البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفصل الثاني: أثر دار الإفتاء المصرية في تنمية المجتمع وبناء الإنسان من خلال الفتوى المعتدلة

32 views

تمهيد:

تعدُّ الفتاوى المعتدلة صمام الأمان للمجتمعات الإسلامية، وحائطَ الصَّد ضدَّ الأفكار المنحرفة والهدامة التي يروج لها أصحابُ الأيديولوجيات الموجهة والمستفيدة، وانطلاقًا من الدَّور الريادي لدار الإفتاء المصرية وواقع مسؤوليتها؛ فإنها توضحُ وتبينُ من خلال فتاويها دَور الفتوى الفعَّال في بناء الإنسان المعتدل القادر على تنمية مجتمعه ومحيطه، بما للفتوى من دَورٍ عظيمٍ في إحياء ونشر المفاهيم الصحيحة، وتوجيه خطاب ديني متزن يستندُ إلى صحيح الدين ومنابعه الصافية من كتاب الله عز وجل وسنة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وسنبين أثر دار الإفتاء المصرية في تنمية المجتمع، وبناء الإنسان من خلال الفتوى، في عشرة مباحث هامة، تتعدد مجالاتها بين عقدية وشرعية واجتماعية:

  • المبحث الأول: تعظيم شأن الأمة الواحدة مهما اختلفت الاجتهادات والرُّؤى.
  • المبحث الثاني: نشر العقائد الصحيحة.
  • المبحث الثالث: بناء ثقافة فقهية بعيدة عن الغلو والتعصب.
  • المبحث الرابع: تقويم الجانب الأخلاقي والروحي.
  • المبحث الخامس: دعم الدولة في مشاريعها لصالح الوطن والمواطن.
  • المبحث السادس: دعم الأمن المجتمعي والتنمية والتطوير.
  • المبحث السابع: تصحيح الفهم لمصطلحات الشريعة الإسلامية.
  • المبحث الثامن: تنمية الفكر المقاصدي وإبراز روح النصوص.
  • المبحث التاسع: تعميق احترام آدمية الإنسان.
  • المبحث العاشر: الحث على الحوار في الإسلام.

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول: تعظيم شأن الأمة الواحدة مهما اختلفت الاجتهادات والرؤى

لقد عملت دار الإفتاء المصرية على ترسيخ وتعميق مفهوم الأمة الواحدة، وعدم التفرقة بين المواطنين، وتمييزهم في الحقوق والواجبات، وترابط أبناء المجتمع الواحد؛ بحيث يصيرُ أبناء المجتمع نسيجًا واحدًا؛ إذ الناسُ جميعًا في نظرِ الإسلام مجتمع بشري واحد، يقوم على أساس من التعايش، والسلام، والتعددية، ونبذ العنف والخلاف والكره وإثارة الفتن، والأفكار المغلوطة التي تضرُّ بالمجتمع، وتعميق الشعور بالوحدة الوطنية، وأنها تعني عدم التفرقة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، وأن ذلك مطلب شرعي دعت إليه الشريعة ورسخته، وأنه لا يتعارض معها بل هو مفهوم مكمل لما دعت إليه من حفظ للأرض والعرض، وصون كرامة الإنسان، ويستبين ذلك من خلال نقطتين هامتين:

أولًا: تعميق مفهوم الأمة الواحدة:

لقد آمن المسلمون بوحدة تشملهم جميعًا تحت سقف مفاهيم الدين الكبرى التي تجمع الموحدين، وتعظم في نفوسهم حرمة الإسلام، ولقد زكى القرآن الكريم هذا المفهوم للأمة واحدة؛ فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٥١ وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 51، 52]، وهذه الوحدة التامَّة لا بد وأن تؤثر في عقل المسلم المعاصر، وأن تكون أساسًا لفهمه ومنظوره للحياة، ولتعامله مع الأكوان التي هي من صنع الله الواحد سبحانه وتعالى.

ولعل ما حدث في الإسراء والمعراج قد أبان هذا المعنى وأظهره واضحًا جليًّا؛ إذ التقى رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بإخوانه الأنبياء، وصلوا صلاة واحدة، إشارةً إلى أنَّ هذه الأمة تتبع جميع الأنبياء وتؤمن بهم، وذلك باتباعهم لنبيهم الخاتم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك يؤمن الأنبياء عليهم السلام جميعًا برسالة نبينا صلى الله عليه وسلم وفاءً بالميثاق الإلهي الذي أخذوه على أنفسهم بمتابعته صلى الله عليه وسلم.

وكان لتلك الزيارة التي أكرم الله بها نبيَّه المصطفى إلى بيت المقدس دلائلُ كثيرة منها: ختم الرسالات، ووحدة الأمة التي أرادها الله من لدن آدم إلى يومنا هذا، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81].

إن الدين الإسلامي يخاطب كل البشر في جميع الأحوال، فهو الدين الخاتم، دين الرحمة والحب لجميع خلق الله عز وجل، فمن صدَّق بالنبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فهو من أمة الإجابة، ومن لم يصدق فهو من أمة الدعوة.

ويعدُّ من مقتضيات إدراك مفهوم الأمة في الإسلام ترتيب الأولويات، ومنهج التعامل مع الحياة الدنيا، وتحديد العلاقة مع الآخرين، ووضع برنامج عملي لعمارة الأرض، وعلى ذلك فإنَّ إدراكَ مفهوم الأمة أمر أساسي؛ إذ هو يمثلُ المنطلق لهذه القضايا وغيرها، وتفعيل ذلك الإدراك هو نقطة البداية لبناء علاقة سوية في التعامل مع عموم المسلمين، وتعظيم ذلك القدر المشترك الذي يتخطَّى حواجزَ الأعراقِ والثقافات.

وقد عمَّمت دار الإفتاء مفهوم الأمة في عقول المسلمين، فبيَّنت أنها ممتدَّة عبر الزمان، فالأمة تبدأ من آدم، وتشمل كل الرسل والأنبياء في موكبهم المقدس عبر التاريخ، والأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ممتدة عبر الزمان والمكان، وفي جميع الأحوال ولدى جميع الأشخاص، وبناءً على هذا فإننا لا بدَّ أن ننظرَ للأمة بمفهومها الواسع وليس بنظرة محدودة إذا أردنا أن نتحد ونتعاون في ظل الدول الحديثة.

والقرآن الكريم أوضح لنا أن جميع البشر مخلوقون من شيء واحد وهو التراب، قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٞ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم: 20]، وليس هذا إقرارًا لحقيقة الإنسان أو للواقع فحسب، بقدر ما هو تأسيس لمفهوم يبني عليه الاجتماع البشري، فكون بني آدم خلقوا جميعًا من التراب معناه المساواة التي ستكون بين بنيه، فهم كلهم لآدمَ، وآدمُ من تراب، كما ورد في الحديث النبوي، فعن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة، فقال: يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّةَ([1])، الجاهلية وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، قال الله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ [الحجرات: 13]))([2]).

وإذا استطعنا تغيير نظرة الناس من تحكم العنصرية والتمييز إلى تعميم مفهوم الإنسانية، فسيعلمون أن هناك مفهومًا مشتركًا واسعًا فيما بينهم، فأصلهم واحد، ومصيرهم واحد، وهو الموت، فهي دار اختبار لا قرار، قال تعالى: ﴿۞مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ﴾ [طه: 55] وقال تعالى: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٧ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ [الدخان: 7، 8].

فإذا اتسع مفهوم الأمة بهذا المعنى فإنَّ لدينا أمة الدعوة وهي الإنسانية كلها، وأمة الإجابة وهم من صدقوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ودينه ومنهجه في الحياة، وهو مفهوم للأمة يشمل البشرية كلها، ويرى المسلمين مع غير المسلمين أمة دعوة يتوجه لهم جميعًا الخطاب بـ (يا أيها الناس) وإن اختص المسلمون بخطاب (يا أيها الذين آمنوا) حتى إنه في العقائد الإسلامية نرى شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة لجميع الخلائق حتى يصدق عليه قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

فالإسلام دين جاء بنسق مفتوح يخاطب الناس في كل زمان ومكان، فلقد كان النبي يرسل إلى قومه خاصة، حتى إذا ما جاء النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم أرسل للناس أجمعين، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [سبأ: 28].

وبناءً على مفهوم الأمة يشعر المسلم بالأخوة الإنسانية لمن لم يوافقه في دينه، فهذا عليٌّ رضي الله عنه يقول لمالك بن الأشتر وهو يوليه على مصر: «ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفانِ: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزَّلل وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه»([3]).

هذه الفكرة هي التي تجعل المسلم يقبل الآخر على الرغم من أنه يرى غير المسلم على خطأ، لكن هذا الخطأ حسابه عند ربه يوم القيامة، والمسلم في الحياة الدنيا يتعاون ويتعايش مع من حوله من الناس، ولقد ترجم التاريخ الإسلامي هذه الحقيقة، فلم تعرف إبادة جماعية ارتكبها المسلمون بحق شعب من الشعوب، ولم يقهروا الناس على الدخول في الإسلام قهرًا، وبقيت الأديان كلها في المحور الإسلامي، من هندوس ومجوس ونصارى ويهود وغيرهم، وهذه الحقيقة الملموسة يكابر فيها كثير من الناس، محاولين إنكارها، وهي حقيقة كالشمس لا تحتاج إلى إثبات فبرهانها ناطق معها.

ومبدأ عالمية الدعوة قد اقتضى حفظ الكتاب كما تقدم، واقتضى خاتمية الرسالة، فسيدنا محمد هو رسول الله الخاتم الذي لا نبي بعده، وهذا من أجل وحدة الأمة، فأمة المسلمين لها هوية تتحد عليها، فتصلي إلى قبلة واحدة، وتعبد ربًّا واحدًا، ولها نبيٌّ واحد، ولها كتاب واحد لم تختلف عليه، وتصوم شهرًا وحدًا… إلى آخر تلك المظاهر للوحدة التي تتحقق بها الهوية، مع الاختلاف في التطبيق في الفروع.

فالإسلام يَنْظُر إلى الناس جميعًا باعتبار أنهم مجتمع بشري واحد، قال تعالى: ﴿ وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗ﴾ [البقرة: 30]، فالبشر جميعهم عائلة واحدة من أبٍ واحد، وهم جميعًا ورثة تلك الخلافة في إعمار الأرض، ونشر الأمن والسلام، ولكل إنسان في نظر الإسلام الحق في العيش والكرامة دون استثناء أو تمييز.

كما أنَّ الإنسان مكرَّم في القرآن الكريم دون النظر إلى دينه أو لونه أو جنسه، قال تعالى: ﴿۞وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا﴾ [الإسراء: 70]، وما اختلاف البشرية في ألوانها، وأجناسها، ولغاتها، ودياناتها إلا آية من الآيات الدالة على عظيم قدرة الخالق تعالى؛ قال عز وجل: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ﴾ [الروم: 22].

ولقد أكَّدت فتاوى دار الإفتاء المصرية أن الإسلام يعتبر المجتمع البشري مجتمعًا واحدًا، واستدلت بأن المشيئة الإلهية اقتضت أن يكون الإسلام خاتم رسالات الله عز وجل لأهل الأرض، ومن ثمَّ وجب أن تعُم هذه الرسالة الخاتمة كافَّة البشر، وبهذا الاعتبار أصبح الإسلام دينًا عالميًّا، وصار الناس جميعًا أمَّةً لدعوته، مُخاطبين بهديه وشريعته، وإلى هذا المعنى يشير البيانُ القرآنيُّ الحكيم في قول الله تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: 158]، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا﴾ [سبأ: 28]([4]).

ثانيًا: تعميق قيم التعايش المشترك:

إن الله سبحانه وتعالى قد وضع لنا دستورًا وقانونًا للتعامل مع غير المسلم ليكون نبراسًا نسير عليه، حيث قال: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].

– يقول القاسمي: «أي: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين من أهل مكة، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم، وتقسطوا إليهم؛ أي تفضوا إليهم بالبر وهو الإحسان، والقسط وهو العدل، فهذا القدر من الموالاة غير منهي عنه، بل مأمور به في حقهم»([5]).

والخطاب وإن كان في مشركي مكة، إلا أن العبرة بعموم لفظه، وقد حاول بعض المفسرين تخصيصه، فردَّ ذلك الإمام ابن جرير بقوله: والصواب قول من قال: عنى بقوله تعالى: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ﴾ من جميع أصناف الملل والأديان ﴿أَن تَبَرُّوهُمۡ﴾ وتصلوهم ﴿وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ﴾؛ فإن الله عز وجل عم بقوله: ﴿ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ﴾ جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضًا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ؛ لأن برَّ المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرم ولا منهي عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكُراع أو سلاح.

وعلينا أن نعلم أن الشرع الشريف نَهَى عن إحداث الفُرْقَة بين الناس وإثارة الاضطراب والبلبلة، بل إنَّ ذلك يَدْخُل دُخُولًا أَوَّليًّا في مفهوم الإرجاف وإيقاع الفتنة بين الناس الوارد ذكره في قوله تعالى: ﴿۞لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠ مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا ٦١ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا﴾ [الأحزاب: 60- 62].

كما أنَّ إثارة الفتن والاضطرابات والقلاقل بين المسلمين أنفسِهم أو بين المسلمين وغيرهم من أهل الأديان الأخرى واستحلال الدماء والأموال بين أبناء المجتمع الواحد تحت دعاوى مختلفة يُعدُّ من صور الحرابة، والمُتلبِّس بها مستحقٌّ لأقصى العقوبات؛ لأنَّه إفساد منظَّمٌ ضد المجتمع؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].

فهذا كلُّه يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّ الوحدة الوطنية دعا إليها الشرع الشريف، وحثَّ أتباعه عليها؛ إذ الناس جميعًا في نَظَر الشرع الشريف مجتمع بشري واحد يقوم على أساس من التعايش، وإرساء مبادئ السلام والتعددية، ونَبْذ العنف والإكراه وإثارة الفتن واستغلال الدين في الترويج للأفكار المتطرفة التي تضرُّ بالمجتمع.

وقد قامت الفتوى بدَور كبير في ترسيخ مبدأ التعايش السلمي بين البشر رغم اختلاف عقائدهم وأديانهم، فذكرت أنه مما يدلُّ دلالةً قاطعةً على وجود مبدأ التعايش السلمي في الإسلام: أنه لم ينكر الأديان السماوية التي سبقته، بل أوجب على أتباعه الإيمان بجميع كتبهم ورسلهم، وعدم التفرقة بينهم؛ مصداقًا لقول الله عز وجل: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ﴾ [البقرة: 285]، كما أن تنوع الشرائع الدينية من مقتضى المشيئة الإلهيَّة التي لا تتبدل ولا تتحول؛ تصديقًا لقول الله تعالى: ﴿لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ [المائدة: 48]، ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ ١١٨ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡ﴾ [هود: 118، 119].

وأيَّدت ذلك بأن المقاصد العليا للإسلام التي تتمثل في عبادة الله عز وجل، وتزكية النفس، وعمارة الأرض، هي بمثابة الأساس الإيماني لدعوة دائمة للتَّعايش السلمي مع غير المسلمين([6]).

 

المبحث الثاني: نشر العقائد الصحيحة

لقد اعتنى علماء الإسلام بإيضاح العقيدة الصحيحة وبسط الكلام فيها ونصرتها وتدعيمها بالحجج والبراهين العقلية والنقلية، والرد على أهل الزيغ والإلحاد.

ومن أبرز سمات العقيدة الصحيحة هي وحدة الكلمة ونبذ الخلاف، يقول الإمام عبد القاهر البغدادي: «لا يُكَفِّر بعضهم بعضًا، وليس بينهم خلاف يوجب التبري والتكفير، فهم إذن أهل الجماعة القائمون بالحق، والله تعالى يحفظ الحق وأهله، فلا يقعون في تنابذ وتناقض، وليس فريق من فرق المخالفين إلا وفيهم تكفير بعضهم لبعض وتبري بعضهم من بعض كالخوارج والروافض والقدرية، حتى اجتمع سبعة منهم في مجلس واحد فافترقوا عن تكفير بعضهم بعضًا»([7]).

ويقول العلامة ابن السبكي في (شرح عقيدة ابن الحاجب): «اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل، وإن اختلفوا في الطرق والمبادي الموصلة لذلك، أو في لِمِّية ما هنالك. وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف:

الأول: أهل الحديث، ومعتمد مباديهم: الأدلة السمعية؛ أعني: الكتاب، والسنة، والإجماع.

الثانية: أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية؛ وهم: الأشعرية، والحنفية. وشيخ الأشعرية: أبو الحسن الأشعري، وشيخ الحنفية: أبو منصور الماتريدي، وهم متفقون في المبادي العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه، وفي المبادي السمعية فيما يدرك العقل جوازه فقط، والعقلية والسمعية في غيرها، واتفقوا في جميع المطالب الاعتقادية إلا في مسألة التكوين ومسألة التقليد.

الثالثة: أهل الوجدان والكشف؛ وهم الصوفية، ومباديهم مبادي أهل النظر والحديث في البداية، والكشف والإلهام في النهاية»([8]).

لذا حملت المؤسسات الدينية على عاتقها نصيبًا كبيرًا في شرح الحقائق والمفاهيم العقائدية وتعليمها للعامة والخاصة، والرد على ما يثيره البعض من إشكاليات وتحديات نظرية أو تطبيقية تشوب بعض المفاهيم والمسائل العقائدية المتخصصة، والتي يحلو للبعض طرحها على العامة مع استدعاء بعض النصوص الدينية، بما يعمل على تحريف معتقدات المسلمين وتشويه صورة المؤسسات الدينية، مما أدَّى إلى إحداث انقسام بين أبناء الوطن الواحد، وتكريس العنف والصدام بين أهل الدين الواحد، فضلًا عن أهل الأديان المختلفة، ونوضح ذلك في نقاط هامة من خلال قضايا تمسُّ الجانب العقدي في حياة الإنسان، ومنها:

أولًا: دفع شبهة انقسام التوحيد:

ومثال ذلك مما ابتُدعَ: تقسيم التوحيد إلى: ألوهية، وربوبية، وهو من التقسيمات المُحدَثات التي لم تَرِد عن السلف الصالح، وأول من أحدثها على ما هو المشهور هو الشيخ ابن تيمية رحمه الله، ثم أخذه عنه من تكلم به بعد ذلك، ففرقوا بين الربوبية والألوهية، وقالوا: إن الربوبية هي توحيد الله بأفعاله، والألوهية هي توحيد الله بأفعال العباد، وأنهما إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا؛ أي: إن أحدهما يتضمن الآخر عند الانفراد، ويختص بمعناه عند الاقتران؛ فالألوهية تتضمن الربوبية، والربوبية تستلزم الإلهية، وهذا الكلام إلى هذا القدر لا إشكال فيه، إلا أنه تجاوزه إلى الزعم بأن هذا التوحيد وحده لا يكفي في الإيمان، وأن المشركين مُقِرُّون بتوحيد الربوبية، وأن كثيرًا من طوائفِ الأمة من المتكلمين وغيرهم قد اقتصروا عليه وأهملوا توحيد الألوهية.

والقول بأن توحيد الربوبية لا يكفي وحده في الإيمان هو قول مبتَدَعٌ مخالف لإجماع المسلمين قبل ابن تيمية، بل ومخالف لكلامه نفسه من أن توحيد الألوهية متضمِّنٌ لتوحيد الربوبية، وأن توحيد الربوبية مستلزِمٌ لتوحيد الألوهية؛ فإن بطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، فإذا لم يكن المشركون مُقِرِّين بتوحيد الألوهية فلا يصحُّ الزَّعْمُ بعد ذلك أنهم كانوا مُقِرِّين بتوحيد الربوبية؛ ضرورة انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم، وإذا صحَّ إقرار المسلمين بتوحيد الربوبية فلا يجوز أن يُدَّعى أنهم لا يؤمنون بتوحيد الألوهية؛ لأن الفرض أنهما متلازمان، فكيف يثبت الملزوم مع انتفاء اللازم؟!

وقد تصدَّى أهل العلم لردِّ هذا القول وبيَّنوا فساده، وأنه قولٌ باطل لا دليل عليه، وأن كل أحد يؤخذ من قوله ويُترَك إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ثانيًا: بيان حقيقة التوسُّل والتبرُّك:

كذلك قامت بعض الجماعات بتكفير من توسَّل بجاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدعاء، وهذا في الحقيقة تكفير للسواد الأعظم من علماء الأمة؛ لأنَّ التوسُّل به صلى الله عليه وآله وسلم مما أجمعت عليه مذاهبُ الأئمَّة الأربعة المتبوعين، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمر بالتوسُّل به في حديث الأعمى وغيره من الأحاديث الصحيحة؛ جاء في سنن الترمذي وصححه وابن ماجه وغيرهم: ((أن أعمى أتى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إني أصبت في بصري فادعُ الله لي، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: توضأ وصلِّ ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجَّه إليك بنبيك محمد، يا محمد إني أستشفع بك في رد بصري اللهم شفع النبيَّ فِيَّ، وقال: فإن كان لك حاجة فمثل ذلك، فردَّ الله بصره))([9]).

وللعلماء في معنى هذا قولانِ:

أحدهما: أن التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب رضي الله عنه لَمَّا قال: كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، وهو في (صحيح البخاري)([10])، وغيره، فقد ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته في الاستسقاء، ثم توسل بعمه العباس رضي الله عنه بعد موته، وتوسلهم هو استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه، فيكون هو وسيلتهم إلى الله تعالى، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في مثل هذا شافعًا وداعيًا لهم.

والقول الثاني: أن التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم يكون في حياته وبعد موته وفي حضرته ومغيبه، ولا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم في حياته، وثبت التوسل بغيره بعد موته بإجماع الصحابة إجماعًا سكوتيًّا؛ لعدم إنكار أحد منهم على عمر رضي الله عنه في التوسل بالعباس رضي الله عنه، فلا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمرين:

الأول: ما جاء من إجماع الصحابة رضي الله عنهم.

والثاني: أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة؛ إذ لا يكون الفاضل فاضلًا إلا بأعماله، فإذا قال القائل: «اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني» فهو باعتبار ما قام به من العلم، وقد ثبت في (الصحيحين) وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة([11])، فلو كان التوسل بالأعمال الفاضلة غير جائز، أو كان شركًا كما يزعمه المتشددون، لم تحصل الإجابة لهم، ولا سكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم.

وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل بالأنبياء والصلحاء من نحو قوله تعالى: ﴿مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ﴾ [الزمر: 3] ونحو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا﴾ [الجن: 18] ونحو قوله تعالى: ﴿لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ﴾ [الرعد: 14] ليس بواردٍ، بل هو من الاستدلال على محل النـزاع بما هو أجنبي عنه؛ فإن قولهم: ﴿مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ﴾ مصرح بأنهم عبدوهم لذلك، والمتوسل بالعالم مثلًا لم يعبده، بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم، فتوسل به لذلك، وكذلك قوله: ﴿فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا﴾؛ فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره، كأن يقول بالله وبفلان، والمتوسل بالعالم مثلًا لم يدعُ إلا الله، فإنما وقع منه التوسل عليه بعمل صالح عمله بعض عباده كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم.

أما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ﴾ [الرعد: 14] على حرمة التوسل فهو معنًى بعيدٌ؛ لأن الآية الكريمة تتحدث عمن دعوا من لا يستجيب لهم، ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم، والمتوسل بالعالم مثلًا لم يدعُ إلا الله، ولم يدعُ غيره دونه ولا دعا غيره معه.

وهناك العديد من النصوص الشرعية التي نزلت في سياق خاص فانزلها البعض على غير منازلها، كقوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ ١٧ ثُمَّ مَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ ١٨ يَوۡمَ لَا تَمۡلِكُ نَفۡسٞ لِّنَفۡسٖ شَيۡ‍ٔٗاۖ وَٱلۡأَمۡرُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ﴾ [الانفطار: 17- 19] فإن هذه الآية الكريمة ليس فيها إلا أنه تعالى المنفرد بالأمر في يوم الدين، وأنه ليس لغيره من الأمر شيء، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله جل جلاله في أمر يوم الدين، ومن اعتقد هذا لعبد من العباد سواء كان نبيًّا أو غير نبي فهو في ضلال مبين.

وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله: ﴿لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ﴾ [آل عمران: 128]، وقوله تعالى: ﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا﴾ [الأعراف: 188] فإن هاتين الآيتين مصرحتان بأنه ليس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أمر الله شيء، وأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا فكيف يملك لغيره؟ وليس فيهما منع التوسل به أو بغيره من الأنبياء أو الأولياء أو العلماء، وقد جعل الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم المقام المحمود مقام الشفاعة العظمى، وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه وقال له: سل تعطه واشفع تشفع، وقيل ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه ولا تكون إلا لمن ارتضى.

ولا شكَّ أنَّ كلَّ هذه الأدلَّة ظاهرة الدلالة عند الفقهاء وغيرهم من العوام، وكذلك الحال في التبرُّك بزيارة مقامات أهل البيت الكرام وغيرهم من الصالحين؛ فإنَّ زيارة آل بيت النبوة من أقرب القربات، وأَولى القبور بالزيارة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبور آل البيت النبوي الكريم؛ لأن في زيارتهم ومودتهم برًّا وصلةً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل إنَّ زيارة الإنسان لقبورهم آكد استحبابًا وأكثر ثوابًا من زيارته لقبور أقربائه، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحب إليَّ أن أصل من قرابتي»([12]).

– يقول الإمام الغزالي: «إن التكفير هو صنيع الجهال، ولا يسارع إلى التكفير إلا الجهلة، فينبغي الاحتراز من التكفير ما وجد الإنسان إلى ذلك سبيلًا، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة، المصرحين بقول: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم»([13]) اهـ بتصرف يسير.

إذن من يكفر عموم المسلمين والسواد الأعظم بهذه الأمور فهو آثم، ومخالف لإجماع المسلمين، ويتستر تحت أقوال فاسدة ويتخذها ذريعةً لاتهام المسلمين بالشرك مع نسبة كل هذه الأفهام المغلوطة إلى العلماء القدماء، هو من التلبيس والإرجاف الذي ينتهجه أدعياء هذا الفكر الخارجي؛ ليتطاولوا به على حرمات المسلمين، منغمسين بذلك في أوحال التكفير والتفسيق والتبديع لجمهور الأمة ومشاهير علمائها وصالحيها، ومتهمين سلف الأمة وخَلَفها بالشرك والكفر إلا من كان على مثل باطلهم ومشربهم الفاسد.

لذا تحذر دار الإفتاء دائمًا من أدعياء الدين، وأخذ الدين من غير أهله؛ لأنهم يحرفون دين الله، فروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما تعليقًا ووصله ابن جرير الطبري في (تهذيب الآثار) بسند صحيح (أنه كان يراهم شِرارَ خلقِ الله)، وكان يقول: «إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين »([14]).

وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة))([15])، وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((الخوارج هم كلاب النار))([16]).

كما قامت دار الإفتاء بدورها بتحذير المسلمين من السير خلف الأفكار التكفيرية الضالَّة التي يطعن بها خوارجُ العصر في عقائد المسلمين.

ودعت دار الإفتاء كل أهل العلم أن يبينوا لهؤلاء الأغرار فساد معتقداتهم حتى يرجعوا إلى الحق الذي يُرضِي اللهَ ورسولَه صلى الله عليه وآله وسلم.

المبحث الثالث: بناء ثقافة فقهية بعيدة عن التعصُّب والتشدُّد

لقد بيَّنت دار الإفتاء المصرية أنَّ الاختلاف من سنن الله عز وجل في الكون، وإنه قد اختلف علماء الشريعة في بعض المسائل الفرعية، وكان في اختلافهم هذا رحمة وإثراء للفقه الإسلامي، كما نهت عن التشدُّد في الدين والتعصُّب لمجرَّد الاختلاف فإنَّ التعصُّب أمر مذموم، وذلك يتبين من خلال مفهومين:

أولًا: تقبل الاختلاف المذهبي:

إن الأصل في التشريع الإسلامي أنه قد جاء لتحقيق الرحمة، ودفع المشقة؛ لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ ﴾ [البقرة: 185].

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ اختلاف الصحابة رحمة، وأنَّ الهداية حاصلة بالأخذ بقول أي واحد منهم؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم))([17])، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به، لا عذر لأحد في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله، فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنتي، فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة))([18]).

فالتخيير بين أقوال المجتهدين هو من جزيل مواهب الله تعالى على عباده، ولذلك قال الحافظ السيوطي في هذا الحديث فوائد: «إخباره صلى الله عليه وآله وسلم باختلاف المذاهب بعده في الفروع، وذلك من معجزاته؛ لأنه من الإخبار بالمغيَّبات، ورضاه بذلك، وتقريرُه عليه، ومدحُه له؛ حيث جعله رحمة، والتخيير للمكلف في الأخذ بأيها شاء من غير تعيين لأحدها .واستُنبِط منه: أنَّ كل المجتهدين على هُدى، فكلهم على حق، فلا لَوْمَ على أحد منهم، ولا ينسب إلى أحد منهم تخطئة؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((فأيما أخذتم به اهتديتم))، فلو كان المصيب واحدًا والباقي خطأ، لم تحصل الهداية بالأخذ بالخطأ»([19]).

وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: «ما سرني لو أن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة». وفي لفظٍ آخر عنه: «ما يسرني باختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه و على آله وسلم حمر النعم؛ لأنا إن أخذنا بقول هؤلاء أصبنا، وإن أخذنا بقول هؤلاء أصبنا»([20]).

وقال الإمام عبد الوهاب الشعراني: «إن الشريعة المطهرة جاءت شريعةً سمحاءَ واسعةً شاملةً قابلةً لسائر أقوال أئمة الهُدى مِن هذه الأمة المُحمَّدية، وأنَّ كُلَّا منهم -فيما هو عليه في نفسه- على بصيرةٍ من أمره وعلى صراطٍ مستقيم، وأنَّ اختلافهم إنَّما هو رحمة بالأمة، نشأ عن تدبير العليم الحكيم»([21]).

ولذلك نصَّ العلماء في قواعدِ الفقه وأصوله على أنَّ الشأن في المسائل الخلافية أنه لا إنكارَ فيها.

وبناءً على ذلك: فإنَّ مقولة «اختلاف العلماء رحمة» صحيحة شرعًا؛ لأنَّ الأصلَ في التشريع الإسلامي أنه جاء لتحقيق الرحمة، ودفع المشقة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ اختلاف الصحابة رحمة، وأنَّ الهداية حاصلة بالأخذ بقول أي واحد منهم.

ثانيًا: النهي عن التشدُّد في الدين:

فقد جاءت شريعة الإسلام بالرفق والرحمة والهداية إلى الصراط المستقيم، وكان من أهم مقاصدها رفع المشقة والحرج عن الناس؛ قال الحق تبارك وتعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107] وقال سبحانه: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡ﴾ [الأعراف: 157] وقال جلَّ شأنه: ﴿مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]، ولهذا فإنَّ التشدد في الدين أمر مذموم؛ لأنه يتنافى مع مقاصدِ الشريعة السمحة ومع ما جاء في نصوصها الصريحة الدالة على أنَّ مدار التكليف هو التيسير والتخفيف والمقاربة قدر استطاعة المُكلَّف.

وقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة))([22])، وعن محجن بن الأدرع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إنكم أمة أريد بكم اليسر))([23]).

يقول الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): «وفي حديث محجن بن الأدرع عند أحمد: ((إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة))([24])، و((خير دينكم اليسرة))([25])، وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية؛ فإنَّ الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطُّع، كمَن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء فيفضي به استعماله إلى حصول الضرر»([26]).

والتشدُّد في غير موضع التشديد يعدُّ من التنطُّع المذموم شرعًا، فما جعل الله فيه سعة ومجالًا لاختلاف العلماء وتعدُّد اجتهاداتهم لا يكون موضعًا للتشديد والإنكار، ولهذا تقرَّر في قواعد الفقه أنه: «لا ينكر المختلف فيه، وإنما ينكر المجمع عليه»([27]).

ويقول الشيخ ابن تيمية في (الفتاوى الكبرى): «وفي (صحيح مسلم) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((هلك المتنطعون)) قالها ثلاثًا([28])، أي: المشددون في غير موضع التشديد»([29]).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: ((لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار ﴿وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ﴾ [الحديد: 27]))([30]).

فهذا نهي عن التشدُّد في الدين؛ لأنه يستتبع شدَّة التكليف وشدَّة العقوبة؛ فالله سبحانه وتعالى جعل الدين سهلًا سمحًا، ومن يخالف مقاصد الدين ويضاد الفطرة ويُشدِّد على نفسه، فإنه حتمًا سيُقصِّر فيما أوجبه على نفسه من الشدَّة التي اعتبرها من الدين، فيظل بعد ذلك يرى نفسه بعيدًا عن الدين مخالفًا له وتقل عزيمته وتضعف همته، ولا يدري أنَّ تشدّده كان هو مدخل الشيطان إليه؛ قال تعالى: ﴿وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: 27]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه))([31]).

المبحث الرابع: تقويم الجانب الأخلاقي والروحي

تعدُّ تزكية النفس وتربيتها وإعلاء قيم الروح هي الأساس الذي ينطلق منه المؤمن إلى ربه إيمانًا، وعبادةً، وخُلقًا ومعاملةً مع الخلق، فعبادة الله تعالى لا تصدر إلا عن نفس صالحة صافية، لا تحمل حقدًا ولا حسدًا، كما أن إعمار الكون يبدأ من إعمار الإنسان أولًا وتزكيته، ثم بعد ذلك هو من يعمر الكون.

وترقي المؤمن في مراتب الإحسان والقرب من الله عز وجل لا يكون إلا بتربية وتزكية روحية، فالإنسان هو أولى أولويات ومحط عناية الشريعة الإسلامية، وسوف نوضح ذلك من خلال أمرين هامين:

الأول: يتعلق بتزكية النفس وإرساء الأخلاق المحمدية القويمة.

والثاني: يتعلق بإبراز دور التصوف الإسلامي في إصلاح الأفراد والمجتمعات وترقية المؤمن وتحققه بمرات القرب والمحبة الإلهية.

ونتناول ذلك في ثلاث نقاط:

أولًا: تفعيل منظومة القيم الأخلاقية:

لا ينبع الخير إلا من نفسٍ تحمل الرحمة لذاتها ولغيرها، وتعمل على بذل العطاء ابتغاء لمرضاة الله تعالى، ولذلك حرصت دار الإفتاء على نشر الأخلاق الفاضلة، وعلى رأس تلك القيم صفتان هما منبت كل الفضائل وهما (الرحمة والعدل)، فالرحمة هي الغاية العظمى من بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107] وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]، وقال تعالى: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنعام: 12].

وآيات الرحمة في القرآن كثيرة، وقد تكررت مفردة الرحمة في القرآن الكريم خمسًا وسبعين مرة منسوبة لله تعالى تارة، وللرسول صلى الله عليه وآله وسلم أخرى، وللوحي تارة، ولعامة المؤمنين مرات عديدة، وحثَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ضرورة التراحم بين العباد جميعًا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله))([32])، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار))([33]).

فرسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم جاء ليُعَلِّمَ الخَلقَ كيف تكون الرحمة، واستفتح الله تعالى وَحيَه إليه بقوله: ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ ولم يقل: (بسم الله الرحمن المنتقم)، فالرحمة هي بدايـة الوحي ومبنَى الدِّين وعليها مـدار الإسلام.

وهذه الرحمة العظيمة هي التي جعلت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصبر كثيرًا على أذى المشركين له وأصحابه الكرام بشتى أنواع الإيذاء البدني واللفظي، على الرغم من أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان حريصًا على هدايتهم وعلى نجاتهم، وقد جاءه جبريل عليه السلام قائلًا له: ((إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد، فقال، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا))([34]).

ولقد انتشر الإسلام شرقًا وغربًا بجميل خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من صلة للأرحام، وحسن المعاملة، والكلام الجميل، والابتسامة الودود، والعشرة الطيبة؛ فغزا قلوب الناس بالحب، فالعنف لا يفتح القلوب للمحبة، ولا يخاطب العقول بالحجة والبرهان، والإكراه لا يثبت عقيدة صحيحة.

ورحمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير مختصة بفئة أو عرق، بل كانت للعالمين كافة، كما أنها لم تكن قاصرةً على أهل ذلك الـزمان، بل امتدَّت على مدار التاريخ والأيام لتشمل الأجيال اللاحقة، قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّ‍ۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢ وَءَاخَرِينَ مِنۡهُمۡ لَمَّا يَلۡحَقُواْ بِهِمۡ﴾ [الجمعة: 2، 3].

وعندما أرسل الله تعالى النبي محمدًا رحمةً للعالمين كان رحمةً شاملةً للوجود أجمع، استفاد منها المسلم لقوله تعالى: ﴿بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾، واستفاد منها غير المسلم، فعندما قيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ادع عليهم قال: ((إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة)).

وكما شملت الرحمة في الإسلام الإنسانية كلها دون تفريق على أي أساس ديني أو عرقي، شملت كذلك الحيوانات التي لا تستطيع التعبير عن مكنون نفسها؛ فالمرأة التي حبست الهرة دخلت فيها النار بقسوتها عليها، والبَغِيُّ التي أنقذت كلبًا من العطش أدخلها الله تعالى الجنة برحمتها لذلك الكلب، حتى روي عن بعض حكام المسلمين أنه كان يأمر عماله بنثر القمح على رؤوس الجبال حتى لا يقال جاعت الطير في بلاد المسلمين! لقد تغلغلت الرحمة في قلوب المسلمين حتى صارت منهج حياة، وأسلوب دعوة، ونمط تعايش، ولهجة خطاب، وظهر ذلك في حربهم قبل سلمهم، وفي شدتهم قبل رخائهم، ومع مخالفهم قبل موافقهم.

ولا شكَّ أن هذه السمة العظيمة لرسالة وحضارة الإسلام تؤكد بالدليل الدامغ أنَّ ما تقوم به بعض الجماعات المتطرفة من إرهاب وسفك للدماء بغير وجه حق هو شيء لا علاقة له بالإسلام من قريب أو من بعيد، وتؤكد كذلك أن الإسلام لن تعود حضارته فاعلة في نفوس العالمين تظلل البشرية إلا تحت ظلال الرحمة.

ومن أهم السمات التي يجب أن يتسم بها المؤمن بعد الرحمة هي العدل، والعدل هو ميزان الكون وأساس الملك، وقد فرضه الله تعالى في كل الكتب المنزلة، واتفقت البشرية في قوانينها الوضعية على وجوب تحقيقه والتزامه وبناء الأحكام عليه، وكلما تحققت الأمم بالعدل ارتقت حضاريًّا، وكلما فشا الجور والظلم في أمة تخلفت وسقطت في درك الشقاوة والفقر والتخلف والجهل، ولقد أوصى القرآن الكريم بالعدل وألزم الناس حاكمين ومحكومين به، فقال تعالى: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا﴾ [النساء: 58]، وقال تعالى: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].

والعدل لا يكون عدلًا إلا إذا كان قانونًا ساريًا على الجميع دون استثناء، وقد بيَّن الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم أن من أسباب هلاك الأمم إقامة العدل والحد وتطبيق القانون على الضعيف دون الشريف، وعلى الفقير دون الغني، وأول من ألزمه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم معنى العدل ألزم به ذاته الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم، فلقد جمع الناس ذات يوم، وقال: ((يا أيها الناس، إنه قد دنا مني حقوق من بين أظهركم، فمن كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليسْتَقِدْ منه، ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليسْتَقِدْ منه، ومن كنت أخذت له مالًا فهذا مالي فليستقد منه، ولا يقولن رجل: إني أخشى الشحناء من قِبَلِ رسول الله، ألا وإن الشحناء ليست من طبيعتي، ولا من شأني، ألا وإن أحبكم إليَّ من أخذ حقًّا إن كان، أو حللني فلقيت الله وأنا طيب النفس))([35])، وألزمه كذلك ابنته فاطمة رضي الله عنها؛ فعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها))([36]).

والعدل لا يكون عدلًا حقًّا ولا يحقق مقاصده السامية إلا إذا طبق على الموافق والمخالف والقريب والبعيد على السواء، فلقد طبقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لصالح غير المسلمين، فلما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة وكانت السقاية في قبيلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بني هاشم، والحجابة في بني شيبة، وأراد العباس رضي الله عنه أن يجمع بين شرفي السقاية والحجابة معًا لبني هاشم، فرفض النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: خُذُوها يا بنِي أبِي طلحة تالِدةً خالِدةً، لا ينزِعُها مِنكُم إِلَّا ظالِم، ودعا عثمان بن طلحة وأعطاه مفتاح الكعبة.

وتحاكم يهودي ومسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان الحق لليهودي، فحكم له على حساب المسلم.

ومن الوثائقِ الخالدة التي أرست معنى العدل في قوانين الإسلام كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء: عن أبي المليح الهذلي، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: «أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك بحجة، وأنفذ الحق إذا وضح، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، وآسِ بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا ييأسَ الضعيف من عدلك ولا يطمع الشريف في حيفك، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا، لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل»([37]).

نعلم من ذلك أن تزكية النفس ورقيها جزء من حياة المسلم، فلا يوجد في حياة المسلم أي فعل أو سلوك يمكن أن يقوم به وهو غير متقيد بالمنظومة الأخلاقية التي أقرَّها الإسلام.

لذا حثَّت دار الإفتاء على التخلية قبل التحلية وتزكية النفس وتربيتها على الأخلاق القويمة وخاصة الطفل فلا بد من تنشئته تنشئة اجتماعية صحيحة، بحيث يصبح عضوًا فاعلًا في المجتمع، نافعًا لدينه ووطنه، فإذا استوعب الطفل منظومات القيم السائدة في المجتمع فإنه بذلك يصبح مزودًا بمرجعية أخلاقية ومعيارية، تجعله قادرًا على الالتزام بالقيم وعلى المشاركة في مختلف مجالات المجتمع.

وعلينا جميعًا أن ندرك أننا مستأمنون على ما وهبنا الله إياه من سمع وبصر وأموال وأبناء، فإن الإنسان لا يملك ما في حوزته على الحقيقة، وإنما هو مستخلَف فيه، يقوم فيه بدور الوكيل الذي ينفذ ما يطلبه المالك الحقيقي بأمانة ومسؤولية، قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ﴾ [الأنعام: 165] وقال أيضًا: ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون))([38]).

ثانيًا: دور التصوف في الإصلاح وتحقيق المحبة والقرب من الله:

يمثل المنهج الصوفي في اعتنائه وتناوله للنفس البشرية، باعتباره جوهرًا وجزءًا من ثقافة المجتمعات بميزات تختلف عن المناهج الأخرى، من حيث الاكتمال والتفرُّد بخصائصَ لا توجد في أي نهج آخر، من أهمها مثلًا:

  • قيامه على جميع التعاليم الإسلامية والآداب التي تحمي النفس البشرية وتحافظ على الانضباط، في إطار الروحانية والقلب، الأمر الذي يجعل التعاليم الشرعية نهجًا حيًّا ومتجددًا.
  • تعدُّد الطرق والوسائل التي يستخدمها للتعامل مع النفس البشرية؛ وذلك لطبيعة اختلاف النفس وتنوعها.
  • ربطه الإنسان في جميع أوقاته وأحواله بالله سبحانه وتعالى، فلا تكون التربية دنيوية فقط، وإنما تتأتى منها ثمار الخير في الدنيا والآخرة.
  • لا يفصل المنهج الصوفي بين التعبُّد لله وتقويم السلوك وتربية النفس بل يعتبر تطبيق الشرائع الإسلامية تربية وجهادًا وترقية للنفس.
  • المنهج الصوفي في تربية النفس البشرية يحقق التضامن في المجتمع، وينشر الألفة والمحبة بين أفراده، وينشر قيم التعاون والأخوة بتحويل القيم الروحية إلى سلوك عملي وواقعي.
  • اعتماده على الشيخ المربي كقدوة عملية وعلمية في منهج التربية، ولا بد في ذلك الشيخ من اجتماع العلوم الشرعية التي يتم بها تصحيح العبادة لله والعلوم الروحية التي يتم بها تزكية النفس وإعلاء الروح، في اعتدال بغير إفراط ولا تفريط.
  • يقوم على نشر قيم المحبة والإخاء والتواضع، فالصوفي يرى جميع المسلمين إخوانًا له صغيرهم وكبيرهم، ويرى أن الجميع له حال مع الله ولا يرى نفسه -أي الصوفي- أفضل من غيره أبدًا، وأنه لو فعل ذلك لسقط من نظر الله إليه، فالكبر والعُجب وجميع أمراض النفوس يعنى بها ويقوِّمها منهج التربية الصوفي.
  • نظر المنهج الصوفي للمثال المحمدي الأسمى في آدابه وسلوكياته وإحسانه على أنه المثال الأتم الأكمل الذي يجب اتباعه ومجاهدة النفس في التقرب منه حالا وصفات وآدابًا وعبادةً، فالطريق الصوفي في جميع أحواله من بدئه إلى ختامه مقيد باقتفاء أثر المصطفى صلى الله عليه وسلم.

إصلاح التصوف للفرد والمجتمع:

يقوم التصوف الإسلامي على إعلاء مكارم الأخلاق ونشرها بين الأفراد والمجتمع ككل؛ حتى تسود روح المودة وحب الغير بين الناس، بل إن أئمة التصوف ومشايخه عرفوا التصوف بأنه الزيادة في الخُلق الحسن والخروج من كل خلق دني، فقالوا: «التَّصوُّف: الدخول في كل خُلُقٍ سَنيٍّ، والخروجُ من كلِّ خُلُقٍ دنيٍّ»([39])، وقيل أيضًا: «التَّصوُّف خُلُقٌ فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الصَّفاء»([40]). فإذا تحقق الإنسان بهذه الأخلاق القويمة وتملكت بقلبه، يتحول هذا الإنسان لشخص طاهر نقي ويكون ذلك محركًا للعمل الصالح والسلوك الحميد في جميع مناحي حياته وتصرفاته.

فالتصوُّف هو طريقُ الإعمار في الأرض بإصلاح الأصل والذات المنوط بها هذا التعمير والبناء، ويعد منهجًا للاستخلاف الإلهي للمؤمنين فيما أقامهم الله فيه من عمارة الكون والحياة والتصالح مع النفس والغير والخالق سبحانه وتعالى.

ويعدُّ التصوف مدخلًا من أوسع المداخل إلى الحضارة ونشر العلوم بما يحويه من نظرة كلية وتناغم مع الكون والنفس وصفاء وتصالح مع الذات، ويشهد بذلك التصانيف التي صنفها أئمة التصوف وشيوخه المصلحون عبر التاريخ في شتى المعارف ومجالات الفكر ونشر الخير والفضائل، وبما يحويه من تراث عظيم اجتماعي وتراث شعري وفني وأدبي، وقد شرحت هذه التصانيف أحوال النفس البشرية وطرق علاجها، ومراتب الروح وسبل العروج فيها.

كما أنَّ للتصوف دورًا بارزًا في نشر الإسلام لمختلف البقاع والأقطار على مدى الزمان، مما لم تصل إليها يد الفتوحات الإسلامية، كدول شرق آسيا وغرب إفريقيا.

لقد حافظ التصوف على هوية الإسلام سمحة نقية نابضة بالحياة كأنه ما زال يتنزل بما فيه من تجديدٍ، وروحٍ حيةٍ، وإعمارٍ، وفكرٍ، وتطبيقٍ، وسلوكٍ، ولذا يأتي التصوف كمنهج وسط لإصلاح المجتمعات والأفراد وبخاصة مع ظهور مختلف التيارات المادية التي تتبنى مشاريع فكرية وأطروحات لا تتماشى مع جوهر الدين وأصالته، بجنوح تلك التيارات إما أقصى الشمال أو أقصى اليمين، ولذلك فإن تزكية النفس هي ضامنة الحفاظ على المجتمعات وتربية وإصلاح أفرادها بما لها من منهج رباني يقود إلى صلاح المجتمع كله ونشر الخير فيه.

ثالثًا: دور التصوف في نشر المحبة:

لقد اهتم الصوفية بأمر المحبة اهتمامًا بالغًا بحيث جعلوا المحبة هي المبدأ والمنتهى وهي الجسر والصلة وبها يعرف الصوفي وعليها مدار كلامهم وأشعارهم وتنوع مراتبهم وأحوالهم، فالحب مذهبهم والحب دينهم والحب داؤهم ودواؤهم، وهو طريقُهم إلى الله سبحانه وتعالى ومعراجهم إليه؛ إذ كيف يشغلون عن محبوبهم؟! وبأي حق ينصرفون إلى من سواه؟! بل هم الذين جعلتهم محبتهم خالين عن السِّوى، فلا يسمعون ولا يبصرون ولا تدرك بصائرهم إلا على مراد الله محبة وإجلالًا وخشية.

فأهل التصوف هم أهل المحبة الذين نشروها وتوسعوا في أوصافها ومسالكها وأوديتها وشربوا من بحارها، ومن أجل هذه المحبة زهد منهم من زهد، وسهر منهم من سهر، وبها عبدوا الله ووحدوه، وبها رأوا آثاره في كل خلقه دالَّة عليه، فأنبت ذلك في قلوبهم رحمة وتواضعًا للخلق ورأفة بهم لأنهم مظاهر قدرة محبوبهم وعباده.

ويقول الحارث المحاسبي رضوان الله عليه في ذلك المعنى: «المحبة ميلُك إلى الشيء بكلِّيَّتك، ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك وموافقتك له سرًّا وجهرًا، ثم علمك بتقصيرك في حُبِّه»([41]).

ومن ثمارها إقبالك على الله عز وجل، والزهد فيما سواه، يقولُ ابنُ الدَّبَّاغ رحمَه الله: «ولمَّا كان مطلب ذوي العقول الكاملة والنفوس الفاضلة نيل السعادة القصوى التي معناها الحياة الدائمة في الملأ الأعلى، ومشاهدة أنوار حضرة قدس المولى، والتلذذ بمطالعة الجمال الإلهي الأسنى، ومعاينة مطالع النور القدسي الأبهى، وهذه السعادة لا تحصل إلا لنفسٍ زكيَّةٍ قد سبقت لها في الأزل العناية الربَّانيَّة بتيسيرها سلوك الطرق العلميَّة والعمليَّة؛ المفضيات بها إلى المحبَّة الحقيقيَّة، والشَّوق إلى الأنوار الإلهيَّة، وبحصول هذه السَّعادة يحصل للنفوس العارفة من اللذَّة والابتهاج ما لَا عَينٌ رأَت ولا أُذنٌ سمعت ولا خطَر على قلب بشرٍ، فيجب على كلِّ ذي لبٍّ المبادرة إلى تحصِيل هذا الأمر الجليل، وورود هذا المورِد السَّلسبِيل الذي لم يصل إليه من النَّاس إلا القليل، فالعاشق يحنُّ إلى هذا الموطن الجليل وينجذب جملةً إلى ظلِّه الظَّليل ونسيمه العليل»([42]).

ولقد استمدَّ أهلُ التصوف أصلَ هذه المحبة من الكتاب والسنة، فمن يتدبر كتاب الله يجد الآيات تدعو إلى محبة الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أشد المحبة حتى يتحقق فيهم قول الحقِّ: ﴿يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ [المائدة: 54]، ويجد أن الله قد جعل إدراك هذه المرتبة باقتفاء آثار الحضرة النبوية المشرفة، فلا نيل مراتب ولا قطع حجب إلا بمتابعة المصطفى صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]، وذلك نص صريح على أنَّ محبته صلى الله عليه وسلم هي الدليل والمدخل لمحبة الله سبحانه وتعالى، بل إنَّ محبته صلى الله عليه وسلم هي عين المحبة في الله ولله؛ إذ منبع هذه المحبة في حقيقتها هو أمر الله وطلب مرضاته والوصول إلى معارج قدسه، ولا يكون ذلك إلا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم واجتناب نواهيه.

ويقول أبو بكر الكتاني رحمه الله: «جرت مسألة في المحبة بمكة أعزها الله تعالى أيام الموسم، فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد أصغرهم سنًّا، فقالوا: هاتِ ما عندك يا عراقي، فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال: عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، أحرق قلبه أنوار هيبته، وصفا شربه مِن كأس وده، وانكشف له الجبار من أستار غيبه، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله، فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيدٌ»([43]).

ويقول الشيخ أحمد الرفاعي رضوان الله عليه: «من أحب الله علم نفسه التواضع، وقطع عنها علائق الدنيا، وآثر الله تعالى على جميع أحواله، واشتغل بذكره ولم يترك لنفسه رغبةً فيما سوى الله تعالى»([44]).

ومن أشعارهم في المحبة، والهيام بمحبوبهم ومطلوبهم، يقول المقدسي:

فِي حُـبِّـهِ يُـستَعـذَبُ الـتَّعـذِيبُ
       
وبِـذِكْـرِه يَـحلُو الَهوَى وَيَطِيبُ

يَـا لَائِـمِي فِي حُبِّه مُتَعسِّفًا

أَقصِـر فَـمَـا لَـكَ مِـن هَـوَاهُ نَـصِــيبُ

مَا كُلُّ مَن يَهوَى يُحبُّ وَلَا الَّذِي

يُقـصَى بَـعِيدٌ وَلَا القَرِيبُ قَرِيبُ

مَن لَم يَكُن أَهلًا لِحَضـرَةِ قُـربِـهِ

ذَاكَ الَّذِي فِي حَـالَتيـهِ غَـرِيــبُ

ويقول سيدي عمر بن الفارضِ رضوان الله عليه في بيان المحبة:

زِدْنِي بِفَرطِ الحُبِّ فِيــكَ تَحيُّرَا

وارحَم حَشًى بِلَظَى هواكَ تَسَعَّرا

وَإِذَا سَأَلتُكَ أَنْ أَرَاكَ حَقِيــقَةً

فَاسمَح وَلَا تَجعَل جَوَابِي لَن تَـرَى

يَا قَلْبُ أَنتَ وَعدتَنِي فِي حُبِّهم

صَبرًا فَحَاذِر أَن تَضِيقَ وتَضْـجَرَا

إنَّ الغَرَامَ هُو الحَيَــاةُ فمُتْ بِهِ

صَــبًّا فحقُّكَ أَن تَموتَ وتُعــذَرَا

وقال الحلاج رضوان الله عليه:

والله مَا طَلَعَت شَمْسٌ وَلَا غَربَتْ

إِلَّا وذِكْرُكَ مَـقرُونٌ بأَنـفَاسـِـي

وَلَا خَـلَوتُ إِلى قَــومٍ أُحَدِّثُهُـم

إِلَّا وَأنتَ حَـدِيثِي بَينَ جُلَّاسـِي

وَلَا ذَكَرتُكَ محزُونًا وَلَا فَرِحًــــا

إِلَّا وأَنــتَ بِقَلبِـي بَينَ وسْوَاسِي

وَلَا هَمَمتُ بِشُربِ الماءِ مِن عَطَشٍ

إلَّا رَأيتُ خَيـالًا مِنكَ فِي الكَاسِ

وَلَو قَدِرتُ عَلَى الإتيَانِ جِئتُكُـم

سَعيًا على الوَجهِ أَو مَشيًا عَلَى الرَّاسِ

وله رحمه الله:

الله يَعلَـمُ مَا فِي النَّفْسِ جَارِحَة

إلَّا وذِكْـرُكَ فِــيهَا نَــيلُ مَا فِيهَا

وَلَا تَنَفَّـستُ إلَّا كـنتَ فِي نَفَسـِي

تَجرِي بِكَ الرُّوحُ مِنِّــي فِي مجَارِيهَا

أَوْ كانـتِ العَينُ مُذْ فَارَقْتَهَا نَظَرَت

إلى سِــواكَ فَـخَــــانَتْهَا مَـآقِيـهَا

أَو كـانَتِ النَّفْس بَعدَ البُعدِ آلِفَةً

خَلْقًا عَــداكَ فَلَا نَالَتْ أَمَانِيــهَا([45])

ولا شكَّ أنَّ لهذه المحبة عند الصوفية ثمارًا بَدَت فيهم وفي من نهج نهجهم، وفي كل من حولهم، حتى فاضت على المجتمع الإسلامي فيوضات من المحبة والمودة ونشر الخير والرأفة بالخلق مع كمال التوجه لله سبحانه وتعالى، فذلك هو التصوف، وهذه هي ثماره وآثاره بارزة المعاني واضحة البيان والمنهج.

ولذلك بينت دار الافتاء أن منهج التصوف منهجٌ راقٍ يعمل على تزكية الإنسان وإعلاء قيم المحبة والمودَّة وحمل الخير والرحمة للجميع بما يضمن استقرار المجتمع الإنساني وتحقق إصلاحه من الداخل والخارج.

كما بينت فتاوى دار الإفتاء أن للتصوف ثلاثةَ مظاهر، هي: الاهتمام بالنفس ومراقبتها وتنقيتها من الخبيث، وكثرة ذكر الله عز وجل، والزهد في الدنيا وعدم التعلُّق بها والرغبة في الآخرة، وأن التصوف برنامج تربوي، يهتم بتطهير النفس من كل أمراضها التي تحجب الإنسان عن اللهِ عزَّ وجل، وتقويم انحرافاته النفسية والسلوكية فيما يتعلق بعلاقة الإنسان مع الله ومع الآخر ومع الذات([46]).

المبحث الخامس: دعم الدولة في مشاريعها لصالح الوطن والمواطن

لقد سعت دار الإفتاء في دعم ومساندة الدول فيما تقوم به من مشروعات خدمية للصالح العام، كتمويل الجمعيات والمؤسسات لإقامة المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، كما حثَّت وشجعت على المساهمة في تعمير الدول وتطوير الخدمات العامة بها من خلال التبرعات لصالح الدولة بمؤسساتها المنوطة بذلك، لإقامة المنشآت كالمدارس والجامعات والمستشفيات، وتوفير علاج للمرضى والتكفل بالمحتاجين، ورسخت مفاهيم ذلك الدعم المجتمعي من أجل تنمية مستدامة، من خلال العديد من المفاهيم، ومنها:

أولًا: دعم الكفالة الاجتماعية:

جعلت الشريعة الإسلامية كفاية الفقراء والمساكين من آكد ما تصرف فيه أسهم الزكاة؛ فإنهم في صدارة مصارفها الثمانية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [التوبة: 60]، تأكيدًا لأولويتهم في استحقاقها، وأن الأصلَ فيها كفايتهم وإقامة حياتهم ومعاشهم سكنًا وكِسوةً وإطعامًا وتعليمًا وعلاجًا، وقد خصَّهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالذِّكر في حديث إرسال معاذٍ رضي الله عنه إلى اليَمَن: ((فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)) ([47]).

فحثَّت الفتوى على كفاية الفقير بتوفير حاجته الأساسية من مسكن وملبس ومأكل وعلاج إلى غير ذلك من الضرورات.

كما دعت إلى بناء دور الرعاية للأطفال الذين بلا مأوى وتجهيزها والصرف عليها، وتعليم هؤلاء الأطفال وتدريبهم وتأهيلهم، والإنفاق على هؤلاء له مدخلان في مصارف الزكاة:

أولهما: مصرف الفقراء والمساكين؛ وذلك بإعدادهم وبنائهم بناءً يغنيهم عن تكفف الناس ويمكِّنهم من ممارسة حياتهم الطبعية التي تكفل انخراطهم في عجلة المجتمع وانسلاكهم في بنائه وضمان دخول ثابتة تكفيهم ومن يعولون.

وثانيهما: مصرف (في سبيل الله)؛ فإن هذا المصرف يدخل فيه الجهاد باللسان والسنان، والجهاد بالسنان يكون لصد العدوان ورفع الطغيان، أما باللسان فيكون بالدعوة إلى الله تعالى وطلب العلم، ومن العلماء من جعل الصرف على طلبة العلم داخلًا أيضًا في مصرف الفقراء والمساكين؛ حيث جعلوا من مصارف الزكاة كفايتَه ومن يعول لتمكينه من التفرغ لطلب العلم؛ صرح بذلك الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو مقتضى مذهب المالكية.
فقد نقل العلَّامة ابن عابدين الحنفي ما نصه: «ورأيته في جامع الفتاوى ونصه، وفي (المبسوط): لا يجوز دفع الزكاة إلى من يملك نصابًا إلا إلى طالب العلم والغازي ومنقطع الحج»([48]).

وقد جاء في (المجموع): «ولو قدر على كسب يليق بحاله إلا أنه مشتغل بتحصيل بعض العلوم الشرعية بحيث لو أقبل على الكسب لانقطع من التحصيل: حلت له الزكاة؛ لأن تحصيل العلم فرض كفاية»([49]).

وبينت دار الإفتاء أن إقامة المشروعات الصغيرة والمتوسطة بعمل مشروعات للشباب والمرأة المعيلة هو من أفضل الصدقات والزكوات؛ لأن فيه ما يغني الفقير عن المسألة على الدوام، فيكون قد أغناه ومن يعول، ورفع عنه حرج السؤال ومذلته.

أضف إلى ذلك أن إقامة المشروعات تحول الفقير إلى عضو فاعل ومنتج في المجتمع؛ وذلك لأن العطاء في الزكاة مبنيٌّ على أن يأخذ مستحقُّها منها ما يُخرِجه من حدِّ الحاجة إلى حدِّ الكفاية والاستغناء عن الناس، فإن كان صاحب حرفة أُعطِي من الآلات في حرفته ما يكفيه لتمام النفقة عليه وعلى عياله، وإن كان صاحب علم أُعطي من المال ما يُغنِيه وعياله ويُفَرِّغه لهذا العلم طيلة عمره من كُتُب وأُجرة تعلُّم ومعلِّم وغيرها، وهكذا.

ولذا حثَّت الفتوى على استثمار الزكاة في المشاريع الإنتاجية والاستثمارية التي تخدم مستحقي الزكاة من الفقراء والمحتاجين والغارمين وغيرهم، وذلك بشرط أن يتم تمليك المشروع للفقراء، ولا تكون ملكيتها للصندوق، وإلا صارت بذلك وقفًا لا زكاةً، واشتراط التملك للفقراء يدل عليه ظاهر الآية الكريمة: ﴿۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [التوبة: ٦٠]، واللام تقتضي الملك.

قال العلَّامة الخطيب الشربيني: «أضاف الأصناف الأربعة الأولى بلام الملك والأربعة الأخيرة بفي الظرفية؛ للإشعار بإطلاق الملك في الأربعة الأولى، وتقييده في الأربعة الأخيرة، حتى إذا لم يصل الصرف في مصارفها استرجع بخلافه في الأولى» ([50]).

وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي: «والأصل فيه أن الواجب فيه فعل الإيتاء في جزء من المال ولا يحصل الإيتاء إلا بالتمليك، فكل قربة خلت عن التمليك لا تجزي عن الزكاة»([51]).

ولم تهمل دور الفتوى ذوي الاحتياجات الخاصة؛ فحثَّت على عمل برامج لهم للتأهيل والتدريب لفرص العمل المتاحة التي تتناسب مع احتياجات السوق وإمكاناتهم والدفع بهم للمشاركة الفعالة المجتمعية، فإنه لا يخفى ما في تنمية مهارات ذوي الاحتياجات الخاصة ورفع كفاءتهم في المجالات الفنية والمهنية المختلفة من إيجاد فرص عمل تمكنهم من إعالة أسرهم وذويهم بشكلٍ كافٍ، علاوةً على ما في ذلك من قضاء على البطالة التي هي من أكبر أسباب الفقر وانتشار الجريمة.

وهذا داخلٌ في مصارفِ الزكاة من جهة مصرف الفقراء والمساكين؛ لأنَّ المحتاجين هم المستفيدون مِن خدمات هذا الصندوق بمشروعاته المتكاملة، ومن جهة مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾؛ لأنه عبارة عن إنشاء منظومة متكاملة لتعليم قطاع كبير من المواطنين الذين يؤدي تحسُّنُ مستواهم التعليمي والمهني إلى تَطَوُّر معدلات التنمية المجتمعية، وزيادة القوة الاقتصادية للدولة، والتعليم داخل في مصرف (في سبيل الله).

ولا شك أن العلم هو الذي يبني الأمم، ويسهم في إعداد القوة المأمور به شرعًا، وتطوُّر العصر وتنوع آليات القوة فيه يستتبع تطوُّرَ أسباب الإعداد وتنوع جهاته وتعدد وسائله، ولا ريب أن من ذلك تحسين منظومة التعليم والتدريب المهني؛ فإن موازين القُوَى لم تَعُدْ محصورةً في وسائل الحرب، بل بناء القوة يبدأ مِن بناء الفرد وقدرته على الإنتاج.
وأجازت دار الإفتاء صرف الزكوات إلى المستشفيات والمراكز الطبية التي توفر الكشف والعلاج والرعاية المتكاملة للمريض المحتاج حتى يشفى دون تكلفة من المريض؛ لئلا تحمله عبئًا ماديًّا فوق عبئه.

ولا يخفى أن القضاء على الأمراض والأوبئة الفتاكة من أهم مقومات حياة الإنسان ومعيشته، وفيه تحقيق لأعظم المقاصد الكلِّية العليا للشريعة الغراء وهو حفظ النفس، وأغلب المرضى هم من المحتاجين الذين يفتقدون الرعاية الصحية المناسبة والتغذية السليمة.

هكذا تجلَّت مهمة دور الإفتاء في إثراء العلاقة بين الفتوى والتنمية والتطوير المجتمعي ومساندة الدول؛ لأن الفتوى هي تجلي الحضور الشرعي في الواقع الإنساني، لتهذيبه ودفعه لتحقيق العمران الذي هو أحد مقاصد الشريعة العليا، لقوله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا﴾ [هود: 61]؛ أي طلب منكم أن تعمروها، فتشابكت الفتوى مع القضايا المجتمعية والأهداف الدولية.

ثانيًا: مساندة الدولة وعدم استغلال الشائعات:

إن مما لا شك فيه أن الفتوى تستهدف توعية المسلم بطبيعة وجوده ووظيفته في الكون، وتطوير موارده وطرق استغلالها، ويمكن إبراز هذا هنا عن طريق فهم طبيعة الدَّور الذي يُناط بالفتوى الحقيقية، لا تلك التي رسمها بعض أدعياء العلم وما مثلته في العقلية الجمعية من قيود على حركة الحياة.

ومن أبرز القضايا التي ناقشتها دار الإفتاء وكان لها عظيم الأثر في الاستقرار والأمن المجتمعي واطمئنانه، وتنميته اقتصاديًّا واجتماعيًّا، هي تحذيرها من إطلاق الشائعات المفتعلة، والالتزام بالحقائق، خاصة فيما يخص أمن المواطنين واستقرارهم وأخذها من مصادرها الشرعية والمؤسسات الرسمية.

ولقد شددت دار الإفتاء على حرمة نشر الأكاذيب والأقاويل المظنونة غير المُتثبت من صحتها لإحداث حالة من التشويش، كما تمارسه جماعات الإسلام السياسي في تكذيب كل مجهودات الدولة الاقتصادية والاجتماعية ودعم المواطنين؛ قال تعالى: ﴿إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ﴾ [النور: 15].

ومن هنا نعلم أن الشريعة وضعت من الأسس والضوابط ما يضمن تجفيف منابع الشائعات منذ البداية، ثم القضاء عليها إذا انتشرت، فتواردت النصوص على حرمة الكذب، وبيان ما يؤول إليه المتحدث بالكذب من سوء العاقبة؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا))([52])، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله سلم قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان))([53]).

ولذا فقد حذَّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أن يتحدث المرء بكل ما سمع؛ فليس كل ما يقال حقًّا، فإذا تحدث الإنسان بكل ما يسمعه وقع في الكذب وترويج الباطل؛ لأنه ينقُل دون تثبُّت أو تحقُّق؛ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع»([54])، قال الإمام النووي: «فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب، فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب لإخباره بما لم يكن، والكذب: الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، ولا يشترط فيه التعمد»([55]).

وكل هذا التحذير والوعيد لما يترتب على تلقي الأخبار والأقوال دون التحقق والتثبت من صحتها من ضرر ليس بالأشخاص فقط، بل قد يمتد ليدمر أممًا ومجتمعات، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]، أي: فتوقفوا واطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا على قول الفاسق مخافة أن تصيبوا بالقتل والسبي قومًا جاهلين حالهم وحقيقة أمرهم، ﴿فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ﴾ أي من من إصابتكم بالخطأ ﴿نَٰدِمِينَ﴾ ([56]).

ويندرج ترويج الإشاعات تحت النهي عن (القيل والقال) اللذين حذَّر منهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال))([57]).

ويشتد الوعيد إذا كان التحدث وترويج الشائعات في أزمنة الأزمات لافتعال الاضطرابات، أو كان بغرض إحداث البلبلة في الوطن، ونشر الاضطراب والفتن، فيصير جرمه في الشرع أشد، ووزره على صاحبه أعظم، وتحول بذلك إلى كبيرة من كبائر الذنوب وهي (الإرجاف)، وهو مصطلح وَصفَتْ به الشريعةُ مَن يثير الشائعات بغرض خلخلة أمن الأوطان وبث الاضطراب أو الفزع في المجتمعات، فهو وإن كان في أصله شائعات كاذبة إلا أنها لما تعلقت بالدولة والوطن صارت حربًا تهدد أمن الناس، وهو ما يُلمح من تقييد الإرجاف بكونه في المدينة، وقد لعنهم الله وتوعدهم بالقتل أينما كانوا، فقال تعالى: ﴿۞لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠ مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا﴾ [الأحزاب: 60، 61]. وأصل الإرجاف من الرجف وهو الحركة، فإذا وقع خبر الكذب فإنه يوقع الحركة بالناس، فسُمي إرجافًا؛ وذلك بذكر الأخبار التي تضعف قلوب المؤمنين، وتقوى قلوب المشركين([58]).
وبقدر الجرم يكون النهي والعقوبة، فلقد شددت الشريعة على تحري الكلمات، والتثبُّت من المعلومات؛ لأن منها ما يعم بلواه وتكثر عدواه، وقال ابن فورك: «الرجفة: زعزعة الأرض تحت القدم، ورجف السطح من تحت أهله يرجف رجفًا، ومنه الإرجاف، وهو الإخبار بما يضطرب الناس لأجله من غير تحقق به. والإرجاف: إشاعة الباطل للاغتمام به»([59]).
ولو أدرك مروِّجو الإشاعات عِظَم الجرم الذي يفعلونه بسبب الآثار السيئة لها على المجتمع لما تهاونوا بصنيعهم قط؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم))([60])، ولا شك أن ترويج الإشاعات التي تمس أمن الناس على حياتهم يندرج تحت تلك الكلمات التي لا يُلقَى لها بال، فيدخل بها صاحبُها في سخط الله تعالى، والعياذ بالله.

ونصحت دار الإفتاء بوأد الشائعات في مهدها قبل تفاقمها والامتناع عن إذاعتها، والتثبت منها، والرجوع في شأنها إلى أولي الأمر وأهل العلم والخبرة قبل نشرها؛ حتى لا تكون وبالًا على المجتمع أو تسهيلًا للجرائم أو مثارًا للاضطراب.

فأمرنا الله عز وجل برد الأمور في السَّرَّاء والضَّرَّاء إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإلى أولي الأمر والعلم الذين أقامهم الله تعالى في معرفة خباياها وسبر خفاياها قبل إذاعتها والتكلم فيها، حتى يكون الكلام عن حقيقة، والإذاعة عن بينة، والنقل عن تثبت وتحقق، ونبهنا سبحانه وتعالى إلى أن النكول عن ذلك اتباع للشيطان وخروج عن منهج الرحمن، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [النساء: 83]، فيرجع في الأمر للعلماء العالمين بما ينبغي أن يُكتَم وما ينبغي أن يُفشَى([61]).

ونزلت هذه الآية في أناس من ضَعَفة المسلمين الذين لم يكن فيهم خبرةٌ بالأحوال؛ كانوا إذا بلغهم خبر من سرايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أمنٍ وسلامةٍ أو خوفٍ وخللٍ أفشوه، وكانت إذاعتهم مفسدة، ولو كانوا رَدُّوهُ إِلَى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ وكبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمِّرون منهم لَعَلِمَ تدبير ما أخبروا به بفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكائدها ([62]).

ومن الوسائل لوأد الشائعات في مهدها، وإماتة الفتنة: عدم السماع لتلك الشائعات، والبعد عن مواطن إثارتها ومن شهروا بإشاعتها؛ فقال تعالى ناعيًا هذا الخُلُق على بعض اليهود: ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ﴾ [المائدة: 41]، ونعى سبحانه على الذين يسمعون للمرجفين والمروجين للشائعات والفتن؛ فقال تعالى: ﴿لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [التوبة: 47]، وليتأمل الإنسان توجيهات المولى عز وجل التي يرشدنا من خلالها إلى السلوك الإسلامي القويم عند رواج الشائعات؛ خاصة تلك التي تمس أمن المجتمع وسلامة الوطن، وذلك في ثنايا معالجة القرآن الكريم لحادثة الإفك؛ في عشر آيات بينات، هنَّ النبراس من رب البريات، في التعامل مع الفتن والشائعات؛ حيث يقول تعالى: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١ لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ ١٢ لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٣ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ لَمَسَّكُمۡ فِي مَآ أَفَضۡتُمۡ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤ إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ ١٥ وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ ١٦ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧ وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٨ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ١٩ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ [النور: 11- 20].

فبينت الآيات الكريمة أن زمن الفتنة يتضح فيه أصحاب الأغراض والأهواء من غيرهم، فتنكشف حقيقة ومعادن البشر، وينبني على ذلك معاقبتهم كل على حسب مشاركته في الفتنة، فمن اشترك في ترويج الشائعة مؤاخَذ بما تتسبب فيه من مآلات وعواقب على قدر مشاركته، وأن الأخذ على يد مروجي الشائعات إنما يكون بحسب أغراضهم ونياتهم وعلى قدر فسادهم وإفسادهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِ﴾.

كما أشارت الآية الكريمة إلى ضرورة التقصي عن رؤوس الفتنة وصانعي الإثارة ومروجي البلبلة؛ لكسر شرهم، وقمع فتنتهم؛ في قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾، ثم التحقق من الخبر، ومطالبة مروجي الشائعة بأدلتهم عليها والسؤال عمن شهدها؛ كما قال تعالى: ﴿لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾.

وأوضحت أن ترويج الأخبار من غير إسنادها إلى مصادرها أو الاعتماد على أدلةٍ أو براهينَ عليها هو شاهد الكذب وقرينة الإفك؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ﴾، فإن الواجب عند سماع هذه الأكاذيب هو حسن الظن بالنفس وبالغير؛ كما في قوله تعالى: ﴿ لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ﴾.

ولا يخفى على أحد أن الخائض في الشائعات دون تثبُّت على خطر عظيم، خاصة إذا كان يخوض بقصد الإفساد، فعلى المسلم الواعي أن يعرض الشائعات على العقل، ويمررها على الفكر، وألَّا يُحدِّث الإنسان إلا بما يعلم حقيقته؛ حتى لا يشارك في إثمه إذا ظهر كذبه؛ فإن الاستهانة بالحكايات المرسلة عن البيِّنَات، والأحاديث الملقاة على عواهنها هو من العظائم عند الله تعالى، وإن حسبها الناس هينة لا تَبِعةَ عليها.

المبحث السادس: دعم الأمن المجتمعي والتنمية والتطوير

تسعى دار الإفتاء لإعمار حياة الإنسان من كل جوانبها، وحياة المجتمع الإنساني بكل أبعادها، ولا يزدهر العمران إلا في وجود الأمن، فالأمن هو أداة البناء الأولى، وعند غيابه يعم الهدم والدمار.

والشريعة تملك من الخصائصِ ما يجعلها صالحة للحياة الإنسانية مهما ترقَّت وتطوَّرت، وهي شريعة تتَّسمُ بالسَّعةِ والمرونة، لتستوعب الحياة الإنسانية في كل العصور، وتفتحُ للحياة الإنسانية أبوابًا للتطوُّر في ظلها.

فهي شريعةُ الإصلاح والتنمية والشمول لكل ما يجد للناس من شؤون الحياة في مجالاتها المختلفة؛ لذلك فإن دور الإفتاء تبحث دائمًا في المستجدات والنوازل لوضعها في مكانتها الصحيحة وتكييفها تكييفًا يلائمها من خلال رؤية فقهية جديدة؛ اعتمادًا على القواعدِ الفقهية ذات الصلة.

وفي هذا الإطار التنموي فإن الفتوى تعمل على دعم القضايا الإنسانية المشتركة بين المواطنين، وتضع الحلول للمشكلات وتقدم البدائل المشروعة في العديد من المستجدات؛ لئلا تؤدي المشكلات إلى النزاع والفوضى.

كما صرحت بأن العمل على تنمية المجتمعات لا يكتمل حتى نتحلى بالرحمة واللين ونتخلى عن العنف والكراهية، فالإسلام يدعو المسلمين إلى التعاون مع غيرهم، وهذه القيم يجب رصدها ونشرها بين الأمم وتفعيلها، فإن فيها ما يوصل الإنسانية إلى عمارة الأرض على نحو يضمن لها السعادة والأمن والاستقرار.

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدوة حسنة ومثل أعلى في ترسيخ القيم المثلى التي تحث على التسامح والتعايش بين الناس، فالصحة في الأبدان والأمن في الأوطان من أهم سبل الإعمار والتنمية، بخلاف الكراهية التي تؤدي للفساد في الأرض والدمار والتفرقة بين الشعوب.

ومن هنا كان الاهتمام بالسلام بين الشعوب من أولى الأولويات لبناء مجتمعات قوية متماسكة قادرة على تخطِّي العقبات المختلفة، والتأسيس لانطلاقة قوية نحو المجد، والرفعة، ومن ينجح في هذا الأمر فإنه يضمن الفلاح والنجاة على كافة الأصعدة.

ومما لا شكَّ فيه أن العالم اليوم يعاني من مخاطرَ عظيمةٍ وهائلة، تتجلَّى بوضوح في الصراعات والخلافات الدينية والمذهبية، وما هذا إلا نتيجة لغياب القيم الإنسانية لدى فئات كبيرة وعريضة من الناس.

وبناء عليه فإنَّ نثر بذور القيم الإنسانية الأساسية، وتزكية النفس البشرية والإعلاء من شأنها في كافة المجتمعات هو الضمان الوحيد للنهوض بهذا العالم، وحل هذه المشكلات المتراكمة، وإنقاذ الأجيال القادمة من المخاطر اللاحقة.

فالبشرية اليوم في أمَس الحاجة لإعمار الأرض والبحث عن طرق جديدة للتعاون؛ ليعود للإسلام حضارته التي كان عليها منذ فجر الإسلام، فلقد مرَّ الإسلام بأزهى عصور الحضارة في حياة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأُبرمت العديد من العهود والمواثيقِ، منها ميثاقُ المدينة النبوية الذي عاهد به اليهود، وميثاق الحديبية مع مشركي مكة، فنشأت جسور من التعارف والتعاون، والتعريف بالدين الإسلامي، ومعرفة ما لدى الآخر من تصورات ثقافية واعتقادية وأخلاقية.

وهذا ما يجب أن تسعى إليه دور الإفتاء في العالم، فإنها لو سارت على هدي سيد الخلق، ودعت إلى نهجه لكان لها الأثر الإيجابي في حفظ المجتمع الإنساني من التصدُّع والانهيار، ونوضح ذلك من خلال نقاط هامة توضح قابلية الشريعة الإسلامية لتثبيت ودعم دور الأمن من خلال المنظور الديني:

أولًا: مرونة الصناعة الإفتائية ومواكبتها لتغيرات الزمان والمكان:

لطالما كانت الفتوى سببًا في إعمار البلاد وإصلاح العباد؛ لأن الشريعة الإسلامية تتسم بالمرونة والإيجابية، فقد تتغير الفتوى بتغير الحال؛ سعيًا لتحقيق المصلحة، والفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبه وإن كان ثابتًا على الأصول والكليات فإنه مرن ومتطور ومتغير في الفروع والجزئيات التي تركتها النصوص الشرعية، قصدًا لإفساح مساحة للاجتهاد، والنظر فيما يحقق المصلحة العامة، ويراعي المقاصد الشرعية رحمة بالأمة، وتوسعة على الإنسانية، فالمجال في هذا الباب رحب ومرن، تتحرك فيه اجتهادات المجتهدين بيسر وسهولة عن طريق القياس المنضبط بشروطه وقيوده، وعن طريق المصلحة المرسلة التي لم يرد فيها نص خاص باعتبارها أو بإلغائها مع دخولها تحت النصوص العامة، وكذا الاستحسان والعرف والمصادر الأخرى التي ذكرتها كتب الأصول، مما يشكل بابًا واسعًا لاستنباط الأحكام الشرعية فيما لا يوجد فيه نص خاص.

ودليل ذلك ما أفتى به عمر بن الخطاب أبا بكر رضي الله عنهما من إسقاط سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة؛ نظرًا لقوة الإسلام والمسلمين، وليس ذلك نسخًا للحكم السابق؛ لكنه رفعٌ مؤقتٌ بظروفه، فمتى وجدت العلَّة في أي زمان أو مكان، عاد الحكمُ كما كان.

وهذه العلَّة تزول مع حالة الاستضعاف الغالبة اليوم على المسلمين، فلا مانعَ من إعطاءِ جزء من الزكاة للمواطنين من أهل الكتاب.

ومن القواعد المهمة التي نغفل عنها بالرغم مما لها من نتائج إصلاحية، هي قاعدة تقييد المباح، وهو ترجيح أحد طرفي الإباحة؛ حيث إن المباح ليس مباحًا بإطلاق؛ لأن تناوله أو الإحجام عنه قد تتعلَّق به حقوقُ الآخرين، ولا بدَّ من مراعاتها، مما يستوجب منع المباح تارة، والأمر به تارة أخرى بحسب ما يؤول إليه التناول أو الإحجام وفق الحال والمكان والزمان، وهذا المنع أو الأمر ليس على سبيل الدوام؛ فهو مؤقت باستمرار الحاجة أو الضرورة الداعية لترجيح أحد طرفي الإباحة.

ومن هنا وفي عصر المؤسسات تكون أهم أدوات حل المشكلات السياسية والاضطرابات هي سن الأنظمة التي تعكس هوية المجتمع والدولة، ولأجل ذلك فمن السياسة الشرعية الحرص على تقوية قدرة الدولة على مجابهة المشكلات والاضطرابات، وهذا يتطلب ضبْطَ كثيرٍ من التصرُّفات السياسية التي تراها النظم البشرية من المباحات وإن أدَّت إلى مفاسدَ لا تخفى على أحد.

ومن أمثلة ذلك تجويز ما كان ممنوعًا لظرف يقتضي ذلك، كما حدث أن الإمام مالكًا أفتى قاضي المدينة بقبول شهادة الفاسقين في ميت مات منهم، وقال: هذه ضرورة.

فهذا تغيير في حكم شهادة الفاسق لتغيرات في الواقع اقتضت هذا التغيير إبقاءً على ثابت من الثوابت، وهو أصل الشهادة. وهذه القاعدة إذا وُظِّفت توظيفًا دقيقًا كانت منبعَ ثروةٍ هائلةٍ من الفتاوى المعاصرة التي يمكن أن تدعم الأمن المجتمعي، وهذا الفهم الدقيق لاستثناءات الأحكام يمكن الاستفادةُ منه في دعم الكثير من القضايا الكبرى التي تمسُّ إليها حاجة البشر في معاملاتهم.

فينبغي على المفتي أن ينظر في مآل فتواه؛ لأن ذلك يصبُّ في المصلحة، وتحقيق مقاصد الشريعة، وللشاطبي رحمه الله هنا كلامٌ نفيسٌ يبين المدلول الاصطلاحي لهذه القاعدة ننقُلُه لأهميته، قال رحمه الله: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقةً أو مخالفةً؛ وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعًا لمصلحةٍ فيه تُسْتَجْلَبُ، أو لمفسدةٍ تُدرَأُ، ولكن له مآلٌ على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غيرَ مشروعٍ لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآلٌ على خلاف ذلك. فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدَّى استجلابُ المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدَّى استدفاعُ المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصحُّ إطلاقُ القول بعدم المشروعية، وهو مجالٌ للمجتهد صعبُ الموردِ إلا أنه عذبُ المذاقِ، محمودُ الغبِّ، جارٍ على مقاصدِ الشريعة»([63]).

ومن التطبيقات الرائعة لهذه القاعدة تعامل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أهل مكَّة بعد الفتح حيث لم يهدم البيت ثم يعيده على قواعد إبراهيم، بل قال لعَائِشَةَ رضي الله عنها: ((ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض))([64]).

إن إهمالَ النظر إلى ما يؤول إليه القول أو الفعل يفسر لنا ما نراه من بعض الناس من حماس زائد، واندفاع متهور، وعواطفَ ملتهبة عند وقوع بعض الأحداث التي تعصف بالأمة؛ فترى أولئك يفقدون الحكمة، ويسارعون في ردود أفعال غير مدروسة، ويتسابقون في اقتحام الميادين الصعبة، والمسالك الوعرة دون تثبت ولا تروٍّ، ولا مشاورة كبير أو خبير.

وبعد أن تنجلي الأحداث وتهدأ العاصفة يتبين لأولئك المتسرعين أن عاقبة سعيهم لم تكن محمودة، وأن الأمر لم يكن على ما تصوروه، وأن العاقبة كانت أشدَّ وقْعًا، وأعمقَ أثرًا، وأفْدَحَ ضررًا على المجتمع الإنساني.

وهذه قضية ذات أهميةٍ بالغة، وقاعدة ذهبية ذات دلالات محورية، لكنها اليوم أكثر أهمية، الأمر الذي يستدعي الوقوفَ عندها وتأمل ما فيها من الدروس والعبر، خصوصًا تلك التي يمكن أن تعيننا في إصلاح الأوضاع التي نمرُّ بها والتي نتج عنها غيابُ الأمن وانتشار العنف، فلا تكادُ تخلو بقعة من بقاع الأرض من صراعات دموية أتت على الأخضر واليابس.

وهذا يجري في أمة تَعتبر القتلَ من أكبر الكبائرِ، وتقيم للمال والممتلكات حرمتها، ويتدارس أبناؤها حديثَ المرأة التي دخلت النار في قطة ربطتها حتى ماتت، لكن مع الأسف نجد من الناس اليوم من يُسوغ للقتل والعنف بشتى المبررات، ومنها مبررات الإصلاح السياسي، وعلماء المسلمين المقيمون في غير البلاد الإسلامية من أشد الناس حاجةً إلى فقه المآلات؛ لما يترتب عليه من مصالحَ تدعم القضايا المشتركة، وعلى سبيل المثال من النوازل المعاصرة المتصلة بهذا الباب: قضية عقد الأنكحة في المساجد والمراكز الإسلامية قبل عقدها مدنيًّا لدى السلطات، فيكون من شأن تلك العقود -مع كونها مستوفية للشروط الشرعية- أن تؤول إلى نزاعات، وربما إلى حرمان المرأة من حقوقها، وحرمان الأولاد من نسبهم بسبب عدم توثيق النكاح لدى السلطات الرسمية.

ثانيًا: عدم الافتئات على الحكام:

ينبغي أن نسعى جميعًا لما سعت إليه الشريعة الإسلامية من تحقيق المصالح ودفع المفاسد. يقول ابن القيم رحمه الله: «الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل»([65]).

ولا يخفى أن تجاهل هذه الضوابط يقود المجتمع إلى الفوضى وإلى الخلل في نظامه العام، فضلًا عن تشويه صورة الإسلام، والكر على مقصد الدعوة الإسلامية بالبطلان أمام العالمين.

وللأسف نجد بعض المتطرفين يقوم بالافتئات على الحكام ويدعون قدرتهم على أداء مهام الدولة من حماية المؤسسات العامة، وتطبيق ما ادعوا كونه حدودًا شرعية أو عقوبات على غيرهم بدعوى مخالفة هذا الغير للشريعة.

وقد رتب الشرع الشريف لولي الأمر جملةً من الاختصاصات والصلاحيات والتدابير ليستطيع أن يقوم بما أُنيط به من المهام الخطيرة والمسؤوليات الجسيمة، وجعل كذلك تطاول غيره إلى سلبه شيئًا من هذه الاختصاصات والصلاحيات أو مزاحمته فيها من جملة المحظورات الشرعية التي يجب أن يُضرَب على يد صاحبها؛ حتى لا تشيع الفوضى، وكي يستقر النظام العام، ويتحقق الأمنُ المجتمعي المطلوب.

وقد بيَّنت الفتوى أن الافتئات على ولي الأمر ممنوع محرم؛ لأنه تَعَدٍّ على حقه بمزاحمته فيما هو له، وتَعَدٍّ على إرادة الأمة التي أنابت حاكمها عنها في تدبير شؤونها.

فإقامة العقوبات في العصر الحاضر في ظل دولة المؤسسات إنما تناط بجهة محددة تسند إليها ما يسمى بالسلطة التنفيذية، وهذه الجهة لا تستطيع أن تنفذ عقوبة ما إلا بعد أن تَبُت الجهة المختصة بالسلطة القضائية في الأمر؛ فتقوم بالنظر في الواقعة المعينة، وتستوفي فيها الأدلة والقرائن، وتستنطق الشهود، وتنظر في الملابسات والظروف المحيطة، ثم تقضي بعقوبة مخصوصة فيها، وهذه الجهة بدورها لا تستقل بعقوبة لم يُنَص عليها في القانون المعمول به في البلاد، والذي تقوم على اختياره وصياغته الجهة المختصة بالسلطة التشريعية، وكل جهة من هذه الجهات الثلاث تُعَدُّ هي ولي الأمر فيما أُقيمت فيه.

وأما توفير الحماية للمؤسسات العامة فهو في الأصل من مهام قوات الشرطة أو الجيش (بحسب القوانين واللوائح المنظمة لذلك)، وليس متروكًا للأفراد؛ وذلك لأن مهمة التأمين تتطلب خبرة من نوع خاص، مع مراعاة للتدرج في الردع وغير ذلك مما يعرفه هؤلاء ويدرسونه، وهي تشبه ما تكلم عنه الفقهاء في دفع الصائل؛ حيث لا يُلجَأ إلى الأشد في الدفع مع إمكان الأخف، وهذه الشرائط والخبرات الشأن في آحاد الناس أنها منتفية عنهم.

وفي هذا الصدد قامت الفتوى بدور مهم في تصحيح مفهوم الجهاد، فبيَّنت أن ما يحدث في الدول الإسلامية من حملات التخريب لمنشآت الدولة والقتل الموجَّه لرجال الجيش والشرطة والمدنيين ودور العبادة من كنائس ومساجد مما تقوم به التنظيمات الإرهابية تحت دعوى الجهاد في سبيل الله -ويَعُدُّون مَن لم يوافقهم على رأيهم وخروجهم ومقاومتهم للجيش والدولة مِن أعداء الإسلام المناصرين للمرتدين- هو من الإرجاف في الأرض.

وتسميته جهادًا ما هو إلا تدليس وتلبيس حتى ينطلي هذا الفساد والإرجاف على ضعاف العقول، والإرجاف ذكره الله تعالى في قوله: ﴿۞لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ﴾ [الأحزاب: 60]، وهي كلمة لها مفهومها السيِّئ الذي يعني إثارة الفتن والاضطرابات والقلاقل باستحلال الدماء والأموال بين أبناء المجتمع الواحد تحت دعاوى مختلفة؛ منها: تكفير الحاكم أو الدولة أو طوائف معينة من الناس، وهذه الأفعال من كبائر الذنوب.

كما أن هذا القتل والترويع وتدمير الممتلكات يُسَمَّى عند الفقهاء بـ(الحرابة) وهي قطع الطريق أو الإفساد في الأرض، والمتلبس بها مستحقٌّ لأقصى العقوبات؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33]، فإذا اقترنت هذه الأفعال بتكفير المسلمين وكان لأصحابه منعة وشوكة فإن أصحابه يكونون حينئذٍ خوارجَ وبُغَاةً، وتجب مواجهتهم حتى تنكسر شوكتهم ويفيئوا إلى الحقِّ ويرجعوا إلى جماعة المسلمين، أو يُخَلِّصَ اللهُ العبادَ والبلادَ من شرورهم.

وأوضحت الفتوى أن الجهاد في سبيل الله مفهوم إسلامي نبيل له دلالته الواسعة في الإسلام، فهو يطلق على مجاهدة النفس والهوى والشيطان، ويطلق على قتال العدو الذي يُراد به دفع العدوان وردع الطغيان، وهذا النوع من الجهاد له شروطه التي لا يصحُّ إلا بها؛ فهو من فروض الكفايات التي يعود أمر تنظيمها إلى ولاة الأمور والساسة الذين ولَّاهم اللهُ تعالى أمرَ البلاد والعباد وجعلهم أقدرَ من غيرهم على معرفة مآلات هذه القرارات المصيرية؛ حيث ينظرون في مدى الضرورة التي تدعو إليه من صدِّ عُدوان أو دَفع طُغيان، فيكون قرار الجهاد مدروسًا من جميع جوانبه ومآلاته دراسة علمية وواقعية فيها الموازنة الدقيقة بين المصالح والمفاسد، بلا جبن أو خور أو ضعف، وبلا سطحية أو غوغائية أو عاطفة خرقاء لا يحكمها خطام الحكمة أو زمام التعقل، وهم مثابون فيما يجتهدون فيه من ذلك على كل حال؛ فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، وإن قصروا فعليهم الإثم، وليس لأحدٍ أن يتورك عليهم في ذلك إلا بالنصيحة والمشورة إن كان من أهلها، فإن لم يكن من أهلها فليس له أن يتكلم فيما لا يحسن، ولا أن يبادر بالجهاد بنفسه وإلا عُدَّ ذلك افتئاتًا على الإمام، وقد يكون ضرر خروجه أكثر من نفعه فيبوء بإثم ما يجره فعله من المفاسد.

ولو كُلِّف مجموع الناس بالخروج فُرادَى من غير استنفارهم مِن قِبَل ولي الأمر لتعطلت مصالح الخلق واضطربت معايشهم، وقد قال تعالى: ﴿۞وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗ﴾ [التوبة: 122] مع ما في هذا التصرف مِن التَّقَحُّم في الهلكة، وإهمال العواقب والمآلات، والتسبب في تكالب الأمم على المسلمين، وإبادة خضرائهم، والولوج في الفتن العمياء والنزاعات المهلكة بين المسلمين والتي تفرزها قرارات القتال الفردية الهوجائية هذه، ومن المعلوم شرعًا وعقلًا وواقعًا أن التشتت وانعدام الراية يُفقِد القتال نظامه من ناحية، ويُذهِب قِيَمَه ونُبلَه ويشوش على شرف غايته من ناحية أخرى([66]).

وبذلك نلمس الدور الإيجابي للفتوى في بيان المقصد الشرعي من حفظ المجتمع من الفوضى، عن طريق طاعة ولي الأمر وحرمة الافتئات عليه، وهو رافد من روافد الأمن الفكري، وسبب مباشر لحفظ الأمن المجتمعي.

المبحث السابع: تصحيح الفهم لمصطلحات الشريعة الإسلامية

لقد أوضحت دار الإفتاء أنه لا بد من مرور الفتوى بأربع مراحل في ذهن الفقيه قبل أن تصدر منه، وهي التصوير، والتكييف، وبيان الحكم، ثم الإفتاء، وتعد هذه المراحل بمثابة مقدِّماتٍ للفتوى، فإذا صحت هذه المقدِّمات فقد صحَّت النتيجة المترتبة عليها وهي الفتوى، ولا تصح المقدمات إلا بالعناية بالضوابط.

وأهم هذه المراحل هي مرحلة التصوير، وهو بيان حقيقة الشيء ليتضح في ذهن الفقيه، ولا يكفي في ذلك مجرد التعريف الذي هو وسيلة التصور المنطقي، بل إن التصور الفقهي للمسألة يقترب أو يكاد يكون إدراكًا الواقع الذي هو الركن الأساسي في أركان الإفتاء، يقول إمام الحرمين: «وأول ما يجب به الافتتاح تصوير المسألة»([67]).

يقول الغزالي متكلمًا عن علم الصحابة وعلم من بعدهم: «فإنهم -أي الصحابة- اشتغلوا بتقعيد القواعد، وضبط أركان الشريعة، وتأسيس كلياتها، ولم يصوِّروا المسائل تقديرًا، ولم يبوِّبوا الأبواب تطويلًا وتكثيرًا، ولكنهم كانوا يجيبون عن الوقائع مكتفين بها، ثم انقلبت الأمور إذ تكررت العصور، وتقاصرت الهمم وتبدلت السير والشيم، فافتقر الأئمة إلى تقدير المسائل وتصوير الوقائع قبل وقوعها ليسهل على الطالبين أخذها عن قرب من غير معاناة تعب»([68]).

ولخطر مرحلة التصوير فقد جعل ابن الصلاح التصوير الصحيح للمسائل لا يقدر عليه إلا فقيه النفس ذو حظ من الفقه([69]). ولإيضاح ذلك فإننا نبين النقاط الآتية:

أولًا: حسن التصور قبل إطلاق الأحكام:

فإن غالب الأخطاء التي وقع فيها المفتون عبر الأزمان كان نتيجة التصوير الخاطئ للمسألة، والفهم المنحرف لمصطلحات الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، ونحن نرى الآن الجماعات المتطرفة تصور المسألة تصورًا خاطئًا، وتبني عليها الأحكام والقضايا، وقد نص أهل العلم على أنه لا يجوز للمفتي التساهل في تصور المسألة والتسرع في الفتوى قبل استيفاء النظر والفكر في المسؤول عنه، ولذا نص من صنَّف في آداب الإفتاء أن المفتي عليه تأمل رقعة الاستفتاء كلمة كلمة، ولتكن عنايته بتأمل آخرها أكثر، فإذا مرَّ بمشتبهٍ سأل عنه المستفتي ونقطه وشكله مصلحةً لنفسه ونيابة عمن يفتي بعده، ويلزمه التوقف عن الجواب عند عدم تصور الواقعة لعدم القدرة على تحقيق المناط المناسب لها، وأن يستفسر من السائل عن مقصوده ويطلب منه بيان مراده ليتمكن من الجواب الصحيح له([70]).

يقول النووي في المجموع: «إذا لم يفهم المفتي السؤال أصلًا ولم يحضر الواقعة، فقال الصيمري: يكتب: يُزاد في الشرح ليجيب عنه، أو: لم أفهم ما فيها فأجيب… وقال الخطيب: ينبغي له إذا لم يفهم الجواب أن يرشد المستفتي إلى مفتٍ آخر إن كان، وإلا فليمسك حتى يعلم الجواب»([71]).

وبناء على ذلك فإن تصور المسألة شرط لتحقيق المناط المناسب لها، فالمفتي حين بحثه عن حكم مسألة جديدة فإنه يسلك عدة طرق في سبيل الكشف عن حكمها، ومن هذه الطرق: التحقق من ثبوت علة حكم مسألة منصوص عليها في هذه المسألة الجديدة، ومن ثمَّ يثبت بإلحاق غير المنصوص بالمنصوص وهو القياس الشرعي، ولا يمكن تحقيق المناط إلا بالتصور الصحيح للمسألة المراد إلحاقها.

وكل هذه الآداب التي ذكرها من ألَّف في آداب الفتوى تتضافر لتكون في مجموعها عدة أمور يصح جعلها ضوابط التصور الصحيح للمسألة محل الفتوى.

وما نشاهده الآن من فوضى الفتاوى يكمن في عدم تصور الفتوى، خاصة في المعاملات الحديثة، لذا نجد الجماعات المتطرفة لديهم قصور في جانب المعاملات الإسلامية، فعند نشوء أي معاملة جديدة حتى وإن كانت غير معقدة، نراهم يحرمونها بنظرتهم إلى الاسم وليس المسمى.

فالتصور الخاطئ لمحل الفتوى مهما كان سببه فنتيجته خطأ الفتوى، بل وإثم المفتي إن قصَّر في التصور الكامل أو الصحيح، فهو من قبيل التقول على الله بغير علم، ولهذا التصور مدرك شرعي، فهو ليس أمرًا الفقيه فيه بالخيار بين الإقدام عليه أو الإحجام عنه.

ثانيًّا: الوقوف على الحقائق برؤية كلية:

لقد كان علماؤنا الأجلاء عندما يسألون عما لا يعرفون يجمعون أكبر قدر من المعلومات عن المسألة محل الفتوى، فيعرفون نشأتها وعناصرها وأنواعها وكيفية وقوعها، وخصائصها وأطرافها وتطورها، وهذا الجمع سهل في ظل الثورة المعلوماتية المعاصرة، لكن قد يحتاج الفقيه إلى ممارسة ومعايشة لواقع المسألة ليكمل تصوره لها، ويقتضي هذا الجمع الرجوع إلى المختصين لا سيما في العلوم البعيدة عن التخصص الشرعي كالطب والاقتصاد مثلًا.

أضف إلى ذلك أنهم يبالغون في الاستفسار والاستفصال إن كان للمسألة صاحبٌ معين بحيث يستفسر منه المفتي عما يشكل عليه، ويشقّق له السؤال من أجل الوصول للتصور السليم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما- قال: ((لما أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت. قال: لا يا رسول الله، قال: أنكتها -لا يكني- قال: فعند ذلك أمر برجمه))([72]).

وعن النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((إني نحلت ابني هذا غلامًا، فقال: أكل ولدك نحلت مثله؟ قال: لا، قال: فارجعه))([73]). والشاهد فيه: استفصال النبي صلى الله عليه وسلم واستفساره من أجل أن يحكم في الواقعة بعد التصور الكامل لها.

وقد يلجأ المفتي للتشقيق عند تصور المسألة تصورًا كاملًا مع عدم معرفته بحال السائل، أو عندما تكون المسألة عامة، فمثلًا يقول: إن كانت الصورة كذا فالحكم كذا، وإن كانت كذا فالحكم كذا… إلخ، ولهذا شاهدٌ مِنْ قضاءِ النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعن سلمة بن الـمُحبِّق أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى في رجل وقع على جارية امرأته، ((إن كان استكرهها فهي حرة، وعليه لسيدتها مثلها، فإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها))([74]).

ومما أدَّى إلى انحراف المفاهيم عند الجماعات انعزالهم عن المجتمع، وانطواؤهم على أنفسهم وجماعتهم لا غير، وهذه البيئة لا يُولَد فيها مفتٍ واعٍ، فلا بد لتأهيل الفقيه للإفتاء أن يكون عالمًا بأحوال الناس ويعايشهم ويخالطهم، ويعرف أساليبهم في التعامل، بحيث يقوى عنده جانب الفراسة التي تجعله يميز ولا يشتبه عليه الحق بالباطل، فمن استفتي في مسألة ولم يكن خبيرًا بواقع الناس وبعيدًا عن المخالطة فربما أوقعه ذلك في تصور خاطئ.

يقول ابن الصلاح: «لا يجوز له أن يفتي في الأيمان والأقارير ونحو ذلك مما يتعلق بالألفاظ إلا إذا كان من أهل بلد اللافظ بها، أو متنزلًا منزلتهم في الخبرة بمرادهم من ألفاظهم وتعارفهم فيها؛ لأنه إذا لم يكن كذلك كثر خطؤه عليهم في ذلك كما شهدت به التجربة»([75]).

فمعرفةُ المفاهيمِ وفهم مصطلحات الشريعة لا ينفكُّ بوجهٍ عن معرفة معايشِ الناس ومآلات الأفعال، فصِحَّة البدايات مرتَّب عليها صحَّة النهايات، والمقصود بالبدايات هنا التصوُّر، وبالنهاية بيان الحكم.

وعلى المتصدِّر للفتوى أن يضعَ ذلك نصب عينيه، وأن يضعَ الأهدافَ الإنسانية والمقاصدَ الحضارية بين يديه، فينظر في الوقائع مستهدفًا الوصولَ إلى مصالحِ العباد والبلاد، مستخدمًا آلياتِ الترجيح والاجتهاد على الوجه الذي يحققُ توسيعَ العمران والمحافظة على الأكوان.

وها نحن ندعو المفتين حولَ العالم إلى الغوْصِ في معاني القرآن الكريم التي تهدف إلى البنيان، ونبْذِ العنف والكراهية، وتأويلِ الآيات التي تأمر بالقتال تأويلًا صحيحًا يليقُ بسياقها وملابساتها، لتتواءم مع آيات السلم والتعايش الخلاق.

ومن الإنصافِ أن نضعَ كلَّ آيةٍ في موضعها الصحيح، وكل تشريع في مقامه المنزل فيه، حتى إذا واجهنا أحداثًا مماثلةً استطعنا أن نوجهها الوجهة التي تستوجبها.

ونحن نرى الآن دماءً تسيل وأرواحًا تقتل بسبب فهم خاطئ للنصوص الشرعية، حتى جعلوا الحربَ هي الأساسَ، والسلمَ هو الاستثناءَ، فيتحتم علينا السعْيُ بكل جدٍّ لبيانِ أنَّ الأصل هو البناءُ والتنمية، وأن الحرب والقتال كانت لأسباب دفاعية وضرورية، والضرورة تقدر بقدرها، ولا يجوز تجاوزها.

كذلك نشأت العديدُ من الخلافات العقائدية بين الفرق الإسلامية نتيجةَ فهْمِ بعْضِ الألفاظ الواردة في القرآن.

مثال ذلك: خلاف الفرق فيما يتعلَّق بـ(الصفات الخبرية) التي أضافها الله له في كتابه العزيز، وفسَّرتها بعض الفرق على الحقيقة اللغوية، مما يلزم منه تشبيه الخالق سبحانه وتعالى بخلقه، وأما أهلُ السنة فرأوا أن هذه الألفاظ لا نتعرض لمعناها لأنها من قبيل المتشابه.

فهم يرون أن هذه الإضافات أو الصفات الخبرية لم تثبت لله من جهة العقل، وإنما ثبتت بالخبر، فطريقهم فيها هو أنَّ هذه الألفاظ المضافة لله أو الصفات المخبر بها يُسلم بها، وتمر كما جاءت دون أن يعتقد حقيقة مدلولاتها اللغوية، فلا يقولون: نثبتها على المعني اللغوي الحقيقي لها؛ إذ ظاهر الألفاظ يدلُّ على حقائقَ معانيها معروفةٌ في اللغة، وهذه الحقائقُ اللغويةُ تتنافى مع تنْزِيه الباري سبحانه وتعالى، وعلى هذا درج المتقدمون من أهل السُّنة والجماعة الذين عرفوا فيما بعد بالأشاعرة.

أما المتأخرون فسلكوا مسلكَ التأويل، حين رأوا أنَّ الإثبات على طريقة المشبهة، أفضى عند بعضهم إلى القول بالجسمية ولوازمها، والمتقدمون من أهل السنة والمتأخرون كلهم متفقون على الإمرار وعدم التعرُّض للفظة بالنفي، وكذلك عدم اعتقاد حقيقتها اللغوية التي من شأنها تشبيه الرب سبحانه وتعالى بخلقه، ولكن زاد المتأخرون بأن هذه الألفاظ لا يجوز أن يفهم منها إلا ما يليق بالله.

ولذا قال الحافظ العراقي في معرض الكلام عن (الوجه): «تكرر ذكر وجه الله تعالى في الكتاب والسنة وللناس في ذلك -كغيره من الصفات- مذهبان مشهوران: (أحدهما):

إمرارها كما جاءت من غير كيف؛ فنؤمن بها ونَكِلُ علمها إلى عالمها مع الجزْم بأنَّ الله ليس كمثله شيء، وأن صفاته لا تشبه صفات المخلوقين.

(وثانيهما): تأويلها على ما يليق بذاته الكريمة، فالمراد بالوجه الموجود»([76]).

وما أجملَ ما قال ابنُ قدامة المقدسي في لمعة الاعتقاد عن تلك الألفاظ التي توهم التشبيه في حملها على الحقيقة اللغوية؛ حيث قال: «وكل ما جاء في القرآن أو صحَّ عن المصطفى عليه السلام من صفات الرحمن وجب الإيمانُ به، وتلَقِّيه بالتسليم والقبول، وترْك التعرُّض له بالردِّ والتأويل والتشبيه والتمثيل، وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا، وترْكُ التعرُّض لمعناه، ونردُّ علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله؛ اتباعًا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله سبحانه وتعالى‏‏: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7]، وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7]، فجعل ابتغاء التأويل علامةً على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أملوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ ([77]).‏

وقال العلامة ابن عابدين: «(قوله: عن معتقدنا) أي عما نعتقد من غير المسائلِ الفرعية مما يجبُ اعتقادُه على كل مكلف بلا تقليدٍ لأحد، وهو ما عليه أهل السنة والجماعة، وهم الأشاعرة والماتريدية، وهم متوافقون إلا في مسائلَ يسيرةٍ أرجعها بعضهم إلى الخلاف اللفظي كما بين في محله»([78]).

تبين مما سبق أنَّ اعتقادَ أهلِ السُّنة هو تصوُّرُ المسائل وتكييفُها وعرْضُها على المسائل الكلية والنصوص العامة، فتفسر الآيات المسائل الفرعية في ضوء القضايا الكلية وفي إطار عام وفق معتقدات عقائدية ثابتة، وهي عدم مشابهة الله تعالى لخلقه لتضافر النصوص على ذلك.

المبحث الثامن: تنمية الفكر المقاصدي وإبراز روح النصوص

إنَّ مقاصدَ الشريعة هي المعاني والأهداف الملحوظة للشرع في جميع أحكامه أو معظمها، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامه. وأكدت دار الإفتاء المصرية على ضرورة معرفتها على الدوام لكل الناس عامة، وللمجتهد خاصة عند استنباط الأحكام وفهم النصوص، ولغير المجتهد للتعرُّف على أسرار التشريع.

واستقراء أدلة كثيرة من القرآن والسنة الصحيحة يوجب لنا اليقين بأن أحكام الشريعة الإسلامية منوطة بحكم وعلل راجعة للصلاح العام للمجتمع والأفراد، وقد صرَّحت النصوص الشرعية بذكر بعض مقاصدِ التشريع، مثل قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185]، وقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وغير ذلك من النصوص التي تعرَّضت لذكْرِ مقاصدِ الشريعة صراحة.

وعدم النظر واعتبار مقاصد الشريعة يجعلنا عاجزين عن فهْمِ النصوص الشرعية، فالنصُّ الشرعيُّ له معنًى ظاهرٌ وباطنٌ، ومن لم يفهم روح النص وأهدافه وعلله فقد فاته جوهر الشريعة.

فالإنسان حين يقدم على عمل وهو لا يدري لماذا هذا العمل، ولا يدري النتائج التي يسعى إلى بلوغها والفوائد التي يعمل لجنيها وتحصيلها، فإن هذا الإنسان عادة ما يصاب بتحير واضطراب، أو بكلل وملل، نعم قد يتقوَّى الإنسان في عمله بثقته المبدئية والإجمالية فيمن كلَّفه بذلك العمل، كثقة المؤمن في حكمة الله تعالى ورحمته وثوابه، ولكنه يكون أقوى وأنشطَ وأقْدرَ على متابعة العمل حين يعرف -بشيء من التحديد والتفصيل- مقاصد العمل وفوائده، وحين يصبح أكثرَ وضوحًا في الرؤية والبصيرة، وأكثرَ طمأنينة بالعلم والفهم، ألا ترى أن نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260]، فأجاب الله دعوته، وأراه وعلمه، وأفهمه وطمأنه؟!

فذكر العلل والمقاصد مع الأحكام فيه تفقيه الناس في أحكام دينهم وما تتضمَّنه من خيرهم ومصلحتهم، ولكنها في الوقت نفسه أسلوب من أساليب التحفيز والتحضيض على التزام تلك الأحكام وتحصيل مقاصدها المذكورة معها، ولأجل ذلك نبين ما يأتي:

أولًا: عناية العلماء بعلم المقاصد:

فقد اعتنى العلماء في مصنفاتهم بإبراز علم المقاصد والفكر المقاصدي للشريعة بصورة أكبر، ووضعوا لها القواعد الضابطة، مثل إمام الحرمين الجويني، والغزالي، والرازي، والآمدي، والعز بن عبد السلام، والقرافي، وابن تيمية، ثم جاء الرجل الفذُّ الذي أفرد هذا الفنَّ بالتدوين وهو أبو إسحاق الشاطبي المالكي، فاعتنى بالمقاصدِ اعتناءً كبيرًا؛ إذ عُني بإبرازه في القسم الثاني من كتابه (الموافقات)، وبعد ذلك صار علم المقاصد علمًا مستقلًّا ألَّف فيه العلماء المؤلفات الكثيرة القيمة، وفي العصر الحديث عُقدت له المؤتمرات ورُصدت له المؤسسات.

ومن شدَّة اهتمام العلماء بمقاصدِ الشريعة قسموها لأقسام من حيث الضرورة، والحاجة إليها؛ ليتسنى لهم فيما بعدُ الترجيح بينهما، والفتوى بناءً على ذلك، فقسم العلماء المقاصد من التشريع إلى ثلاثة أقسام: ضرورية ـ حاجية ـ تحسينية.

وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي: «فأما الضرورية فمعناها: أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فُقدت لم تجْرِ مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج، وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين… إلى أن قال: ومجموع الضروريات خمسة، وهي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وقد قالوا: إنها مراعاة في كل ملة»([79]).

وحفظ هذه الأمور يكون بتشريع ما يوجدها أولًا، ثم تشريع ما يكفل بقاءها وصيانتها حتى لا تنعدم بعد وجودها أو تضيع ثمرتها المرجوة منها، فهي مراعاة من جانبي الوجود والعدم، فإيجاد الدين بوجوب الإيمان بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر والنطق بالشهادتين وأصول العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج.

والمحافظة عليه: بوجوب الجهاد في سبيل الله، وعقوبة الخارجين عليه والذين يصدُّون عنه بوقوفهم في سبيل الدعوة إليه، والداعين إلى البدع ومانعي الزكاة، وكذلك الحجر على المفتي الماجن الذي يحلل الحرام ويحرم الحلال، وما شابه ذلك، ولإيجاد النفس والنسل: شرع الزواج والتوالد، وحرم الزنا واللواط.

وللمحافظة عليها: أوجب الشارع تناول الضروري من طعام وشراب ولباس، وأوجب القصاص على القاتل عمدًا، والدية والكفارة على من يقتل خطأ، وعقوبة من يتعدَّى على الأطراف ويرتكب الزنا.

ولتكون الضروريات وافية بالغرض جاءت الشريعة مع أحكامها الأصلية بأحكام تكميلية تعتبر كالتتمة لها، فشرع مع الصلاة الأذان والإقامة وأداءها بجماعة لتكون أتم وأكمل، وشرع مع الزواج اعتبار الكفاءة وحسن الاختيار ليتحقق الوفاق ويتم السكن المقصود من الزواج وليكون النسل صالحًا، وهكذا.

وأما الحاجيات: فهي المصالح التي يحتاج إليها الناس للتيسير عليهم ورفع الحرج عنهم، وإذا فقدت لا يختلُّ نظام حياتهم كما في الضروريات ولكن يلحقهم الحَرَج والمشقَّة، فشرعت رخصة الفطر في السفر والمرض، والتيمم عند العجز عن استعمال الماء، وجعل الأرض مسجدًا، وأبيح البيع والإجارة والهبة، وأبيح كذلك فسخ العقود، وأبيح الصيد والتمتع بالطيبات من الرزق من مأكل ومشرب وملبس ومسكن.

وأما التحسينيات أو الكماليات، فمعناها: الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنُّب المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، وإذا فقدت لا يختلُّ نظام الحياة كما في الضروريات، ولا ينالهم الحرج كما في الحاجيات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق.

فشرع الله سبحانه وتعالى الطهارات، وستر العورات، وأمر بأخذ الزينة عند الصلاة، ومنع من بيع النجاسات، وبيع الإنسان على بيع أخيه، وكذلك خِطبته على خِطبة أخيه، وأمر بالرفق في معاشرة الزوجة، ومنع الإسراف والتقتير في الإنفاق والطعام والشراب واللباس، وأوجب الوفاء بالعهد، وحرم الغدر وقتل الشيوخ والأطفال والنساء في الحرب، ويعد سد ذرائع الفساد من التحسيني فهو أحسن من انتظار التورُّط فيه. وعلى الجانب الآخر نجد من غابت عنه تلك المقاصد بأقسامها الثلاثة، وبالتالي غاب عنه تطبيق الإسلام كما ينبغي وتحقيق مراده.

ثانيًا: أثر الفكر المقاصدي:

لقد شرع الإسلام الكثير من الأحكام من أجل تحقيق هذه المقاصدِ بدرجاتها المتفاوتة الرتبة، والمكملة لبعضها أيضًا، فالضروريات تتكمل بالحاجيات والتحسينيات، والحاجيات تتكمل بالتحسينيات، لكن الضروريات أصل للمقاصد الشرعية كلها، فهي أصل للحاجية والتحسينية، فمن أخلَّ بها فقد أخلَّ بما عداها حتمًا؛ لأنها كالفرائض، والحاجيات كالنوافل، والتحسينيات كالأمور المهمة دون النوافل، أما من أخل بالحاجيات أو التحسينيات فإنه على وشك الإخلال بالضروريات؛ لأنه كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فتصبح المحافظة على الحاجيات والتحسينيات نوعًا من أنواع المحافظة على الضروريات.

ومما تجدرُ الإشارةُ إليه والتنبيهُ عليه: القول بأن المقاصد إنما تمثل في حقيقتها منهجًا وإطارًا للتفكير وإعمال العقل، ينبغي أن يتبنَّاه الفرد المسلم، فضلًا عن الفقيه المجتهد الذي يجب عليه مراعاة المقاصد في استنباطه للأحكام، ففائدة المقاصد لا تنحصر في الاجتهاد والمجتهدين، بل يمكن تحصيلها لكل من تشبَّع بها أو تزوَّد بنصيب منها، وتكون فائدته بقدر علمه وفهمه لمقاصدِ الشريعة، وبقدر اعتماده لها واعتماده عليها في فكره ونظره.

فالفكر الإسلامي لكي يكون فكرًا مقاصديًّا -بل ليكون فكرًا إسلاميًّا حقيقة- لا بد أن يسيرَ وفق مقاصدِ الشرع في عقائدِه وشرائعه وأولوياته ومراتبه، ولا بد أن يحددَ قضاياه وأهدافه بما تقتضيه المقاصد، وبما يتلاءم معها ويخدمها.

ثم إنَّ المقاصدَ توفر للفكر نظرة شمولية متكاملة متناسقة، ينطلق منها ويهتدي بها في قضاياه واجتهاداته واختياراته، فلا يبقى مفتوحًا على جميع الاحتمالات، أو عرضةً للتشتُّت بين النزعات والتيارات، كما يتخلَّص بفضل هذه الرؤية الشمولية المتناسقة من ضيق الرؤى الجزئية والمعالجات الموضعية. حين تكون للمفكر مثل هذه الرؤية، فسواء فكر في قضية سياسية أو اقتصادية أو قانونية أو تربوية، فلا بد أنه سيكون مستحضرًا لتلك المقاصد، وبذلك يُعطي كلَّ ذي حق حقه، ويحفظُ لكل ذي حظ حظه، ويحترم لكل ذي مكانة مكانته، وهو ما يفتقده أكثر الناس وكثير من الجماعات والمتصدرين للفتوى، فتجدهم يدافعون عن الاقتصاد والتنمية الاقتصادية، ويخربون البشر والتنمية البشرية، وتجد آخرين يدافعون عن الحريات والحقوق الفردية وينسون حقوق الشعوب والمجتمعات، أو يدافعون عن الأرزاق ويخربون الأخلاق، وتجد تقديسًا متزايدًا لحرمة الوطن والطين، وإهدارًا متعمَّدًا لحرمة العقدة والدين.

وبناءً على ذلك: فإنَّ معرفةَ مقاصدِ الشرعية هو ركن وثيق في صلب العملية الإفتائية؛ إذ يتوجَّب على المفتي أن يراعيَ تحقيقَ مقاصدِ الشرع ويستحضر ذلك في فتواه، بحيث يقدم الحفاظ على المقصد الضروري على ما يؤدي إلى المقصد الحاجي، ويقدم الحفاظ على المقصد الحاجي على ما يؤدي إلى المقصد التحسيني أو التكميلي، وبنظرته الثاقبة للواقع يستطيع التوصُّل إلى الرأي المناسب الذي يحقق مراد الله ومقصده من شريعته الغرَّاء، وعلى هذا كان عملُ أكابرِ علماء الأمة على مر العصور، فقد كانت أقضيتهم وفتاواهم تجسيدًا لروح هذا الشرع ومقاصده فضلًا عن انضباطها بطرق استنباط الحكم وقواعده، وليست مجرد تطبيق حرفي جامد لنصوص تنبض بالحياة وتصلح لكل زمان ومكان.

المبحث التاسع: تعميق احترام آدمية الإنسان

إنَّ من المبادئ الثابتةِ في الإسلام وقام عليها الدين: أن الإنسان مكرَّم بحكم آدميته وإنسانيته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]، ويعدُّ الانتساب لآدم وحواء وشيجةً وقربى ورَحِمًا تجعل من الناس جميعًا أسرة واحدة، ومن هذا المنطلق لا بد أن تُصاغ العلائق بين الناس، وتتشعب الأسرة الإنسانية وتنساح في أرجاء الأرض، ويقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

وكلمة ﴿لتعارفوا﴾ في الآية تحمل معنيين: الأول أن يعرف بعضكم بعضًا، والثاني أن تتعاملوا فيما بينكم بالمعروف، ومفهوم التعارف ذو سعة، يمكن أن يشمل كلَّ المعاني التي تدلُّ على التعاون والتعايش، ويمكن أيضًا أن يستوعب التعارفُ قيمَ الحوار، والجدل بالتي هي أحسن، والاحترام المتبادل.

ولذا خصَّ الله سبحانه وتعالى بني آدمَ عن سائر المخلوقات بالتكريم وميَّزهم بالعقل، وخلقهم على أحسنِ الهيئات وأكملها، ومن تعظيمِ الله تكريم مَن كرمه الله، فالله كرَّم جميع البشر، ولم يفرقْ بين أحد منهم، فلا يحقُّ لأحدٍ أن يضعَ امتيازاتٍ لأشخاص عن غيرهم، لا بالجنس ولا بالنوع ولا غير ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى))([80]).

فالإسلام اعتبر البشر جميعهم عائلةً واحدةً من أبٍ واحد، فهم جميعًا ورثة الخلافة في إعمار الأرض، ونشر الأمن والسلام، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: 1]، وفضل الله تعالى المتقين على جميع خلقه بحسن طاعتهم وتركهم المنكرات، فهو المعيار الوحيد للتفضيل بين البشر، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، ورغم ذلك ترك الإسلام الناس أحرارًا في اختيار الدين الذي يتبعونه بعدما أرشدهم إلى الصواب، قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]، ونتبين ذلك من خلال النقاط التالية:

أولًا: احترام الشريعة للكيان الإنساني:

لقد عاش رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة هو ومن معه من المؤمنين في اضطهاد ومحاولة لفتنة الضعفاء منهم عن دينهم، وحملهم على تغيير اعتقادهم، وأنزلوا بهم من الأذى والعذاب ما لا تحتمله النفس البشرية، فلم يُكْرِهْ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحدًا على الدخول في الدين، ولم يحارب أحدًا إلَّا بعد أن شنوا عليه الغارة، وتجمَّعُوا على قتاله.

فللنفس البشرية في الإسلام قدسية ومكانة خاصة، بل إن من أهم خصائص الشريعة الإسلامية أنها شريعة إنسانية شرعت لأجل ترقي الإنسان بها، وتحفظ عليه خصائصه الإنسانية وتحفظ له كرامته.

وقد راعت الشريعة الإسلامية الإنسانية حرمة الآدمي في كل ما شرعت من أحكام، بما في ذلك حالة الحرب بين المسلمين وغيرهم، فلم يُبِحِ الإسلامُ شنَّ الحرب والاعتداء على الغير إلا لضرورة دفاعية، ولرفع الظلم ونصرة الحق، ولنشر الدعوة الإسلامية وحماية أتباعها من أي اعتداء.

ومن المؤسف أن نرى من يبدأ بالعدوان تحت غطاء ديني رغم تحريم الإسلام لذلك، فينتهك المبادئ الإسلامية ويطغى على الشرائع والقيم، ويضر بالإنسانية، وبسبب ما أصاب العالم من حروب ونزاعات تضافرت جهود الفقهاء ودور الإفتاء للتشديد على حرمة الدماء وتكريم الإنسان وتشوف الشريعة للحفاظ على النفس البشرية وتهذيبها.

وفصلت دار الإفتاء في الأحكام المتعلقة بالدول والقوانين المنظمة للتعامل، فقد أرست نظامًا قائمًا على أكرم المبادئ الإنسانية، وأنْبلِ القيم الأخلاقية، شاملًا كافة الأحكام والضوابط الخاصة بالحرب والسلام التي كان لها واضح الأثر في التقعيد للعلاقات الدولية، والتزمت بها العديد من الدولة العربية، فكانت بحق إنسانية ودينية.

ومن أبرز ما تمتاز به الشريعة الإسلامية الغراء أنها واضحة السبيل، دقيقة الأصول والموازين، وأن الشارع الحكيم راعى في أحكامه مصالح العباد، فجعل الضرورة تقدر بقدرها، فلا تتجاوز أهدافها، فإذا اضطر المسلم إلى اللجوء للعدوان دفاعًا عن دينه ووطنه فلا يتعدى القدر الذي يردع عدوه، فلا يقتل عجوزًا ولا طفلًا ولا امرأة طالما لم يشاركوا في الحرب، ولا يقطع شجرًا، ولا يتعرض للمدنيين العزل، وأن يرأف بالأسرى ويحسن معاملتهم، وأن يعتنيَ بالجرحى، ويحترم جثث القتلى.

ثانيًا: نبذ الفرقة وتقبل الاختلاف:

وقد حاولت دار الإفتاء تأكيد احترام آدمية الإنسان دومًا دون التفرقة بين بنى البشر؛ فالإنسانُ بنيانُ الرَّب، مَنْ هدمه هدم بنيانه عز وجل، فقد تختلف الشرائعُ في العبادات وطريقة أدائها، لكنَّ الأخلاقَ والقيمَ الإنسانية التي تكون أساسًا للتعايش لم تختلفْ في أي شريعة من الشرائع، فإنَّ جميعَ الشرائع السماوية قد اتفقت وأجمعت على الاعتناء بالقيم الإنسانية.

وتعمل دور الإفتاء على ترسيخ أُسس المواطنة المتكافئة والتعايش السلمي؛ لحماية أنفسنا وأوطاننا، والعيش في أمان واطمئنان، والسعي لبناء الحضارة دون عوائقَ أو حروبٍ ونزاعاتٍ لا طائلَ لها ومن غير مداهنة، فهناك فرق بين المعايشة المحمودة والمداهنة المذمومة.

وأوضحت دار الإفتاء المصرية أنَّ الاختلافَ بين المسلمين وغيرهم في الآراء والمعتقدات من السنن الكونية، فلا يزال الخلافُ بين بني آدم من زمن نوح عليه السلام لم تسلم منه أمَّة من الأمم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۞ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118، 119].

كذلك هناك خلاف بين أبناء الدين الواحد، ومما كتبه الله تعالى على الأمة الإسلامية أنها ستفترق وتختلف كما اختلفت الأمم من قبلها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة))([81]).

وهذا وإن دلَّ على شيء فإنه يدلُّ على وجوب الأدب مع المخالف وإحسان الظن به، واعتقاد أن هدفه كان الوصولَ إلى الحق، فالحق ضالة المؤمن التي يَنْشُدها؛ قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: 32].

ومن هنا كان من مقتضى الاختلاف في الإسلام التحاور والتشارك بين الآراء باعتباره اختلافًا مثمرًا نافعًا لا خلافًا؛ لأن التحاور يُنشئ جيلًا متجذرًا في تراثه، متصالحًا مع زمانه، متعاملًا مع الآخرين بسعة أفق ورحابة صدر.

فثقافة الحوار وسيلةٌ تؤدي إلى الحفاظ على الأمة من آفات الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وأمراض الشجار والخلاف والعناد، وعدم قبول الآخر؛ لذا يظهر جليًّا أنَّ التحاور في الإسلام ثقافةٌ لها قيمها ومنطلقاتها.

وعلى الجانب الآخر تواجه الأمةُ خطرَ الإرهاب والتطرُّف والإجرام الحاصل وشرعنة القتل والبغي والإرهاب زورًا باسم ديننا الإسلامي الحنيف، وما زال يبثُّ سمومَه القاتلةَ وآثارَه المدمِّرة على جميع الأصعدة الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية لبلادنا، والسبب في ذلك هو الجهلُ بأمورِ الدين من حيث النصوص الشرعية وفهمها، ومقاصد الشريعة وغايتها وروحها، ومن حيث الجهل المطبق بمقتضيات العصر وبما يناسب الواقع، فانتزعوا نصوصًا من سياقاتها، وحملوها على غير محملها، وبحثوا في التراث واستدعوا منه ما لم يَعُدْ مناسبًا لحياتنا، وجعلوه دينًا يشددون به على الناس ويضيقون عليهم به حياتهم، والتراث بريء منهم، بل محذر من منهجهم.

وهؤلاء أخذوا من النصوص ما يوافقُ هواهم، ويتواءمُ مع أغراضهم السياسية، فحمَّلوا الآياتِ والأحاديثَ معانيَ لا تحتملها، وأوَّلوا حتى أخرجوا للناس صورة مشوهة من الإسلام.

لذا حذَّرت دار الإفتاء المصرية من قراءة النصوص قراءةً مجردةً من سياقاتها الواقعية والعصرية، فمما لا شك فيه أن النقل الجزافي للتراث يفضي إلى فهم عقيم، ويُفقد التراثَ الإسلامي صلاحيته لكل زمان ومكان، ويحوله من ثروة بها حلول لكل المستجدات إلى عقبة تقف أمام الاجتهاد.

فقد أنكروا مقتضيات الواقع، وصموا آذانهم، وأغمضوا أعينهم عن تطورات العصر وما يلزمه من قراءة جديدة تناسب السياق الذي نحن فيه، فاختلطت عندهم المفاهيم، وجمدت المعاني، وأصبحوا معاولَ هدم وتدمير وتخریب للحضارة والأوطان.

لذلك أكدت الدار ضرورة عدم الانسياق وراء مثل هذه العقول المضللة، وأن من أوجب الواجبات الآن هو مقاومة هذا الفكر الإرهابي، واستنقاذ أرواح الناس من براثنِ هؤلاء المجرمين.

ومن معالم التطرُّف الفكري لديهم: تقسيمُهم العالم كله إلى دار حرب ودار إسلام، فكل الدول دار حرب إلا ما وضعوا أيديهم عليها وسيطروا على قادتها، كما رفضوا القوانين الحديثة، وادعوا بأنها مخالفة للدين الإسلامي ما دامت وُضعت بمعرفة بعض الأشخاص، ومن ثم فقد أباحوا الاغتيالَ باسم الدين، وجعلوا بابَ الجهاد في الفقه كله هجومًا لا دفاعًا، كما بنوا فقههم على أنَّ لهم دولةَ خلافةٍ شرعية، وأنَّ جميع المسلمين الذين لم يبايعوا خليفتهم المزعوم كفارٌ مرتدون خارجون عن الإسلام!

ومن أخطائهم الفادحة: عدمُ فهْمِ دلالات الألفاظ ومراميها، وإهمال القواعد الاستدلالية للغة العربية، هذه السطحية الواضحة في الاستدلال التي أدَّت بدورها للحياد عن مراد الشرع، كما جهلوا الأصول الفقهية من قياس واستحسان وغيره من الأصول التي قام عليها فقه الاستنباط.

والأدهى من ذلك عدمُ اعتبارهم فقه الواقع، وتغيُّر الفتوى بتغيُّر الجهات الأربع، خاصة ومن المعلوم تغيُّر الواقع تمامًا على ما كان عليه في العهود الماضية؛ حيث أُبرم من الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية ما جعل العالمَ مختلفًا تمامًا عن ذي قبل من حيث استقرار قواعد القانون الدولي بالتضييق على الحرب، والمنع منها، وإشاعة مبادئ السلم والتعايش والأمن والأمان، وصيرورة بلاد العالم كالبلد الواحد.

ومن أمثلة ذلك مسألة الرق التي يروجون لها، متجاهلين في ذلك جميعَ دول العالم التي وقعت على المعاهدات الدولية بمنعه، وتؤكد ضرورة السلم والتعايش والتعاون على البر والتقوى، فالأصل في العلاقات البشرية الآن هو السلم والتعاون على ما فيه نفع للبشرية والتعايش وتبادل المصالح المشتركة التي تقوي أواصر العلاقات بين الدول والشعوب والأفراد.

المبحث العاشر: الحث على الحوار في الإسلام

لقد دعت دار الإفتاء المصرية إلى التعارف والحوار، وحثَّت المسلمين ورغَّبتهم في ذلك؛ لما للحوار من أهمية في نزْع فتيل الأزمات والاضطرابات الاجتماعية، والمنع من تفاقمها، وتوضيح ما خفي، وتبيين ما استُبهِم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]، فالغرض من التذكير بأنَّ أصلهم واحدٌ، أي أنهم في الخلقة سواء، وأن التفاضل والتفاخر إنما يكون بالفضائل، وأن التفاضل في الإسلام يكون بزيادة التقوى، ولقد قامت الدعوة الإسلامية باستخدام وسيلة الحوار لإقناع البشرية بحقيقة الإسلام، وبيان أحكامه وتصوراتها عن الحياة والموت والسعي والغيب والآخرة والإله، وإلى غير ذلك من الحقائق والمعاني، ولإيضاح هذه الصورة وذلك المنهج الإسلامي نتناول ونبين ثلاث نقاط هامة:

أولًا: إرساء قيم التواصل:

لقد توجَّه الإسلام كثيرًا لغير المسلمين بالدعوة إلى النقاش الهادئ الملتزم بقواعدِ العقل وأصول المنطق السليم، حتى في أشدِّ الأمور وضوحًا، ومن ذلك دعوتُه لهؤلاء الذين يعبدون الأصنام -التي هي عبارة عن حجارة أو طين لا تضر ولا تنفع-؛ فيقول تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: 22]، ويقول أيضًا: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ۞ قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ۞ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ۞ قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سبأ: 24-27] .

فانظر إلى الرِّفق واللِّين في الحوار في أمر جوهريٍّ في اعتقاد الإنسان، يترتب عليه كفره بالله أو إيمانه به، ولكن الله يدعونا أن نقول للكافرين: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

وإذا كان هذا الخطاب في مكة وقتَ استضعاف المسلمين، فإن الله سبحانه وتعالى لم يغير من هذا المنهج عندما قويت شوكة المسلمين بعد الهجرة إلى المدينة وتأسيس المجتمع على هدي الإسلام وتصوراته، فنجد أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ۞ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61]، وهذا الدعاء إلى المباهلة إلجاء لهم إلى أن يعترفوا بالحقِّ أو يكُفُّوا، وهذه دعوة إنصاف لا يدعو لها إلا واثقٌ بأنه على الحقِّ، وهذه المباهلة لم تقع لأن نصارى نجران الذين قصدهم الله في هذه الآية لم يستجيبوا إليها بالرغم من انتظار الرسول وآله لهم ليتباهلوا.

ويقول الله تعالى أيضًا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ۞ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 64-65]، وهذه نصوص واضحة الدلالة على منهج الإسلام الممتد في مختلف الأوضاع والأحوال، سواء في حال الضعف أو القوة، صحيحٌ أن هذا لا ينفي إمكان وقوع الصراع والنزاع، وأن المسلمين مستعدون له بالجهاد والنزال دفاعًا عن النفس ودفعًا للبغي والعدوان في الأرض، إلا أن القتال يظلُّ استثناءً لا يتمُّ اللجوءُ له إلا في حالات معينة ووفقَ ضوابطَ صارمةٍ تمنع وقوعَ الجور والظلم من المسلمين ضد من يحاربونهم.

وقد كان الحوار وسيلةً للتعليم والإقناع المنطقي، وتاريخ المسلمين من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاهد على تمسُّك المسلمين بهذه القيمة السامية؛ رغبةً في إقناع العالمين بالحق والصواب بالحكمة والموعظة الحسنة؛ كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125]، كما قام المسلمون بتطبيق عمليٍّ لهذا الأمر بالدخول في حوارات ونقاشات مع غير المسلمين، بل وبين المسلمين أنفسهم؛ بين المذاهب والتيارات المختلفة، وقد سجَّلت المصادر التاريخية نماذجَ لهذه الحوارات التي تؤكد مكانة هذه القيمة في الحضارة الإسلامية([82]).

ثانيًا: احترام المخالف:

لا شكَّ أنَّ الاختلافَ من سنن الله تعالى في الكون، فكلُّ مظاهر الكون والحياة تُعبِّرُ عن هذه الحقيقة، فالكون كلُّه في تنوُّع واختلاف وتباين، سماءً وأرضًا ونجومًا وكواكب وجبالًا وسهولًا وصحاري ووديانًا وبحارًا وأنهارًا وأنواعًا لا تعد ولا تُحصى من الأشجار والنباتات والثمار والكائنات الحية على اليابسة أو في المياه، والإنسان كذلك مختلفة أجناسه وأعراقه وألوانه ولغاته، وهو ذكر وأنثى، وينتقل في أطوار مختلفة من الطفولة إلى المراهقة إلى الشباب والفتوة إلى الكهولة إلى الشيخوخة، وعلى مستوى التفكير والإدراك يشعر الإنسان في خاصة نفسه بتغيُّر أطوار فكره ومعرفته وإدراكه لحقائقِ الأمور وتباين وجهة نظره إزاءها حينًا بعد آخر.

من هنا صار إدراكُ أهمية الاختلاف وطبيعته أمرًا مهمًّا لكل مسلم، فإذا وصل إلى هذه القناعة لم يعُدْ محلًّا للتعصب والتشدد والانغلاق على الذات، بل صار حرًّا في خاصة نفسه، ويحرص في الوقت ذاته على حرية الآخرين ويُقَدِّرها.

ولقد أكَّد الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم هذه الحقيقة في العديد من الآيات، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۞ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118، 119]؛ يعني: وللاختلاف خلقهم، وقال في بيان اختلاف مخلوقاته سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: 27]، وقال في بيان اختلاف أجناس الناس ولغاتهم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: 22].

لكن هذا الاختلاف الذي هو سنة من سنن الله تعالى في خلقِه لا يعني الصراع والنزاع، فهذا الكونُ على ما فيه من تنوُّع يقول الله تعالى عنه: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: 3]، فهو اختلاف تنوع يتناسب وطبيعةَ هذا الكون وطبيعة رسالة الإسلام أيضًا القائمة على التعدد والتركيب، فالإسلام ليس فكرةً مختزلةً في عنصر واحد، بل هو فكرة مركَّبة من عدد من العناصر التي يجب أخذها جملة واحدة، وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان))([83])، فضلًا عن مجموعة أخرى من الأوامر والنواهي التي لا يمكن الفصْلُ بينها كمنظومة واحدة من عدة عناصر لا يمكن أن تُقَسَّمَ، فيعتقد المرءُ بعضًا منها دون غيره!

لذا، ينبغي على المرء أن يفهمَ لماذا تتفاوت العقول في إدراك الحقائق والمعاني وتفسير الكلام والظواهر، إنه أمر متسقٌ جدًّا مع طبيعة خلق الله سبحانه وتعالى، غير أننا ينبغي أن نكونَ على وعْيٍ بفروق مهمة تتعلق بفكرة الاختلاف؛ حتى لا تتحوَّل هذه الخلفية الكونية لها إلى أداة تمتهنها وتذهب بمقصودها؛ فالاختلاف الذي نقصده هنا هو ذلك الاختلاف المبنيُّ على اجتهاد وسعي وصدق في الوصول إلى الحقيقة، أو التعرُّف على مُرَاد الله في توجيهاته وأوامره، أو إلى حلِّ مشكلة أو أزمة أو مُعضلة بطريق يراعي العلم في الإدراك والإنصاف في التناول، إن الاختلاف على هذا الأساس هو الذي نقصده، وهو اختلاف يشحذ الأذهان ويُنَشطها، ويُثري الفكر ويُغنيه، ويُوَفِّر هذا الاختلاف العديد من الاحتمالات التي قد تُلائم شخصًا دون غيره أو بيئة دون أخرى أو زمنًا دون سواه.

وحين أدرك الصحابة رضي الله عنهم هذه الحقيقة اختلفوا فيما بينهم على هذا الأساس الذي يراعي الصدقَ والإخلاصَ في الوصول إلى الرأي الذي يعبر عن الحقيقة أو مراد الله، مع تقدير كل صاحب رأي لآراء غيره الملتزمة بهذه الضوابط في الاجتهاد، بل إنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرشدنا إلى أنه أمر طبيعي حين رأى الصحابة يختلفون فيما بينهم، فلم ينْهَهُم عن هذا الاختلاف؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لنا لَمَّا رجع من الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلِّي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي؛ لم يُرَدْ منَّا ذلك. فذُكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يُعنِّف واحدًا منهم))([84]).

ثالثًا: المساواة بين الخلق:

لقد كان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يرى التسوية بين الناس في العطاء، وكان بعض الناس يقولون له: إنك قسمت هذا المال فسوَّيت بين الناس، ومن الناس أُناس لهم فضل وسوابق وقِدَم، فلو فضلت أهل السوابق والقِدَم والفضل بفضلهم؟، فقال: أمَّا ما ذكرتُم من السوابق والقِدَمِ والفضل فما أعرفني بذلك، وإنما ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه، وهذا معاش؛ فالأسوة فيه خير من الأثرة، فلما كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وجاءت الفتوح، فَضَّل، وقال: لا أجعل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كمن قاتل معه؛ ففرض لأهل السوابق والقدم من المهاجرين والأنصار.

وعلى هذا الهدي سار الأئمة المتبوعون وأصحاب المذاهب الفقهية كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، ثم تلاميذهم من بعدهم، ينظرون في الأدلة ويبحثون ويجتهدون، ثم يعلن كل منهم ما انتهى إليه من رأي قد يختلف كثيرًا مع آراء غيره، ولكن ما يجمع هذه الآراء جميعًا أنه تم استنباطها وفق قواعدَ وأسسٍ علمية دقيقة تؤكد حرص هؤلاء الأئمة الأعلام على استجلاء الحقيقة والسعي الصادق في الوصول إلى مراد الله.

إن الاختلاف الفقهي كنموذج للاختلاف الإيجابي الموضوعي هو نتيجة منطقية لإعمال العقل والاجتهاد العلمي المخلص في تفسير النصوص الدينية، ولم يكن هذا الاختلاف سببًا في ذاته لنزاع أو صراع بين المسلمين إلا ما كان من بعض المتشددين الذين لم يدركوا منهج الاختلاف في الإسلام، وفي ذلك يقول الإمام الشاطبي: «ومن هنا يظهر وجه الموالاة والتحاب والتعاطف فيما بين المختلفين في مسائل الاجتهاد، حتى لم يصيروا شِيَعًا ولا تفرقوا فِرَقًا؛ لأنهم مجتمعون على طلب قصد الشارع، فاختلاف الطرق غير مؤثر، كما لا اختلاف بين المتعبدين لله بالعبادات المختلفة، كرجل تقرُّبُه الصلاة، وآخر تقرُّبُه الصيام، وآخر تقرُّبُه الصدقة إلى غير ذلك من العبادات، فهم مُتَّفقون في أصل التوجه لله المعبود وإن اختلفوا في أصناف التوجه»([85]).

هذا هو النموذج الصحي والإيجابي للاختلاف في الإسلام الذي يجب أن نحرصَ على ترسيخه وتوطيد أركانه في المجتمع عبْرَ وسائل إعلامه ومؤسساته التربوية والتعليمية وفي الأسرة المسلمة؛ لحاجتنا الماسَّة إليه، ولعدم إمكان التخلُّص منه، وصونًا لعواقب عدم التمسك بآداب الاختلاف من صراع ونزاع يؤدي إلى تفرُّق شمل الأمة واختلاف كلمتها.

 

 

([1]) عُبِّيَّةَ الجاهلية: أي فخرها وتكبرها ونخوتها. انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود (9/ 2394) لأبي الطيب العظيم آبادي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، الطبعة الثانية: 1388هـ، 1968م.

([2]) أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الحجرات (3270) وقال: «هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر إلا من هذا الوجه».

(1) نهاية الأرب في فنون الأدب (6/ 20) لأحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التيمي البكري، الناشر: دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، الطبعة: الأولى، 1423هـ.

(1) انظر: موقع دار الإفتاء المصرية، الفتوى رقم (4062)، بتاريخ 17 أغسطس 2017م.

(1) محاسن التأويل (9/ 207) لمحمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي، تحقيق: محمد باسل عيون السود، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1418هـ.

(1) انظر: موقع دار الإفتاء المصرية، الفتوى رقم (4062)، بتاريخ 17 أغسطس 2017م.

(1) الفَرق بين الفِرَق (صـ361) لعبد القاهر بن طاهر البغدادي الإسفرائيني التميمي، الناشر: محمد علي صبيح وأولاده.

(1) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين (2/ 6، 7) لمحمد بن محمد الحسيني الشهير بالمرتضى الزبيدي، مؤسسة التاريخ العربي بيروت- لبنان، الطبعة: 1414هـ – 1994م.

([9]) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب في دعاء الضعيف (3578). وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الحاجة (1385). وأحمد في مسنده (17240). وابن خزيمة في صحيحه (1219). والحاكم في مستدركه (1180) من حديث عثمان بن حنيف. وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقال ابن ماجه: «قال أبو إسحاق: هذا حديث صحيح». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه».

([10]) إشارة للحديث: «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون» أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا (1010) من حديث أنس بن مالك.

([11]) إشارة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار، فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدَّت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغْبِقُ قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي في طلب شيء يومًا، فلم أُرِحْ عليهما حتى ناما، فحلبتُ لهما غبوقهما، فوجدتهما نائمَيْنِ وكرهت أن أَغْبِقَ قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثتُ والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا، فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج. قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم، كانت أحبَّ الناس إليَّ، فأردتها عن نفسها، فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها، قالت: لا أحلُّ لك أن تفُضَّ الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أدِّ إليَّ أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئًا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون)). متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب الإجارة، باب من استأجر أجيرًا فترك الأجير أجره (2272). ومسلم في كتاب الرقاق، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال (2743).

(1) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنقبة فاطمة، (3712). ومسلم في كتاب الجهاد والسير ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا نورث ما تركنا فهو صدقة)) (1759) من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها.

([13]) انظر: الاقتصاد في الاعتقاد (ص135) لأبي حامد محمد الغزالي، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1424هـ – 2004م.

([14]) أورده البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم.

(1) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (3611). ومسلم في كتاب الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج (1066).

(2) أخرجه ابن ماجه في كتاب الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب في ذكر الخوارج (173). وأحمد في مسنده (19130). والحاكم في المستدرك (6435).

(1) أخرجه عبد بن حميد في مسنده (783) بلفظ: ((مثل أصحابي مثل النجوم يهتدى به فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم)). والآجري في الشريعة (1166)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (701). وقال ابن الملقن في البدر المنير (9/ 584): «هذا الحديث غريب، لم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمدة وله طرق».

([18]) أخرجه البيهقي في المدخل (152). وأورده الديلمي في الفردوس بالمأثور الخطاب (6497). وقال ابن الملقن في تذكرة المحتاج إلى أحاديث المنهاج (1/ 71): «هذا الحديث لم أَرَ من خرجه مرفوعًا بعد البحث الشديد عنه».

([19]) جزيل المواهب في اختلاف المذاهب (ص21) لعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، تحقيق: عبد القيوم محمد شفيع البستوي، الناشر: دار الاعتصام.

([20]) رواهما الخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (2/ 116، 117) تحقيق: أبي عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي، الناشر: دار ابن الجوزي – السعودية، الطبعة: الثانية، 1421هـ.

([21]) الميزان (1/ 74) لعبد الوهاب الشعراني، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، عالم الكتب.

([22]) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب الدين يسر (39).

([23]) أخرجه أحمد في مسنده (20347).

([24]) أخرجه أحمد في مسنده (18971).

([25]) أخرجه أحمد في مسنده، بلفظ «أيسره» (18976).

([26]) فتح الباري شرح صحيح البخاري (1/ 94، 95) لأحمد بن علي بن حجر أبي الفضل العسقلاني الشافعي، دار المعرفة- بيروت، 1379هـ.

([27]) انظر: الأشباه والنظائر (ص158) لعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، 1411هـ – 1990م.

([28]) أخرجه مسلم في كتاب العلم، باب هلك المتنطعون (2670).

([29]) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (2/ 92) لتقي الدين ابن تيمية الحراني الحنبلي، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، 1408هـ – 1987م.

([30]) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في الحسد (4904).

([31]) سبق تخريجه.

(1) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في الرحمة (4941). والترمذي واللفظ له، في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين (1924). والحاكم في المستدرك (7274) من حديث عبد الله بن عمرو. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وقال الحاكم: «وهذه الأحاديث كلها صحيحة» ووافقه الذهبي.

(2) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب الرجاء مع الخوف (6469).

(1) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء، آمين… (3231). ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين (1795) من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها.

(1) أخرجه الطبراني في الكبير (18/ 280/ 718)، وفي الأوسط (2629) من حديث الفضل بن عباس.

(2) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار (3475). ومسلم في كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود (1688).

(1) أخرجه الدارقطني في السنن (4471). والبيهقي في سننه الكبرى (20537)، والسنن الصغير (3259).

([38]) أخرجه مسلم في كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء (2742).

([39]) عوارف المعارف للسهروردي (ص82) طبع بذيل كتاب إحياء علوم الدين، مكتبة مصر بالفجالة، القاهرة، 1998م.

([40]) الرسالة القشيرية (2/ 442).

([41]) انظر: الرسالة القشيرية (2/ 490).

([42]) انظر: مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب (ص4) للإمام عبد الرحمن بن محمَّد الأنصاري المعروف بابن الدباغ، تحقيق هـ. ريتر.

([43]) انظر: الرسالة القشيرية (ص256).

([44]) انظر: البرهان المؤيِّد (ص52) للإمام الكبير أحمد الرِّفاعي، مطبعة الظاهر، الطَّبعة الأولى، 1322هـ.

([45])   شرح ديوان الحلاج (ص523) للدكتور كامل مصطفى الشيبي.

([46]) انظر على سبيل المثال: موقع دار الإفتاء المصرية، الفتوى رقم (2317)، بتاريخ 03 يونيو 2012م.

(1) متفق عليه: أخرجه البخاري واللفظ له في كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا (1496). ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (19) من حديث ابن عباس.

 (1) حاشيته رد المحتار على الدر المختار (2/ 340) لابن عابدين، الناشر: دار الفكر- بيروت، الطبعة: الثانية، 1412هـ – 1992م.

(2) المجموع شرح المهذب (6/ 190) لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، الناشر: دار الفكر.

(1) مغني المحتاج (4/ 173) لشمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي، الناشر: دار الفكر- بيروت.

(2) المبسوط (2/ 202) لمحمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي، الناشر: دار المعرفة – بيروت، تاريخ النشر: 1414هـ – 1993م.

(1) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ (6094). ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله (2607).

(2) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب علامة المنافق (33). ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق (59).

(3) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في التشديد في الكذب (4992). وابن حبان في صحيحه (30). والحاكم في مستدركه (381).

(1) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (1/ 75) لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثانية، 1392هـ.

(2) لباب التأويل في معاني التنزيل= تفسير الخازن (4/ 178) لعلاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي أبي الحسن، المعروف بالخازن، تحقيق: تصحيح محمد علي شاهين، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1415 هـ.

([57]) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسۡ‍َٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗا﴾ [البقرة: 273] وكم الغنى (1477). ومسلم في كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، (593).

(1) تفسير الماوردي = النكت والعيون (4/ 424) لأبي الحسن علي بن محمد البصري البغدادي، الشهير بالماوردي، تحقيق: السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان.

(2) تفسير ابن فورك (1/ 394) لمحمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني، أبي بكر، تحقيق: علال عبد القادر بندويش، جامعة أم القرى – المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى: 1430هـ – 2009م.

(1) متفق عليه: أخرجه البخاري واللفظ له في كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان (6478). ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار (2988).

(1) الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي (5/ 291) لأبي عبد الله محمد القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384هـ – 1964م.

(2) مدارك التنزيل= تفسير النسفي (1/ 378) لأبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي، دار الكلم الطيب، بيروت، الطبعة: الأولى، 1419هـ – 1998م.

(1) الموافقات (5/ 177، 178) لإبراهيم بن موسى بن محمد الشهير بالشاطبي، تحقيق: أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، الطبعة: الطبعة الأولى 1417هـ/ 1997م.

(([64] متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها (1584). ومسلم في كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها (1333) من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها.

(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/ 11) لمحمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1411هـ – 1991م.

(1) انظر: موقع دار الإفتاء المصرية، الفتوى رقم (2427)، بتاريخ 29 ديسمبر 2013م.

(1) البرهان في أصول الفقه (2/ 233) لعبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبي المعالي، تحقيق: صلاح بن محمد بن عويضة، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان، الطبعة: الطبعة الأولى 1418هـ – 1997م.

(1) المنخول من تعليقات الأصول (ص607، 608) لأبي حامد الغزالي الطوسي، تحقيق: الدكتور محمد حسن هيتو، دار الفكر المعاصر، بيروت – لبنان، الطبعة: الثالثة، 1419هـ – 1998م.

(2) أدب المفتي والمستفتي (ص100) لعثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح، تحقيق: د. موفق عبد الله عبد القادر، مكتبة العلوم والحكم – المدينة المنورة، الطبعة: الثانية، 1423هـ – 2002م.

(1) انظر: المرجع السابق (ص137).

(2) المجموع شرح المهذب (1/ 52) لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، الناشر: دار الفكر.

(1) متفق عليه: أخرجه البخاري واللفظ له في كتاب الحدود، باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت (6824). ومسلم في كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا (1693).

(2) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب الهبة للولد، وإذا أعطى بعض ولده شيئًا (2586). ومسلم في كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة (1623).

(3) أخرجه أبو داود في كتاب الحدود، باب في الرجل يزني بجارية امرأته (4460). والنسائي في كتاب النكاح، باب إحلال الفرج (3363). وابن ماجه في كتاب الحدود، باب من وقع على جارية امرأته (2552). وأحمد في مسنده (20063).

(1) أدب المفتي والمستفتي (ص115) لعثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح، تحقيق: د. موفق عبد الله عبد القادر، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة: الثانية، 1423هـ – 2002م.

(1) طرح التثريب في شرح التقريب (3/ 112) لأبي الفضل زين الدين العراقي، وأحمد بن عبد الرحيم ابن العراقي، الطبعة المصرية القديمة.

(2) لمعة الاعتقاد (ص6) لأبي محمد موفق الدين بن قدامة المقدسي، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثانية، 1420هـ – 2000م.

(1) رد المحتار على الدر المختار (1/ 48، 49) لابن عابدين، الدمشقي الحنفي، دار الفكر- بيروت، الطبعة: الثانية، 1412هـ – 1992م.

([79]) انظر: الموافقات (2/ 17- 20) لإبراهيم بن موسى الشاطبي، تحقيق: أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، الطبعة: الطبعة الأولى 1417هـ/ 1997م.

(1) أخرجه أحمد (23489).

(1) أخرجه الترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة (2640). وابن ماجه في كتاب الفتن، باب افتراق الأمم (3991). وابن حبان في صحيحه (6247). والحاكم في مستدركه (441). وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجه» ووافقه الذهبي.

(1) انظر: تفسير التحرير والتنوير (26/ 258، 3/ 266) لمحمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر – تونس، سنة النشر: 1984 هـ. وأدب الحوار (ص123 وما بعدها) د. محمد رجب البيومي.

(1) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((بني الإسلام على خمس)) (8). ومسلم في كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((بني الإسلام على خمس)) (16).

(1) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً (946). ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو، وتقديم أهم الأمرين المتعارضين (1770).

(1) انظر: الخراج، لأبي يوسف (ص53) لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة الأنصاري، المكتبة الأزهرية للتراث، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، سعد حسن محمد. والموافقات للشاطبي (5/ 220) لإبراهيم بن موسى الشهير بالشاطبي، تحقيق: أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، الطبعة: الطبعة الأولى 1417هـ/ 1997م. وتفسير الطبري (15/ 535) لمحمد بن الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420هـ – 2000م. وأدب الاختلاف في الفقه الإسلامي، د. عبد الرحمن عزيز عبد اللطيف سمرة، ضمن (موسوعة التشريع الإسلامي) (ص15) ط. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.

اترك تعليقاً