وكذلك إن كان عالمًا بوجوه الكتابة إلا أنه متهم في دينه، فلا ينبغي تمكينه من ذلك، وإن كان لا يضع اسمه بشهادة فيما يكتب؛ لأن مثل هذا يعلم الناس وجوه الشر والفساد»([38])، وهكذا يظهر من ذلك النقل مدى اهتمام الفقهاء بمسألة التوثيق، واعتبارها أمرًا دينيًّا لا بد من تحرِّيه، وضبطه.

وإذا كانت صناعة الإفتاء جزءًا من بناء العقل المسلم عمومًا، والعقل الفقهي خصوصًا، فإنها لا شك قد تأثرت بتلك المنهجية على مستويات عديدة، فظهر التوثيق كمنهج في البناء المعرفي للفتاوى، وظهر كذلك في البناء الفقهي للأحكام، وزادت صناعة الفتوى على ذلك أنها كانت المنوطة بتوجيه الناس الذين يَرِدون على أهل الإفتاء المعتبرين؛ طالبين حكم الله في أفعالهم ومعاملاتهم، فصار من واجباتهم توجيه الناس إلى تفعيل ذلك المنهج في حياتهم، حتى يصير عادة اجتماعية، يتبناها الناس في كل شؤونهم، ويكون حصنًا لهم من أعداء الدين والفكر والمنهج، والذين يستغلون مناهجهم السقيمة في تدمير الأوطان وتخريبها، وتزييف وعي الإنسان المسلم، حتى يصير قابلًا لكل توجه يصرفه عن ذلك المنهج، فيقبل الإشاعات والأكاذيب، ويستحل ذلك، بل يفعله قاصدًا متعمدًا تحت مسمى الشريعة والتدين، فواجهت الفتوى ذلك بكل قوة، وبمنهجية محكمة، ومن أمثلة ذلك ما يرد من أسئلة حول الشائعات المستندة إلى مصادر غير موثوقة، فأجابت دار الإفتاء المصرية عن سؤال ورد إليها، وهو: ما الشائعات؟ وما خطورتها؟ وما العوامل التي تُسَاهم في سرعة انتشارها؟ وكيف نتصدَّى لها؟

فأجابت بما يلي:

الشائعات هي تدويرٌ لخبرٍ مختَلَقٍ لا أساس له من الواقع، يحتوي على معلومات مضلِّلة، باعتماد المبالغة والتهويل في سرده، وهذا الخبر في الغالب يكون ذا طابعٍ يُثير الفتنة ويُحْدِث البلبلة بين الناس؛ وذلك بهدف التأثير النفسي في الرأي العامّ تحقيقًا لأهداف معينة، على نطاق دولةٍ واحدةٍ أو عدة دول، أو النطاق العالمي أجمعه.

وقد حرَّم الإسلام نشر الشائعات وترويجها، وتوعَّد فاعل ذلك بالعقاب الأليم في الدنيا والآخرة؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النور: 19]، وهذا الوعيد الشديد فيمن أَحَبَّ وأراد أن تشيع الفاحشة بين المسلمين، فكيف الحال بمن يعمل على نشر الشائعات بالفعل! كما أشارت النصوص الشرعية إلى أن نشر الشائعات من شأن المنافقين وضعاف النفوس، وداخلٌ في نطاق الكذب، وهو محرَّم شرعًا.

ويساهم في سرعة انتشار الشائعة سببان رئيسيان:

الأول: أهمية الموضوع؛ فكلَّما كان الموضوع ذا أهمية كثرت الشائعات حوله.

الثاني: قلة انتشار المعلومات الصحيحة عن هذا الموضوع.

ولا ينبغي إغفال دور وسائل الاتصال الحديثة؛ فإنها تساهم بدورٍ كبيرٍ في سرعة انتشار الشائعة ووصولها لقطاعٍ عريضٍ من الناس.
ولهذا كله، وفي سبيل التصدي لنشر الشائعات جفَّف الإسلام منابعَها؛ فألزم المسلمين بالتَّثَبُّت من الأخبار قبل بناء الأحكام عليها، وأمرنا بِرَدِّ الأمور إلى أولي الأمر والعِلم قبل إذاعتها والتكلم فيها، كما نهى الشرع عن سماع الشائعة ونشرها، وذمَّ سبحانه وتعالى الذين يسَّمَّعون للمرجفين والمروجين للشائعات والفتن.
وبيَّن الشرعُ الشريفُ سِمَات المعالجة الحكيمة عند وصول خبرٍ غير موثوقٍ منه؛ فأمَرَنا بحسن الظن بالغير، والتحقق من الخبر، ومطالبة مروجي الشائعة بأدلتهم عليها، والسؤال عمَّن شهدها، وعدم تلقي الشائعة بالألسن وتناقلها، وعدم الخوض فيما لا عِلم للإنسان به ولم يقم عليه دليلٌ صحيح، وعدم التهاون والتساهل في أمر الشائعة، بل اعتبارها أمرًا عظيمًا، وتنزيه السمع عن مجرد الاستماع إلى ما يسيء إلى الغير، واستنكار التلفظ به.

بمثل هذه الفتوى تحفظ المنهجية المنضبطة التي ضبطت الأمة من خلالها العلم، وصانت تراثًا عظيمًا، وثروة معرفية هائلة، مستخدمة في سبيل ذلك منهجًا علميًّا دقيقًا فريدًا، لا يقف عند حدِّ التثبت من النص، بل يُجاوزه إلى حدِّ كيفية الأداء له، ويفتح الباب للتفسير والوصف التفصيلي حتى يكون المتلقي على بيِّنة من النص أو الرواية الواردة، والسياق الذي وردت خلاله، والهيئة التي قيلت عليها، وهذه العملية العلمية المعرفية بلغت درجات عالية من الدقة والأمانة، لتكون حلقة من حلقات بناء الإنسان، ووسيلة من وسائل التحصين الفكري للعقل المسلم.

المبحث الثالث: ترسيخ العقيدة وبناء النموذج المعرفي

قام العلماء المسلمون بجهود حثيثة في بناء وتطوير العقل المسلم، وترسيخ بنيانه المعرفي، لتظهر مشكاة النور التي تضيء للعالمين، وتكتمل الرؤية التي ينبغي أن يستحضرها المسلم في نظرته للوجود والكون، كانت اللبنة الأولى في هذا التكوين -كما سبق- احترام آلة الإدراك التي خلقها الله في الإنسان؛ ليستقبل الوجود على بصيرة من أمره، ذلك هو العقل الذي هو أجلُّ أدوات التمييز والنظر، وأرقى سبل المعرفة، تلك الغريزة التي تزداد قوةً وفهمًا وتوصلًا إلى الحقائق، كلما فاضت عليها العلوم والمعارف، فتقوى آلتها، ويتسع إدراكها، حتى تفهم أعظم النصوص جلالة، وهو الوحي الشريف، كتاب الله الذي حوى أفصحَ بيانٍ، وأعظمَ برهانٍ، وتستقبل أنوار السنة النبوية الشريفة، على بصيرة وهدًى، فترسخت فضيلة العقل في وجدان كل مسلم، وصار الحفاظ عليها واجبًا شرعيًّا، يؤمُّه أهل الحكمة والرشاد، ويزيغ عنه أهل الضلال والانحراف والفساد.

فلما استقرت حرمة العقل في الشخصية المسلمة، كانت اللبنة الثانية لحفظ النص الذي وجبت له القداسة، بل حفظ غيره من النصوص، استيفاءً لواجب التثبت في النقل، فنشأ منهج التوثيق الذي صار مبدأً تتجلى فيه أعظم معاني الأمانة العلمية، وأدق أدوات الضبط والتحرِّي، حتى ينطلق المسلم -عالمًا كان أو متعلمًا– في طريق المعرفة، على جناحي العقل والنقل، فيبني رؤيته العميقة للوجود، ويحول عقيدته الإيمانية الراسخة التي سبقت كل ذلك إلى معرفة برهانية، قائمة على النظر والتفكر، يتجلى فيها توحيده، ويقينه، وتترسخ فيها عبوديته لربه، وتوكله عليه، وتفويض كل أمره إليه، ليكون ذلك ثمرة معرفة جلال الله، وكمال صفاته العلية، فيعرف سبب وجوده، ووظيفته الحقيقية في هذه الدنيا، مسترشدًا بالجناب النبوي الذي عرف قدره، وأنه الإنسان الكامل، المبلغ عن ربه مراده، قولًا وفعلًا، المتخلق بأخلاق الله، وينطلق من كل ذلك ليعبد الله، ويعمر الكون، ويزكي النفس.

إن المعرفة بالله سبحانه وتعالى هي الباب إلى التعرف على النفس، وعلى الأكوان، ولذا قيل: (من عرف نفسه فقد عرف ربه) وهذه المعرفة ترسخ علاقة الإنسان بربه، وتخلق توازنًا في علاقته بنفسه وبسائر المخلوقات من حوله، فيدرك حقيقة المراد من تسخير هذه الدنيا وما فيها للإنسان؛ ليكون سيِّدًا في هذا الكون، وليس سيِّدًا عليه، ممتثلًا لمراد ربه منه، لا متجبرًا بما أنعم الله عليه من عطاء، والمسلم المنقاد لأمر ربه إذا تحقق بهذا المعنى ظهر أثر ذلك في نفسه، وفي كل ما خلقه الله له، حتى الشجر والحجر، فتراه يتحرى مراد الله في كل شيء حوله، مهما رأى نفسه أعظم منه؛ لأنه عرف حقيقة وجوده، وأنه مستخلف على ما لا يملك، وأن إعطاءه حق التصرف لا يقتضي استئثاره بشيء في هذه الأرض، وإنما الفاعل المختار في هذه الدنيا هو الله جل جلاله لا يشاركه في ذلك أحد من خلقه، فبقدر تحقق الإنسان بهذا المعنى تنفتح له أبواب من المعرفة والحكمة بحقائق الأشياء، فيرى حكمة الله في كل شيء، ويراقبه في كل عمل، ويتجلى أثر ذلك الترقي على سلوكه، في بنيانه الحضاري، وفي توجيهه لمسيرة العمران، والتنمية.

إن هذه الرؤية قد تكونت أصولها بناءً على قواعد علمية وأسس منهجية رصينة، شكلت تصورًا عقديًّا مستمدًّا من الوحي، وأبرزت نموذجًا معرفيًّا يمزج بين العقل والنقل، والوحي والوجود، وكتاب الله المسطور، وكتابه المنظور، تمثلت بعض تلك الأسس والقواعد فيما يلي:

أولًا: النظر أول الواجبات

إن بناء نموذج معرفي، ورؤية كلية للكون والوجود، إنما تتأسس ابتداءً على مجموعة من المعتقدات التي يتبناها الإنسان، وهو ما يسمى بالعقيدة، ولكي تكون تلك العقيدة معبرة عن الشخص المعتقد لها تعبيرًا حقيقيًّا، فلا بد أن تصدر عن قناعة حقيقية يعتقدها الإنسان من صميم قلبه، وتترسخ في عقله، فلا يجد فيها شيئًا من التناقض، أو اللامعقولية، ومن أجل تحقيق ذلك الرسوخ وتلك القناعة فلا بد من بناء الاعتقاد على النظر والفكر، ومن هنا تبنَّى علماء أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتريدية أن النظر العقلي واجب، إن لم يكن أول الواجبات، وهي نظرية تتسق مع رؤيتهم لمكانة العقل، كما سبق بيانه، وأنه في أرقى مراتب طرق المعرفة والإدراك، وانقسام المعارف إلى ما هو ضروري يمكن إدراكه بلا تأمل، وإلى ما هو نظري لا يمكن إدراكه إلا بواسطة الاستدلال والتأمل والتفكر، هذه القسمة جعلت المتكلمين يبحثون قضية النظر؛ لأن المعرفة بالله واجبة، وهي تحتاج إلى تفكر وتعقل، فصار ما أدى إلى المعرفة واجبًا، وهذا هو النظر.

النظر لغة: تأمل الشيء ومعاينته، قال في تاج العروس: «وفي البصائر: والنظر أيضا تقليب البصيرة لإدراك الشيء ورؤيته وقد يراد به التأمل والفحص، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص. وقوله تعالى: ﴿ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ [يونس: 101] أي تأملوا. واستعمال النظر في البصر أكثر استعمالًا عند العامة، وفي البصيرة أكثر عند الخاصة. ويقال: نظرت إلى كذا، إذا مددت طرفك إليه، رأيته أو لم تره، ونظرت، إذا رأيته وتدبرته، ونظرت في كذا: تأملته، كتنظره، وانتظره كذلك، كما سيأتي»([39])، ويطلق النظر كذلك على البحث، والفكر للتوصل إلى علم أو ظن([40])

واصطلاحًا عند المتكلمين: هو ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم([41]).

فالنظر إذن هو عملية انتقال من المبادئ الأولية الضرورية التي تكون راسخة في النفس الإنسانية، وذلك من أجل التوصل إلى ما يجهله الإنسان من علوم ومعارف، وهو متلازم مع الفكر، وهما بالضرورة يعبران عن تشوُّف الإنسان لإدراك المعقولات، وسعيه لتحقيق المعرفة، لكن ذلك قد يحصل بطريق صحيح أو فاسد، ومن ثم كان انقسام النظر إلى هذين القسمين؛ لأن النظر إما أن يقع على شروط أهل المعقول من حيث مادة القضايا التي ينظر فيها، وكذلك صورته التي تفضي إلى معرفة المجهول، فإن وقع كذلك كان نظرًا صحيحًا، وإن خالف تلك الشروط كان فاسدًا، لا يعتدُّ به، ولأجل ذلك بحث العلماء شروط النظر وقواعده في العلوم العقلية كالمنطق وعلم الكلام، لتنضبط قواعده، حتى لا يصير النظر العقلي نسبيًّا، فيؤدي ذلك إلى وقوع السفسطة، وإنكار الحقائق، وهذا يفسد وظيفة العقل الأولى، وهي الإدراك والتمييز.

اختلف العلماء حول قضية وجوب النظر، واشتراط حصول الأهلية لمن ينظر، وانبني على ذلك الخلاف في مسألة إيمان المقلد الذي لم يترتب إيمانه على البرهان، والتأمل، وذلك لأنهم يرون أن المعرفة اليقينية يصعب تحصيلها إلا من خلال الفكر، وإن كان هناك خلاف حول مدى إفادة النظر للعلم، بمعني اليقين الجازم، إلا أنه يفيد العلم في الجملة، لكن إذا تحققت شروطه، وهي كما عبر عنها الإمام الحسن اليوسي بقوله: «يشترط لوجود مطلق النظر العقل، وانتفاء أضداد العلم، من موت وجنون ونوم وغفلة، حالًا ودوامًا إلى حصول النتيجة، وألَّا يجزم بالمنظور فيه، ولا نقيضه، إذ لا نظر مع ذلك، والنظر في دليل آخر يكون لزيادة الاطمئنان، أو اختياره، أو التمرين، أو نحو ذلك، والصحيح أن يكون في اليقينيات عند طلب اليقين، وفي الظنيات عند إرادة الإقناع»([42]).

ثانيًا: الأصول العقدية

لما كان المقصد الأهم من النظر هو الوصول إلى المعرفة، كانت هي غاية التوحيد، فمعرفة ما يجب لله تعالى وما يجوز في حقه وما يستحيل هو أول مقصود يتوجه إليه الإنسان المسلم في بنائه العقدي ورؤيته للكون، ولذلك كانت هناك أسس تترتب عليها نظرة المسلم لما يجب اعتقاده في حق ربه سبحانه وتعالى، فأول ما بدأ به علماء العقيدة أنهم رسخوا مفاهيم يجب التوقف عندها، بل هي بمثابة الكلمات المفتاحية في معرفة مقاصدهم من مسائل علم التوحيد، وأول تلك المفاهيم هو الحكم العقلي، فإذا كان العقل حاكمًا ولا بد على ما يشاهده، فإن ذلك الحكم إما أن يكون بوجوب وجود شيء، واستحالة عدمه، أو الحكم بعدم شيء واستحالة وجوده، أو جواز أن يكون موجودًا أو معدومًا، وهذه قسمة عقلية، لا نسبية ولا اختلاف فيها، قال الشيخ الدردير في منظومته الخريدة البهية:

أقسام حكم العقل لا محالة

هو الوجوب ثم الاستحالة

ثم الجواز ثالث الأقسام

فافهم منحت لذة الأفهام

ثم قال: إن كل ما حكم به العقل من إثبات أو نفي، لا يخرج عن اتصافه بواحد من هذه الثلاثة، ولذلك جعلت أقسامًا للحكم([43]).

ومن هذه القسمة كانت بداية النظر العقلي للخالق وللعالم، فالعالم حادث، موجود بعد أن كان عدمًا، فالعالم متردد بين الوجود والعدم، فهو ممكن، ولا بد لهذا الممكن أن يترجح فيه جانب الوجود أو جانب العدم، والذي يرجح ذلك لا بد أن يكون مفارقًا بهذا العالم، وأن يكون وجوده واجبًا لا يقبل الانتفاء، وإلا لكان قابلًا للعدم كذلك كشأن هذا العالم، فواجب الوجود الذي يحكم في الممكنات إيجادًا أو إعدامًا هو الله الخالق جل وعلا، وبقيت المستحيلات، وهي أمور لا يمكن تصورها أصلًا، ولا حتى بمجرد التخيل، وذلك كحدوث الخالق جل وعلا، أو حدوث صفة من صفاته، فهو بذلك يشارك العالم في حدوثه، ويحتاج إلى من يرجح فيه جانب الوجود على العدم، فيصير الخالق مخلوقًا، وهذا من المستحيلات العقلية، وهو صورة لانقلاب الحقائق.

وبعد معرفة الصور الحاصلة من الحكم العقلي، تناول العلماء قضية المعرفة، وأن وجوب معرفة الله ثابت بالشرع، وأننا مكلفون بتلك المعرفة، ومقدماتها، كما سبق في قضية وجوب النظر، ومسألة التكليف بالمعرفة رسخت في وجدان العقل المسلم وجوب بناء العقيدة على أساس من البرهان، لا بمحض الاتباع أو التقليد، ومن هنا جرى الاختلاف في إيمان المقلد عند أهل السنة والجماعة على أقوال، ما بين قائل بعدم صحة ذلك الإيمان، وقائل بعصيان صاحبه إن كان عنده قدرة على النظر ولم يفعل، أو أن إيمانه صحيح مطلقًا، وأقوال غير ذلك، لكن العلماء لما علموا حقيقة المقصود من المعرفة، ومن النظر والاجتهاد في الوصول إلى الحق -رغم خلافهم- كانوا متفقين على أن من حقق الجزم في إيمانه، ولم يتردد فيه لحظة من عمره، ولو كان مقلدًا، فإيمانه صحيح؛ لأن الجزم واليقين بمعرفة الحق، وزوال الشك والتردد، هو الغاية من حصول المعرفة، فإذا تحقق ذلك بأي وسيلة وطريق من طرق النظر والوصول إلى الحق، فإيمان صاحبه مقبول. يقول صاحب جوهرة التوحيد:

فقال إن يجزم بقول الغير

كفى وإلا لم يزل في الضير

قال الشيخ البيجوري في شرحه: «وقوله: (إن يجزم بقول الغير) أي: إن يجزم المقلد بصحة قول الغير جزمًا قويًّا، بحيث لو رجع المقلَّد -بالفتح– لم يرجع المقلِّد -بالكسر-، وقوله: (كفى) أي: كفاه في الإيمان. وعلى هذا يحمل القول بكفاية التقليد، فيكفيه ذلك في الأحكام الدنيوية، فيُناكَح، ويُؤَم، وتُؤكَل ذبيحته، ويرثه المسلمون، ويرثهم، ويُسهَم له، ويُدفن في مقابر المسلمين، وفي الأحكام الأخروية أيضًا، فلا يخلد في النار إن دخلها، ومآله إلى النجاة والجنة، فهو مؤمن، لكنه عاصٍ بترك النظر، إن كان فيه أهلية النظر»([44]).

وفي ذلك تصحيح لإيمان عامة الناس، حتى لا يصير وجوب المعرفة والنظر بابًا إلى تكفير من لم يفعل ذلك، ولذلك نقل الإمام البيجوري عن أبي منصور الماتريدي قوله: «أجمع أصحابنا على أن العوام مؤمنون، عارفون بربهم، وأنهم حشو الجنة، كما جاءت به الأخبار، وانعقد به الإجماع، فإن فطرتهم جُبلت على توحيد الصانع، وقِدَمِه، وحدوث ما سواه، وإن عجزوا عن التعبير عنه باصطلاح المتكلمين»([45]).

هذه أصول وقواعد تعدُّ مبادئ لقضايا التوحيد، وهناك قواعد تعدُّ أسسًا لمسائل التوحيد نفسها، في أبواب الإلهيات، والنبوات، والسمعيات، يمكن تلخيصها في ثلاث قضايا:

الأولى: التنزيه والوحدانية.

الثانية: عصمة الأنبياء وتوقير جنابهم.

الثالثة: الإيمان بالغيب.

  • التنزيه والوحدانية

الأصل في التوحيد ومقصوده كما سبق هو معرفة الله جل وعلا بمعنى معرفة ما يجب وما يجوز وما يستحيل في حق الخالق سبحانه وتعالى، وذلك يتحقق من وجوه عديدة، أجلُّها إثبات كل كمال يليق بذات الله، ومقتضى إثبات الكمال تنزيه الله عن النقائص، ومشابهة المخلوقات، وإفراده جل وعلا بالوحدانية، ذاتًا، وصفات، وأفعالًا، ولأن الكمالات في حقه سبحانه لا منتهى لها، ولا يحيط بها أحد من خلقه، وإنما غاية معرفة الخلق ما أخبرهم به ربهم عن نفسه، فيؤمنون به ويعتقدونه، من أجل ذلك التفت العلماء إلى تحقيق أبواب التنزيه والوحدانية؛ لأنه من خلالهما تنتفي كل النقائص التي قد يتوهمها أحد من الناس في حق الله، وينتفي الشريك عن الباري جل وعلا فلا يبقى إلا اعتقاد الكمالات اللائقة بجلال الله تعالى.

قسَّم علماء أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتريدية صفات الله تعالى إلى عدة أقسام، وهي تقسيمات علمية مقصودها معرفة الواجب والمستحيل والجائز في حق الله، ومن أقسام هذه الصفات ما سموه بالصفات السلبية، وهي نفي كل نقص يستحيل في حق الله تعالى، وأضداد هذه الصفات هي الواجبة في حق الله سبحانه، وغايتهم من ذلك تنزيه الله عن مشابهة الحوادث والمخلوقات، وعن توهمات البشر من التشبيه والتجسيم وغيرهما من العقائد الزائغة التي تبنَّتها بعض الفِرق فضلَّت وأضلَّت، وأوقعت الناس في أوهام عقدية دون الوقوف على المبدأ القرآني فيما أخبر به ربنا سبحانه عن نفسه فقال: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

فالتنزيه والوحدانية معنيان متلازمان، فوجود ذات لا مثل لها ولا شبيه ولا نظير، يلزم منه مخالفتها لكل ما سواها، وتنزهها عن النقائص التي تلحق غيرها في الذات والصفات والأفعال، وذلك هو عين التوحيد المقصود من معرفة الله، يقول الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞ﴾: «والذي يعتقد في هذا الباب أن الله جل اسمه في عظمته وكبريائه وملكوته وحسنى أسمائه وعليِّ صفاته، لا يشبه شيئًا من مخلوقاته ولا يشبه به، وإنما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق والمخلوق، فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي، إذ صفات القديم عز وجل بخلاف صفات المخلوق، إذ صفاتهم لا تنفك عن الأغراض والأعراض، وهو تعالى منزه عن ذلك، بل لم يزل بأسمائه وبصفاته على ما بيناه في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) وكفى في هذا قوله الحق: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞ﴾ [الشورى: 11] وقد قال بعض العلماء المحققين: التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات، ولا معطلة من الصفات. وزاد الواسطي رحمه الله بيانًا فقال: ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ، وجلت الذات القديمة أن يكون لها صفة حديثة، كما استحال أن يكون للذات المحدَثة صفة قديمة. وهذا كله مذهب أهل الحق والسنة والجماعة رضي الله عنهم»([46])، فهذا الاعتقاد هو الأساس الجامع في قضية التوحيد، وهو القاعدة الأسمى في باب الإلهيات، وكل اعتقاد يخالف ذلك، فإنما تنقص معرفة صاحبه بالله، على قدر بُعده عن هذا المعنى، فمن يدَّعي تشبيهًا، أو تجسيمًا، أو أثبت للعبد اختيارًا وفعلًا على وجه الحقيقة، أو غير ذلك من مقالات أهل الفرق، فهو بعيد عن مقصود التوحيد، وهو تنزيه الله تعالى وإثبات وحدانيته، ولفظ الشهادتين إنما يجمع بين هذين المعنيين، لذلك كان علامة التوحيد والإيمان، قال الإمام السنوسي في عقيدته الصغرى: «ويجمع معاني هذه العقائد كلها قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ إذ معنى الألوهية: استغناء الإله عن كل ما سواه، وافتقار كل ما عداه إليه، فمعنى (لا إله إلا الله) لا مستغنٍ عن كل ما سواه، ومفتقرٍ إليه كل ما عداه إلا الله تعالى »([47]).

  • عصمة الأنبياء وتوقير جنابهم

لما اقتضت حكمة الله تعالى أن يرسل إلى البشر رسلًا، يُعرِّفونهم به سبحانه، ويحثونهم على طاعته وإجابة دعوته، كان اصطفاؤهم منه جل وعلا وهبًا، بلا اكتساب لأحد منهم للنبوة أو لصفة من صفاتها، وتلك الصفات هي الضرورية لتحقق المثال الكامل في أشخاص الأنبياء، فبعثهم الله متحققين بالصفات الواجبة لأداء الرسالة على أكمل الوجوه وأتمها، فاتصفوا بالصدق؛ لأنهم مخبرون عن الحق جل جلاله وهو مصدِّق لهم، فيلزم صدقهم فيما أخبروا به واتصفوا بتبليغ الرسالة، وإلا كانوا كاتمين للرسالة التي أُمروا بتبليغها، ومخالفتهم للأمر الإلهي يخالف مقتضى اصطفائهم، ومن صفاتهم الواجبة كذلك صفة الفطنة؛ لأن العاجز عن إقامة الحجج ودفع الشبه ومجادلة الخصوم لا يستطيع القيام بأعباء الرسالة، وأجلُّ الصفات التي تجب لهم هي صفة الأمانة، وهي حفظ ظواهر الأنبياء وبواطنهم من التلبس بمنهي عنه، ولو نهي كراهة، أو خلاف الأولى، وذلك مقتضى نبوتهم، وخصوصيتهم عن غيرهم من البشر، وتلك هي العصمة التي أعطاها لهم الله تعالى دون غيرهم، وكل ما ينسب إلى نبي من الأنبياء مما ظاهره المعصية، فإنه مؤول ومحمول على أن حسنات الأبرار سيئات المقربين([48]).

وقد حكى الإمام عضد الدين الإيجي تفصيل المذاهب في عصمة الأنبياء فقال: «أجمع أهل الملل والشرائع على عصمتهم عن تعمُّد الكذب فيما دل المعجز على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله، وفي جواز صدوره عنهم على سبيل السهو والنسيان خلافٌ، فمنعه الأستاذ وكثير من الأئمة لدلالة المعجزة على صدقهم، وجوَّزه القاضي مصيرًا منه إلى عدم دخوله في التصديق المقصود بالمعجزة. وأما سائر الذنوب فهي إما كفر أو غيره، أما الكفر فأجمعت الأمة على عصمتهم منه… وأما غير الكفر فإما كبائر أو صغائر، كل منهما إما عمدًا وإما سهوًا، أما الكبائر عمدًا فمنعه الجمهور، والأكثر على امتناعه سمعًا، وقالت المعتزلة بناءً على أصولهم يمتنع ذلك عقلًا، وأما سهوًا فجوزه الأكثرون، وأما الصغائر عمدًا فجوَّزه الجمهور إلا الجبائي، وأما سهوًا فهو جائز اتفاقًا، إلا الصغائر الخسيسة كسرقة حبة أو لقمة» ثم رد على من أنكر عصمتهم، واحتج ببعض قصص الأنبياء التي ظاهرها المخالفة بقوله: «واحتج المخالف بقصص الأنبياء توهم صدور الذنب عنهم، والجواب إجمالًا أن ما كان منها منقولًا بالآحاد وجب ردها؛ لأن نسبة الخطأ إلى الرواة أهون من نسبة المعاصي إلى الأنبياء، وما ثبت منها تواترًا، فما دام له محمل آخر حملناه عليه، ونصرفه عن ظاهره، لدلائل العصمة، وما لم نجد له محيصًا حملناه على أنه كان قبل البعثة، أو من قبيل ترك الأولى، أو صغائر صدرت عنهم سهوًا، ولا ينفيه تسميته ذنبًا، ولا الاستغفار منه، ولا الاعتراف بكونه ظلما منهم؛ إذ لعل ذلك لعِظَمه عندهم، أو إن قصدوا به هضمًا من أنفسهم»([49]).

وبهذه القاعدة ثبت اختصاص الأنبياء بصفات الكمال البشري، وخصوصيتهم على سائر المخلوقات، ووجب تعظيمهم وتوقيرهم، وعدم الخوص في جنابهم إلا بمقتضى التعظيم وإثبات الاصطفاء والخصوصية، وتلك النظرة لجناب النبوة عمومًا، ولسيد المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خصوصًا، تورث الإجلال والمحبة في قلوب المؤمنين، فيتكون في عقل المسلم أساس آخر من أسس العقيدة، وبناء المعرفة بوظيفة الإنسان في هذه الدنيا.

– الإيمان بالغيب

يعد الإيمان بالغيب الركن الثالث لقضايا الاعتقاد في المكون العقدي السني، وذلك لأن قضايا الإيمان فيما يتعلق بالإلهيات والنبوات يتداخل في كثير منها برهان العقل ودليل النقل، فإن معرفة ما يجب لله وما يجوز وما يستحيل في حقه، وكذا ما يجب أو يجوز أو يستحيل في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما يتوصل إلى كثير من تلك القضايا من خلال المعارف العقلية، أما ما ورد في الوحي من وجوب اعتقاد وقوع بعض الأمور التي هي من باب الممكنات، فلا يترجح فيها وجود على عدم إلا بنصٍّ إلهي أو نبوي، وتلك هي الغيبيات، كالحشر، والصراط، والميزان، واليوم الآخر، والملائكة، وغير ذلك مما غاب عن مشاهداتنا الحسية، ولا يكفي العقل في الوصول إليه.

والإيمان بالغيب من القضايا التي تميز الحضارات ذات البعد الديني، وتعد علامة فارقة بين الإنسان الذي لا يؤمن إلا بما يرى، وبين من لا تحبسه عوالم المادة عن التصديق بوجود عوالم أو أشياء لم يشاهدها بعينه الباصرة، بل إن القرآن الكريم يومئ إلى أن هذا الكتاب المنزَّل من عند الله لا يتلقاه على وجه الهداية والإرشاد إلا من كان مؤمنًا بالغيب، قال الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ٢ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ [البقرة: 2، 3].

ويمتدُّ معنى الغيب ليشمل كل ما غاب عن الحس، قال الإمام القرطبي: «الغيب في كلام العرب: كل ما غاب عنك، وهو من ذوات الياء، يقال منه: غابت الشمس تغيب، والغيبة معروفة. وأغابت المرأة فهي مغيبة، إذا غاب عنها زوجها…ويسمى المطمئن من الأرض: الغيب، لأنه غاب عن البصر» ثم قال: «واختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا، فقالت فرقة: الغيب في هذه الآية: الله سبحانه، وضعفه ابن العربي، وقال آخرون: القضاء والقدر، وقال آخرون: القرآن وما فيه من الغيوب، وقال آخرون: الغيب كل ما أخبر به الرسول عليه السلام مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار. قال ابن عطية: وهذه الأقوال لا تتعارض، بل يقع الغيب على جميعها. قلت: وهذا هو الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل عليه السلام حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: فأخبرني عن الإيمان. قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّه وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» قال: صدقت. وذكر الحديث([50]). وقال عبد الله بن مسعود: ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ [البقرة: 3]»([51]).

والإيمان بالغيب هو حصن المؤمن في كثير من القضايا التي تواجهه في عالم المادية، فهو بابه إلى الإيمان بالقدر والتسليم له، وإلى الإيمان بوقائع يوم القيامة على الوجه الذي ورد في القرآن والسنة، فيورثه ذلك الخشية حتى ولو لم ير تلك الوقائع بعينه، وتلك ثمرة الإيمان بالله، وتصديق رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وهو ما أورده علماء العقيدة تحت مسمى (السمعيات)، وهي ما ثبت بمحض النقل دون أن يكون للعقول مدخل في إثباته إلا من حيث جوازه عقلًا.

وهذا الأساس الإيماني يرسخ اعتقاد المسلم أن الغيب لا يضاد العقل، وإنما هو أمر فوق طور العقل، ولا سبيل للعقل إلى تحصيله، ومع ذلك فهو لا يخالفه، ولا يأتي بما ينقضه، وهي كذلك أمور تتوقف على صحة الثبوت، فيجب التفريق فيها بين ما ثبت بدليل قطعي، فلا سبيل إلى مخالفته، وبين ما ثبت بدليل ظني، فالإيمان به واجب، على حسب مرتبة الدليل الذي ثبت به، وعلى هذا تكون أسس الاعتقاد متسقة مع ما سبق من مركزية العقل وضرورة التوثيق في منهجية تكوين المعرفة عند المسلمين.

ثالثًا: النموذج المعرفي والإفتاء

تمثل هذه الجوانب العقدية التي سبقت بعض الأصول التي يتكون منها النموذج المعرفي للإنسان المسلم؛ لأن ذلك النموذج إنما هو مجموع العقائد أو الرؤى الكلية التي تتبناها حضارة ما([52])، فإذا كانت تلك الحضارة متصلة بالدين فلا بد أن يكون أساس نموذجها المعرفي هو عقائدها الدينية، المتمثلة في تصوراتها عن الله جل وعلا وعن الرسالات الإلهية، وعن المبعوثين بتلك الرسالات، وعن القضايا الخبرية التي ينبغي التصديق بها، ومن هذه التصورات ينطلق إلى قضية التكليف، وأن إيمانه بالله يقتضي امتثاله للأوامر والنواهي، وأن تلك التكاليف إنما ثبتت على وفق ما أراده الله لنا من تحقيق المصالح والمنافع في الدنيا، والسعادة في الدار الآخرة.

ثم إن تلك الاعتقادات والتكاليف الشرعية لا تنفك عن قيم أخلاقية، بل وجمالية، تمثل روح الشريعة وحقيقتها، وكل ذلك يبنى عقلية فارقة لا مجال فيها للخرافة، أو الأساطير، أو السطحية في الفهم؛ لأن العقائد فيها مبنية على أصل تعاضد العقل والنقل وليس تناقضهما، فالإمام الغزالي يبين خصائص أهل السنة فيقول: «واطلعوا على طريق التلفيق بين مقتضيات الشرائع وموجبات العقول؛ وتحققوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحق المعقول، وعرفوا أن من ظن من الحشوية وجوب الجمود على التقليد، واتباع الظواهر ما أتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر، وأن من تغلغل من الفلاسفة وغلاة المعتزلة في تصرف العقل حتى صادموا به قواطع الشرع، ما أتوا به إلا من خبث الضمائر. فميل أولئك إلى التفريط وميل هؤلاء إلى الإفراط، وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط، بل الواجب المحتوم في قواعد الاعتقاد ملازمة الاقتصاد والاعتماد على الصراط المستقيم؛ فكلا طرفي قصد الأمور ذميم»([53]).

ووظيفة الإنسان في الوجود واضحة في هذا النموذج المعرفي، فغاية المسلم هي عبادة الله، وعمران الكون، وتزكية النفس، وهي مبادئ قرآنية ونبوية، تتجلَّى في أوامر الشريعة ونواهيها، ليس في الواجبات الشرعية فقط، وإنما فيما شرع من النوافل والمستحبات والأخلاق التي تكتنف كل ذلك، فالقيم السلوكية والتربوية والروحية هي مكوِّن من مكونات الرؤية الكلية، والحفاظ عليها هو حفاظ على الهوية.

ليست وظيفة الإنسان في الدنيا هي التمكين، أو الاستعلاء بالإيمان، أو غيرها من المبادئ والقيم التي ترسخ لها جماعات العنف والإرهاب، أو غيرها، وهي تتعارض في الحقيقة مع رؤية المسلم لطبيعة وجوده، وحقيقة ما طلبه منه خالقه في هذه الدنيا.

إذن فمن مهام الفتوى أن تراعي النموذج المعرفي، فتعمل على ترسيخه على مستوى العقائد والتكاليف الشرعية والقيم الجمالية، وأن تسعى -بما لها من دور فاعل في تكوين الوعي الجمعي– إلى نشر هذه المعالم الأساسية، وترسيخ المفاهيم العقدية، ومراعاتها في أسس مناهج الإفتاء، خصوصًا ما يمس جوانب الاعتقاد، فالفتوى عامل أساسي في المحافظة على العقيدة، وحماية الفكر العقدي من مخاطر التكفيريين أو الملحدين بما يلقونه من شُبه تزعزع يقين الناس، أو تشيع بينهم الغلو والتكفير بغير وجه حق، والإجابة عن الأسئلة الوجودية والقيمية التي تشغل العقل-وهي من مكونات النموذج المعرفي- جزء من وظيفة الإفتاء، لذلك كان العلماء يوردون في كتب الفتاوى ما يصلهم من سؤالات حول قضايا العقيدة وغيرها من القيم الكبرى في الحياة، ومن أمثلة ذلك ما فعله الإمام ابن الصلاح في فتاواه، حيث عقد قسمًا يشمل مسائل العقائد وأصول الفقه([54])؛ ليمثل هو وغيره نموذجًا يُحتذى لما تقوم به الفتوى من دور في بناء الإنسان، وتكوين عقليته، طبقًا للرؤية الكلية لهذا الكون، الجامعة بين منظور الوحي والوجود.

المبحث الرابع: مكونات العقلية الفقهية

إن من أدوات بناء الوعي في عقل المسلم أن يترسخ في ذهنه وفكره أنه مكلف؛ لأنه إذا كان محصلًا لآلة التمييز وهي العقل، ومتحققًا بعقيدة راسخة أنه المقصود من الخطاب الإلهي المنزل، ومضمون هذا الخطاب إنما يدور حول تمييز الخير من الشر، والحق من الباطل، فهو لا شك مُقِرٌّ بوجوب الامتثال للأوامر والنواهي التي يتلقاها من ذلك الخطاب المحكم، وتلك هي حقيقة التكليف.

وذلك المبدأ هو ما دفع المسلمين إلى بناء عقل فقهي يستطيع استيعاب تلك التكاليف، ويجيب عن تساؤلات كبرى في هذا المضمار، فيتساءل عن الأدلة التي تثبت التكليف، ما هي؟ ومن أين تستمد حجيتها؟ ويتساءل عن بعض العوارض التي ترِدُ على الأدلة، كالقطعية والظنية، والثوابت والمتغيرات.

وينتقل إلى قضية الحكم الذي ينتج عن الدليل، وعن ملابسات الوقائع التي لا تثبت على حالٍ، وإنما يلحقها التغير المستمر طبقًا لعوامل الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، ثم إنه لكي يحقق الغاية من ذلك كله يعود فينظر إلى الشريعة نظرًا كليًّا، من حيث قواعدها ومقاصدها، وهذا لا يمارسه إلا بصير بقواعد النظر وأدوات الاجتهاد، ولما كان ذلك ليس مقدورًا لكل الناس، صارت صناعة الاجتهاد ثم الإفتاء تحتاج إلى تكوينٍ عال، يستوعب تلك التساؤلات بدقة وعمق، ويستحضر الأدوات المنهجية السابقة من مركزية العقل وضرورة التثبت والتوثيق والرؤية الكلية التي انبثقت عنها التكاليف.

وفي هذا المبحث نتوقف عند مبدأ التكليف لنعرف كيف ابتدأ السؤال حول الأوامر والنواهي الشرعية، ثم ننتقل إلى بعض الأسس التي ترسَّخت في العقل الفقهي والإفتائي المعتدل، قبل أن تجره الجماعات المتشددة إلى مفاهيم ضيقة خرجت من رحم التعنت والتشدد والأفق الضيق وعدم الإدراك لحقائق الشرع ومقاصده، تحاول هذه القضايا التي نحن بصددها أن ترسم شيئًا من الطريق المنهجي الذي سلكه الأصولي والفقيه والمفتي في التعامل مع النص الشرعي، والتعاطي مع الواقع، على هدًى وبصيرة ونور، ونتناول ذلك من خلال ما يلي:

أولًا: مبدأ التكليف الشرعي

التكليف لغةً: من الكلف، وهو الولوع بالشيء وشغل بال الإنسان به مع مشقة، والتكليف: أن يؤمر الإنسان بما يشق عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]([55]).

وفي اصطلاح الأصوليين: إلزام ما فيه كلفة؛ فإن التكليف يشعر بتطويق المخاطب الكلفةَ، من غير خيرة من المكلَّف([56])، فيشمل التكليف الأحكام الشرعية التي تتضمن أمرًا أو نهيًا للمكلف.

وتبدأ قضية التكليف مع اعتقاد الإنسان بوحدانية الله جل وعلا وأنه فاعل لما يريد، وأن الكون كله بما فيه مسخر بقدرة الله جل جلاله وأن الحياة في هذه الدنيا لا تستقيم إلا بتحقيق المصالح والمنافع لمن فيها، ولا سبيل لمعرفة ذلك إلا من الحكيم الخبير الذي خلق هذا العالم، وأوجده، ومن هنا كانت أهمية إرسال الرسل؛ ليكونوا أولًا نموذجًا للإنسان المستخلف في الأرض، الذي لا يسعى في الكون إلا بما هو مأمور به، متحملًا للأمانة العظمى التي حمَّلها ربه له، والغاية الأخرى أن يرشدوا الناس ويهدوهم بأمر الله وإرادته إلى تحقيق المراد الإلهي، فيبشروهم وينذروهم، ويحملون إلى الخلق رسالة الله لهم، حتى تستقيم حياتهم بما يحقق سعادتهم في العاجل والآجل، وذلك لا يكون إلا بالوقوف على حكم الله فيما يعرض للإنسان في أفعاله كلها.

ومن ذلك التصور لمبدأ التكليف رأى الأصوليون أنه لا حكم على المكلف قبل ورود الشرع، لا حظرًا ولا إباحةً، يقول الإمام الآمدي رضي الله عنه: «مذهب الأشاعرة وأهل الحق أنه لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود الشرع»([57])، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا﴾ [الإسراء: 15] وأن نفي العذاب يلزم منه نفي الوجوب والحرمة؛ لأنه لا حساب إلا على تكليف شرعي، واحتجوا كذلك بأن مصدر الأحكام في الدنيا إما أن يكون العقل أو الشرع، والعقل غير موجب ولا محرم؛ طبقًا لما يراه أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتريدية من نفي التحسين والتقبيح العقليين، وأما الشرع فلا ورود له قبل وجود الأحكام بالخطاب التكليفي، بمعنى أنه لا شرع قبل ورود الشرع، فثبت أنه لا حكم إلا بموجب الشرع بعد وروده بالخطاب الإلهي الوارد بالتكاليف الشرعية([58]).

بعد إدراك العلماء لقضية التكليف وأهميتها، بدأت رحلة البحث حول منهج الوصول إلى ذلك الحكم الشرعي، وطريق الامتثال للتكليف الإلهي، ومن هنا نشأ البحث عن قضية الدليل، ومنهج الاستدلال، في جملة من الأسئلة التي أجاب عنها علم أصول الفقه، وأسس بها منهجًا للنظر في الحكم الشرعي، كان هو أساس تكوين العقل الفقهي.

ثانيًا: الأدلة ومنهج الاستدلال

إن الأحكام التكليفية التي يلتزم بها الإنسان المتشرع، والمتمثلة في علم الفقه، أو علم الأحكام، لا بد أن تتأسس على أدلة لها من القوة والحجية ما يجعل المكلفين مُسلِّمين بما تثمره تلك الأدلة من أحكام شرعية، فيمتثلون لمقتضيات تلك الأحكام أمرًا ونهيًا، هذا السؤال هو الذي دفع العلماء إلى تأسيس علم أصول الفقه، فهذا العلم كما عرَّفوه هو: أدلة الفقه، وجهات دلالاتها على الأحكام الشرعية، وكيفية حال المستدِلِّ بها من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل([59]).

وقد بحث في علم الأصول عن حقيقة الدليل، ومفهومه، وما يصلح أن يكون دليلًا وما لا يصلح، وتطور ذلك المفهوم ليشمل الأدلة التي يُحتجُّ بها، كان ذلك البحث راسخًا في نفوس المجتهدين قبل الإمام الشافعي رضي الله عنه وفي عصر الإمام كتب أول مصنف في هذا العلم، وهو كتابه الجليل (الرسالة) الذي كتبه جوابًا لمن سأله عن عدة قضايا تخص منهج الاستدلال على الأحكام، وبعض الأدلة التي ثار الخلاف حولها في ذلك الزمان، كخبر الآحاد، والإجماع، وغير ذلك من الأدلة، وما زال العلم يتطور حتى استقرت معالمه، وترسخت قواعده، نظريًّا في المدارس الأصولية المعتبرة، وتطبيقيًّا في المذاهب الفقهية الأربعة التي تلقتها الأمة بالقبول.

حاول العلماء حصر الأدلة التي يمكن الاحتجاج بها، وقسموها إلى متفق عليه، وهي الأدلة الأربعة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وإلى أدلة مختلف فيها، كسد الذرائع، وعمل أهل المدينة، وشرع من قبلنا، والاستحسان، والاستصحاب. وقد جمعها الإمام القرافي فقال: «هي الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، وإجماع أهل المدينة، والقياس، وقول الصحابي، والمصلحة المرسلة، والاستصحاب، والبراءة الأصلية، والعوائد، والاستقراء، وسد الذرائع، والاستدلال، والاستحسان، والأخذ بالأخف، والعصمة، وإجماع أهل الكوفة، وإجماع العترة، وإجماع الخلفاء الأربعة»([60]).

وكون هذه الأدلة حجة سواء على وجه الاتفاق أو الاختلاف، ليس معناه إثبات الحجية لهذه الأدلة في نفسها فقط، وإنما يتسع البحث ليشمل العوارض اللفظية أو المعنوية التي ترد على الأدلة، كالحقيقة، والمجاز، والاشتراك، والترادف، والعموم، والخصوص، والإطلاق، والتقييد، وكون اللفظ مفيدًا بمنطوقه أو بمفهومه، وكونه متواترًا أو آحادًا، ومتى يكون الفعل النبوي حجة على المكلفين؟ ومتى لا يكون كذلك؟ ويبحثون كذلك في باب الأخبار عن الأحوال التي تعرض للرواة، ففي بعضها تكون الرواية حجة، وفي البعض الآخر تسقط حجيتها والاستدلال بها، وفي باب القياس يتطرقون إلى العلل وأوجه ثبوتها، والمسالك التي تجعلها صالحة للجمع بين الأصل المقيس عليه، والفرع المقيس، وغير ذلك من الأحوال التي تعرض للأدلة، فيبحث الأصوليون عن حجية الدليل أصالةً، وعن حجيته في حال تلبسه بشيءٍ من تلك العوارض والأحوال، كل ذلك تحت مسمى الدليل، أو الحجة، التي تثبت الحكم الشرعي.

  • القطعية والظنية وعلاقتها بالأدلة

ومع نضج البحث الأصولي في قضية الأدلة والحجج، ظهرت مسألة متفرعة على ذلك، وهي النظر في قطعية وظنية الدليل، فإنه متى ثبت أن هذا الدليل أو ذاك حجة شرعية، فلا شك في ثبوت الأحكام به عند المُستدِلِّ، ولكن وجه دلالة الدليل قطعًا أو ظنًّا هو إشكال يترتب عليه كثير من القضايا، كقضية المعلوم من الدين بالضرورة، وما يكفر منكره جحودًا، وحين غاب تحرير الأصل الذي بنيت عليه كثير من هذه المسائل، أدى ذلك إلى فوضى في صناعة العقل الفقهي عند كثير من أبناء التيارات المتأسلمة أو العلمانية، ما بين تكفير المسلمين من أجل قضايا مبنية على أدلة ظنية، أو إنكار ما بني على أدلة قطعية لا سبيل إلى مخالفتها، وإلا انحلت عرى الأحكام الشرعية، ومن هنا ظهرت الحاجة إلى تحرير هذا المعنى في الأدلة، حتى يستطيع الفقيه أن يبني على ذلك حكمًا شرعيًّا صحيحًا، لا يحيد فيه عن مسلك الشرع إفراطًا أو تفريطًا.

وقد فرق كثير من الأصوليين بين الدليل القطعي والظني تفرقةً اصطلاحيًّةً، فجعل مصطلح الدليل لما هو قطعي، ومصطلح الأمارة لما هو ظني، يقول الإمام السمعاني في تقسيم الأدلة: «وهي تنقسم إلى قسمين: إلى دلالة، وأمارة، فالدلالة: ما أدى النظر الصحيح فيه إلى العلم، والأمارة: ما أدى النظر الصحيح فيه إلى غالب الظن»([61])، ومن عظيم الأثر المترتب على تلك المسألة، تكلم الإمام الجويني عن الأدلة القطعية، وأنها مضبوطة محصورة، فقال رضي الله عنه: “وموارد الشرع التي تلتمس منها دلالات القطع مضبوطة؛ منها: نصوص الكتاب، والسنة المستفيضة، وإجماع الأمة» إلى أن قال: «فهذه مصادر الأدلة الشرعية القطعية»([62])، ويقول في موضع آخر: «والقواطع الشرعية ثلاثة: نص من كتاب الله لا يتطرق إليه التأويل، وخبر متواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعارض إمكان الزلل روايته ونقله، ولا تقابل الاحتمالات متنه وأصله، وإجماع منعقد»([63])، فهذا تصريح بأن أدلة الفقه القاطعة هي هذه الثلاثة، والمقصود بالقطع هنا ما يشمل الثبوت والدلالة معًا([64]).

وهذا التفريق بين القطعي والظني ليس مثمرًا في ضبط ما يترتب عليه من الفروع فقط، وإنما هو تظهر ثمرته أيضًا في قضية إفادة الظن للحكم الشرعي، ووجوب العمل بما أفاد الظن، وليس بالقطعيات فقط، قال الزركشي: «مسألة: الظن طريق الحكم، وهو طريق للحكم إذا كان عن أمارة، ولهذا وجب العمل بخبر الواحد، وبشهادة الشاهدين، وخبر المقومين، والقياس، وإن كانت علة الأصل مظنونة. وشرط ابن الصباغ في العدة للعمل بالظن وجود أمارة صحيحة، وعدم القدرة على العلم، كما يعمل بخبر الواحد، والقياس، مع عدم النص»([65])، وعلى هذا تترتب حجية أحكام الفقه عمومًا؛ إذ هو في غالبه من باب الظنون، ومع ذلك يجب العمل بالظن وجوبًا، وإن كان في مرتبة دون القطع، يقول الفخر الرازي رضي الله عنه: «فإن قلت: الفقه من باب الظنون، فكيف جعلته علما. قلتُ: المجتهد إذا غلب على ظنه مشاركة صورة لصورة في مناط الحكم قطع بوجوب العمل بما أدى إليه ظنه، فالحكم معلوم قطعًا، والظن واقعٌ في طريقه»([66]).

  • مراتب الأدلة والترجيح بينها

يبدأ النظر في وجوه الاستدلال عقب ترسيخ تلك المفاهيم المتعلقة بالأدلة القطعية والظنية، ليدخل المجتهد مرحلة أخرى من النظر، تتعلق بقضايا الاستدلال، وتعارض الأدلة، وترجيح بعضها على بعض؛ لأن دائرة الدليل لما اتسعت عند المجتهد بما سبق بيانه، ولم تنحصر في ظواهر الكتاب والسنة فقط، كما يصور أدعياء الاجتهاد من الجماعات المتطرفة، ودارت بين القطعية والظنية كما تبين –كان من واجب صناعة العقل الفقهي النظر في أوجه ترتيب تلك الأدلة، تقديمًا وتأخيرًا، حسب مراتبها، وفك التعارض الظاهري الذي قد ينشأ بين الأدلة فيفضي إلى تناقض الأحكام وتنافرها، وهذا التعارض هو ما تقتضيه ظنية الأدلة؛ لأن الظن مؤدٍّ إلى التفاوت، ولا يقع ذلك بين القطعيات، يقول الإمام الغزالي رضي الله عنه: «اعلم أن الترجيح إنما يجري بين ظنين؛ لأن الظنون تتفاوت في القوة، ولا يتصور ذلك في معلومين؛ إذ ليس بعض العلوم أقوى وأغلب من بعض، وإن كان بعضها أجلى وأقرب حصولًا وأشد استغناء عن التأمل، بل بعضها يستغني عن أصل التأمل وهو البديهي، وبعضها غير بديهي يحتاج إلى تأمل، لكنه بعد الحصول محقق يقيني، لا يتفاوت في كونه محققا، فلا ترجيح لعلم على علم؛ ولذلك قلنا: إذا تعارض نصان قاطعان فلا سبيل إلى الترجيح، بل إن كانا متواترين حكم بأن المتأخر ناسخ، ولا بد أن يكون أحدهما ناسخًا، وإن كانا من أخبار الآحاد وعرفنا التاريخ أيضا حكمنا بالمتأخر، وإن لم نعرف فصدق الراوي مظنون فنقدم الأقوى في نفوسنا»([67]).

إن ذلك التفاوت الذي يحصل بين الأدلة عامَّةً يؤدي إلى أن يكون ترتيب الأدلة في نظر المجتهد على حسب قوتها، وعدم وجود ما يعارضها، ويراعي أولوية القطعي على الظني، قال صاحب الروضة في بيان قاعدة الترتيب بين الأدلة: «ويجب على المجتهد في كل مسألة أن ينظر أول شيء إلى الإجماع، فإن وجده لم يحتج إلى النظر في سواه، ولو خالفه كتاب أو سنة علم أن ذلك منسوخ أو متأول؛ لكون الإجماع دليلًا قاطعًا لا يقبل نسخًا ولا تأويلًا، ثم ينظر في الكتاب والسنة المتواترة، وهما على رتبة واحدة؛ لأن كل واحد منهما دليل قاطع، ولا يتصور التعارض في القواطع، إلا أن يكون أحدهما منسوخًا، ولا يتصور أن يتعارض علم وظن؛ لأن ما علم كيف يظن خلافه، وظن خلافه شك، فكيف يشك فيما يعلم، ثم ينظر في أخبار الآحاد فإن عارض خبر خاص عموم كتاب أو سنة متواترة فقد ذكرنا ما يجب تقديمه منها، ثم ينظر بعد ذلك في قياس النصوص، فإن تعارض قياسان أو خبران أو عمومان طلب الترجيح، واعلم أن التعارض هو التناقض، ولا يجوز ذلك في خبرين؛ لأن خبر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا يكون كذبًا، فإن وجد ذلك في حكمين فإما أن يكون أحدهما كذبًا من الراوي، أو يمكن الجمع بينهما بالتنزيل على حالين أو في زمانين، أو يكون أحدهما منسوخًا، فإن لم يمكن الجمع ولا معرفة النسخ رجَّحنا، فأخذنا الأقوى في أنفسنا»([68]).

– أدوات الاستدلال ومبادئه

إن صناعة الاستدلال والاستنباط هي صناعة تتسم بالعمق، والدقة، ولم يكن مفهوم الدليل عند الأصوليين أو الفقهاء قاصرًا على ظواهر النصوص الشرعية، وإنما كان مفهومًا متسعًا يشمل ما سبق ذكره من الحجج الشرعية، ويكتنف ذلك كله إعمال آلة العقل، وأدوات اللغة في الاستنباط، ولذلك أدخل علماء الأصول مباحث اللغة والمعقولات في هذا العلم؛ لأنهما أداتان لا يتأتى الاستنباط بدونهما، حيث إن النص الشرعي هو تركيب لغوي، لا يمكن أن يفهم بمعزل عن قواعد اللغة وأصولها، وهو كذلك نص إلهي مرتبط بالعقيدة وأصول الدين، فتعلقه بالأصول المعرفية والعقدية تعلق وثيق، ومن هنا تنبه العلماء لما يسمى بعلوم الاستمداد، وهي العلوم التي ترتبط بالعلم، بحيث لا يمكن الغوص في مباحثه إلا من خلالها، يقول الإمام الآمدي: «وأما ما منه استمداده، فعلم الكلام، والعربية، والأحكام الشرعية؛ أما علم الكلام فلتوقف العلم بكون أدلة الأحكام مفيدة لها شرعًا على معرفة الله تعالى وصفاته، وصدق رسوله فيما جاء به، وغير ذلك مما لا يعرف في غير علم الكلام. وأما علم العربية، فلتوقف معرفة دلالات الأدلة اللفظية من الكتاب، والسنة، وأقوال أهل الحل والعقد من الأمة على معرفة موضوعاتها لغة، من جهة: الحقيقة، والمجاز، والعموم، والخصوص، والإطلاق، والتقييد، والحذف، والإضمار، والمنطوق، والمفهوم، والاقتضاء، والإشارة، والتنبيه، والإيماء، وغيره مما لا يعرف في غير علم العربية. وأما الأحكام الشرعية، فمن جهة أن الناظر في هذا العلم إنما ينظر في أدلة الأحكام الشرعية، فلا بد أن يكون عالما بحقائق الأحكام؛ ليتصور القصد إلى إثباتها ونفيها، وأن يتمكن بذلك من إيضاح المسائل بضرب الأمثلة وكثرة الشواهد، ويتأهل بالبحث فيها للنظر والاستدلال» ثم يفرع على ذلك أن مبادئ النظر في أصول الاستنباط هي جزء من هذه العلوم أيضًا، فيقول: “وأما مبادئه، فاعلم أن مبادئ كل علم هي التصورات والتصديقات المسلمة في ذلك العلم، وهي غير مبرهنة فيه؛ لتوقف مسائل ذلك العلم عليها، وسواء كانت مسلمة في نفسها كمبادئ العلم الأعلى، أو غير مسلمة في نفسها، بل مقبولة على سبيل المصادرة أو الوضع، على أن تبرهن في علم أعلى من ذلك العلم، وما هذه المبادئ في علم الأصول؟ فنقول: قد عرف أن استمداد علم أصول الفقه إنما هو من: الكلام والعربية والأحكام الشرعية، فمبادئه غير خارجة عن هذه الأقسام الثلاثة»([69]).

من البديهي أن يكون القائم بتلك الصناعة على الوجه الذي ذكر ممتلكًا لأدوات النظر فيها، ومؤهلًا للوقوف على حقائقها، لذلك كان الركن الثالث لعلم أصول الفقه بعد الأدلة ومناهج الاستدلال هو قضية المجتهد وشروطه، وهو ما سيأتي الحديث عنه في قضية الاجتهاد والتقليد، وعلاقة ذلك بالمذاهب الفقهية المعتبرة.

ثالثًا: الاجتهاد والمذهبية الفقهية

إن الغرض الأساسي من ذلك النمط الدقيق من النظر الأصولي للنصوص الشرعية، هو خدمة مبدأ التكليف الذي سبق الحديث عنه، والوصول إلى الحكم الشرعي، وذلك من خلال المجتهد الذي يستدعي كل تلك الأصول المنهجية ليستنبط منها حكمًا شرعيًّا، ويبذل في سبيل ذلك غاية طاقته وجهده.

والاجتهاد في اللغة: وهو بذل الوسع واستفراغه في تحصيل أمر من الأمور، وبلوغ الغاية فيه([70]).

وفي اصطلاح الأصوليين: استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه([71]).

وبناءً على ذلك نستطيع أن نصف المجتهد بأنه من تحققت فيه الصفة، وحاز الشروط التي تؤهله للوقوف على مراد الشارع من المكلف، سواء كانت تلك الشروط متعلقة بالمعارف السابقة على الاستنباط، أو بأدواته ومناهجه، وقد توسعوا في ذكر العلوم التي ينبغي أن يحيط بها المجتهد أصولًا وفروعًا، وقد أجمل الإمام الغزالي صفات المجتهد بقوله: «أن يكون محيطًا بمدارك الشرع، متمكنًا من استثارة الظن بالنظر فيها، وتقديم ما يجب تقديمه، وتأخير ما يجب تأخيره»([72]).

هذه الصفات والشروط لا تتوفر قطعًا لكل المكلفين؛ لما يلزم عنها من تحصيل آلات العلم وأدواته، وليس ذلك ميسورًا لكل أحد، فانقسم الناس بين مجتهد ومقلد، وليس ذلك بدعة حدثت في الدين، وإنما كان ذلك مقتضى الحال منذ عهد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم الذين اشتهر جماعة منهم بالتفقه، والعلم بالأحكام، وكذلك فيمن بعدهم، حتى ظهر من المجتهدين في القرون الأولى أئمة المذاهب الأربعة المتبوعة، ولم يخل الزمان في عصرهم من مجتهد سواهم، وإنما كانت المدن والأمصار زاخرة بالمجتهدين، وأهل النظر، وبدأت تتكون مدارس علمية عريقة ما بين أهل الحديث، وأهل الرأي، يمارس كل منهم صناعة الاجتهاد، مع التمكن من أدوات الاستنباط، لكن تميزت مدارس الأئمة الأربعة بأن قيض الله لهم من يحمل عنهم علومهم، ومناهجهم، ويحفظ فروعهم التي قاموا فيها بواجب الاجتهاد، ويعمل على استخلاص القواعد المنهجية من تلك الفروع، ويحفظ لنا طرق تصرفهم في النوازل، بل شمل الأمر تصرفات الفتوى والقضاء، لتتكون مدارس معتبرة لها قواعدها وأصولها، وازدهرت تلك المذاهب أصولًا وفروعًا، وفي ذلك الوقت كان الإمام الشافعي رضي الله عنه وهو أحد هؤلاء الجهابذة الأربعة يدون أصول النظر والاستنباط في كتابه الرسالة، ويفتح بابًا لعلماء المذاهب يلفت به أنظارهم إلى أن يصرفوا عنايتهم للمشاركة في تصنيف أصول الاستنباط التي فرَّع عليها الأئمة فروعهم الفقهية ونوازلهم الإفتائية.

كانت المذاهب الفقهية الأربعة المتمثلة في فقه الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهم جميعًا هي خلاصة ما انتهت إليه مدارس فقهاء الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وانحصرت فيهم مسالك النظر الفقهي، مع عدم انقطاع الاجتهاد؛ لأن دائرة النظر في الأصول محصورة، تسعى إلى ضبط الأدلة والحجج، وطرق الاستدلال بها، ومسالك الوقوف على علل الأحكام، لكن دائرة الفروع الفقهية لا منتهى لها، بل هي متجددة بتجدد الزمان والمكان والأحوال، فلا يسع المجتهدين بعد وضع أصول الأحكام أن يحصروا الاجتهاد في عدد من الفروع، وإنما غاية ما يرمون إليه أن يحصروا الأبواب التي تندرج تحتها القضايا الفقهية، ويدونوا الفروع التي سبق فيها الاجتهاد؛ للوقوف على مدارك المجتهدين في تلك الأحكام، وطريقة تصرفهم في النصوص جمعًا واستدلالًا وترتيبًا للأدلة، وذلك مع بقاء الاجتهاد تحت سقف الأصول التي تبناها أئمة المذاهب، مع زيادة التحرير والتدقيق، وتخليص الأصول من الفروع، وضبط القواعد، ومعرفة الأشباه والنظائر، ولم يكن ذلك أمرًا يسيرًا، وإنما كان عمل جماعة من أكابر العلماء على مدى القرون، لتستمر تلك المذاهب بفاعليتها الفقهية تأصيلًا وتطبيقًا، تلاحق ما يجري في الواقع من نوازل وقضايا مستجدة، وهو ما جعل المجتهدين من علماء المذاهب أهلًا لمتابعة الناس لهم في الفقه والفتوى، بل وفي القضاء في كثير من الأحوال، وأصبحت مذاهب الفقه الأربعة مرجعية للمقلدين، ممن لا يملك أدوات الاجتهاد والاستنباط.

كانت مرجعية المجتهدين لغيرهم ضرورة شرعية؛ وإلا انقطع التكليف إذا وجب على كل الناس التوقف لتحصيل الاجتهاد، وليس ذلك من التقليد المذموم في شيء، فالتقليد المذموم إنما يكون اتباعًا بلا حجة ولا دليل، أما استفتاء العلماء، وجعلهم مرجعية وحجة بين الإنسان وربه، فهو اتباع بدليل شرعي، وهو الإجماع على جواز استفتاء العامي للعالم، واتباع قوله الذي يظن كونه حكم الله في حق المكلف، وإلا تعطلت مصالح العباد إذا انصرف كلٌّ منهم إلى الاجتهاد، يقول الإمام الغزالي رضي الله عنه: “الإجماع منعقد على أن العامي مكلف بالأحكام، وتكليفه طلب رتبة الاجتهاد محال؛ لأنه يؤدي إلى أن ينقطع الحرث والنسل وتتعطل الحرف والصنائع ويؤدي إلى خراب الدنيا لو اشتغل الناس بجملتهم بطلب العلم، وذلك يرد العلماء إلى طلب المعايش ويؤدي إلى اندراس العلم بل إلى إهلاك العلماء وخراب العالم، وإذا استحال هذا لم يبق إلا سؤال العلماء. فإن قيل: فقد أبطلتم التقليد وهذا عين التقليد. قلنا: التقليد قبول قول بلا حجة، وهؤلاء وجب عليهم ما أفتى به المفتي بدليل الإجماع، كما وجب على الحاكم قبول الشهود ووجب علينا قبول خبر الواحد؛ وذلك عند ظن الصدق، والظن معلوم، ووجوب الحكم عند الظن معلوم بدليل سمعي قاطع، فهذا الحكم قاطع»([73])، وعلى هذا سار العلماء على مدى قرون، يلتزمون اتباع مذاهب المجتهدين لمن لم تكمل آلته، ولم يبلغ درجة المجتهدين، قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: «(و) الأصح (أنه يلزم المقلد) عاميا كان أو غيره (التزام مذهب معين) من مذاهب المجتهدين»([74]).

هذه بعض الأصول والقواعد الأساسية التي ساهمت في بناء العقل الفقهي منذ نزول الوحي، وامتد ذلك في الأمة يتوارثه جهابذة الفقهاء والمجتهدين وأعلامهم، وولَّدوا فقهًا لا ينضب معينه، متجدد بتجدد الوقائع والأحوال، لكن إلى جانب تلك الأسس كانت هناك بعض القواعد الأخرى التي ضمنت استمرار الصناعة الفقهية والإفتائية، فهناك مستويات أخرى من الفهم، تزيد على القدرة على إدراك الحكم الشرعي من النص، نذكر منها ما يلي:

رابعًا: القواعد الفقهية

لما تكاثرت الفروع الفقهية المستنبطة داخل المذاهب الفقهية المعتبرة، حاول الفقهاء جمع ما تفرق منها تحت كليات تجعل المعاني الفقهية الجامعة واضحة في ذهن الفقيه والمفتي، وكذلك التفريق بين معنيين يتوهم أن لهما اشتراكًا في مفهوم جامع، وهما في الحقيقة مفترقان، ومن هنا ظهرت الحاجة إلى وضع علم القواعد والفروق الفقهية، أو ما يطلق عليه أحيانًا الأشباه والنظائر الفقهية، ليبرز للفقيه معلم آخر من معالم النظر الفقهي، لا يستطيع الإحاطة بفروع الفقه إلا إن ملك القدرة على التصرف بتلك القواعد، وأدرك فرقها وجمعها، إدراكًا يجعل الفقه منه على طرف الثُّمام.

والقاعدة في اللغة: هي أساس البيت وأساطين البناء التي يقوم عليها([75]).

واصطلاحًا: هي قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها([76]).

أما في اصطلاح الفقهاء فهي: الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة يفهم أحكامها منها([77]).

فهي قوانين كلية تضم فروعًا وجزئيات متناثرة، لتوسيع مدارك فهم الأحكام الشرعية، وكأن تلك المعاني التي تجمع بين الفروع مقصودة في حد ذاتها للشارع، حتى قيل في بعض القواعد: إن الفقه ينبني عليها، وذلك كالقواعد الخمس المشهورة، قال ابن السبكي: «قال القاضي الحسين: مبنى الفقه على أن اليقين لا يرفع بالشك، والضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، والعادة محكمة، وقيل: والأمور بمقاصدها»([78]).

وهذه الطريقة في التفقه لم تكن بدَعًا، وإنما كانت وراثة لطريقة الصحابة في الفقه، يقول الإمام السيوطي عن أساس معرفة نظائر الفقه وأشباهه: «وقد وجدت لذلك أصلا من كلام عمر بن الخطاب» ثم ساق سنده إليه، إلى أن قال: «كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، لا يمنعك قضاء قضيته، راجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، أن تراجع الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك، مما لم يبلغك في الكتاب والسنة، اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عندك، فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق، فيما ترى… هذه قطعة من كتابه، وهي صريحة في الأمر بتتبع النظائر وحفظها، ليقاس عليها ما ليس بمنقول. وفي قوله: فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق. إشارة إلى أن من النظائر ما يخالف نظائره في الحكم لمدرك خاص به، وهو الفن المسمى بالفروق، الذي يذكر فيه الفرق بين النظائر المتحدة تصويرًا ومعنى، المختلفة حكمًا وعلةً»([79]).

وما زال علماء المذاهب يسلكون ذلك الطريق القويم، ويجمعون القواعد والفروق، ويصنفون فيها؛ وذلك لما وجدوه من أن مقصود الفقه لا يحصل بدونها، وقد جعل القرافي رحمه الله الغاية من الفقه تحصل بأمرين، أولهما: علم أصول الفقه، والثاني: علم القواعد الذي قال فيه: «والقسم الثاني قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه، وإن اتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال فبقي تفصيله لم يتحصل، وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف، فيها تنافس العلماء وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجذع وحاز قصب السبق من فيها برع، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية، تناقضت عليه الفروع واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العمر ولم تقض نفسه من طلب مناها، ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات؛ لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب، وأجاب الشاسع البعيد وتقارب وحصل طلبته في أقرب الأزمان، وانشرح صدره لما أشرق فيه من البيان، فبين المقامين شأو بعيد، وبين المنزلتين تفاوت شديد»([80]).

خامسًا: مقاصد الشريعة

بنيت الشريعة كلها على جلب المنافع، ودفع المضار، ولمصلحة العباد وسعادتهم الدنيوية والأخروية، وذلك المقصد العام حاضر في كل التكاليف الشرعية، ودلت عليه النصوص جملة وتفصيلًا، كما قرره الإمام الشاطبي في كتابه (الموافقات)([81]).

ومع استقراء الفقهاء لذلك المعنى في فروع الشريعة كلها، تكونت لديهم قناعة بامتزاج المقاصد الشرعية بالمسائل الفقهية امتزاج الروح بالجسد، وأن صناعة الفقيه لا تكتمل إلا بمعرفته بعلل الشريعة وأسرارها وحِكَمِها، فاستحضار الفقيه للمقاصد الشرعية التي ثبتت بالطرق والمسالك المعتبرة التي فصلها علماء الأصول، يعينه في وضع القواعد التي يستند إليها في معرفة الأحكام، وأن يتعرف على كليات الشريعة التي تجعله يفهم النص الشرعي الجزئي في إطار المعاني الشرعية الكلية، فلا يخرج بأحكام تكِرُّ على المقاصد الشرعية بالبطلان، كما يفعل ذلك بعض أدعياء الفقه، ممن يقرؤون الشريعة قراءة جزئية سطحية، قد تؤدي إلى نفرة الناس عن الدين جملةً وتفصيلًا.

إن مصالح العباد في دينهم ودنياهم أمر لا يدركه المكلف إلا بالشرع، ومن هنا كان البحث عن مقاصد الشرع غايةً عظمى، وأمرًا ضروريًّا، من أجل استقامة أحوال الخلق في هذه الدنيا، يقول الإمام العز بن عبد السلام: «والشريعة كلها مصالح، إما تدرأ مفاسد، أو تجلب مصالح، فإذا سمعت الله يقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فتأمَّل وصيَّتَه بعد ندائه، فلا تجد إلا خيرًا يحثُّك عليه، أو شرًّا يزجرك عنه، أو جمعًا بين الحثِّ والزَّجر، وقد أبان في كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسد؛ حثًّا على اجتناب المفاسد، وما في بعض الأحكام من المصالح؛ حثًّا على إتيان المصالح»([82])، فالمقاصد الكبرى للشريعة هي مقاصد مراعاة في كل الملل، وعند كل العقلاء، كما قال الإمام الشاطبي: «اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وعلمها عند الأمة كالضروري، ولم يثبت لنا ذلك بدليل معين، ولا شهد لنا أصل معين يمتاز برجوعها إليه، بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد»([83]).

فالمحافظة على تلك المقاصد الخمسة وغيرها من المقاصد الجزئية عامل ضروري من عوامل البناء الفقهي والإفتائي؛ ليكون الفقه أحد مرتكزات بناء العقل المسلم عمومًا، من خلال رعايته لتلك المقاصد، ومحافظته على ضروريات الدين.

سادسًا: إدراك الواقع

إن كل القواعد والأسس التي تبني عقل الفقيه، ابتداءً من النظر في النص، واستنباط الحكم، حتى تنزيله على وقائع الناس، لا تكفي في استمرار فاعلية الفقه في حياة الأفراد والمجتمعات إلا إن كان إدراك الواقع بعوالمه المختلفة والمتغيرة جزءًا لا يتجزأ من الإجراءات العملية التي يتبعها الفقيه أو المفتي أثناء تنزيله للحكم الشرعي على أحوال الناس، فالفقيه الذي يتعامل مع الحكم المستنبط من النص بجمود وتحجر، لا يمكن أن تكون مشاركته الفقهية عاملًا من عوامل بقاء الفقه الإسلامي متجددًا ومتفاعلًا مع حركة التطور التي تلحق المجتمعات والدول، بل والحضارات الكبرى، فتتغير الأعراف، وتتبدل العادات، كما يقول الإمام القرافي في هذا الأصل المهم: «فهذه قاعدة لا بد من ملاحظتها، وبالإحاطة بها يظهر لك غلط كثير من الفقهاء المفتين، فإنهم يُجرون المسطورات في كتب أئمتهم على أهل الأمصار في سائر الأعصار، وذلك خلاف الإجماع، وهم عصاة آثمون عند الله تعالى، غير معذورين بالجهل؛ لدخولهم في الفتوى وليسوا أهلا لها، ولا عالمين بمدارك الفتاوى وشروطها واختلاف أحوالها»([84]) ويقول أيضًا: «فمهما تجدد في العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمُد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأجره عليه، وأفته به، دون عرف بلدك، والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين»([85]).

والحق أن إدراك الواقع أنه ركن من أركان الحكم الشرعي، وإن لم يعبر عنه العلماء تصريحًا بهذه العبارة، فإنهم حين يعرفون الحكم بأنه: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين([86])، فإنهم يشيرون ضمنًا إلى ضرورة تصور أفعال المكلفين التي سيتعلق بها الخطاب الشرعي، وليس ذلك التصور سوى إدراك الواقع الذي نقصده، يقول ابن القيم رحمه الله: «ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم، أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات، حتى يحيط به علمًا. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه، أو على لسان قوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر؛ فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا؛ فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله»([87]).

بهذا التصور الدقيق للحكم الشرعي نستطيع أن نقول إنه لا حقيقة واقعية للفقه والإفتاء بمجرد معرفة الأحكام وطرق استنباطها، وإنما معرفة وقائع الخلق، وثقافاتهم، وأعرافهم، ودراسة ذلك دراسة واعية على مستوى الأفراد والمجتمعات والحضارات، جزء لا يتجزأ من المكون المعرفي الضروري للفقيه، حتى يستطيع أن يساير النظم التي يحيا الناس بها في دنياهم، ولا يمارس عزلة تجعل الفقه تاريخًا، أو تجعله عائقًا من عوائق التقدم، بل من عوائق البقاء في بعض الأحوال؛ لأن الفقيه إذا ضيق على الناس عيشهم بسبب عدم إدراكه للواقع، صار الفقه بالنسبة لهم حجر عثرة في طريق العمران والتنمية، وذلك يؤدي إلى ابتعاد الناس عن المرجعية الدينية في حياتهم، إن لم يجدوا منها فهمًا وإدراكًا واسعًا لمجالات الحياة المختلفة.

ونبهت دور الإفتاء على ضرورة النظر إلى الواقع وعوالمه، فالأعراف متغيرة، وتتغير بإزائها الأحكام الشرعية بحسب تغير الواقع الذي تعالجه، وبدون ذلك يقع المفتي في أخطاء فادحة، وهو أن يقوم الشخص بالانطلاق إلى قراءة الأحكام من الكتب، ثم المسارعة إلى إيقاعها على الواقع، دون تدقيق في المحل الذي يتنزل عليه الحكم الشرعي، وهو غافل عن هذه العملية الدقيقة من تحري مطابقة المسألة للواقع، أو مقدار التغير الذي طرأ على واقع الناس مما يقتضي التحري في الحكم الذي يشمل الواقع.

وحذرت أن يغفل الإنسان عن تلك الضوابط في عبادته لله تعالى، فيتولد عنده الاضطراب ويعيش في عزلة عن واقعه، ويفهم الدين بشكل مغاير لما نزل عليه، فلا يحقق غاياته، ولا يؤدي مقاصده، ويساوي بين الحكم الشرعي العام والفتوى الخاصة التي تناسب حالات وملابسات معينة، فلا يتذوق محاسن الشرع ولا يرى جمال معالجته لأمر الأمة.

سابعًا: آداب الفقه والفتوى

لم تكن صناعة الفقه والفتوى مبنية على مجرد القواعد والضوابط فقط، وإنما كانت محمية بأسوار من الآداب الحاكمة لها، والتي تمنع غير المتحقق بها من التغول على تلك الصناعة الجليلة، حتى ألف العلماء رضي الله عنهم في أدب الفقه والفتيا كتبًا كثيرة مختصة بتلك الآداب، وبعضها منثور في تضاعيف كتب الفقه والقواعد، وغيرها من كتب العلم الشريف، نذكر بعضها فيما يلي.

من أهم تلك القواعد الأدبية وأجلها صيانة العالم نفسه عن التصدر بغير وجه حق لذلك العمل العلمي الرصين، ففيما أورده الخطيب البغدادي في ذلك أنه قال: «حدثنا أبو حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدوي إملاءً، نا أبو أحمد الحسين بن علي التميمي، قال: سمعت محمد بن إسحاق الثقفي يقول: سمعت الحسن بن عبد العزيز الجروي يقول: نا عبد الله بن يوسف التنيسي، عن خلف بن عمر، صديق كان لمالك، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني، هل يراني موضعا لذلك؟ سألت ربيعة، وسألت يحيى بن سعيد، فأمراني بذلك، فقلت له: يا أبا عبد الله لو نهوك، قال: كنت أنتهي، لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه»([88]).

هذه القاعدة التي وضعها الإمام مالك والتي تشهد بها نصوص الشرع، هي أساس متين يحمي بيضة هذا الدين من المتسورين على حرم العلم الشريف، فهي توجب على المفتي والفقيه أن يكون على قدر الأمانة، فلا يتصدر في الكلام في الدين بغير علمٍ، أو تأهُّلٍ، أو حيازة الشهادة المعتبرة من علماء زمانه، وتوجب على المستفتي كذلك تحرِّي من يستفتيه، أو يسأله، فليس كل من صدَّرَ نفسَه مستحقًّا لأن يعتمد على فتواه، بل الاحتياط في مثل واجب شرعًا وعقلًا.

ومن الآداب ما يسمى بفقه النفس، وهو عمق الفهم ودقته، بحيث تصير له ملكة فقهية، وإحاطة بأصول الشريعة وقواعدها، ومقاصدها، يقول الإمام ولي الدين العراقي في فقه النفس: «أن يكون الفقه له سجية، والمراد به: أن يكون له قوة الفهم على التصرف، قاله الأستاذ أبو إسحاق، قال: ومن كان موصوفًا بالبلادة والعجز عن التصرف، فليس من أهل الاجتهاد. وعن الغزالي أنه قال: إذا لم يتكلم الفقيه في مسألة لم يسمعها ككلامه في مسألة سمعها فليس بفقيه»([89]).

وقال الإمام ابن الصلاح في أدب المفتي: « أما شروطه وصفاته: أن يكون مكلفًا، مسلمًا، ثقةً، مأمونًا، متنزهًا من أسباب الفسق، ومسقطات المروءة؛ لأن من لم يكن كذلك فقوله غير صالح للاعتماد، وإن كان من أهل الاجتهاد، ويكون فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط، مستيقظًا»([90]).

كذلك من الآداب المراعاةِ في المفتي الشفقةُ على خلق الله ورحمتهم، وعدم التشديد عليهم، كما نقل عن سفيان الثوري رضي الله عنه أنه قال: «إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد»([91])، وقال القرافي: «ويقدم في الفتوى من هو أنقل للأحكام، وأشفق على الأمة، وأحرصهم على إرشادها لحدود الشريعة»([92])، ومقتضى تلك الشفقة تحري الفتاوى، وعدم التسرع بتضييق ما وسعه الشرع على الناس، أو فتح باب يفضي إلى فتنة أو مخالفة وشذوذ عن جماهير الأئمة المعتبرين، فلا بد للمفتي من الاطلاع على ما سبقه به غيره، وأن تعدد الأقوال وكثرتها باب رحمة يدفعه إلى التأني، وحسن اختيار ما يفتي به من الأقوال، يقول ابن القيم رحمه الله: «وقال سحنون بن سعيد: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه» ثم يعقب على ذلك بقوله: «قلت: الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم ومن غزارته وسعته، فإذا قل علمه أفتى عن كل ما يُسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه، ولهذا كان ابن عباس من أوسع الصحابة فتيا، وقد تقدم أن فتاواه جمعت في عشرين سفرًا، وكان سعيد بن المسيب أيضا واسع الفتيا»([93]).

هذه الصفات التي هي جزء من مكونات العقل الفقهي لا بد أن يقارنها صفات نفسية، يستكمل بها الفقيه والمفتي فضائله التي تعينه على ممارسة تلك الصناعة، فالعلماء لم يكونوا يتوقفون في رؤيتهم للتأهل عند حد استكمال المنهج العلمي، بل المكونات النفسية التي تعد من الآداب كما يسمونها هي جزء من التأهيل العلمي عمومًا، والفقهي خصوصًا؛ لأن المفتي والفقيه لكي يكون فاعلًا في مجتمعه من خلال علمه، لا بد أن يتحلى بتلك الصفات أولًا، وأن يسعى إلى نشرها في المجتمع ثانيًا، كما سيأتي ذلك في القيم السلوكية والتربوية، بل والإنسانية، التي تساهم الفتوى في بنائها مجتمعيًّا، فمن هنا اشترط العلماء في الفقيه والمفتي، والعالم عمومًا، أن يكون على قدر من الحلم والثبات، والسكينة، والصبر على المشاقِّ، حتى يكون إمام هدًى، لا داعيَ ضلالٍ وإضلالٍ([94])، يسعى بعلمه إلى الصلاح، وينأى بنفسه وعلمه عن مواطن الإفساد والتضليل، فتكتمل فيه آلة العلم، ويتحقق بموازين الهدى والرشاد، حتى يقوم بحق الله أولًا فيما أقامه فيه، وبحق العلم الذي هو أمانة، لا تفيض أنواره على صاحبه إلا بمنهج علمي منضبط، وسلوك أخلاقي وحضاري راقٍ.

المبحث الخامس: ترسيخ القيم التربوية من خلال الفتوى

لا يقتصر دور الفتوى على تعزيز البناء العلمي المنهجي، وإنما تقوم كذلك بدور أساسي في البناء المجتمعي، من خلال ترسيخ العديد من القيم الدينية والأخلاقية والحضارية؛ لتشكل عاملًا مهمًّا من عوامل البناء على مستوى الأفراد والمجتمعات، فالبناء الحضاري لأي أمة إنما يقوم على التوعية، وربط السلوك بالقيم التي تمثل هوية الأمة ومبادئها السامية، والأمة الإسلامية قامت حضارتها على أساس ديني وقيمي وأخلاقي ووجداني، ويظهر دور الفتوى في اشتباكها مع وقائع الفعل الإنساني بكل أشكاله؛ فهي قرينة الصناعة الفقهية المعنية بأفعال المكلفين، وتوجيه تلك الأفعال والقيام بمهمة الإرشاد إلى حكم الله فيها لا بد أن يصحبه ترسيخ للمعاني الأخلاقية وتقويم للسلوك، وهذا من الأصول التي تقوم عليها الفتوى التي تتسم بالاعتدال والمنهجية العلمية، ومن هنا كان العلماء تأتيهم المسائل المتعلقة بتلك القضايا السلوكية، ويوردونها في كتب الفتاوى، تأسيسًا لذلك الدور المهم الذي هو جزء لا يتجزأ من صناعة الفتوى.

وتشتد الحاجة إلى ترسيخ هذا النوع من التقويم التربوي والسلوكي مع وجود العديد من الأفكار المنحرفة التي تناهض هذه القيم، سواء من المتشددين الذين يسعون إلى حصر الدين في عدد من الأوامر والنواهي المتعلقة بالمظاهر، الخالية عن المحافظة على جوهر باطن الإنسان، أو ممن يقول بنسبية الأخلاق، ويسعى إلى نزع القيم من الفكر المجتمعي، فتنشأ أجيال مستقطبة من فريقين من المنحرفين الزائغين عن هدي الشريعة، فيتعين القيام بواجب الحفاظ على هذه الأجيال من براثن التطرف والإرهاب، أو التفريط والانحلال؛ لأنهما سببان من أسباب سقوط الحضارات، وزعزعة القيم.

إن الحفاظ على اللبنات الأولى في بنية المجتمع هي أولى الواجبات التي ينبغي الحفاظ عليها في بناء الإنسان، وذلك من خلال الأفراد الذين يمثلون مجتمعًا متكاملًا بكل أطيافه وثقافاته وبيئاته، ولا يتم بناء هؤلاء الأفراد إلا بغرس القيم التربوية التي تشكل الوعي السلوكي لكل فرد منهم، ابتداءً بالأطفال والمراهقين والشباب، وانتهاء بالقيم التي تشكل وعي الكبار في علاقاتهم الاجتماعية وتعاملاتهم اليومية، حتى تستقيم بنية المجتمع على نسق أخلاقي وحضاري، وترسيخ هذه القيم يتم على مستويات عديدة، أهمها تلك القيم التي تحافظ على الأسرة، والعمل على تعديل السلوكيات الفردية الخاطئة، وبناء حصن أخلاقي في تعامل الفرد مع غيره، وتتمثل بعض هذه القيم فيما يلي:

أولًا: العناية بتربية الصغار

إن الطفل هبة من الله تعالى لوالديه، وينبغي على الوالدين أن يدركوا ذلك قبل بداية تلك العلاقة المبنية على التراحم والتعاون، وأن هذا الرزق أمانة إلهية، يجب الحفاظ عليها بكل الوجوه، وفي الحديث الشريف دلالة على جلال هذه الأمانة، وأن الطفل في مبدأ أمره يكون على الفطرة التي خلقه الله عليها، فما يستقبله من أمور تعرض لتلك الفطرة أو تناقضها إنما هي مسؤولية الآباء، يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء»([95])، وذلك لأن نفس الطفل إنما تكون بريئة عن كل ما يشين من العوارض التي تتلبس بها من خلال التربية أو المجتمع.

يقول الإمام الغزالي: «اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها، والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عُوِّد الخير وعلمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبوه، وكل معلم له ومؤدب، وإن عُوِّد الشر، وأهمل إهمال البهائم، شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له، وقد قال الله عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا﴾ [التحريم: 6] ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من القرناء السوء، ولا يعوده التنعم، ولا يحبب إليه الزينة والرفاهية، فيضيع عمره في طلبها إذا كبر، فيهلك هلاك الأبد، بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره»([96]).

ومن هنا تقوم الفتوى بدورها في الحث على تنشئة الأطفال تنشئة اجتماعية صحيحة، تستوعب منظومة القيم، وتغرس فيه مرجعية أخلاقية معتبرة، تجعله عضوًا بنًّاءً في مجتمعه، وفاعلًا في وطنه، وليس أداة من أدوات الهدم أو التخريب، وينبغي كذلك أن يكون الإحسان إلى الطفل هو المبدأ الأهم في التعامل معه من أول نشأته، كما ورد عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حق الولد على والده أن يحسن اسمه، ويعلمه الكتاب»([97])، ومن إحسان الوالدين إلى ولدهما تعليمه حسن الأخلاق، فذلك ينفعه طول عمره في دنياه، وفي آخرته كذلك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نحل والد ولدًا من نحل أفضل من أدب حسن»([98]).

ثانيًا: العناية بالقيم السلوكية

تشغل القيم السلوكية حيزًا مما تُعنَى به الفتوى؛ لأن كثيرًا من مقومات البناء العقلي التي سبق ذكرها لا تتم إلا من خلال ترسيخ بعض السلوكيات، سواء في مرحلة الطفولة كما سبق، أو في مراحل المراهقة والشباب، وذلك مثل قيمة الصدق، والأمانة، والنظافة، واحترام النظام، وغيرها من السلوكيات التي تؤثر على الفرد إيجابًا أو سلبًا.

فوجود قيمة كالصدق في حياة الإنسان تحميه من الوقوع في عدم التوثيق، أو تصديق الشائعات، أو غير ذلك مما يترتب على ارتكاب الكذب، ولذلك تشدد دور الإفتاء على حرمة نشر الأكاذيب والأقاويل المظنونة غير المُتثَبَّت من صحتها؛ قال تعالى: ﴿إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ﴾ [النور: 15] ومن هنا نعلم أن الشريعة وضعت من الأسس والضوابط ما يضمن تجفيف منابع سلوك طريق الكذب منذ البداية، والقضاء على ذلك الخلق، وترسيخ مقابله من الصدق والتوثق، فتواردت النصوص على حرمة الكذب وبيان ما يؤول إليه المتحدث بالكذب من سوء العاقبة؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا»([99])، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»([100]).

ومن ذلك أيضًا وجود قيمة الأمانة التي حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيابها في الأمة، كما ورد في الحديث: «ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرًا وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا»([101]).

والأمانة كما يقول الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا﴾ [الأحزاب: 72]: «إنه عُنِي بالأمانة في هذا الموضع: جميع معاني الأمانات في الدين، وأمانات الناس، وذلك أن الله لم يخص بقوله: ﴿عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ﴾ بعض معاني الأمانات»([102])، فينبغي على الإنسان القيام بواجب حمل هذه الأمانة التي ثقلت عن حملها السماوات والأرض والجبال.

وهذه القيم السلوكية لا تقتصر على ما هو من جنس المعاني الأخلاقية والسلوكيات الرشيدة فقط، وإنما تصل إلى أدنى درجات المحافظة على السلوك الإنساني المحسوس، كالاهتمام بشأن النظافة والطهارة، وآداب الطعام والشراب، بل آداب قضاء الحاجة، وغير ذلك مما يتعلق بالسلوك الشخصي؛ ليكون شأن الإنسان في أخلاقه متكاملًا في ظاهره وباطنه، وقوله وفعله، حسيًّا ومعنويًّا.

ثالثًا: العناية بالقيم الاجتماعية

إن من أهم القيم تلك التي تنفع الفرد في سلوكه كجزء من المجتمع، وتنعكس بدورها على صلاحية الفرد للعمل كعضو فاعل له مشاركة في البناء، وفاعلية في الإنتاج، ومحافظة على التطور التنموي، فلا يكفي أن يكون الشخص محافظًا على قيمه السلوكية الخاصة ليكون فردًا صالحًا، وإنما لا بد من غرس القيم التربوية التي تتبنى الحفاظ على وحدة المجتمع؛ لأن الاجتماع البشري يحصل من خلاله اختلاف ناتج عن تغاير الطبائع والثقافات والبيئات الاجتماعية، ولا يمكن الحفاظ على مجتمع بهذا التنوع إلا من خلال قيم جامعة مشتركة، تتجاوز تلك الاختلافات، وتبني أرضية مشتركة تحفظ الاجتماع الإنساني، ومبدأ تلك القيم إنما يكون من خلال النواة الأولى في المجتمع، وهي الأسرة، ثم ينطلق بتلك المفاهيم التربوية ويزيد عليها ما يخص سائر العلاقات البشرية.

من تلك القيم قيمة احترام الآخرين وتقديرهم، حتى ولو كانوا صغارًا، فمن باب أولى حفظ حق الكبار، وتعظيم شأنهم، كما ورد من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا»([103])، فالاحترام معنى يتجلى فيه حفظ حقوق البشر، وصون أقدارهم، فيوقَّر الكبير لسنه ومقامه، والعالم لعلمه، بل الصغير إحسانًا إليه وشفقة عليه، وتربية له على القيم العالية، فمنذ نشأة الطفل في أسرته يتربى على تلك المعاني فيخرج إلى المجتمع بنفس زكية، تعرف للآخرين حقوقهم، وترعاها.

ومنها أيضًا قيمة التعاون، وهي من مبادئ التربية كذلك، ينبغي أن يُعود عليها الإنسان من بواكير نشأته الأولى داخل الأسرة، فإن الحياة الاجتماعية لا قيام لها إلا بالتعاون بين أفرادها، وأن هذا التعاون إنما يقوم على مبادئ وضوابط تنظم علاقاته، وتحدد حقوقه وواجباته، ولا يلتزم بهذه القوانين والضوابط إلا من ملئت نفسه مهابة لله وخوفًا من عصيانه وانتهاك حرماته، وهو ما يدفع الإنسان إلى احترام النظام العام، فهذا النظام إنما وضع لتيسير حياة الأفراد داخل المجتمع، فالتعاون فيه وعدم التهاون به هو الذي يدفع حركة البناء المجتمعي، ويسهل تعايش الأفراد داخل نسق واحد رغم اختلافهم.

ومنها أيضًا قيمة الإتقان، فهو من التخلق بأخلاق الله، يقول الله تعالى: ﴿صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ﴾ [النمل: 88] وروي من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه»([104]) والإتقان يعني: إجادة الشيء، والمهارة فيه، وإصلاح الخَلل، والمسلم يجب أن يكون مُتقِنًا، فيُتقن في عمله وسعيه وسائر شؤون حياته، فإتقان الأعمال مبدأ أخلاقي شريف، يبني حصنًا من مراقبة الإنسان لنفسه، وإخلاصه في طلب مرضاة ربه بكل عمل من أعماله، وهو مبدأ حضاري، فزيادة الإنتاج البشري، وسرعة عملية التنمية، لا تتم إلا بإتقان كل فرد لأعماله المنوطة به.

إن إتقان العمل وتجويده وتحسينه، لا ينبغي أن يُعامَلَ ذلك معاملة الرفاهية التي يمكن الاستغناء عنها، بل ينبغي أن ينال نصيبه من العناية، ووضعه موضع التنفيذ المستمر في سائر الأعمال، فتكون أعمال المسلم منظمة مرتبة مجوَّدة متقنة، لا في عملٍ دون آخر، بل في سائر الأعمال؛ فالله كتب الإحسان على كل شيءٍ؛ قال تعالى: ﴿وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [البقرة: 195].

لا تنحصر القيم التي لا ينبغي وجودها في البناء الإنساني والمجتمعي، ولكن من المهم أن تنسجم تلك القيم التربوية، سواء كانت سلوكية أو اجتماعية، فردية أو مشتركة؛ لتشكل منظومة القيم التي يتأسس عليها بناء الإنسان من أول مراحل نشأته حتى بروزه إلى المجتمع ناضجًا وفاعلًا، يبني ويعمر، ويستكمل ركائز البناء المنهجي لعقله وسلوكه.

المبحث السادس: ترسيخ القيم الإنسانية من خلال الفتوى

إن من أصول صناعة الفتوى بمنهجية معتدلة إدراك أن المسلم لا يعيش وحده على هذه الأرض، وإنما هو جزء من مجتمع إنساني، يشمل سائر الأعراق والأديان والثقافات، وهو مكلف بمراعاة ذلك التنوع الذي يعتقد أنه من تقديرات الله، وأنه اختلاف يدل على السعة، ويتطلب المرونة، وأن التعايش مع هذا التنوع بأشكاله المختلفة يتطلب قيمًا مشتركة، تشمل المجتمع الإنساني، ولا تقتصر على طائفة، أو عرق، أو مذهب، وأن تلك القيم تفرضها ضرورة الاجتماع بين البشر، وتبادل المصالح والمنافع فيما بينهم.

إن الفتوى التي لا ترسخ القيم الإنسانية تجر إلى العديد من الأضرار، ليس فقط على المستوى المحلي، بل على المستوى الدولي والعالمي، وهي تسفر عن فهم ضيق لطبيعة الرسالة المحمدية، وتشوه صورتها في العالمين، بل نستطيع أن نقول إن كثيرًا من الخلل في تصورات المتطرفين للعلاقات بين المسلمين محليًّا وعالميًّا إنما مردُّه إلى عدم التشبع بتلك القيم، وأنها جزء من فلسفة الشريعة في التعامل مع الآخر عمومًا، أيًّا كان ذلك الآخر دينًا أو ثقافة أو عرقًا، تلك الفلسفة التي تقوم على مراعاة الحقوق والواجبات المشتركة، والحد من العنصرية الناتجة عن تلك الاختلافات، وتهدف إلى مقصد إنساني واحد، وهو العمران، وذلك كله جزء أيضًا من رؤى وتصورات القائم بالإفتاء على وجهه الصحيح، حتى لا تؤدي الفتوى إلى أزمات تضرب قيمة العيش الإنساني المشترك.

تتنوع تلك القيم ما بين قيم تشمل أبناء الوطن الواحد، أو تشمل الإنسانية كلها، وهي وسيلة إلى الحفاظ على بقاء الجنس البشري، مع التعدد والتنوع القائم بين أفراده، ومن تلك القيم ما يلي:

أولًا: القيم الوطنية

الوطنية معنًى كليٌّ جامع يحوي العديد من حلقات الترابط الإنساني؛ كالجوار، والصحبة، والأخوة، والمعاملة، ولكل رابطة حقٌّ تصبُّ مراعاتُه في صالح استقرار الأوطان والتلاحم بين أهل الأديان، وقد حثت الشريعة على كل حق منفردًا، وكلما زادت الروابط والعلاقات كلما تأكدت الحقوق والواجبات، فإذا اجتمعت هذه الروابط كلها في المواطنة، كانت حقوقها آكد، وتبعاتها أوجب.

ولذلك كان الالتزام بالميثاق الوطني؛ وهو العقد الاجتماعي الذي يساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات، التزامًا واجبًا وجوبًا شرعيًّا، بموجب رعاية العقود والعهود التي تحفظ العلاقات، ولذلك حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند قدومه إلى المدينة على وضع أول دستور مدني، يحفظ للمواطنين حق التعايش بسلام في وطن واحد، وإن اختلفت أديانهم ومعتقداتهم، فكتب صحيفة المدينة التي جاءت نصوصها لتقرير التساوي في الحقوق والواجبات بين أبناء الوطن الواحد.

ومن تلك القيم التي تحافظ على الأوطان، ما قرره النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن فرض العقائد في مقام التعامل بين المواطنين، بل العمل على تعظيم المشترك بين أهل الأديان؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بينما يهودي يعرض سلعته، أعطي بها شيئا كرهه، فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار، فقام فلطم وجهه، وقال: تقول: والذي اصطفى موسى على البشر، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا؟ فذهب إليه فقال: أبا القاسم، إن لي ذمة وعهدا، فما بال فلان لطم وجهي، فقال: «لم لطمت وجهه» فذكره، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى رئي في وجهه، ثم قال: «لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السموات ومن في الأرض، إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور، أم بعث قبلي»»([105]).

فلا بد من مراعاة كل قيمة تحفظ سلامة الوطن وأمنه، بل إن القيمة الأساسية لحفظ الوطن هي تنمية تلك المحبة الفطرية التي تكون في قلب كل إنسان سويٍّ لوطنه، يقول الإمام الزمخشري: «كلٌّ يحب وطنه، وأوطانه، وموطِنَه، ومواطنه»([106])، وقد قيل قديمًا: «عمَّر الله البلدان بحب الأوطان» و«ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم»([107]).

ثانيًا: قيم التعايش والسلام

إن بقاء الإنسانية يتوقف على دعم قيمة التعايش والسلام العالميين؛ لأن تلك الخلافات الفطرية التي تسري بين البشر لا يمكن التغلب عليها إلا بتلك القيم المشتركة، التي تهدف أوَّلًا إلى معرفة الحكمة من ذلك التنوع الإنساني، ومن ثم التعامل معه بتقبل الاختلاف، والقضاء على جميع أشكال العنصرية الزائفة، ورفع قيمة التسامح مع المخالفين، وتعزيز معنى السلام في النفوس البشرية، وأنه اسم من أسماء الله جل جلاله، فالتخلق به هو تخلق بأخلاق الله.

من أسس مفهوم التعايش والتسامح النظر إلى الإنسان على أنه مكرم من حيث هو إنسان، دون النظر إلى عوارض أخرى، وهذه حقيقة قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا﴾ [الإسراء: 70]، ففي هذه الآية الكريمة تأسيس هذا المفهوم، وترسيخ مفهوم التسخير، وأن الله خلق ما في الأرض من برٍّ وبحرٍ وسخره لابن آدم، من حيث كونه إنسانًا، وأن مقتضى ذلك التسخير لكل البشرية حفظ موارد الأرض، والانتفاع بها على الوجه الذي لا يضر أحدًا من العالمين، وبما فيه منفعة مشتركة للجميع، فلا بد إذن من قيمة أخلاقية جامعة يتفاهم الخلق بناءً عليها، ويتجاوزون بها الخلافات التي تعوقهم عن تعمير الأرض، واستثمار الأرزاق التي خلقها الله من أجلهم.

وقد كانت المرحلة المكية في دعوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذجًا لذلك المبدأ وتلك القيمة، حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يشارك في كل ما من شأنه إعلاء تلك القيمة من العهود والمواثيق، ومن ذلك ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في شأن حلف الفضول الذي تعاهدت فيه قبائل قريش على النصرة وعدم الظلم، فقال فيه: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت»([108]) وقد تمسك النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحلف أيما تمسك، وكان يعمل بمقتضاه حتى بعد ما عادته قريش، وضيقت عليه هو وأصحابه([109]).

وقد استمر ذلك المبدأ حتى في العهد المدني، الذي أرسى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مواثيق التعايش، ومعاهدات السلم مع كل من طلب ذلك، أو أقر بعدم التعرض بالعدوان لأحد من المسلمين، أو للمدينة المنورة، ليرسخ بذلك تلك القيمة، وأن السلم هو الأصل، وأن اللجوء للحرب إنما يكون لدوافع ضرورية من رد العدوان، والحفاظ على الأوطان.

ثالثًا: القيم الحضارية

إن الحضارة هي معنًى زائد على مجرد العمران، فهي عمران للأرض يصل إلى حد الترَفُّه والتفنن في الأعمال والصناعات، وبذل كل الجهود التي تحفظ استمرار التطور العمراني، وتقدم الخدمات التي تيسر سبل الحياة، وتسهل معايش الخلق، وذلك بالحفاظ على مفهوم الدولة، وتماسك النُّظُم، يقول ابن خلدون في مقدمته: «الحضارة هي أحوال عادية زائدة على الضروري من أحوال العمران، زيادةً تتفاوت بتفاوت الرَّفَه، وتفاوت الأمم في القلة والكثرة، تفاوتًا غير منحصر. ويقع فيها عند كثرة التفنن في أنواعها وأصنافها، فتكون بمنزلة الصنائع، ويحتاج كل صنف منها إلى القومة عليه المهرة فيه. وبقدر ما يتزيد من أصنافها تتزيد أهل صناعتها، ويتلون ذلك الجيل بها. ومتى اتصلت الأيام وتعاقبت تلك الصناعات، حذق أولئك الصناع في صناعتهم، ومهروا في معرفتها. والأعصار بطولها وانفساح أمدها وتكرر أمثالها تزيدها استحكامًا ورسوخا»([110]).

وهذا التطور الحضاري يتمثل في زماننا في العديد من مجالات التقدم التقني، وما يتبع ذلك من دخول العالم عصر الرقمنة، والتعامل مع الذكاء الاصطناعي، وكل ما يتجه الإنسان المعاصر إلى التوسع فيه، والاستفادة من وجوده على هذه الأرض، وقديمًا كانت كل التطورات العمرانية التي تحصل في العالم تدور حول عدد من القيم الأخلاقية، وتكون مرجعيتها باعتبار الدين أو الفكر أو المذهب الذي تتبناه تلك الحضارة، أما في هذا العصر الذي يمثل العالم فيه مكانًا واحدًا، فلا بد من إيجاد قيم مشتركة، تمثل ميزانًا لتلك التطورات التي يمارسها الإنسان على وجه الأرض، وتعالج الإشكالات الأخلاقية التي تواجهه.

إن أول تلك القيم الحضارية حفظ الخصوصيات ومراعاتها، فالصراع الذي يدور من أجل إنشاء لغة ثقافية موحدة يتكلم بها كل أجناس العالم بمختلف مشاربهم وثقافاتهم وخلفياتهم الدينية والحضارية هو صراع يولد مزيدًا من الحروب، ومزيدًا من محاولات فرض الثقافة؛ لأن كل أمة تحاول أن تحمي ثقافتها وجذورها، وهو يناقض مبدأ التعايش، والحضارة إن لم تسع في الحفاظ على الوجود الإنساني، فهي آيلة إلى السقوط، ففتح باب التعددية الثقافية، ومراعاة الخصوصيات، لا سيما ما يتعلق بالأديان، هو ضرورة حضارية، وقيمة إنسانية جامعة، تحافظ على التنوع الذي خلقه الله في هذه الدنيا، امتثالًا للأمر الإلهي بالتعارف والتواصل في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ﴾ [الحجرات: 13].

لا شك أن كل مبدأ يقوم على هذه الأرضية من حفظ الخصوصيات، ويتفق عليه العقلاء، ويكون له دور في حفظ كرامة الإنسان، أو تعزيز المبادئ الحضارية، فهو مبدأ مشترك، ولا يناقض ما يهدف إليه الإسلام من تكريم الإنسان، والتفنن في استثمار نعم الله وأرزاقه في هذه الدنيا، مع أهمية اقتران ذلك بمراعاة النموذج المعرفي الذي سبق ذكره، وهو نموذج عقدي شرعي وأخلاقي وقيمي.

فالحضارة في أسمى معانيها ترتبط بالعلم والفكر، وترسيخ قيم الجمال، والإبداع الذي يعود على الإنسان بنفع قيمي، والفنون التي تسمو بروح الإنسان وعقله، وتعمل على إنارته لا على إثارته، فلا بد من ترسيخ تلك المعاني، وجعلها منطلقًا لأي عمل تقدُّمِيٍّ، واستحضارها كميزان أخلاقي، وتلك هي وظيفة الإفتاء، من إرشاد الناس إلى تلك المعالم، وتوضيح الصورة الصحيحة لما يرضاه الله ورسوله من السعي في الأرض وبنائها وعمرانها، مع عدم الإخلال بتلك القيم، التي ترضي كل العقلاء.

المبحث السابع: بناء المفاهيم والتحرر من خطر الفكر المتطرف

يتشكل وعي الإنسان بناءً على عدد من المفاهيم التي تترسخ في ذهنه وعقله، وينطلق على أساسها في أفعاله، وأفكاره، ومناهجه، وتلك المفاهيم إما أن يكون أساسها منهجيًّا، يعتمد على العلم والفكر المنضبط، أو أن تكون مجموعة من الأوهام التي تشكل عقول الجهلاء الذين لا مرجعية لهم.

وتعد المفاهيم هي المصطلحات التي تنضوي تحتها أفكار تحمل مضامينها، وهي التي تعبر عن الهوية، ومن هنا يستطيع أي إنسان التمييز بين المنهج المعتدل، وبين الجماعات المنحرفة، من خلال العديد من المفاهيم الأساسية، فالمنهج المنضبط يتبنى مفاهيم لها جذور معرفية أصيلة، تستند إلى وحي وعلم، وترسخ مبادئ الكتاب والسنة، وتجمع بين العقل الصريح والنقل الصحيح، بينما تتبنى تلك التيارات مفاهيم ذات طبيعة أيدولوجية وفكرية خاصة، تعبر عن مفهومهم للشريعة، ولا تعبر عن مراد الشريعة نفسها من المكلفين.

من هنا كان التمايز بين المفاهيم الحقيقية المؤصلة على العلم، والمفاهيم المؤدلجة واجبًا من واجبات الفتوى؛ لأن حماية العقل المسلم، يستلزم تحريره من خطر تلك الأوهام الفكرية التي تلقي بظلالها على العقول، ولا يقف الأمر عند جماعات التطرف، بل هناك من يحاول صناعة مفاهيم تناقض الفطرة، وتعكس تصوراته للوجود، فيبني مفاهيم عن الحقوق والحريات لا تعزز مسؤولية الإنسان، ولا ترسخ القيم، بل تحرره -فيما تزعم– من قيد تلك القيم، سواء كانت دينية أو أخلاقية، فيعيش المسلم في تيه بين تلك التجاذبات التي لا مرجعية لها من عقل أو دين.

هناك مجموعة من المفاهيم التي أنشأها العقل المسلم مستندًا إلى الكتاب والسنة وتوارثها المسلمون، فمنها مثلًا مفهوم العبودية لله جل وعلا، ومنها مفهوم التكليف، ومفهوم تزكية النفس، وعمارة الأرض، وغير ذلك من المفاهيم التي تمثل تلك الحضارة، وهناك أيضًا مفاهيم كانت موجودة ورسخها الإسلام في النفوس، فتسعى دور الإفتاء إلى تعميق المفاهيم المنضبطة، والتدليل عليها من خلال التأصيل العلمي، وتعمل كذلك على تفكيك المفاهيم المعاكسة، بتفنيدها، وتوضيح مقاصدها ومآلاتها الخبيثة، والتعامل مع قضية المفهوم يجري على مستويات عديدة، منها ما يلي:

أولًا: مصادر بناء المفاهيم

من الأمور المعلومة بالضرورة أنه لا بد أن يكون كل مفهوم مستندًا إلى مصدره المناسب من مصادر المعرفة، فالمفاهيم العقلية مثلًا تستند إلى الضروريات والبدهيات العقلية، وأوليات علوم المعقول، والمفاهيم اللغوية تستند إلى مصادرها من معاجم الألفاظ والمعاني، ومسالك معرفة الدلالات اللغوية والمفاهيم الشرعية يرجع كل منها إلى ما يلائمه من معارف الشريعة، سواء كانت عقدية، أو فقهية، أو سلوكية.

وبناءً على ذلك فالمفاهيم الشرعية لا بد أن تُستقى من مصادر الشريعة، وهي الكتاب والسنة، ولا يمكن صناعة مفاهيم شرعية جديدة لم يقصدها الشارع؛ لأن تصنيف المفهوم تحت جنس معين من أجناس المعرفة، يوحي بارتباطه به ارتباطًا وثيقًا، ولا يمكن أيضًا ضم مفاهيم لها مصادرها الخاصة بها واعتبارها مفاهيم شرعية، وهو ما تقوم به التيارات المتطرفة، فبعض المفاهيم الإنسانية المشتركة يكون دور الفتوى فيها الحكم عليها بمخالفة الشرع أو لا، ولا يعني ذلك بالضرورة ارتباط ذلك المفهوم بالشريعة؛ لأنه ليس مأخوذًا من مصادرها.

ومن الأمثلة على ذلك مفهوم الديمقراطية، وعلاقته بالإيمان والكفر، فالديمقراطية مفهوم إنساني لأحد نظم الحكم، مصدره هو المعرفة الإنسانية، ودور الفتوى أن تخبر عن حقيقة الحكم الشرعي فيه، كما قامت دور الإفتاء بالقول بجواز ذلك النظام بناءً على قيامه وفقًا لمبادئ لا تخالف الشريعة، بل تعزز مبادئ الإسلام السياسية، ولكن جماعات التطرف تأبى إلا أن تجعل من هذا المفهوم مقياسًا للإيمان والكفر، فتحكم على من يقبل هذا النظام بالكفر والردة؛ لأن فيه -بزعمهم- تحكيمًا لغير الله، والحقيقة أن الكفر وعدمه هو مفهوم شرعيٌّ له محدداته، وله إطاره الذي يعمل فيه، ولكن شغفهم بحصر كل شيء داخل فهمهم الضيق للشرع، جعلهم يخلطون ما هو إنساني بما هو شرعي.

وهناك قضية أخرى وهي أن بعض المفاهيم المشتركة قد تتعدد مصادرها، وذلك يؤثر على تحريرها كما سنذكر، وذلك مثل مفاهيم الحرية، والحقوق والواجبات، والمساواة، فهذه مفاهيم إنسانية عامة، لا يمكن لأحد إغفالها أو إنكارها، ولكن مدلولاتها قد تتعدد بتعدد المصدر الذي أُخذت منه، وكذلك تفسيرها يختلف باختلاف الثقافات والحضارات، بل والعادات المجتمعية، فلا بد من التمييز بين معنى تلك المفاهيم حين تصدر عن نصٍّ شرعي، وبين معناها حين تدل على معنًى مستند إلى فكر أو ثقافة مخصوصة.

ثانيًا: تحرير المفاهيم

إن كثيرًا من الفساد الذي ترتكبه الجماعات المتطرفة يكون بناءً على تصورات موهومة لمفاهيم شرعية، وذلك نتيجة عدم تحرير تلك المفاهيم على الوجه المقصود منها، وهو خلل علمي ومنهجي، يجعل المصطلحات رهينة لفهم غير سوي من أدعياء العلم، والفتوى في إطارها المنهجي تعتمد نسقًا منضبطًا في تحرير المفاهيم الشرعية، بل واستدعاء أهل الاختصاص لتحرير المفاهيم الاقتصادية والاجتماعية.

من أولى أولويات تحرير المفاهيم الشرعية وضع كل مفهوم في دائرته التي يمكن الحكم عليه من خلالها، فلا تختلط المفاهيم العقدية المتعلقة بالإيمان والكفر مع المفاهيم الفقهية المتعلقة بإجزاء الفعل وترتب الثواب أو العقاب عليه، أو يختلط ذلك بالمفاهيم الروحية التي هي درجة عليا من درجات المعرفة.

ومن أمثلة تحرير المفاهيم قضايا الحاكمية، وجاهلية المجتمع، ومصطلح الجهاد، تلك المفاهيم التي رسخت الجماعات المتطرفة لها مضامين غير مقصودة أو محررة، فالحكم مثلًا عند الأصوليين بمعنى الخطاب الشرعي المتعلق بأفعال المكلفين، ولا يختلف أحد أنه من عند الله، ولكن تلك التيارات سحبت ذلك المفهوم على القوانين الوضعية المنظمة للحياة البشرية، وأنها حكم لغير الله، مع أنه لا أحد يعتقد أنها خطاب شرعي، وخلط الحكم الشرعي بالأحكام العرفية التي يتفق الناس عليها ولا تخالف شرعًا ولا دينًا، جرَّهم إلى تكفير الناس، ورميهم بالخروج عن أوامر الشريعة، وكذلك مصطلح الجهاد وغيره من المصطلحات التي سيأتي ذكر بعضها، وبيان انحراف فهم المتطرفين لها، وهو ما يدفع إلى تصحيح مفاهيم كثيرة رفضتها تلك الجماعات، كالتوسل، والتبرك، أو حرَّفتها كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاء والبراء، وذلك لغياب ذلك الأصل النظري، من تحرير المفهوم وتأصيله، وفق المنهج العلمي، دون خلطٍ أو تصورات مضطربة.

ثالثًا: تطبيق وتنزيل المفاهيم على أفرادها

تعتبر قضية تنزيل المفاهيم الشرعية على أفرادها إشكالية كبرى، وخطًّا فاصلًا بين أصحاب الرؤية المعتدلة الوسطية وبين المتطرفين، فالفتوى المعتدلة من مهامِّها الكبرى ترسيخ الرؤية الشرعية فيما يتعلق بمن له حق تنزيل المفاهيم وتطبيقها على الناس، فلا بد من ترسيخ سلطة القضاء، ومفهوم الدولة، وأن كثيرًا من القضايا الشرعية التي تريد تلك التيارات تطبيقها، وتجعل ذلك علامة على تطبيق الشريعة، هي قضايا ليست منوطة إلا بالقاضي أو الحاكم، كما رسخ ذلك العلماء قديمًا حين منعوا الافتئات على الإمام والقاضي، في كل ما فيه ولاية شرعية، سواء في العبادات أو المعاملات.

وقضية تطبيق الشريعة كما هي في تصور المتطرفين تعكس عدم إدراكهم لمفهوم الولايات الشرعية، وضرورة أن يكون تطبيق أي مفهوم شرعيٍّ منوطًا بمن هو مخول به من أهل الولاية، فليس تطبيق وتنزيل المفاهيم الشرعية بابًا مفتوحًا لكل أحد، بل إنه باب إلى الفتنة، وينبئ عن تصور سطحي لمفهوم الشريعة بكل مكوناته، خصوصًا ما يريده المتشددون من فصل المفهوم عن محله الذي ينبغي أن يطبق فيه، وإيقاعه في أي محلٍّ يوافق هواهم، وفصله كذلك عن صاحب الولاية الشرعية في تطبيقه، لا سيما إذا ارتبط بقضايا عظيمة كالإيمان والكفر، أو بحدٍّ من الحدود الشرعية التي فيها إتلاف لنفسٍ بشرية أو لعضوٍ منها، كما تفعل ذلك داعش وغيرها من جماعات الإرهاب، ولذلك تسعى دور الإفتاء إلى توضيح تلك المفاهيم، والعمل على ضبطها وفقًا لمعانيها الشرعية الصحيحة المحررة، وبيان صاحب الأهلية الشرعية لتطبيقها؛ سعيًا إلى تحرير المجتمع من خطر تلك التصورات، وإشاعة تلك المفاهيم الباطلة، سواء كان بطلانها صادرًا عن خلط في تصورها، أو في تحرير معناها، أو في تحديد من له تطبيقها وتنزيلها في واقع الناس.

المبحث الثامن: الصلاح والإصلاح في وعي العقل المسلم

خلق الله الأرض على هيئة من الانسجام الكوني، كما خلق الإنسان على فطرته التي فطره عليها، لا يفسدهما إلا من سعى بالتخريب، وانتكاس الفطرة، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: 56]، وهذه الآية تدل على أن الأرض قد سخرت للإنسان وهي على أفضل هيئة من التناغم والتذليل لخدمة البشرية كلها، وأن كل تغيير يطرأ على ذلك إنما يكون بمقدار ما يفسد الإنسان فيها، ويحيلها عن حقيقتها الأولى التي وجدت عليها.

ويقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ﴾ [هود: 117]، أي مصلحون في أعمالهم غير مسيئين فلا يتظالمون، وإنما يتعاطون بالحق فيما بينهم([111])، ومفهوم الآية أن عدم الصلاح يستجلب الهلاك من الخالق سبحانه وتعالى، وأن عمران البلاد وحفظ العباد إنما يكون بتوافر الصلاح فيما بينهم.

والصلاح والإصلاح قيمة عليا في بناء الإنسان، وتعمير البلدان، لكنه مفهوم قد تأثر كثيرًا بأبجديات التيارات المؤدلجة، وغابت حقيقته عن كثير من متعاطي صناعة الإفتاء والتفقه، وهو ما يدفع إلى وقفة حول بعض الأسس المتعلقة بذلك المفهوم، وذلك من خلال ما يلي:

أولًا: مفهوم الصلاح

الصلاح لغةً: ضد الفساد([112]). ودفع الفساد مقصد شرعي، ومصلحة عظمى يجمع عليها العقلاء، والآيات الأولى في القرآن الكريم تكلمت عن الإفساد في الأرض باعتباره من أكبر الذنوب التي ارتكبها المشركون بالله، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ١١ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة: 11، 12]. يقول الإمام الطبري في سياق حديثه عن إدراك العرب لمرامي القرآن الكريم في مثل هذه الآية: «وذلك كسامع منهم لو سمع تاليًا يتلو: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ١١ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة: 11، 12] لم يجهل أن معنى الإفساد هو ما ينبغي تركه مما هو مضرة، وأن الإصلاح هو ما ينبغي فعله مما فعله منفعة، وإن جهل المعاني التي جعلها الله إفسادًا، والمعاني التي جعلها الله إصلاحًا. فالذي يعلمه ذو اللسان -الذي بلسانه نزل القرآن -من تأويل القرآن، هو ما وصفت: من معرفة أعيان المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة، دون الواجب من أحكامها وصفاتها وهيئاتها التي خص الله بعلمها نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا يدرك علمه إلا ببيانه، دون ما استأثر الله بعلمه دون خلقه»([113]).

فمفهوم الصلاح هو مفهوم يدركه كل من عرف اللسان العربي، ويعرفه سجيةً، وتدرك العرب منه معنًى محددًا، وهو فعل ما ينفع الإنسان، وترك ما يضره، وعناية القرآن بهذا الوصف في أوائل الذكر الحكيم يبين أن الكفر والمعاصي هما أعظم أوجه الفساد التي يرتكبها الإنسان في هذه الأرض، قال الإمام القرطبي: «والمعنى في الآية: لا تفسدوا في الأرض بالكفر، وموالاة أهله، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقيل: كانت الأرض قبل أن يُبعث النبي صلى الله عليه وسلم فيها الفساد، ويفعل فيها بالمعاصي، فلما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع الفساد وصلحت الأرض. فإذا عملوا بالمعاصي فقد أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، كما قال في آية أخرى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: 56]»([114]).

وقد ورد في معاني الرُّشد الصلاح في الأمر([115])، كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ﴾ [الأعراف: 146] فالصلاح معنًى جامع للخير والاستقامة في الأمور، يقول أبو البقاء الكفوي: «والصلاح: هو سلوك طريق الهدى، وقيل: هو استقامة الحال على ما يدعو إليه العقل. والصالح: المستقيم الحال في نفسه وقال بعضهم: القائم بما عليه من حقوق الله وحقوق العباد. والكمال في الصلاح منتهى درجات المؤمنين ومتمنى الأنبياء والمرسلين، وسبيل رجاء الصلاح من سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام هو سبيل الاستغفار من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وما ذاك وأمثاله إلا لهضم النفس، وفي (وقف الخصاف): من كان مستورًا ليس بمهتوكٍ، ولا صاحب ريبةٍ، وكان مستقيم الطريقة، سليم الناحية من الأذى، قليل السوء، ليس يعاقر النبيذ ولا ينادم عليه، وليس بقذاف للمحصنات ولا معروفا بكذب، فهذا عندنا من أهل الصلاح»([116]).

ثانيًا: دور الإصلاح

الشريعة الإسلامية هي شريعة الإصلاح والتنمية، لكن الإصلاح فيها ليس قائمًا على نموذج حتمية التغيير، وعدم الاكتراث بقضية تهذيب النفس وإصلاحها أولًا، وإنما يأتي الإصلاح بعد التحقق بالصلاح، وعلى المراتب والأولويات الشرعية التي ستأتي، ويكون الإصلاح بقدر الاستطاعة، وهذه هي السنة النبوية التي اتبعها الأنبياء، كما ورد على لسان سيدنا شعيب -عليه السلام– في قوله تعالى: ﴿إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]، قال ابن كثير: «إنما أريد إصلاحكم جهدي وطاقتي، “وما توفيقي”، أي: في إصابة الحق فيما أريده إلا بالله، “عليه توكلت” في جميع أموري، “وإليه أنيب”، أي: أرجع»([117]).

فالإصلاح هو طريقة الأنبياء في تهذيب نفوس الناس وتربيتهم وتغيير سلوكهم وفقًا للشرائع السماوية، لكن من الضروري الوقوف عند تلك المعاني التي قيَّد بها سيدنا شعيب -عليه السلام– الإصلاح، فقيَّده أوَّلًا بالاستطاعة وبذل الجهد والطاقة الممكنين، ثم جعل مدار أمر التغيير الذي يطرأ على نفوس المقصودين بالإصلاح إنما هو التوفيق الإلهي، وهو ترسيخ لمفهوم جليل، وهو أن الإصلاح والتغيير أمر منوط بالقدر، فالله سبحانه هو الكفيل بتغيير النفوس البشرية، وإنما فِعل المصلح أن يبذل الجهد في النصح والإرشاد، وليس من مهمته إكراه الناس على سلوك طريقه، حتى ولو كان طريق الحق.

والإصلاح بهذا المفهوم هو أحد الواجبات الشرعية، ولا ينكر عاقل أهميته، لكن من الضروري معرفة أن الإصلاح إن لم يكن عن علم ومعرفة ووقوف على وقائع الخلق، لم يكن له ثمرة مُجدية، كما هو الشأن في الجماعات المتطرفة، والتي تُعنى بالتغيير أكثر من عنايتها بالإصلاح على وجهه الحقيقي، وإن زعموا أن ما يفعلونه من جهل وإكراه للناس على أفكارهم ومعتقداتهم هو إصلاح بمفهومه الشرعي، والدليل على ذلك الفساد الذي يرثونه في مناهجهم وطرائقهم، ويورثونه لأتباعهم، فيصدق فيهم قول الله سبحانه: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ٢٠٤ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ﴾ [البقرة: 204، 205]، فهذا منهجهم الحقيقي الذي ينتهجونه، من الإفساد في الأرض، وإهلاك الناس، مع تغييب عقولهم بمنطق معسولٍ، يتناسون به حقيقة تلك الطريقة الفاسدة في الإصلاح.

ولذلك كان من واجب صناعة الإفتاء توجيه الناس إلى سبل الرشاد والصلاح، وذلك مسلك المصلحين الراشدين، لكن التغيير قضية لا تعني الصادقين في الإصلاح، بل يعنيهم البلاغ، ورعاية مراتب الإصلاح على قدر المستطاع.

ثالثًا: مراتب الإصلاح

إن التعبير القرآني في مقام التغيير كان حديثًا عن إصلاح النفس، وليس إصلاح الغير، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾ [الرعد: 11]، وهي إشارة إلى أن التغيير الذي يستطيعه الإنسان، بل يؤمر به، هو تغيير نفسه وإصلاحها، أما إصلاح الغير فلا يلزم منه محاولة تغييره.

وهذا المعنى يرشدنا إلى أن للإصلاح مراتب وأولويات، وليس من الأولويات الشرعية إصلاح المجتمع قبل إصلاح النفس، كما تؤصل لذلك التيارات المتطرفة التي تريد إصلاحًا من خارج دائرة النفس، بل ربما كان إصلاح النفس وتهذيبها آخر ما يهدفون إليه ويبتغونه من دعواتهم الإصلاحية المزعومة، فيتجهون أولًا إلى ما يزعمونه من الإصلاح السياسي أو المجتمعي، وهو في حقيقته إفساد، وتضليل، وإهلاك للحرث والنسل، ليس لهم غرض من ورائه إلا التسلط على الخلق، والوصول إلى الحكم.

من خلال النظر في قواعد الشريعة نجد أنها تهدف إلى إصلاح الفرد أولًا، وأن صلاح الفرد واستقامته في نفسه هو المكون الأساسي لإصلاح المجتمع، فاهتمام الإنسان بإصلاح نفسه وإقباله على شأنه من أولى أولويات الفرد المسلم، حتى كان العلماء يعدون ذلك أعلى مراتب الجهاد الحقيقي المشروع، يقول ابن القيم رحمه الله في مراتب الجهاد: «الجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين» ثم يبين مراتب جهاد النفس بقوله: «فجهاد النفس أربع مراتب أيضًا: إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين. الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها. الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه، ولا ينجيه من عذاب الله. الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله»([118]).

ثم ينتقل الإنسان في مراتب الإصلاح الواجب عليه إلى أهله وذويه، امتثالًا للأمر الإلهي في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا﴾ [التحريم: 6]، يقول الإمام الطبري: «﴿قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ﴾ يقول: علموا بعضكم بعضا ما تقون به من تعلمونه النار، وتدفعونها عنه إذا عمل به من طاعة الله، واعملوا بطاعة الله. وقوله:﴿وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا﴾ يقول: وعلموا أهليكم من العمل بطاعة الله ما يقون به أنفسهم من النار»([119])، وقال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: «فعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة، ويصلح أهله إصلاح الراعي للرعية»([120]).

إن إصلاح النفس والأهل الذين هم في رعاية الإنسان ومسؤوليته هي من الواجبات الشرعية، أما ما عداها من إصلاح الأقارب أو المجتمع، فليس للإنسان فيه يدٌ، وإنما مهمته البلاغ، بحسب ما وكله الله إليه من الوظائف الشرعية، فلا ينبغي أن يتسور إنسان على هذا المقام فيسعى إلى الإصلاح في مقام لم يجعله الله فيه، ولم يوكله إليه.

إن مبادئ الإصلاح لا بد أن تقوم على منهج علمي صحيح، وليست حالة عشوائية من الاستعلاء على الخلق بالنصح والإرشاد، وإكراههم على أفكار ذات خلفية منهجية مضطربة، فالإصلاح والإرشاد هو مبدأ مقرون بالرحمة والشفقة على الخلق، وعدم القصد إلى تغييرهم، بل ذلك موكول إلى الله تعالى، وهذه سنة الأنبياء جميعًا، وهو توجيه رباني، فالنصيحة ومحاولة الإصلاح مقرونة دائمًا بالتذكير، وليس بالتغيير، كما في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ٢١ لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ﴾ [الغاشية: 21، 22]، يقول الطاهر بن عاشور في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم﴾ [الغاشية: 25، 26]: «تعليل لجملة: ﴿لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ﴾ أي: لست مكلفا بجبرهم على التذكر والإيمان؛ لأنَّا نحاسبهم حين رجوعهم إلينا في دار البقاء»([121]).

فهذه هي منهجية المسلم في تعامله مع هذه القضية، أن يعمل على إصلاح نفسه، ثم إصلاح من يعوله، دون ارتباط بأي معنى من معاني التمكين، أو الاستعلاء على الخلق، فيكون صلاحه وإصلاحه مقصودًا به وجه الله تعالى، ويترسخ في عقله ووعيه أن أولى ما يتوجه إليه نصح نفسه وتهذيبها، وتزكيتها، حتى تصفو وتسمو، وترقى في مراتب الأخلاق، فيكون فردًا نافعًا لأمته ومجتمعه، وكلما اتسعت دائرة إصلاح الأفراد ظهر أثر ذلك في صلاح المجتمع، فالفرد جزء من كلٍّ، وإذا صلح الفرد صلح المجتمع بالضرورة.

المبحث التاسع: التأصيل للسلوك الروحي من خلال الفتوى

يحتاج الإنسان المسلم في هذا العالم المعاصر إلى مزيد من الوعي المرتبط بالتحرر من عالم المادة، فلا يكفي بناء الوعي العقلي والقيمي والأخلاقي فقط، وإنما لا بد أن يرتبط كل ذلك بنظرة روحية عميقة، تربط بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإهمال هذا المسلك الروحي في بناء الوعي يؤدي إلى مزيد من الأمراض النفسية والمجتمعية، وظهور كثير من المشكلات التي يكون سببها عادةً الفراغ الروحي الذي يعيشه المسلم، بل وغير المسلم في هذا العصر.

منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وقد ارتبطت الرسالة المحمدية بالمعاني الروحية الغيبية، بل إن كل فعل من الأفعال صارت له وجهة روحية، يقصد بها الإنسان التقرب من ربه سبحانه وتعالى، فالشريعة لم تأت بمجرد حركات وسكنات يلتزمها المسلم، دون أن يكون متمسكًا بمجموعة من المبادئ التي تحيي روحه وقلبه، وتدفعه دفعًا إلى تنفيذ الأمر الإلهي طوعًا ومحبةً، واستجلابًا للسكينة.

ظل المسلمون يمزجون بين الروح والمادة، حتى استطاعوا القيام بتعمير الأرض، وبناء الحضارة، واستكمال الأدوات العقلية والعلمية والمنهجية، دون طغيان للمادية والشهوانية، حتى طغت في العصور المتأخرة تلك النظرة المادية للعالم والوجود، حتى على مستوى الأفعال الشرعية والعبادات، وذلك بسبب كثير من الجماعات المتشددة، والتي فرغت الشريعة من روحها ومضمونها، وهو ما أوقعهم في كثير من المعضلات النفسية والسلوكية، بل والأخلاقية.

فمن الأصول المهمة في بناء الإنسان، والتي تؤثر فيها الفتوى، هي تأصيل أهمية السلوك الروحي للفرد المسلم، وتفعيل الارتباط بين عالم المادة الذي يعمل فيه الإنسان، ويسعى بكل جهده لبنائه، وبين عالم الروح الذي هو سر الحياة، الذي يساعد على تجاوز الأزمات الأخلاقية، والأزمات التي تتشكل نتيجة لعدم إشباع تطلع تلك الروح للترقي والعروج في عالم أسمى من عالم الجسد. هذا التأصيل يكون من خلال ترسيخ ما توارثه المسلمون من تزكية النفوس، بسلوك الطريق إلى الله، ذلك الطريق الذي هو تجربة بشرية مقيدة بالكتاب والسنة، وتتمثل بعض جوانب ذلك التأصيل فيما يلي:

أولًا: أهمية الجانب الروحي

ينظر العقل المسلم إلى الإنسان باعتباره مركبًا من جسد ونفس وقلب وروح، وإذا كان الله جل وعلا قد خلق الإنسان في أحسن تقويم وأكمل صورة وأتمها، فإنه قد أعطاه ما يستكمل به نفسه البشرية، فكما يتغذى الجسد على الطعام والشراب، فإن تلك المكونات الأخرى تحتاج إلى غذاء يناسب حقيقتها غير المادية.

ومهما سعى الإنسان في تحصيل ما يقيم به روحه وقلبه ونفسه، فإنه لن يجد منهجًا أرقى من سلوك طريق العبودية لله جل وعلا، وذلك هو أعلى درجات الارتقاء الروحي، وكل طريق روحي يبتعد بالإنسان عن منهج الله فإنه يزيده تيهًا وفراغًا؛ لأن غاية البحث عن مسلك روحي هو ربط المسلم بربه وربطه بعالم الغيب الذي هو جزء من الإيمان بالله سبحانه وتعالى.

إن ارتباط الإنسان بالمنهج الرباني في غذاء الروح يسمو بالإنسان من كل الجوانب، فهو يخلصه من قيد المادة، ويفتح له بابًا إلى عالم من الترقي النفسي والأخلاقي وليس الروحي فقط، فذلك المنهج يُعنَى بإصلاح النفس وتخليصها من أدرانها؛ لأن العوارض النفسانية التي يتلبس بها الإنسان هي التي تعوقه عن عالم ما وراء المادة، حتى قد يصل به ذلك إلى إنكار المغيبات، وهنا تأتي أهمية المجاهدة وسلوك طريق التزكية؛ حتى تصفو النفس، وتعرج الروح.

وقد سعى المسلمون إلى بناء تجربة متكاملة المعالم لسلوك طريق تزكية النفس، وتصفية الروح، تتمثل تلك التجربة في انتقال الإنسان من حال نفسه الأمارة بالسوء، إلى نفسه اللوامة، ثم الملهمة، حتى يصل إلى النفس المطمئنة، والتي يكون حين يصل إليها قد وصل إلى مرحلة عالية من الارتقاء، وتهذيب النفس، من خلال مفاهيم سلوكية وروحية، كالمجاهدة، والذكر، والفكر، والمراقبة، وغيرها من المفاهيم التي تصل الإنسانَ بربه، وتحرره من قيد نفسه.

ثانيًا: أصول منهج السلوك

إن أي تجربة لا بد أن يكون لها أصول ومعالم تستند إليها، وهذه المعالم تميزها عن غيرها من التجارب، وتبرز خصائصها، ومن ثَم يمكن قياس مدى التزام المنهج بتلك الأصول، وقياس التجربة كلها استنادًا إلى موازين الشريعة، وأهم تجربة سلوكية في الجانب الروحي قد تمثلت في علم التصوف، الذي قام على عدد من الأسس والأركان، أهمها ما جاء على لسان سيد الطائفة، الأستاذ الجنيد رضي الله عنه في قوله: «علمنا هذا مقيَّدٌ بالكتابِ والسُّنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في علمنا»([122])، وهي قاعدة جليلة في مرجعية التجربة الصوفية، تغلق الباب أمام دعاوى السلوك بمنهج غير مستند إلى الأصول الشرعية المرعية.

ومن هذه الأسس أيضًا أن هذا الطريق مبني على التزام العبودية، وأنه لا تعارض بين الشريعة كتكليف وأمر ونهي، وبين الحقيقة، كمشاهدة لجلال الله، وأسمائه وصفاته في كل شيء في هذا الكون، يقول الإمام أبو القاسم القشيري: «الشريعة أمر بالتزام العبودية، والحقيقة مشاهدة الربوبية، فكل شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول، وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصول، فالشريعة جاءت بتكليف الخلق، والحقيقة إنباء عن تصريف الحق، فالشريعة أن تعبده، والحقيقة أن تشهده، والشريعة قيام بما أمر، والحقيقة شهود لما قضى وقدر، وأخفى وأظهر»([123]).

ومن أهم قواعد السلوك التزام العقائد الصافية الصحيحة المبنية على البرهان واليقين، فسلوك الطريق الروحي هو جانب آخر من جوانب معرفة الله، فغاية التوحيد وغاية الطريق واحدة، وهي الوصول إلى الله، يقول الإمام القشيري: «اعلموا -رحمكم الله- أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد، صانوا بها عقائدهم عن البدع، ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد، ليس فيه تمثيل ولا تعطيل، وعرفوا ما هو حق القدم، وتحققوا بما هو نعت الموجود عن العدم، ولذلك قال سيد هذه الطريقة الجنيد رحمه الله: التوحيد إفراد القِدَم من الحدَثِ، وأحكموا أصول العقائد بواضح الدلائل، ولائح الشواهد، كما قال أبو محمد الحريري رحمه الله: من لم يقف على علم التوحيد بشاهد من شواهده زلت به قدم الغرور في مهواة من التلف»([124]).

فهذه بعض أصول طريق السلوك الروحي، تظهر ارتباط السلوك بالشرع، وعدم وجود انفصال بين قانون عالم الشهادة متمثلًا في الشريعة، وبين منهج الترقي إلى عالم الروح متمثلًا في الطريقة التي غاية أمرها تطبيق المثال النبوي الشريف في الأقوال والأفعال.

ثالثًا: أهداف السلوك

إذا كان الطريق إلى الله مبنيًّا على مجاهدة النفس، والتزام العبودية لله شريعة وحقيقة، فذلك كله توصُّلًا إلى مرضاة الله، وتحقيقًا لعدد من الغايات، منها: تصفية النفس وتزكيتها، وذلك من مجاهدتها بالأعمال الصالحة، والقيام بالواجبات الشرعية، ورياضة النفس على مخالفة الهوى، وعدم اتباع الشهوات، وسلوك طريق الرشاد.

ومن غاياته كذلك: معالجة الأمراض المعنوية التي يتلبس بها الإنسان، من الكبر، والعُجب، والحسد، والحقد، وغير ذلك من أمراض النفوس، وذلك من خلال منهج تربوي وروحي، يسلكه الإنسان ليتخلص من تلك الأدواء، فإن مجاهدة النفس بالقيام بالواجبات وترك المنهيات، ليس كافيًا في إبعاد النفس عن بعض غوائلها وشرورها، وذلك من خلال شيخ عارف بأحوال أمراض القلوب؛ لأن علاج تلك الأمراض ليس أمرًا واحدًا مشتركًا بين المكلفين، وإنما لكل إنسان علاجه الذي ينفعه، كشأن الأمراض الظاهرة، يقول الإمام الغزالي: «مثالُ النفس في علاجها بمحو الرذائل والأخلاق الرديئة عنها، وجلب الفضائل والأخلاق الجميلة إليها، مثالُ البدن في علاجه بمحو العلل عنه، وكسب الصحة له، وجلبها إليه، وكما أن الغالب على أصل المزاج الاعتدال، وإنما تعتري المعدة المضرة بعوارض الأغذية والأهوية والأحوال، فكذلك كل مولود يولد معتدلا صحيح الفطرة، وإنما أبواه يهوِّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه، أي بالاعتياد والتعليم تُكتسب الرذائل، وكما أن البدن في الابتداء لا يُخلق كاملًا وإنما يكمل ويقوى بالنشو والتربية بالغذاء، فكذلك النفس تُخلق ناقصة قابلة للكمال، وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم، وكما أن البدن إن كان صحيحا فشأن الطبيب تمهيد القانون الحافظ للصحة، وإن كان مريضا فشأنه جلب الصحة إليه، فكذلك النفس منك، إن كانت زكية طاهرة مهذبة فينبغي أن تسعى لحفظها، وجلب مزيد قوة إليها، واكتساب زيادة صفائها، وإن كانت عديمة الكمال والصفاء فينبغي أن تسعى لجلب ذلك إليها»([125]).

فالسلوك الروحي يهدف إلى بناء إنسان عارف بربه، ومتصالح مع نفسه، ومع من حوله من الخلق؛ لأن العناية بالنفس البشرية هو أول طرق الإصلاح، كما سبق، والجوانب الأخلاقية في الإنسان إنما يعظم أثرها إذا كان لها تعلق بالله سبحانه وتعالى، ليكون تصرف الإنسان وسلوكه من عالم الروح، لا من عالم المادة، ولا تتحول المظاهر الدينية والأخلاقية إلى مجرد سلوك بشري يخفي كثيرًا من أمراض القلوب والبواطن، بدلًا من أن يكون سببًا إلى صفاء النفس، وترقيها.

المبحث العاشر: دور الفتوى في ترسيخ احترام المرجعيات العلمية

من المؤسف أن نجد بعض المسلمين ينساقون لدعوات كاذبة لعدم وعيهم، وعدم اعتمادهم على المصادر الصحيحة للمعرفة، فمن المقرر شرعًا أن كافة الأمور العلمية يُرجَع فيها إلى أهل العلم والاختصاص بها، وهم أهل الذكر الذين سمَّى اللهُ تعالى في كتابه الكريم وأَمَر بالرجوع إليهم في قوله تعالى: ﴿فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

وقد كان لفيفٌ من الناس ممن فقد كثيرًا من الأصول المنهجية والعلمية، جريئًا على الفتوى، فأفتوا من غير بصيرة، فوقع الناس في حيرة وأمور خطيرة، استُحِلَّت من أجل فتاويهم المحارم، وضاعت بسببها الأوطان، فكان لا بد من معالجة هذا الانفراط في الفتوى، بإعادة الأمر إلى نصابه، وتصحيح الأوضاع التي أحدثها أولئك المفسدون.

ومن المعلوم أنه ليس كل واحد قادرًا على أن يكون عالمًا بالشريعة؛ لاحتياج ذلك إلى الاشتغال بطلب العلم اشتغالًا منقطعًا به عن غيره، حتى يقدر على الاستنباط من الكتاب والسنة، وذلك يؤدي لأن ينقطع عن المعايش، فكان من رحمة الله تعالى أن جعل من عباده من يتأهلون لبيان شرع الله تعالى، وهم العلماء الربانيون الذين يأخذون العلم عن العلماء، ويتخصصون فيه، فأورثهم العلم الشرعي الذي يحتاجه العباد في المعاش والمعاد، وأوجب عليهم بيانه لمحتاجيه.

وقد قرن القول عليه بغير علم بالإشراك بالله تعالى؛ إذ رتب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنَّى بما هو أشد تحريمًا منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلَّث بما هو أعظم تحريما منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم ربع بما هو أشد تحريما من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].

ومن المشاهَد الآن أن وسائل التَّواصل الاجتماعي والفضاء الإلكتروني بشكل عام حازت مساحة كبيرة في حياتنا، وهذه الوسائل بلا شك تُعتبر سلاحًا ذا حدين، حيث أصبحت في أغلب الأحوال بوابة لافتعال المعارك والخلافات، والابتزاز والسب والقذف، والتدخُّل في حياة الناس الخاصة؛ ولذا ينبغي أخذ الحِيطة والحذر والابتعاد عن الاستخدام السلبي لها، وعدم الاغترار بعالمها الافتراضي وغير الواقعي.

فيجب التنبيه على أن العديد من أصحاب الأهواء يبثون الفتن والسموم من خلال هذه الوسائل، باستخدام نصوص مبتورة ومأخوذة من سياقها، أو محرفة عن موضعها، فيكفرون ويحرمون بناءً على نص مجتزأ من أصله، فينجرف وراءهم مَن لا علم له بالدين، نتيجة اعتماده على وسائل الاتصال تكاسلًا منه في البحث عن المصادر الموثوقة، وذلك مخالف للأصل الذي تقرر من ضرورة التوثيق والتثبت.

ولقد استُغلت مواقع التواصل استغلالًا سيئًا في الآونة الأخيرة ممن يتصدَّون للفتوى من غير تأهيل علمي ولا تأصيل شرعي، واستطاعوا استقطاب الكثير من الشباب واللعب بعقولهم، مستخدمين في ذلك بعض الآيات التي يوحي ظاهرها بما يحقق مصالحهم وأهدافهم.

ومن هنا ناشدت دور الإفتاء الشَّباب والأمة الإسلامية بأن يلجئوا فقط إلى المتخصصين من العلماء الذين حصَّلوا العلوم، وامتلكوا الأدوات المنهجية المتكاملة، وهو أمر يحتاج إلى تدرج وزمن، فمن العبث كل العبث إسناد أمر الفتوى، وخاصة في الشأن العام إلى غير المتخصص أو غير المؤهَّل لهذه المهمة وهي أمانة؛ فعلى المستفتي أن يلجأ لأهل الاختصاص، ولا يُعدُّ هذا من الكهنوت أو المجاملة لهم، بل يجب احترام التخصص وتحصيل العلم.

وتداعت آثار عدم احترام التخصص العلمي، خصوصًا في الفتوى وعلوم الشريعة، حتى صار من أبرز الفتاوى المضللة التي نسمعها بين حين وآخر خاصةً في شهر رمضان الكريم ادِّعاءُ البعض بأن توقيت صلاة الفجر الذي أقرَّته هيئة المساحة غير منضبط، ولا شك أنها دعوى لا دليل عليها ولم تُبْنَ على علمٍ شرعيٍّ أو كَوْنيٍّ صحيح، وهي افتئاتٌ على أهل الاختصاص وأولي الأمر، وشقٌّ لاجتماع المسلمين على ما ارتضاه الله لهم من الالتفاف حول أهل الاختصاص والأخذ بما صوَّبوه، فلا يجوز القول بها، ولا نشرها في الناس.

وقد فَهِم علماء الفلك والمختصون في المواقيت هذه العلامات والمعايير الشرعية فَهمًا دقيقًا، ووضعوها في الاعتبار، وضبطوها بمعايير العصر الفلكية، ووقَّتوها به توقيتًا دقيقًا.

فمثل تلك الفتاوى التي بلغت من الخطورة أن تفسد على الناس صلاتهم وصيامهم تدفع إلى ضرورة ترسيخ ثقافة احترام المرجعية العلمية بين الناس، واحترام التخصص؛ في العلوم الدينية والدنيوية والكونية والاجتماعية والإنسانية؛ حتى لا يسارع الناس إلى الإنكار فيما لا يحسنونه، أو لا يدركون حقيقته، أو لا يعرفون خبره، كما قال تعالى: ﴿وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا﴾ [النور: 16].

وعلى المسلم أن يحذر من جماعات الفتنة والضلالة الذين يسعون بالفساد والإفساد، من خلال بعض القنوات المأجورةِ أفرادُها، المعلومة أغراضُها، المستعصيةِ أمراضُها، والتي يحاول سَدَنَتُها نشر الفتن، وزعزعة استقرار المراجع العلمية المعتمدة في بلدان المسلمين، عن طريق الخوارج الذين خرجوا على أوطانهم يرمونها بكل نقيصة هم بها أحق، ويتمنون لها كل بلية هم إليها أقرب.

ولقد ترتبت عدة مساوئ على عدم الرجوع إلى المرجعيات الصحيحة والمعتمدة، من أهمها الجنوح إلى التشدد وإيقاع الناس في الحرج والجمود على رأي واحد في المسائل الخلافية، والبعد عن روح الإسلام ومقصده في نشر الرفق والرحمة والهداية إلى الصراط المستقيم، ورفع المشقة والحرج عن الناس؛ قال الحق تبارك وتعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107] فالتشدد في الدين أمر مذموم؛ لأنه يتنافى مع مقاصد الشريعة السمحة ومع ما جاء في نصوصها الصريحة الدالة على أن مدار التكليف هو التيسير والتخفيف والمقاربة قدر استطاعة المكلف، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة»([126]).

قال الحافظ ابن رجب: ومعنى الحديث: النهي عن التشديد في الدين بأن يُحَمِّل الإنسان نفسه من العبادة ما لا يحتمله إلا بكلفة شديدة، وهذا هو المراد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» يعني: أن الدين لا يؤخذ بالمغالبة فمن شاد الدين غلبه وقطعه… وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا» التسديد: هو إصابة الغرض المقصود، وأصله من تسديد السهم إذا أصاب الغرض المرمي إليه ولم يخطئه. والمقاربة: أن يقارب الغرض وإن لم يصبه؛ لكن يكون مجتهدًا على الإصابة فيصيب تارة ويقارب تارة أخرى، أو تكون المقاربة لمن عجز عن الإصابة؛ كما قال تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16] وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»([127])([128]).

والتشدد في غير موضعه يُعَدُّ من التنطع المذموم شرعًا، فما جعل الله فيه سعة ومجالًا لاختلاف العلماء وتعدد اجتهاداتهم لا يكون موضعًا للتشديد والإنكار، لكننا دائمًا ما نجد الجماعات المتطرفة تميل إلى الرأي الذي يكون في زعمهم أشد احتياطًا، ادِّعاءً منهم أنه الأكثر ورعًا، وليس هذا بصحيح، فإن الإنسان الذي يريد أن يكون من أهل التقوى المأمور بها شرعًا ينبغي عليه أن يحذر من الوقوع في الإثم، لكنه لا يشدد على نفسه؛ لئلا يصعب عليه أن يعيش بدينه، فتحصل له نفرة تذهب بدينه كله، كما وقع ذلك لكثير من أتباع المتطرفين.

والتشدد في الدين الذي تنتهجه بعض التيارات يستتبع شدة التكليف وشدة العقوبة؛ فالله سبحانه وتعالى جعل الدين سهلًا سمحًا، ومن يخالف مقاصد الدين ويضاد الفطرة ويشدد على نفسه، فإنه حتمًا سيقصر فيما أوجبه على نفسه من الشدة التي اعتبرها من الدين، فيظل بعد ذلك يرى نفسه بعيدًا عن الدين مخالفًا له وتقل عزيمته وتضعف همته.

يقول ملا علي القاري: «والظاهر أن المعنى: لا تشددوا على أنفسكم بإيجاب العبادات الشاقة على سبيل النذر أو اليمين، فيشدد الله عليكم فيوجب عليكم بإيجابكم على أنفسكم، فتضعفوا عن القيام بحقه وتملوا وتكسلوا وتتركوا العمل فتقعوا في عذاب الله تعالى، وهذا المعنى هو الملائم للتعليل بقوله: فإن قومًا، أي: من بني إسرائيل، شددوا على أنفسهم، بالعبادات الشاقة، والرياضات الصعبة، والمجاهدات التامة، فشدد الله عليهم، بإتمامها والقيام بحقوقها، وقيل: شددوا حين أمروا بذبح بقرة، فسألوه عن لونها وسنها وغير ذلك من صفاتها، فشدد الله عليهم بأن أمرهم بذبح بقرة على صفة، لم توجد على تلك الصفة إلا بقرة واحدة لم يبعها صاحبها إلا بملء جلدها ذهبًا»([129]).

فدور الفتوى أن تبين أن أخذ الدين إنما يجب أن يكون من أهله العالمين به، وأنه يحرم التساهل في ذلك، والركون إلى أنصاف المشايخ الذي يعتبرون أن الأخذ بالأشد هو أوفق الطرق للتحقق بالشرع؛ وهذا خطأ فادح، وذلك لأن التشديد منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم، ومن المحمود الأخذ بأرجح أقوال العلماء وأبعدها عن احتمال الخطأ، ومنه الخروج من الخلاف قدر الإمكان، فهذا مستحب بالاتفاق ما لم يترتب عليه إخلال بمقاصد الشريعة السمحاء، وذلك أصل مقرر في الدين، عمل به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمر به وحكم به في العديد من الوقائع، ولهذا أخذ به جميع علماء الإسلام، بخلاف التشدد في الدين والذي هو صورة من صور الاحتياط المذموم، والذي يتردد حكمه بين الحرمة والكراهة.

وهذه الآثار وغيرها الناتجة عن الاعتماد على المصادر غير الموثوق بها، والبحث في مواقع التواصل الاجتماعي لمعرفة الحكم الشرعي، تقودنا إلى خروج أجيال جاهلة جهلًا مركبًا، فلا هي جاهلة بالحكم فتسأل أو تترك، أو عالمة به فتطبقه تطبيقًا صحيحًا.

([1]) انظر: تاج العروس (باب اللام، فصل العين مع القاف).

([2]) انظر: البحر المحيط في أصول الفقه (1/ 65) لأبي عبد الله بدر الدين الزركشي، تحقيق: محمد محمد تامر، دار الكتب العلمية- بيروت، 1421هـ.

([3]) انظر: قواطع الأدلة في الأصول (1/ 27، 28) لأبي المظفر السمعاني، تحقيق: محمد حسن الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة: الأولى، 1418هـ/1999م.

([4]) انظر: تاج العروس (باب اللام، فصل العين مع القاف).

([5]) التعريفات (ص 151، 152) للشريف الجرجاني، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة: الأولى 1403هـ- 1983م.

([6]) انظر: قواطع الأدلة للسمعاني (1/ 27).

([7]) انظر: البرهان (1/ 95) لإمام الحرمين الجويني، تحقيق: د. عبد العظيم محمود الديب، دار الوفاء- مصر، الطبعة الرابعة، 1418هـ.

([8]) انظر: المرجع السابق (1/ 96).

([9]) ماهية العقل ومعناه (ص 204، 205) للحارث المحاسبي، تحقيق: حسن القوتلي، دار الكندي، دار الفكر- بيروت، الطبعة: الثانية، 1398هـ.

([10]) انظر: البحر المحيط للزركشي (1/ 65).

([11]) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله ورسوله، وشرائع الدين، والدعاء إليه (17) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

([12]) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (1/ 189) لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثانية، 1392هـ.

([13]) تفسير أبي السعود (إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم) (1/44) لأبي السعود العمادي، دار إحياء التراث العربي- بيروت.

([14]) العقل وفضله (ص 32، 34) لعبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، تحقيق: لطفي محمد الصغير، دار الراية- الرياض، الطبعة الأولى، 1409هـ.

([15]) البرهان للجويني (1/ 107، 108).

([16]) انظر: المرجع السابق (1/ 108).

([17]) العدة في أصول الفقه (1/ 85) لأبي يعلى محمد بن خلف ابن الفراء، تحقيق: أحمد بن علي المباركي، الطبعة: الثانية، 1410هـ- 1990م.

([18]) أخرجه أبو داود في كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًّا (4403)، والترمذي في كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد (1423)، وابن ماجه في كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم (2042)، وابن خزيمة في صحيحه (1003) والحاكم في مستدركه (949) من حديث علي رضي الله عنه. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.

([19]) انظر: الموافقات (3/ 27) لأبي إسحاق الشاطبي، تحقيق: عبد الله دراز، دار المعرفة- بيروت.

([20]) المستصفى (ص 67) لأبي حامد الغزالي، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، 1413هـ – 1993م.

([21]) انظر: الموافقات (2/ 10).

([22]) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية (ص 89) للطاهر بن عاشور، دار سحنون- تونس، ودار السلام- مصر، الطبعة: التاسعة، 1441هـ، 2020م.

([23]) المرجع السابق (89).

([24]) البحر المحيط للزركشي (4/ 494).

([25]) الفقيه والمتفقه (2/ 333) للخطيب البغدادي، تحقيق: عادل الغرازي، دار ابن الجوزي- السعودية، الطبعة: الثانية، 1421هـ.

([26]) تاج العروس (باب القاف، فصل الواو مع الثاء).

([27]) مدارك التنزيل وحقائق التأويل (1/ 227) لأبي البركات عبد الله بن أحمد النسفي، تحقيق: يوسف علي بديوي، دار الكلم الطيب- بيروت، الطبعة: الأولى، 1419هـ – 1998م.

([28]) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في قول الرجل: زعموا (4972) وابن أبي شيبة في مصنفه (26307) وأحمد في مسنده (17075) والبخاري في الأدب المفرد (762) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2798) والبيهقي في السنن الكبرى (21208) من حديث أبي مسعود رضي الله عنه.

([29]) جامع الأصول في أحاديث الرسول (11/ 742) لمجد الدين أبي السعادات ابن الأثير، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط – التتمة تحقيق: بشير عيون، الناشر: مكتبة الحلواني- مطبعة الملاح-مكتبة دار البيان، الطبعة: الأولى.

([30]) النشر في القراءات العشر (1/ 6) لشمس الدين أبي الخير ابن الجزري، تحقيق: علي محمد الضباع، المطبعة التجارية الكبرى.

([31]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت (1291) ومسلم في مقدمة صحيحه، باب في التحذير من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) من حديث المغيرة رضي الله عنه.

([32]) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (1/ 68) للإمام النووي.

([33]) انظر: تاج العروس (باب الدال، فصل السين مع النون).

([34]) انظر: معرفة أنواع علوم الحديث= مقدمة ابن الصلاح (ص 42، 43) لأبي عمرو، تقي الدين ابن الصلاح، تحقيق: نور الدين عتر، دار الفكر- سوريا، دار الفكر المعاصر- بيروت، 1406هـ – 1986م.

([35]) أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح، باب في أن الإسناد من الدين.

([36]) ميزان الاعتدال (1/ 3) لشمس الدين الذهبي، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت- لبنان، الطبعة: الأولى، 1382هـ، 1963م.

([37]) انظر: رسالة الآداب (ص 74) للشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الطلائع.

([38]) تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام (1/ 188) لبرهان الدين أبي الوفاء إبراهيم بن فرحون، دار الكتب العلمية- بيروت.

([39]) تاج العروس (باب الراء، فصل النون مع الظاء).

([40]) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف (ص 326) لزين الدين محمد عبد الرؤوف المناوي، عالم الكتب- القاهرة، الطبعة: الأولى، 1410هـ، 1990م.

([41]) انظر: لوامع الأفكار في شرح طوالع الأنوار (ص 49) لأبي يحيى زكريا الأنصاري، دار أصول الدين- القاهرة، الطبعة: الأولى، 1440هـ، 2018م.

([42]) القانون في أحكام العلم وأحكام العالم وأحكام المتعلم (ص 137) لأبي المواهب الحسن بن مسعود اليوسي، تحقيق: حميد حماني اليوسي، الطبعة: الثانية، 2013م.

([43]) انظر: شرح الخريدة البهية (ص 148) لأبي البركات أحمد بن محمد الدردير، تحقيق: د. مصطفى أبو زيد، دار الإمام مالك، الطبعة: الأولى، 1437هـ، 2016م.

([44]) تحفة المريد على جوهرة التوحيد (ص 80) لبرهان الدين إبراهيم البيجوري، تحقيق: أ.د. علي جمعة، دار السلام- القاهرة، الطبعة: العاشرة، 1439هـ، 2018م.

([45]) المرجع السابق (ص 78).

([46]) الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي (16/ 9) لأبي عبد الله محمد بن أحمد شمس الدين القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384هـ – 1964م.

([47]) العقيدة الصغرى من رسائل الإمام السنوسي (ص 96) لأبي عبد الله محمد بن يوسف السنوسي، تحقيق: د. عبد الكريم قبول، دار الرشاد الحديثة- المغرب.

([48]) انظر: تحفة المريد على جوهرة التوحيد (ص 200، 201).

([49]) شرح المواقف (3/ 415، 418) لعبد الرحمن بن أحمد عضد الدين الإيجي، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، دار الجيل- بيروت، الطبعة: الأولى، 1997م.

([50]) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام والقدر (8) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

([51]) الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي (1/ 163).

([52]) انظر: الطريق إلى التراث الإسلامي (ص 24) للأستاذ الدكتور علي جمعة، دار نهضة مصر، 2015م.

([53]) الاقتصاد في الاعتقاد (ص 9) لأبي حامد الغزالي، دار الكتب العلمية، بيروت– لبنان، الطبعة: الأولى، 1424هـ – 2004م.

([54]) انظر: فتاوى ابن الصلاح (ص 203) لتقي الدين أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن، المعروف بابن الصلاح، تحقيق: د. موفق عبد الله عبد القادر، مكتبة العلوم والحكم، عالم الكتب– بيروت، الطبعة: الأولى، 1407هـ.

([55]) انظر: تاج العروس (باب الفاء، فصل الكاف مع اللام).

([56]) البرهان لأبي المعالي الجويني (1/ 88).

([57]) الإحكام في أصول الأحكام (1/ 91) لأبي الحسن علي بن أبي علي بن محمد الآمدي، تحقيق: عبد الرزاق عفيفي، دار: المكتب الإسلامي- بيروت.

([58]) انظر: المرجع السابق (1/ 92).

([59]) المرجع السابق (1/ 7).

([60]) شرح تنقيح الفصول (ص 445) لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، شركة الطباعة الفنية المتحدة، الطبعة: الأولى، 1393هـ- 1973م.

([61]) قواطع الأدلة للسمعاني (1/ 21).

([62]) التلخيص في أصول الفقه (3/ 441) لعبد الملك بن عبد الله بن يوسف، أبو المعالي الجويني، تحقيق: عبد الله جولم النبالي وبشير أحمد العمري، الناشر: دار البشائر الإسلامية- بيروت.

([63]) غياث الأمم في التياث الظلم ( ص 60) تحقيق: عبد العظيم الديب، مكتبة إمام الحرمين، الطبعة: الثانية، 1401هـ.

([64]) انظر: تطور مفهوم الدليل عند الأصوليين (ص 58) تأليف: د. عبد الحميد الراقي، دار الخزانة الأزهرية للدراسات والنشر، الطبعة: الأولى 1440هـ، 2019م.

([65]) البحر المحيط للزركشي (1/ 65).

([66]) المحصول في علم الأصول (1/ 92) لمحمد بن عمر بن الحسين الرازي، تحقيق: طه جابر فياض العلواني، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية– الرياض، الطبعة الأولى، 1400هـ.

([67]) المستصفى للإمام الغزالي (ص 375).

([68]) روضة الناظر وجنة المناظر (ص 387) لأبي محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، تحقيق: عبد العزيز عبد الرحمن السعيد، جامعة الإمام محمد بن سعود الرياض، الطبعة: الثانية، 1399هـ.

([69]) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (1/ 7، 8).

([70]) انظر: تاج العروس (باب الدال، فصل الجيم مع الهاء).

([71]) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (4/ 162).

([72]) المستصفى للغزالي (ص 342).

([73]) المستصفى للغزالي (ص 372، 373).

([74]) غاية الوصول في شرح لب الأصول (ص 160) لزين الدين أبي يحيى زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري، دار الكتب العربية الكبرى- مصر.

([75]) انظر: تاج العروس (باب الدال، فصل القاف).

([76]) التعريفات للشريف الجرجاني (ص 171).

([77]) الأشباه والنظائر (1/ 11) لتاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى 1411هـ- 1991م.

([78]) جمع الجوامع (ص 136) لتاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، تحقيق: عبد الكريم قبول، دار الرشاد الحديثة- المغرب، 2015م.

([79]) الأشباه والنظائر ( ص 6، 7) لعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، 1411هـ – 1990م.

([80]) الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق (1/ 2، 3) لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، عالم الكتب.

([81]) انظر: الموافقات للشاطبي (2/ 6).

([82]) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (ص 9) لأبي محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، تحقيق: محمود بن التلاميد الشنقيطي، دار المعارف بيروت- لبنان.

([83]) الموافقات للشاطبي (1/ 38).

([84]) الفروق للقرافي (1/ 46).

([85]) المرجع السابق (1/ 176، 177).

([86]) انظر: المحصول لفخر الدين الرازي (1/ 107).

([87]) إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 69) لمحمد بن أبي بكر شمس الدين ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية- بيروت، الطبعة: الأولى، 1411هـ- 1991م.

([88]) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (2/ 325).

([89]) الغيث الهامع شرح جمع الجوامع (3/ 872) لولي الدين أبي زرعة أحمد العراقي، دار الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، الطبعة: الثانية، 1431هـ، 2010م.

([90]) أدب المفتي والمستفتي (ص 86) لأبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن تقي الدين ابن الصلاح، تحقيق: د. موفق عبد الله عبد القادر، مكتبة العلوم والحكم- المدينة المنورة، الطبعة: الثانية- 1423هـ-2002م.

([91]) جامع بيان العلم وفضله (1/ 784) لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر القرطبي، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1414هـ – 1994م.

([92]) الفروق للقرافي (3/ 206).

([93]) إعلام الموقعين لابن القيم (1/ 28).

([94]) المرجع السابق (4/ 153).

([95]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام (1358)، ومسلم في كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (2658) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([96]) إحياء علوم الدين (3/ 72) لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي، الناشر: دار المعرفة – بيروت.

([97]) أخرجه الأصبهاني في الترغيب والترهيب (595) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([98]) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في أدب الولد (1952) والحاكم في مستدركه (7679) والبيهقي في شعب الإيمان (1553) من حديث عمرو بن سعيد بن العاص. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

([99]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ وما ينهى عن الكذب (6094) ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله (2607).

([100]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب علامة المنافق (33) ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق (59).

([101]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة (6497) ومسلم في كتاب الإيمان، باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب، وعرض الفتن على القلوب (143) من حديث حذيفة رضي الله عنه.

([102]) جامع البيان في تأويل القرآن (20/ 342) لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420هـ – 2000م.

([103]) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة الصبيان (1919) وأبو يعلى في مسنده (3476) والطبراني في الأوسط (4812).

([104]) أخرجه أبو يعلى في مسنده (4386) والطبراني في الأوسط (897) والبيهقي في شعب الإيمان (4929).

([105]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ (3414)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم (2373).

([106]) أساس البلاغة (2/ 343) لأبي القاسم جار الله محمود بن عمرو الزمخشري، تحقيق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت– لبنان، الطبعة: الأولى، 1419هـ- 1998م.

([107]) انظر: رسائل الجاحظ (ص 100) لأبي عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الشهير بالجاحظ، دار ومكتبة الهلال- بيروت.

([108]) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (13211) من حديث طلحة بن عبد الله بن عوف.

([109]) النماذج الأربعة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعايش مع الآخر (ص 8) للأستاذ الدكتور علي جمعة، دار الفاروق للاستثمارات الثقافية، الطبعة: الأولى، 2013م.

([110]) مقدمة ابن خلدون (2/ 814) لعبد الرحمن بن محمد بن خلدون، تحقيق: د. علي عبد الواحد وافي، دار نهضة مصر، الطبعة: الثامنة، 2017م.

([111]) انظر: تفسير الطبري (15/ 530).

([112]) انظر: تاج العروس (باب الحاء، فصل الصاد مع اللام).

([113]) تفسير الطبري (1/ 75).

([114]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/ 202).

([115]) انظر: معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي (3/ 282) لأبي محمد الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: محمد عبد الله النمر، عثمان جمعة ضميرية، سليمان مسلم الحرش، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة: الرابعة، 1417هـ – 1997م.

([116]) الكليات (ص 561) لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، تحقيق: عدنان درويش- محمد المصري، مؤسسة الرسالة – بيروت.

([117]) تفسير القرآن العظيم (4/ 296) لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، تحقيق: محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون– بيروت، الطبعة: الأولى – 1419 هـ.

([118]) زاد المعاد في هدي خير العباد (3/9) لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، مؤسسة الرسالة- بيروت، مكتبة المنار الإسلامية- الكويت، الطبعة: السابعة والعشرون 1415هـ /1994م.

([119]) تفسير الطبري (23/ 491).

([120]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (18/ 195).

([121]) التحرير والتنوير (30/ 308) لمحمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر – تونس، سنة النشر: 1984م.

([122]) فضل علم السلف على الخلف (ص 34) تأليف: أبي الفرج عبدالرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي- المطبعة المحمودية.

([123]) الرسالة القشيرية (1/ 195) لعبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري، تحقيق: الإمام الدكتور عبد الحليم محمود، الدكتور محمود بن الشريف، الناشر: دار المعارف- القاهرة.

([124]) المرجع السابق (1/ 19، 20).

([125]) إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي (3/ 60، 61).

([126]) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب: الدين يسر (39).

([127]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم (7288) ومسلم في كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر (1337) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([128]) فتح الباري شرح صحيح البخاري (1/ 149) لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السلامي الحنبلي، تحقيق: مجموعة من الباحثين، مكتبة الغرباء الأثرية- المدينة النبوية، الطبعة: الأولى، 1417هـ- 1996م.

([129]) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 266) لنور الدين أبي الحسن ملا علي بن سلطان محمد الهروي القاري، دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1422هـ- 2002م.

اترك تعليقاً