البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفصل الأول: سمات الفتاوى المتطرفة

39 views

تمهيد:

تتكون عقلية المتطرف بناءً على عدد من العوامل والسمات والخصائص التي تكوِّن فكره وآلياته في الفهم والإدراك، وتتشكل من هذه العقلية أدوات علمية ومعرفية لها نسقها الخاص في فهم النصوص وتطبيقها، وهذه الأدوات تفارق المنهج العلمي المنضبط جملةً وتفصيلًا، وينصبغ خطابها بصبغة العنف والإرهاب والتشدد، ويفتقد أهلها التكوين العلمي المؤصل، وتنحصر رؤيتهم في دائرة الانتماء الحزبي والأيدولوجي الضيق، وهي رؤية لا تقتصر سلبياتها على ضيق الأفق والهوى السياسي الملبس زورًا بلباس الدين والفكر والمنهج، بل تتعدَّى ذلك إلى الانحراف في فهم مقاصد الشريعة، وتكفير جموع الأمة المحمدية المرحومة.

كانت الفتوى دائمًا هي الطريقة المثلى للمتطرفين للتغلغُل بين جموع الناس بما تعالجُه بطبيعتها من قضايا تمسُّ جوانبَ متعددةً من حياة الناس، وبما جُبل عليه المسلمون من عاطفةٍ دينية تجعل تسليمهم بكل ما يلقى إليهم من قضايا ذات خلفية دينية أمرًا سهلًا، خصوصًا مع غياب الوعي بالخلفيات السياسية والفكرية لتلك الجماعات، وبالتالي كانت فتاوى المتطرفين هي الوسيلةَ الأسرع والأكثر تأثيرًا على العقول، وحصل من خلالها تمدُّد تلك الجماعات في كثير من الأوساط على اختلاف بيئاتها ومداركها العقلية.

وسنحاول في هذا الفصل تحليل تلك الخصائص التي تشبَّع بها فكر المتطرفين، خصوصًا ما كان منها متعلقًا بالفتوى، وبيان تلك العوامل التي أسست لعشوائية ذلك الخطاب الديني والإفتائي، من خلال المباحث الآتية:

  • المبحث الأول: فقدان المنهجية والتكوين العلمي.
  • المبحث الثاني: عدم التوثيق وتزييف الوعي.
  • المبحث الثالث: إهمال العقل وإفساد المعتقدات.
  • المبحث الرابع: فساد العقلية الفقهية.
  • المبحث الخامس: تنزيل المتغير منزلة الثابت.
  • المبحث السادس: الجمود وعدم إدراك الواقع.
  • المبحث السابع: الجنوح للتكفير.
  • المبحث الثامن: الفهم المنحرف لمصطلحات الشريعة.
  • المبحث التاسع: تغييب مقاصد الشريعة.
  • المبحث العاشر: تغييب دور السلوك الروحي في إصلاح المجتمع.

 

 

المبحث الأول: فقدان المنهجية والتكوين العلمي

إنَّ أساسَ أي فكر منضبط أن يقوم على دعائمَ منهجيةٍ وأسسٍ علميةٍ لها موازينهُا الدقيقةُ التي يعرفها أهلُها المختصون بها، والتكوين العلمي والمنهجي للعلوم الإسلامية كان على أدق ما يكون من تتبُّع أسس النظر المستقيم، المنبثقةِ من صريح العقل وصحيح النقل، وقد خالف المتطرفون هذه الأسس والمناهج، وانحرفوا عن سلوك سبيل أهل العلم، فخرجت طريقتهم ومناهجهم مشوهةً حائدةً عن مقاصدِ الحق ومصالح الخلق.

ونحن نستعرض تلك السمة من سمات المتطرفين نقدم بذكر لمحة عن التكوين العلمي والمنهجي المستقر لدى علماء الأمة الإسلامية شرقًا وغربًا، يتميز بها سبيلهم وتتضح بها طريقتهم التي أثمرت علومًا ومعارفَ حضارية يعز نظيرها، ولم تسفر عن أي نمط من أنماط الإرهاب والتطرف سنوردها فيما يلي:

– المنهجية: نسبة إلى المنهج على وزن مَفعَل، وهو: الطريق الواضح البين([1])، فالحكمُ على أي مكون علمي بأنه منهجي مرهون بمقدار انتسابه إلى طريق واضح، ومدى سلوكه سبيلًا بينًا لا اعوجاجَ فيه، وبمقدار تفاوت تلك الطرق المنهجية في الوضوح والبيان يكون تفاوتها في القرب من الحق أو البعد عنه.

– والعلم لغة: مطلق الإدراك، فيشمل إدراك الذوات وإدراك الحكم بثبوت شيء أو انتفائه([2]).

واصطلاحًا: إدراك الشيء على ما هو به، أي على وجه يطابق الواقع والحقيقة([3]).

نستطيع من خلال إدراك هذه المعاني الوصول إلى أنَّ حقيقة المنهجية العلمية: أنها الطريق الواضح الموصل إلى إدراكِ الأشياء على ما هي عليه في الواقع، وكل ما يتبع ذلك من إجراءات عملية توصل إلى المطلوب.

والمتتبع لآثار العلوم الإسلامية الجليلة يجد مدى تمسُّك علمائها بمناهجَ واضحةٍ شافيةٍ في بيان طرق التكوين العلمي والمعرفي فيها، وهو ما نجدُه في كل مستويات المعرفة النظرية والعملية وآلات العلم على حد سواء.

فعلى المستوى النظري نجد استفادة علماء المسلمين في مناهجهم من العلوم النظرية التي تضبط الفكر حتى لو كانت من علوم غير المسلمين في ذلك الوقت، وأوضح مثال على ذلك علم المنطق الذي برع فيه علماء المسلمين وضبطوا من خلاله مناهج النظر العقلي، وكذلك علم الكلام الذي قام على أساس البرهان، والمعارف اليقينية، وعلم أصول الفقه الذي كان من ابتكار العقل المسلم جنبًا إلى جنب مع علوم الحديث، سعيًا لضبط النص توثيقًا وفهمًا.

وعلى المستوى العملي كانت المذاهب الفقهية التي قامت على أساس متين من فهم الكتاب والسنة، ومعرفة فتاوى الصحابة وأقضيتهم، والعمل الذي توارثه الفقهاء جيلًا بعد جيل عن استدلال وفهم عميق أصْدقُ دليلٍ على منهجية التكوين وبناء المدارس العلمية الفقهية الأصيلة التي اتبعها المسلون شرقًا وغربًا، ورضوا بها حجة بينهم وبين الله في عباداتهم ومعاملاتهم.

وفي جانب السلوك الأخلاقي والروحي كان تزكية النفس حاضرة في التكوين العلمي على مستوى الأفراد والمجتمع، كل ذلك بتأصيل منهجي سيأتي بيانه تفصيلًا.

أما المتطرفون فكانوا على النقيض من ذلك؛ حيث اتسم تكوينُهم العلمي بضيق الأفق، والشذوذ في الفهم والسطحية في إدراك العبارات والألفاظ، فضلًا عن المعاني، وفساد أنماط الاستدلال، والإخلال بقضية التزكية والتربية في البناء العلمي لهم، وبالتالي فإن تلك العقول أثمرت أفكارًا ضالة منحرفة، تشبَّعت بالعنف والكراهية والإرهاب، وتمثل ذلك الخلل المنهجي والعلمي في تلك المناهج المنحرفة في النقاط التالية:

أولًا: فقد الإسناد العلمي:

صدر الإمام مسلم صحيحه الذي يعدُّ ثاني أصح كتاب لدى هذه الأمة بعدد من المقدمات التي يشير فيها إلى أهمية السند في العلم، وأن الإسناد من الدين، وأن الرواية لا تجوز إلا عن الثقات، وروى في ذلك عددًا من النصوص التي تمنعُ النقلَ عن غير الثقات، ومنها ما رواه بسنده إلى عبد الله بن المبارك أنه قال: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء»([4]).

والمتطرفون لا نجد لهم سندًا علميًّا فيما يستندون إليه من نصوص أو أفهام، وهو ما يعني بالضرورة أنَّ تلك الألفاظ أو المعاني التي يتناقلونها لا يمكن الوثوقُ بها ولا الاستناد إليها؛ لأنها خالية عن الشرط العلمي الذي ارتضاه الأكابر من علماء الأمة، الذين صانوا الدين وحفظوه بالتلقي كابرًا عن كابر، وهذه السمة عامة في منهجهم عمومًا، لا يختصُّ ذلك بعلم دون آخر.

وقد أثار المتشددون كثيرًا من الفتن التي كان سببها توجيه الناس إلى تلقي العلم من الكتب، دون الحاجة إلى لقاء العلماء، وأنشؤوا أجيالًا من الشباب الذين تاقت نفوسهم إلى تلقي العلم الشرعي، لكنهم لم يجدوا عند تلك الجماعات والتيارات شيوخًا يلقنونهم أصول العلوم، فضلًا عن الغوص في عمق المعاني النابعة من طول التأمل والنظر والتتبع والاستقراء، فخرج هؤلاء الشباب على الأمة بالتكفير والتبديع والتضليل، اعتمادًا على مجرَّد القراءة بلا وعي للكتاب والسنة، وللعلوم التي قامت حولهما.

لم يكتفِ المتطرفون بعدم وجود السند العلمي، بل عملوا على تشويه صورة العلماء الذين قامت عليهم أسانيدُ العلوم الشرعية، واستندت إلى أقوالهم مناهج الفهم والنظر السديد، فشاع بين شباب الجماعات الإسلامية تبديع أكابر علماء القراءات والحديث والفقه والأصول الذين انتهت إليهم الأسانيد، كالإمام شمس الدين بن الجزري، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وغيرهما من جهابذة العلماء المسندين.

ثانيًا: فقد الآلات والأدوات العلمية:

يعدُّ افتقاد المنتمين للجماعات المتشددة لآليات التعامل مع النص الشرعي نتيجة مباشرة لفقدان السند، فنجدهم لا يميزون الأدوات المنهجية التي يُتناول بها كل علم من العلوم، ولا يدركون الغاية من تحصيله، أو الفائدة التي ينبغي أن يقصد إليها من تعلمه.

ونتيجة لذلك كان تعاملهم مع النصوص العلمية في غاية من التخبُّط الشديد، وتمثل ذلك فيما يأتي:

  • التعامل مع نصوص القرآن والسنة بمعزل عن فهم اللغة، ومدلولاتها الواسعة التي كان يدركها العرب الذين أنزل القرآن بلغتهم.
  • الخلط بين مناهج العلوم المختلفة، كالتعامل مع علم الفقه بمقتضى مناهج علم الحديث، مما أدى إلى فساد منهج الاستدلال الفقهي، والتحاكم إلى مناهج المحدثين في قضايا التاريخ والسير.
  • افتقاد التكوين المذهبي في الفقه، ودعوى اللامذهبية والاستقلال بالاجتهاد، وسيأتي تفصيل ذلك.
  • انقطاع الصلة بينهم وبين العلوم العقلية التي تضبط الفكر، وتقوم منهج النظر في المسائل العلمية، تارة بدعوى أنها لم تنقل عن السلف، وتارة بدعوى أنها علوم منقولة عن غير المسلمين.
  • الابتعاد عن العلوم التي تضبط الفهم كعلم أصول الفقه، والتشغيب بقضايا تظهر جهلهم الشديد بحقيقة هذا العلم، كادعائهم أنه علم غير منضبط على منهج السلف، وأنه متأثر بالفلسفة اليونانية، وغير ذلك من الدعاوى التي لا حقيقة لها، وإنما هي محاولة للتفلُّت من سياج قواعد الفهم، والأطر المنضبطة لقراءة النص الشرعي الشريف.

وقد بني على ذلك الكثير من الانحراف في الفهم والتطبيق لمختلف القضايا العقدية والفقهية والسلوكية التي تولدت عن فقد الأدوات المنهجية التي سبق ذكرها، وغيرها من الأدوات العلمية التي تشبع بها العقل المسلم، وفقدتها تلك الجماعات، أو سعت إلى الحط منها؛ لأنهم عجزوا عن تحصيلها بسبب عدم تلقيهم للعلم بالطريقة المنهجية وفقدهم للسند العلمي المتصل.

ثالثًا: الشذوذ والمخالفة لعموم المسلمين:

يدَّعي المتشددون أنهم جماعةُ المسلمين المنصورة، والفرقة الناجية، وغير ذلك من الشعارات التي يخدعون بها أنصارَهم، وهم يسعون دائمًا إلى التميُّز عن عموم المسلمين حتى صار ذلك منهجًا لهم، وصفة غالبة عليهم، وذلك من أثر عدم التلقي عن العلماء، وفقد الأدوات العلمية، فهم يحاولون أن يصنعوا منهجية بديلة عن العلم المؤصل.

ولم يكن الشذوذ قاصرًا عند تلك الجماعات على المخالفات العلمية لجمهور الأمة، بل تمثل ذلك أيضًا في مخالفة الناس في طرائق مأكلهم ومشربهم، وعاداتهم الاجتماعية، والتضييق عليهم، وملاحقتهم تحت مسمى (اتِّباع السنة) في مسائلَ تتعلَّق بهيئات اللباس أو الطعام أو الشراب.

وتجلى ذلك الشذوذ وتلك المخالفة من خلال الأفكار والفتاوى التي أذاعت ونشرت بين الناس تبديع المسلمين وتضليلهم في الاحتفال بمواسمِ الخير: كالمولد النبوي، وذكرى الإسراء والمعراج، وغيرها من المناسبات الدينية والاجتماعية والوطنية، والبحث عن مسوغات لتوجهاتهم المخالفة لجموع المسلمين، حتى ولو كانت تلك المسوغات غير معتبرة، أو مردودة عند علماء المسلمين.

وقد شاع ذلك الولع بالمخالفة حتى صاروا يحكمون على الناس بالجاهلية، وتختلف تنظيراتهم في ذلك ما بين تقسيم للناس تحت مراتب جعلوها للتوحيد، أو جعل قضايا الحكم والخلافة أساسًا في البناء الفكري لهم ولأتباعهم، أو غير ذلك من السمت الظاهر الذي يمتازون به عن غيرهم، مع أن السنة النبوية تدعو إلى نقيض ذلك من عدم قصد الشهرة والتميز عن الخلق، كما ورد في الحديث: ((من لبس ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوبًا مثله))([5])، ولكن فهمهم السطحي لمعنى السنة أو اتباع الهدي الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم جعلهم يغفلون عن إدراك تلك المعاني.

ولا يخفى تعمُّد تلك التيارات خلق الفتن بين المسلمين، من خلال مخالفة الفتاوى التي تصدر من الهيئات المعتبرة في كل بلد من بلاد المسلمين، وسعيهم لإفقاد جموع المسلمين الثقةَ في مؤسساتهم الدينية، وهو ما وجد الناسُ صداه في العقود الأخيرة من إثارة الفتن حول صحة وقت صلاة الفجر، ورؤية هلال شهر رمضان، ومخالفة ما درج الناس عليه في تأدية صلاة التراويح، وتفريق الناس وتشتيتهم تحت مسميات الجماعات والفرق، والسعي إلى تشكيل منهج يتسم بالشذوذ والعبثية، ويؤثر على بناء العقل والوعي.

رابعًا: التصدُّر بغير علم:

من السمات اللافتة للنظر في سلوك الجماعات المتشددة من السلفية والإخوان وغيرهم من الجماعات المنحرفة: تصدير الشباب الذين لم يطل زمان مدارستهم للعلم، أو ليسوا من أهل العلم أصلًا، ولم يصحبوا شيوخًا يأخذون عنهم أمور دينهم، وهو خلاف ما كان عليه العلماء في آدابهم، بل كانوا يرون وجوب طول صحبة الشيخ، وأنه كالنخلة التي ينتظر أن يسقط من ثمرتها شيء مع طول الزمان([6]).

ومن المعلوم أن طول الزمان من الأسس التي تنتج علماء يتبنون فكرًا رشيدًا يهدي الناس ولا يضلهم، أو يلقي بهم في هاوية التطرُّف، ومخالفتها جعلت هؤلاء المتصدرين يفتون الناس في دين الله بجهلٍ وهوًى، ويحرضونهم بشعارات منقطعة الصلة بالفكر السوي، المؤسس على قواعد العلم.

وحب التصدُّر قد أورث هؤلاء المتشددين حالةً من العجب، والاعتداد بالنفس، والعناد، والصراع الدائم بينهم وبين أفراد المجتمع، حتى داخل الأسرة الواحدة، فهم يستشعرون دائمًا أنهم على الحق، وأنهم موكلون بإنقاذ الخلق.

وهذه السمة المركوزة فيهم قد تحوَّلت إلى نظريات وأفكار تتمثل في الاستعلاء على الخلق بالإيمان، والتمكين، وغيرها من الأفكار التي ترسخ الجهل في نفوس أتباعهم، ولا تدعوهم إلا إلى التصدُّر للشؤون العامة، حتى ولو أدَّى ذلك إلى ضياع أديان الناس، وانتشار الجهل والأفكار المنحرفة فيما بينهم.

خامسًا: ادعاء الاجتهاد، وأن الحق واحد لا يتعدد:

اضطر المتطرفون -في ظل فقدهم للصناعة العلمية المنهجية، وافتضاح جهلهم لدى أهل العلم المتمكنين- إلى أن يلجؤوا إلى دعوى عريضة، ليسوا من أهلها، ولم تتوفر عندهم أسبابها، وهي دعوى الاجتهاد، وكانت تلك الدعوى بمثابة دليل على ضعف إدراكهم، وتحكم الهوى بهم، وقصور أفهامهم عن معرفة حقيقة الاستدلال، وتهاونهم بمقام استنباط الأحكام الشرعية.

إن دعوى الاجتهاد هي نتيجةٌ حتميةٌ لعدم التكوين العلمي الصحيح، وانتشار الحط من أقدار علماء الأمة بين أفراد تلك الجماعات، بما في ذلك أئمَّة المذاهب الأربعة الذين امتلكوا ناصية الاجتهاد، وقامت من بعدهم مدارسُ علمية سيرت واقع المسلمين على مدى أكثر من ألف عام، وقد تناولتهم ألسن تلك التيارات بالانتقاص، وشاع بينهم المقولة الشهيرة (هم رجال ونحن رجال)، حتى ظن المغرر بهم من شباب السلفية والجماعات الإسلامية أن الواحد منهم يستطيع أن يعترض على الأئمة المتقدمين دون أدنى دراية أو علم.

تلك الجرأة الشديدة التي استشرت في أبناء هذه التيارات أنتجت فقهًا وفتاوى مشوهة مفتقدة للتأصيل العلمي، غير مدركة للواقع بتغيراته المستمرة، تعتمد هذه الفتاوى في أغلبها على بعض الخصائص التي يمكن تلخيصها فيما يلي:

الاعتماد على الحزبية واتخاذ الأهواء الأيدولوجية والفكرية أو السياسية أساسًا للتأصيل العلمي، أو ربما صار مجرد التمحور حول الأشخاص هو الدافع وراء بعض الاجتهادات المزعومة.

تضييق دائرة الاختلاف الذي هو رحمة بالأمة، وادعاء إجماعات على أمور قد عرف الخلاف فيها وشاع.

إنكار قضية تصويب المجتهدين الذي يحمل على معنى أن كل مجتهد قد أصاب فيما هو واجب عليه، وهو بذل الوسع والاجتهاد، ولا يشترط وصوله إلى الحق في ذات المسألة.

إشاعة الإنكار في المختلف فيه، وهو أمر ناتج عن فهم مغلوط لقضية الثابت والمتغير في الفقه والفتوى، وكذلك عدم إدراك حقيقة مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسيأتي الحديث عن انحرافاتهم في إدراك مثل هذه الأمور.

وغير ذلك من السمات والخصائص التي تعد تجليات لمزاعم الاجتهاد وفقد المنهجية العلمية.

إن فقدان المنهجية والتكوين العلمي لا يتوقف عند الأمور السابقة، بل هي لمحة عن بعض خصائصهم وعشوائيتهم في تأسيس منهجهم العلمي الذي سيبنى عليه اضطراب وقلق في كل الفروع العلمية، وهو ما سنتعرض لشيء منه فيما يأتي بتحليل اضطرابهم في بعض المعارف والقضايا المنهجية.

المبحث الثاني: عدم التوثيق وتزييف الوعي

مما لا شكَّ فيه أن لغياب التوثيق آثارَه التي أضرَّت بعالمنا الإسلامي أشدَّ الضرر؛ لما يحققه التوثيق من ضبط صحةِ النقل التي ينبني عليها صحةُ العمل، وسلامةُ الفكر من الوقوع في الزلل، وحفظُ المجتمع كله من التحريف والزيغ عن المقاصد والمعاني المرادة من النصوص المنقولة، لذلك فإنَّ التوثيق يعدُّ من مكونات العقلية الإسلامية الصحيحة، والمنهجية العلمية القويمة التي انبنت عليها شتى العلوم والمعارف الإسلامية كما سنبين لاحقًا.

ذلك المنهج القويم الذي جانبته جماعات الإرهاب المتطرفة والتيارات الدينية المتشددة، فحرفوا النقول عن مرادها بسبب غياب منهج التوثيق عندهم، فأنتج ذلك الخلل في تناول المعرفة فهمًا خاطئًا، بنوا عليه أفعالهم التي أنتجت تلك العقلية الإرهابية، فأذاعت التكفير، وقتل المسلمين وغير المسلمين باسم الدين والشريعة الإسلامية، وهي بريئة منهم، وليس ذلك مراد الشريعة، وإنما هي محاولاتهم لتطويع الدين لمرادهم وفهمهم المنحرف المعوج.

ويندرج تحت إهمال منهج التوثيق: عدمُ التثبت من الأخبار، وترويج الشائعات التي تخدم أيدلوجيات معينة، وأجنداتٍ خاصة، سواء أكانت هذه الشائعات سياسية، أو اقتصادية أو دينية، فينتج عنها إحداث الفوضى في المجتمع، ونشر الكذب -الذي هو محرم قطعًا في الشرع- على ألسنة الناس، وهو ما يؤدي بشكل قاطع إلى اضطراب حياة الناس، وانهيار النُّظُم، وهو ما تفعله تلك الجماعات باستمرار، كجماعة الإخوان، والتيارات السلفية المتشددة وجماعات التطرف الديني الإرهابية؛ سعيًا منهم لزرع المخاوف بين الناس، ونزع المصداقية تجاه الدول والحكومات، حتى تتحقق أطماعهم من انهيار الأنظمة، ومحاولتهم التوصل إلى سلطة الحكم بأساليبهم الملتوية، ونشرهم الأكاذيب، وسفك الدماء، وترويع الآمنين من الناس.

وكل ذلك ليس ببعيدٍ عنا؛ فقد عايشناه وشاهدناه في دولنا الإسلامية والعربية، ولأجل ذلك وجب أن نبينَ خطرَ هذه الجماعات ونحللَ تلك السمة الفكرية الفاسدة التي انتشرت في أوساط تلك التيارات المتطرفة وترتب عليها كثيرٌ من الآثار المدمرة للبناء الإنساني والمجتمعي، فمن مظاهر تلك السمة:

أولًا: الوقوع في التحريف:

تمثل إهمال التوثيق عند الجماعات المتطرفة في تحريفهم النصوص المنقولة دون بحث ونظر وتحقيق فيها؛ فبنوا على هذه النصوص المحرفة فهمًا أدى لأفعال تسببت في قتل الأبرياء والآمنين ونشر الدماء والتفجير، ومن هذه النصوص فتوى سُئل فيها الشيخ ابن تيمية رحمه الله بخصوص بلدة (ماردين) وسميت الفتوى باسمها، وهي بلدة تقع في جنوب تركيا اليوم، كان أغلب سكانها من المسلمين، وقد دخلها جيش التتار، واحتلها في القرن السابع الهجري، فصارت بلدة أغلبها مسلمون، لكن يتحكم فيهم غزاة على غير ملتهم، فاختلف المسلمون في تصنيفها على ما كان يجري من الفقهاء في ذلك العصر من تقسيم البلاد إلى دار إسلام يحكمها المسلمون، وإلى دار كفر يحكمها غير المسلمين.

فسُئل ابن تيمية رحمه الله عنها بالنص الآتي: «هل هي بلد حرب أم سلم؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر، وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله، هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا؟

فأجاب: الحمد لله، دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في (ماردين) أو غيرها، وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة سواء كانوا أهل ماردين أو غيرهم، والمقيم بها إن كان عاجزًا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه، وإلا استحبت ولم تجب.

ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك بأي طريق أمكنهم، من تغيب، أو تعريض، أو مصانعة، فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت، ولا يحل سبهم عمومًا ورميهم بالنفاق، بل السبُّ والرمي بالنفاق يقعُ على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة، فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم.

وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة: فيها المعنيان، ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام؛ لكون جندها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث: يعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه»([7]).

وقد اعتمدت الجماعات المتطرفة والجهادية على هذه الفتوى في تبرير عملياتهم الإجرامية وخططهم الإرهابية، فأهدروا الدماء، واستحلوها من المسلمين وغيرهم بغير حق الله، فضلوا وأضلوا، وتسبَّبوا في تشويه صورة المسلمين والإسلام وإظهاره بشكل دموي عنيف، وكل ذلك بسبب غياب التوثيق الذي أدَّى إلى التحريف في النقل كما سنبين:

– لقد وقع التصحيف في نقل هذه الفتوى في الجزء الأخير منها في قوله: «ويعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه».

والصواب هو ما نقله ابن مفلح رحمه الله تلميذ الشيخ ابن تيمية في كتابه «الآداب الشرعية والمنح المرعية» حيث نقل قوله كما يلي: «ويعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه»([8]).

– فنقل قوله (ويعامل) في الحالتين، وهو الذي يتناسب مع سياق الفتوى سابقها ولاحقها؛ لأنه لو كان المراد «ويقاتل الخارج» -كما فهموا هم- لَمَا كان قوله «بما يستحق» ذات معنى؛ لأن الخلاف إنما هو في إقرار القتال من عدم مشروعيته، وليس في كيفية المقاتلة.

فتبيَّن خطأ النقل مع ضياع التوثيق وخطأ الفهم والمعنى المراد من النقل، وانبنى عليه إهدار الدماء ونشر الخراب بغير حق حتى وقتنا الحاضر وبعد مرور سبعة قرون على هذه الفتوى وفهمها المحرف الذي ما زال يُتداول بين هذه الجماعات المُضلَّة دون توثيق.

ثانيًا: انتشار الكذب والشائعات:

إنَّ انتشارَ الشائعات والكذب يعدُّ نتيجةً حتميةً لإهمال منهج التوثيق والتثبُّت من المعلومات ومصادرها والتحري عن قائلها، وهو المنهج الذي علمنا إياه الحقُّ سبحانه وتعالى في كتابه الكريم فقال: #﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ﴾  [الحجرات: 6].

ولقد انتهجت الجماعات المنحرفة المتطرفة منهج ترويج الشائعات ونشر الكذب لإيقاع الفتنة بين الناس والأنظمة الحاكمة، ولزعزعة الاستقرار والأمن، وبث الفتنة بين أطياف الشعب الواحد، الأمر الذي تسعى إليه تلك الجماعات من أجل تعميم الفوضى في المجتمع، لتسهيل الوصول إلى أغراضهم وأطماعهم السياسية، ولقد استغلوا في ذلك سهولة انتشار المعلومات في وقتنا الحاضر؛ لوجود المواقع الإخبارية الخاصة ذات الأيدلوجيات، والأجندات الخارجية، ومنصات التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، كما استغلَّت أيضًا القنوات الإعلامية (الفضائيات الخاصة) لبث سمومهم وكذبهم ليلَ نهارَ كعادتهم في نشر الشائعات والكذب بين الأوساط المختلفة، خصوصًا ذات التكوين الفكري البسيط، من غير المتعلمين الذين يسهل نشر الشائعات بينهم؛ لشيوع الجهل فيهم، وعدم قدرتهم على التثبُّت من المصادر الموثوقة.

– يعدُّ سلاح الشائعات اليوم من أخطر أسلحة العصر الحديث، فيما يسمونه بحرب المعلومات والحروب النفسية؛ لإسقاط المنظمات والدول، الأمر الذي اعتادت عليه الجماعات الإرهابية كجماعة الإخوان المسلمين في مصر وفي باقي الدول، فقد أثارت الشائعات والأخبار الكاذبة لإحداث فتنة بين أطياف الشعب المصري مسلميهم ومسيحييهم، ولكن الله وقى من شر هذه الفتنة، ووعى الشعب ذلك، فأفسد عليهم مخططهم الخبيث، كما أرادوا إحداث الفتنة بين الشعب والجيش الوطني، وبين الشعب وحكومته، فنشرت العشرات من الشائعات التي تشعل خطاب الطائفية والكراهية، كما أشيعت الكثير من الأكاذيب الاقتصادية، بل والدينية، وكل ذلك يعد من الكذب المنهي عنه؛ فقد نهى الإسلام عن الكذب وشدد على ذلك، بل نفى أن يكون المسلم كاذبًا أو مروجًا لما لا يعلمه، ونجد ذلك في القرآن الكريم في قول الحقِّ سبحانه وتعالى : ﴿قُلۡ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ﴾ [يونس: 69]، وفي الحديث الشريف قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع))([9])، وروى ابن أبي الدنيا عن عمر بن الخطاب قال: «لا يكون المؤمن كذَّابًا»([10]). وفي التنزيل: ﴿إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ﴾ [النحل: 105]([11])، فالكذب وترويجه أفعال لا تتأتى من مؤمن، فكيف بمن نصبوا أنفسهم حرَّاسًا للدين وللعقيدة، وهم يمارسون ذلك ليلًا ونهارًا؟!

– ثالثًا: تزييف الوعي الجمعي:

إنَّ الوعي الجمعي للمجتمع يتشكَّل من خلال ما ينشأ عليه مجموع أفراد ذلك المجتمع من عاداتٍ وتقاليدَ وعقائدَ يؤمن بها، وتُكوِّن وَعيَه وفِكرَه، ولا شكَّ أن لمنهجية التوثيق دورًا في بناء هذا الوعي وأثرًا بالغ الأهمية في تكوينه؛ لأنه يعتمد على بناء عقلية ناقدة تتحقق مما يثار حولها، أو يتم تناقله بين الناس من معلومات وأخبار، فإذا فسدت هذه المنهجية فسد ذلك الوعي بلا ريب، ومن هنا تتجلَّى أهمية منهج التوثيق، وأثر غيابه الذي يؤدي إلى فساد الفكر والوعي في المجتمع.

ولذا فإنَّ ما تقوم به هذه الجماعات من نشْر الشائعات والكذب باسم الدين لهو أشدُّ أنواع الإفساد للوعي، وتزييفه وتغييبه عن الواقع الذي يعيشه، ولا شكَّ أن هذه الجماعات تستفيد من ذلك التغييب والتزييف، ولا تريد للعقول أن تفيقَ من جهلها لتحقيق أيدلوجياتهم الخاصة من السيطرة والحكم باسم الدين، وكل ذلك إنما يرجع لغياب منهج التوثيق والتثبُّت، ولإفساد الوعي الجمعي للمجتمع.

يعد إفساد الوعي الجمعي أداةً لصناعة التطرف والإرهاب، بل يعد المعول الأكبر في صناعة المتطرف نفسه بما يتم شحنه به من أفكار وأكاذيبَ خاطئة لا تخضع لمنهج علمي أو توثيقي، فيتقبل ذلك الفرد ما يُبَثُّ إليه من هذه الأكاذيبِ، ويبني عليها موقفَه سلبًا أو إيجابًا بغير تحقق منه أو نقد لما يملى عليه من شائعاتٍ وأكاذيبَ باطلةٍ، فينتج عند ذلك المتلقي ما يشبه العلم، وهنا تكمن الخطورة؛ لأنه بسبب تكوينه العقلي البسيط وعلمه المحدود يتشكل لديه ما يظنه عقيدة صحيحة يجب عليه الموت في سبيلها، والدفاع عنها، وبذل الغالي والنفيس في سبيل تحقيقها! وتلك هي السمة العظمى لأتباع هذه الجماعات من الجهل وضيق الأفق والعلم المتوهم وقلة الثقافة الدينية، وكلُّها سمات لازمة لتسهيل السيطرة على الأتباع في سبيل تحقيق المكاسب الكبرى لقيادات هذه الجماعات ذات الأيدلوجيات الخاصة والأطماع الزائفة.

رابعًا: الادعاء على المخالفين:

لم تسلم هذه الجماعات المتشددة والمتطرفة دينيًّا من الادعاء والافتراء على المخالفين لهم، حتى وإن كانوا من عوام النَّاس الذين تُحمَل أفعالُهم على حُسْن الظن بهم قدرَ الاستطاعة، بدلًا عن رميهم بالشرك والفسق والكفر الصريح، هذه التهم التي أصبحت من أهون الافتراءات على ألسنتهم؛ فلا يرون أحدًا من العوام مثلًا يهنئ نصرانيًّا إلا وفسَّقوه وقلَّلوا من ديانته، ولا يرون أحدًا يزور قبر أحدٍ من الصالحين أو الصحابة أو آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم إلا ورموه بالشرك وضلال المعتقد وعبادة القبور دون تثبُّتٍ ووعيٍ لمقاصدِ تلك الأفعال، وحقائقها، ولا يتثبَّتون من نوايا هؤلاء المخالفين لهم قبل تبديعهم، ورميهم بالكفر، ممَّا أدى لتكفير عموم المسلمين وإيقاعهم في الشرك ونشر ذلك حتى على أفواه الصغار وحدثاء الأسنان منهم؛ فأصبحت الأمة بمجموعها أمةً مُفترًى عليها متهمة في دينها! تلك الأمة التي قال عنها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم عن سيدنا عقبة بن عامر رضي الله عنه: ((إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها))([12]).

فانظر كيف أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا))؛ لعلمه صلى الله عليه وسلم أنَّ الإيمانَ عقيدةٌ راسخة في القلب، لا كما يعتقدها هؤلاء المجرمون سهلة التغير والتقلب ولو لأدنى تصرف، وأنَّه لا سبيلَ للاطلاع عليها إثباتًا أو نفيًا، وإنَّما يكون ذلك للمطلع على القلوب والغيوب سبحانه وتعالى، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ((ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها))، فالناظر لأحوال هؤلاء إنَّما يجد أن ما يحركهم هو حب الدنيا وتحقيق السلطة والسعي لحكم النَّاس ولو بالقوة وحدِّ السيف والإكراه، ولقد اتخذوا لذلك كل سبيل يقربهم لبغيتهم.

خامسًا: عدم المصداقية العلمية:

إن مصداقية أي معنى إنما تُعرف بالمقارنة إلى مدى تحقق وجوده فعليًّا، أي مدى تحقق صدق المعنى بالنسبة إلى الوجود على أرض الواقع، وعدمها إنما يكون بخلاف ذلك، وهو كذب الكلام وعدم مطابقته للواقع، وهو ما ينتج عن عدم التوثيق والمصداقية في النقل.

وقد وقع ذلك لتلك الجماعات التي انتهجت الكذب والافتراء والتلفيق على المخالفين لهم، وخداع العوام، ونشر الشائعات بين الجموع، فغلب عليهم عدم المصداقية العلمية، وانتفاء الأمانة الدينية التي تنبني على الصدق والتحري والتثبُّت من الأخبار والمعلومات، ولقد حثَّ الله سبحانه وتعالى على تحري الصدق وعده من جماع التقوى فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119]، كما ذمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذبَ في مواضعَ كثيرة، وعدَّه من الفجور الذي يؤدي بصاحبه لدخول النار؛ ففي حديث رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الصدق بر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن العبد ليتحرى الصدق حتى يُكتَب عند الله صديقًا، وإن الكذب فجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن العبد ليتحرى الكذب حتى يُكتب كذابًا))([13]).

فانظرْ كيف أدَّى تحري الكذب والإصرار عليه للفجور الذي يهدي إلى النار والعياذ بالله، ولا شكَّ أن تعمُّد الكذب من هذه الجماعات ونشر المعلومات والأخبار بغير توثيق يجعلهم متصفين ومتحققين بعدم المصداقية وانتفاء الأمانة، وهو بلا شك ما تتصف به تلك الجماعات المنحرفة والمتطرفة دينيًّا وعقائديًّا؛ إذ الغاية عندهم هي تحقيق أطماعهم، لا ابتغاء الدار الآخرة ووجه الله سبحانه وتعالى، وكيف لا وهم على هذه الأحوال والصفات الدنيئة، ويبذلون في سبيل ذلك كل وسيلة مهما كانت محرمة أو غير شريفة؟!

– إن غياب التوثيق وعدم الاهتمام به يعدُّ من أشد الرزايا والبلايا التي أحاطت بالأمة الإسلامية، فأوقعتنا في شَرَك التحريفِ والتكفير والتبديع، وبث الشائعات والكذب، ونشر الإرهاب والقتل وسفك الدماء واستحلالها بهوى وبغير حق؛ لأن التوثيق منهج تعصم مراعاته عن الوقوع في النقل المحرف الذي ينبني عليه الفهم المحرف، ويؤدي العمل بذلك الفهم إلى ضلال وأوهام، وهو ما تفعلُه تلك الجماعات التي بدَّعت الأمة بمحض فهمها المنحرف، وليِّيها عنقَ الأدلة النقلية والعقلية دون عمق نظر، وطول بحث، وأخذٍ بأقوال علماء الأمة الثقات الذين كان منهجهم هو الوعي قبل السعي، والتحري قبل إطلاق الأحكام، فأخرجوا لنا المناهجَ والعلومَ الموثقة التي أنارت الدنيا وعمرت الكون.

المبحث الثالث: إهمال العقل وإفساد المعتقدات

إن كثيرًا من الإشكاليات الفكرية قد ترتبَّت على فقدان المنهجية العلمية، وعدم الرسوخ في العلم، من خلال تكوين علمي رصين، حتى نشأ ما يمكن أن يعد منهجًا متكاملًا للتيارات المتطرفة، لكنه منهجٌ مليءٌ بالانحرافات والضلالات التي تغذي كل جانب من جوانب المعرفة، خصوصًا المعارف الشرعية، وهي تهدم أركان البناء المعرفي السليم للعقل المسلم.

وأول ما يتعلق به التكليف في هذه الحياة الدنيا هو العقل الذي جعله الله سبحانه وتعالى مناطَ الإدراك، وخاطبنا بالتعقُّل في آيات كثيرة تفضي بمجموعها إلى إرساء قاعدة جليلة، وهي أنَّ العقل هو الأداةُ التي خلقها الله فينا لتلبية مراده منا، حتى إنَّ المتأمل لآيات القرآن الكريم يجد أن الملامةَ على ترك كثير من التكليفات، وعدم الامتثال للأمر الإلهي قد جُعل سببُ اللوم فيها هو تركَ إعمال العقل في نص الذكر الحكيم، أو في الحكم المنزل من عند الله، أو في الحكمة المترتبة عليه.

وكان نزول ذلك البيان العربي المبين المعجز له غاية قد أفصح عنها القرآن الكريم وهي التعقل، والوصول إلى المعنى المراد، والعمل به، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف:2]. قال الإمام القرطبي في تفسيره: «أي لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه»([14])، وبالتالي فإنَّ أي إغفال لذلك هو ترْكٌ للتكليف الأساسي، والغاية المقصودة من البيان.

ومن هنا كان العقلُ هو لبَّ الإدراك للمعاني، وحسن تفهمها، والنظر في آيات الله المسطورة والمنظورة، ولذا قال الحارث المحاسبي رضي الله عنه: إن الفهم لإصابة المعنى هو البيانُ لكل ما سمع من الدنيا والدين، أو مسَّ، أو ذاقَ، أو شمَّ، فسماه الخلق عقلًا، وسموا فاعله عاقلًا، وإن الفهم والبيان ضرب من العقل؛ لأنه ناشئٌ عنه، وإن العرب إنما سمت الفهم عقلًا لأن ما فهمتَه فقد قيدتَه بعقلك وضبطته، كما يسمون تقييد البعير عقلًا إذا قيدت ساقه على فخذه([15]).

وقد سعى المتطرفون على قدم وساق إلى جذْب الناس إلى صفوفهم من خلال المتاجرة بالدين، واستغلال العواطف الدينية في هدم البناء الفكري الذي قامت عليه علوم الشريعة، وأول هذا البناء هو العقل الذي ينطلق منه الإنسان مفكرًا ومتدبرًا، وواعيًا لكل ما أمر به، فهو حجر عثرة أمام المتطرفين، يحجم العقلاء عن الوقوع في مهاوي تلك الجماعات والتيارات، ويستعصي عليهم استقطاب من أعمل عقله في فهم مراد ربه منه؛ لأن من تفكر في أمرهم أدرك يقينًا أغراضهم التي يروجون لها باسم الدين أو الشريعة، ولذلك فإنَّ إغفالَ العمل العقلي في منهجهم هو سعْي إلى تسهيل التبعية لهم في كل شأن دون التفكُّر والتأمُّل في الأساس الذي يبنون عليه اختياراتهم، وفي مآلات أفعالهم، ومدى مطابقتها للعقل العلمي المنهجي الذي اتبعه المسلمون قرونًا متطاولة.

ومن هنا كانت أول معاول الهدم للوعي الجمعي للمسلمين هو تغيير مفهوم العقل في أذهانهم، حتى صار مفهومًا مشوهًا، لا يدرك الناس منه سوى أنه معنى يقابل الشريعة، ويقف مضادًّا للوحي، وبذلك يسهل على المتطرفين جرُّ عوام الخلق إلى دائرة من اللامعقولية تحت مسمى تقديم النص والوحي على العقل، بل جَعْلُ إعمالِ العقل تهمةً تفضي بصاحبها إلى مخالفة الشرع، ولذلك فهم حريصون كلَّ الحرص على جعْلِ مفهوم الطاعة العمياء والتسليم المطلق لقياداتهم هو القائمَ مقامَ دَور العقل، بل يخوفون أتباعهم ويرهبونهم إذا ما أراد أحدهم أن يعمل عقله، ويحمسونهم بدلًا عن ذلك بخطاب عاطفي لا مجالَ فيه للوعي أو الفهم، حتى لو كان مفضيًا إلى طريق الهلاك، فتغيب الموازين الدقيقة التي يستطيع العاقل أن يميز بها ما ينفعه أو يضره.

يصعب على المتشددين فهْمُ خطورة إهمال العقل، وما يلحق ذلك من أثر ظاهر في الفكر والعلم، ولذلك فقد تبنَّت تلك التياراتُ المتشددةُ بعضَ القضايا التي تجلَّى فيها ذلك الإغفال المتعمد لدَور العقل في معالجة المسائل العلمية والفكرية، وهي قضايا يترتب بعضها على بعض، فتفضي بمجموعها إلى ضلالات وانحرافات لا منتهى لها، ومن تلك القضايا:

أولًا: عدم التحاكم إلى العقل مطلقًا:

تنزع تلك الجماعات إلى إنكار دور العقل مطلقًا من خلال نظرة سطحية لآيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، ومن أمثلة ذلك فهمهم الضيق لقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]، وأن مقتضى ذلك أن القرآن الكريم يشتمل على كل القضايا الشرعية، بل وغيرها، وأن المسلم لا يحتاج إلى غير ذلك من استعمال العقول، أو استثمار العلوم والمعارف، وهي نظرة تدلُّ على سقم في الفهم؛ حيث إن معرفة عدم اشتمال آيات القرآن على جميع الأمور تفصيلًا أمرٌ تكفي فيه المشاهدة، ولا يقول به أحد من العقلاء فضلًا عن العلماء!

بل ذهب بعض المفسرين إلى أنَّ المقصود بالكتاب هنا ليس القرآن الكريم، وإنما هو اللوح المحفوظ؛ يقول الإمام البيضاوي في تفسيره: «﴿مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖ﴾ يعني: اللوح المحفوظ، فإنه مشتمل على ما يجري في العالم من الجليل والدقيق، لم يهمل فيه أمر حيوان ولا جماد»، ثم يبين المعنى المراد على فرض أن المقصود هو القرآن، فيقول: «أو القرآن فإنه قد دون فيه ما يحتاج إليه من أمر الدين مفصلًا أو مجملًا»([16])، فجعل المقصود به محمولًا على الأمور الدينية الشرعية، وليست كلها مفصلة فيه، بل بعضها على وجه الإجمال، وبعضها على وجه التفصيل.

وهذه الجماعات لا تتبنى هذا الفهم السوي الذي يؤدي إليه صريح العقل، وإنما يزعمون التحاكُمَ إلى النصوص الشرعية في كل شيء، فيتعسفون في التقوُّل على النص الشرعي الشريف بما لم ينطق به، وبما ليس من مفهوماته حتى صار مفهومهم التحاكم إلى النصوص الشرعية ضيقًا، لا يتعدى أن يستدل كل إنسان على أي شيء يريده بآية أو حديث، وأن أي استدلال بغير ذلك ولو كان من ضروريات العقول ينكرونه ويعتبرونه خروجًا عن منهاج الشريعة، ووظيفة العقل عندهم لا تعدو الامتثال للنص، وكأن النص دالٌّ بنفسه على مقتضاه، وهذا المسلك عندهم سيأتي تفصيله في بيان منهجهم الفقهي.

ثانيًا: عدم اعتبار القواعد العقلية في العقائد:

يعد المتطرفون أي صلة للعقائد بالقواعد العقلية ضربًا من ضروب الابتداع أو الشرك، وأنَّ مناهج المتكلمين من أهل السنة والجماعة كلها قائمة على أصول عقلية ابتدعوها من عند أنفسهم، وهم يرددون في ذلك مقولات الشيخ تقي الدين ابن تيمية، منها قوله في مجموع الفتاوى: «فالرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن الأصولَ الموصلة إلى الحق أحسنَ بيانٍ، وبيَّن الآياتِ الدالةَ على الخالق سبحانه وأسمائه الحسنى وصفاته العليا ووحدانيته على أحسن وجه، كما قد بسط في مواضع. وأما أهل البدع من أهل الكلام والفلسفة ونحوهم فهم لم يثبتوا الحق، بل أصَّلوا أصولًا تناقضُ الحقَّ، فلم يكفهم أنهم لم يهتدوا ولم يدلوا على الحق حتى أصَّلوا أصولًا تناقض الحق ورأوا أنها تناقض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فقدموها على ما جاء به الرسول»([17]).

ويشمل قوله ذلك أئمة أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتريدية، فهو يعرض بهم في ذلك حينًا، ويصرح أحيانًا، فتارة يرمي الإمام الرازي بالحيرة، وتارة يرمي حجة الإسلام الغزالي بالقصور في المعقول والمنقول، وهو يصرح بكفاية النصوص عن الدلائل العقلية مطلقًا دون تفريق بين أصولها وفروعها، فيقول: «فقد تبين أن ما عند أئمة النظار أهل الكلام والفلسفة من الدلائل العقلية على المطالب الإلهية، فقد جاء القرآن الكريم بما فيها من الحق، وما هو أبلغ وأكمل منها على أحسن وجه، مع تنزهه عن الأغاليطِ الكثيرة الموجودة عند هؤلاء، فإنَّ خطأهم فيها كثير جدًّا، ولعل ضلالهم أكثرُ من هداهم، وجهلهم أكثر من علمهم»([18]).

وهذا الكلام وإن كان ظاهره أنه حق، وأن القرآن الكريم فيه الكفاية، إلا أن الأصول العقلية هي السبيل إلى فهم النص على وجهه دون وقوع في الاضطراب والتناقض، وذمها بهذا الوجه على الإطلاق هو الذي أدى إلى تناقضات صريحة في المنهج العقدي الذي تبناه المتشددون، مستندين إلى مثل هذا النصوص التي تستنكر دخول قواعد العقل ودلائله في باب العقائد، فإعمال العقل في العقائد عندهم باب من أبواب الخروج من ربقة الدين، ومفارقة جماعة المسلمين، ويوحون إلى أتباعهم بمفارقة الدليل العقلي للوحي، بل ومناقضته له، ليوقعوهم في اختيار لا مفر منه، وهو وجوب اتباع فهم هؤلاء المتطرفين للوحي، فيخرج الإنسان من نظر عقلي إلى نظر عقلي آخر دون أن يدريَ أنَّ أمرَ النظر والفكر في نص الوحي لا مفر منه، لكنه ترك فهم عموم جماعة المسلمين من علماء الأمة إلى فهم شرذمة من الأشخاص الذين يدَّعون انحصار العقيدة الصحيحة فيهم، وأنهم وحدهم الفرقة الناجية!

وهذا النهج على النقيض تمامًا من منهج أهل السنة والجماعة الذين يجعلون بدهيات العقول وأولياتها وطرائق النظر العقلي جنبًا إلى جنب مع نصوص الوحي، ويعدون إهمال العقل والنظر والتأمل بابًا إلى الضلال، وأن العقل الصريح والنقل القطعي الصحيح لا يتعارضان أبدًا.

ثالثًا: التشبيه في الصفات الإلهية:

يتفرع عن إهمال القواعد العقلية في العقائد خصوصًا أنواع من الضلالات، كان أشدها خطرًا ذلك الذي يتعلَّق بالصفات الإلهية، فإنَّ تلك التيارات المتشددة قد دأبت على الخوض في صفات الله سبحانه وتعالى بلا علم، ولا إدراك، وألزمت المسلمين اعتقاداتٍ لم يكلفهم الله بها، وصدرت فتاوى تكفر وتبدع من لم يقل بتلك العقائد، وهي في حقيقتها لا تعدو أن تكون أوهامًا نشأت من إهمال قضايا العقول، والتجرُّؤ على تفكيك معتقدات المسلمين الحصينة التي نشأت تحت ظلال العقل والنقل.

هذه العقائد التي ألزم المتطرفون بها عمومَ المسلمين اشتملت على نقائضَ متعددةٍ، فبينما يوافق هؤلاء جمهور الأمة في أن الله تعالى يجب له كل كمال يليق بذاته العلية، فهم كذلك ينسبون إلى الله صفاتٍ لا تليق إلا بمخلوق، ونسبة الخالق إلى صفة من صفات المخلوقين نقص، لكنهم ارتكبوا ذلك لما نقضوا قاعدة المفارقة بين القديم الذي لا أولية لوجوده والحادث الذي أوجد بعد عدم، وزعموا أن ذلك تفلسف؛ على عادتهم في كل أمر يصعب عليهم إدراكُه وفهمه، فنقضوا ما كان مستقِرًّا لدى الخلق من أن هناك فارقًا بين المخلوق والخالق، وأن كل ما ورد مما يناقض ذلك فهو مؤول، أو مفوض علمه إلى الله جل وعلا، وأن ذلك أمر عقلي قطعي، فَحَمْلُ النصوصِ على ظواهرها بذلك المسلكِ يُفْضي إلى تشبيه الله بمخلوقاته؛ لأنهم يعينون في تلك النصوص معانيَ لا تحتمل إلا أن تكون صفة للمخلوقين، وهو ما يفتح بابًا للوهم وسوء الاعتقاد في الذات الإلهية.

رابعًا: تقسيم التوحيد:

ومن الآثار الفاسدة للمتطرفين في أبواب العقائد: قضية تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، ذلك التقسيم المخترع الذي قال به ابن تيمية رحمه الله وتبنته الجماعات المتطرفة وحاكمت جموع المسلمين إليه، وهو قائم على زعم أن التوحيد ليس هو مطلق الشهادة بوحدانية الله، بل هو مركب من أنواع لا يتم التوحيد إلا بتحصيل مجموعها، وتلك ثمرة أخرى من ثمرات مناقضة العقل ومخالفته؛ إذ كيف يسوغ ادعاء أن الإنسان قد يكون موحدًا لكنه مشرك في الوقت نفسه، وهو تقسيم قد يكر على أصل الرسالة التي نزلت بين يدي العرب، وخاطبتهم بتوحيد الله، دون تفريق أو تصنيف لذلك التوحيد، فإذا كان مشركو قريش متحققين بتوحيد الربوبية كما يزعمون، فكيف يتوجه لهم الخطاب الإلهي بالأمر به، وهو تحصيل للحاصل الذي يتنزه عنه الخطاب الحكيم؟!

بل الحق الذي غفل عنه هؤلاء أن مشركي قريش لم يتحققوا أصلًا بمفهوم التوحيد، فالربوبية والألوهية معنيانِ لا ينفكانِ أبدًا، وسواء كان المشركون يعبدون غير الله تقربًا إلى الله ويعتقدون أنه الخالق الموجد، أو لا يعترفون بوجود الله أصلًا، فإنهم يعتقدون في معبوداتهم الأخرى النفع والضر، أو غير ذلك من الصفات أو الأفعال التي اتصف بها الخالق جل وعلا، وذلك هو عين الشرك، فاعتقاد الاشتراك بين الله وبين ما سواه في الذات أو الصفات أو الأفعال يعد شركًا بالله، ولا ينفك مشرك عن اعتقاد شيء من ذلك، فهو لم يحقق مفهوم التوحيد أصلًا، وهو ما لا يقول به مسلم موحد أبدًا مهما تعبد لله بالوسائلِ المشروعة فلا مقصود له إلا الله، وليس كما يريد هؤلاء المتطرفون اتهام المسلمين بمشابهة المشركين إذا توسلوا إلى الله بعباده الصالحين، وهم جازمون بأن الله وحده هو النافع الضار، وأنه لا يكون شيء في هذا الكون إلا بإذنه.

ومن هنا كان ذلك التقسيم تجليًا لترْكِ النظر وبديهيات العقل، ومدخلًا واسعًا فتح به المتطرفون بابَ تكفير المسلمين، وزرعوا الشكَّ والحيرة في قلوبهم وعقولهم؛ حيث صار المسلم يخشى أن يحكم على أي فعل من أفعاله بأنه يطعن في توحيده لله جل وعلا، أو يلحقه بزمرة المشركين عند هؤلاء الذين لا يراعون حرمة لشهادة الإسلام، ولا لعصمة جموع المسلمين من الأمة المحمدية عن السقوط في مهاوي الضلال والشرك.

خامسًا: توحيد الحاكمية:

تعد قضية الحكم من أكثر القضايا التي تشغل عقل المتطرفين، حتى دفعهم ذلك إلى جعلها قضية عقدية يتعلق بها الإيمان والكفر، فصارت من الأسس العقدية التي كثر الخلط فيها عندهم، بعد أن كانت قضية فرعية عند جماهير المسلمين، لا تذكر في كتب العقائد عند أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتريدية إلا للتنبيه على أنها ليست من قضايا الإيمان والكفر، بل هي قضية من قضايا مصالح المسلمين، وأنهم دفعوا إلى ذكرها في العقائد لتبني بعض الفرق لمقولات خارجة عن سنن الرشاد، يقول الإمام سعد الدين التفتازاني: «لا نزاعَ في أنَّ مباحثَ الإمامة بعلم الفروع أليق؛ لرجوعها إلى أن القيام بالإمامة ونصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات، وهي أمور كلية تتعلق بها مصالحُ دينية أو دنيوية لا ينتظم الأمر إلا بحصولها، فيقصد الشارع تحصيلها في الجملة، من غير أن يقصد حصولها من كل أحد، ولا خفاء في أن ذلك من الأحكام العملية دون الاعتقادية»([19]).

وهذه الفكرة قد قامت على فهم مغلوط لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، وهو ما حارب به الخوارج قديمًا سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فأخمدت تلك الفتنة، حتى أثارها خوارج العصر مرة أخرى في المجتمعات المسلمة، وتولى كِبْرَ ذلك سيد قطب الذي قال في تفسير هذه الآية الكريمة: «والله سبحانه يقول: إن المسألة -في هذا كله- مسألة إيمان أو كفر أو إسلام أو جاهلية، وشرع أو هوى، وإنه لا وسط في هذا الأمر ولا هدنة ولا صلح، فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله لا يخرمون منه حرفًا ولا يبدلون منه شيئًا، والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله»، ويربط ذلك بقضية الألوهية فيقول: «إن أخص خصائص الألوهية – كما أسلفنا- هي الحاكمية، والذي يشرع لمجموعة من الناس يأخذ فيهم مكان الألوهية ويستخدم خصائصها فهم عبيده لا عبيد الله، وهم في دينه لا في دين الله»([20]).

وهو تكفير واضح لعموم المسلمين دون شرط أو قيد، مع أن جماهير المفسرين والعلماء ذهبوا إلى أنَّ المقصود بترك الحكم بما أنزل الله هو جحوده وإنكاره، وأن المقصود به غير المسلمين، قال الإمام الرازي: «قالت الخوارج: كل من عصى الله فهو كافر. وقال جمهور الأئمة: ليس الأمر كذلك، أما الخوارج فقد احتجوا بهذه الآية، وقالوا: إنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله، فوجب أن يكون كافرًا»، ثم يقول في الجواب عن تلك الشبهة: «قال عكرمة: قوله ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله، إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية»([21]).

ورغم وضوح معنى ومفهوم الآية الكريمة وسياقها الذي نزلت فيه إلا أن تلك الجماعات اتخذتها ذريعةً لتكفير المسلمين، أو المتاجرة بالدين في قضية الحكم والسياسة، أسوة بمن سبقهم من الخوارج، ورغم الخلافات الواسعة بين تلك التيارات إلا أنها اجتمعت على ذلك الفهم السقيم، واتخذته ميزانًا للحكم على المسلمين، وانتشرت الفتاوى المكفرة للقوانين الوضعية، والأنظمة الحاكمة، والمجتمعات المسلمة، انطلاقًا من هذا الأساس العقدي الخاطئ الذي تكوَّن من منهجية علمية فاسدة، وإغفال لموازين العقول وضوابطها.

المبحث الرابع: فساد العقلية الفقهية

يمثل الفقه الإسلامي الدائرة الأوسع انتشارًا بين المسلمين مقارنةً بغيره من دوائرِ العلم والمعرفة؛ إذ هو يتناول كل فعل من أفعال المكلفين، وبالتالي فإنَّ العشوائية التي تترتَّب على الفساد المنهجي فيه لا تقلُّ ضررًا عن الفساد المترتب على الاضطراب في مسائلِ الاعتقاد.

وهذا الارتباط الذي ينتج بين الفقه وبين واقع المسلمين وحياتهم اليومية قد استغله المتطرفون أسوءَ استغلالٍ، وشوَّهوا هذا الركنَ الركينَ من دوائرِ علوم المسلمين بمنهجية مضطربة قد اجترأت على مقام الاجتهاد كما سبق بيانه، وغفلت عن واقع المسلمين في العالم المعاصر، وأنتجت عقلية فقهية مشوهة لا تستند إلى فهم سديد للنص، أو عقلٍ مستنير مدركٍ للواقع.

هذه العقلية الفقهية للجماعات المتشددة كانت لها خصائصها التي فارقت بها مبادئ الصناعة الفقهية عند جماهير العلماء، وأحدثت بها صراعًا وشقاقًا في الفروع الفقهية الخلافية، وهذه الخصائص قد تمثلت فيما يلي:

أولًا: اللامذهبية:

يدَّعي المتطرفون أنَّ اتباع مذهب من المذاهب الفقهية الأربعة المتبوعة بدعة حدثت بين المسلمين، وأنها تَصْرِفُ الناسَ عن الكتاب والسنة، ويظنون أنها نوعٌ من التقليد المذموم الذي نهى عنه القرآن الكريم، بل يزعمون أنها مجرد آراء للفقهاء، وأن المذهبية في الفقه لم تكن على عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وأن الدين كان واحدًا فصيره أهل المذاهب أربعة، وهي مقولة شنيعة تظهر جهل قائلها، وعدم إدراكه لمفهوم المذاهب!

وإهمال المذهبية قطْعٌ لحلقات التواصل المستمر بين أجيال الأمة بداية من فقهاء الصحابة الكرام الذين فهموا النص واستوعبوا مضامينه منطوقًا ومفهومًا، واشتهرت كوكبة منهم بالصناعة الفقهية والإفتائية، وتوزعوا في الأقطار ما بين المدينة ومكة والكوفة وغيرها من البلدان التي عمرها المسلمون، وتوارث هذه الصناعةَ عنهم جماعةٌ من فقهاء التابعين الكبار، وتعددت مدارسهم ما بين أهل الرأي وأهل الحديث، ولم تكن تلك الصناعة مشاعًا وإنما كان لها أهلها الذين برعوا فيها، حتى في جنبات المدينة المنورة التي ظهر فيها الفقهاء السبعة، وهم من كبار التابعين الذين ورثوا هذا العلم عن الصحابة الكرام، قال الإمام النووي رضي الله عنه: «ومن أكابر التابعين الفقهاء السبعة: ابن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة، وخارجة بن زيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، وجعل ابن المبارك سالم بن عبد الله بدل أبي سلمة، وجعل أبو الزناد بدلهما أبا بكر بن عبد الرحمن»([22])، وهذه الحلقة وما تبعها من مذاهبَ فقهية استكملت مسيرة الفقه نظريًّا وتطبيقيًّا، أراد المتطرفون تجاوزها، وادعاء القدرة على الاستنباط مباشرة من النص دون مرجعية أو عودة للمفاهيم المستقرة في هذه المدارس المعتبرة.

تمثل اللامذهبية التي يزعم المتشددون أنها منهج الكتاب والسنة في حقيقتها تجلِّيًا من تجليات انعدام المنهجية العلمية عمومًا، والفقهية خصوصًا؛ إذ لا يمكن خلق مكونات نظرية وتطبيقية جديدة لفهم التشريع الإسلامي، تستند -كما يزعمون- مباشرةً إلى نصوص الكتاب والسنة، مع إهمال متعمد ومقصود للثروة الفقهية الهائلة التي أنتجتها قرائح المجتهدين على مدى ألف سنة وأكثر، وهذه المدراس الفقهية بأصولها وتطبيقاتها الفقهية والإفتائية قد تعاملت مع النص أولًا بفهم عميق، ومع الواقع ثانيًا بنمط واسع شمل واقع المسلمين شرقًا وغربًا.

لم يجد المتطرفون مفرًّا من التقليد، تارة لعدم وجود أهلية الاجتهاد فيهم، وتارة لوجود عائق يقضي باستحالة قيامهم بمهمة الاجتهاد على الوجه الذي يدعونه؛ لأن تجاوز الإطار الزمني الذي يفصل بيننا وبين من تلقوا الوحي فهمًا وتطبيقًا، والبون الشاسع الذي يفصلنا عنهم على مستوى الإدراك للغة النص، أو الواقع الذي نزل فيه، ذلك العائق الذي جعل تلك التيارات تعي أنه لا يمكن تجاوز تلك الحقبة الزمنية الهائلة بشكل قاطع، وبالتالي فإنهم قد أحدثوا آلية جديدة للربط بين هذا العصر وبين العصر الأول وهو ما أسموه (فهم السلف).

إن قضية (فهم السلف) التي ادعاها المتطرفون وجعلوها جزءًا من المكون الفقهي الذي يعتمدون عليه هي دعوى فارغة المضمون، ومحاولة للفرار من التقليد والاجتهاد دون قيد منهجي أو علمي معتبر؛ لأن السلف ليسوا منهجًا واحدًا، فالسلف في اللغة قد يقصد به العمل الصالح الذي قدمه الإنسان، وهو ليس مرادًا هنا، ويقصد به كذلك كل من تقدم الإنسان في السن أو الفضل من آبائه وذوي قرابته، ومنه سمي الصدر الأول من التابعين بالسلف الصالح([23])، وعلى هذا الإطلاق فإنه يمكن اعتبار كل من كان في العصور الأولى لهذه الأمة من السلف، وذلك يشمل فرقًا وطوائفَ شتى: كالشيعة والخوارج، وغيرهم من أهل المناهج المخالفة، وذلك يكر بالبطلان على دعواهم اتباع السنة، وإذا تعللوا بأن مقصودهم هو الصحابة والتابعون ومن تبعهم من أهل السنة فإنَّ المدارسَ الفقهية هي امتداد لهم، ونقل أمين لمناهجهم، فلا حاجةَ لجعْلِ هذا المفهوم بديلًا عن المذاهب، لكنهم يسعون لجعله بديلًا يقبلون أو يردون به ما شاؤوا من الفروع والمسائل التي يتبنون فيها آراء تخالف المذاهب المعتبرة، بل ربما خالفت بعض الإجماعات، أو فعلت خلاف ذلك فادعت إجماعات لا دليل عليها.

إن اللامذهبية في أدبيات التيارات المتشددة قد صارت منهجًا فقهيًّا بديلًا عن المنهج السوي الرشيد الذي تبناه علماء الأمة جيلًا بعد جيل، وهذا المنهج البديل ستكون له تبعاته وتأثيراته السلبية على الأصول النظرية التي ستتبناها تلك التيارات، وعلى الفروع التطبيقية التي سيسعون لنشرها بكل جهدهم وطاقتهم، ويزيفون من خلالها الوعي الفقهي لدى عموم المسلمين، سواء في عبادات الناس ومعاملاتهم، مما سيترتب عليه شيوع حالة من العنف، وبث الضغائن، ونشر الفتن، كل ذلك حول مسائل كان أئمة المذاهب يعدونها من الفروع التي يسع الخلاف فيها، ويتعاملون معها بقواعد ونظريات تبرز مقدار معرفة مقاصد الشريعة من مراعاة مصالح العباد في أمور دينهم ودنياهم، ولم تخرج تلك المدارس الفقهية المعتبرة أحدًا يرى الشريعة بابًا من أبواب التسلط على الخلق، أو إشاعة الكراهية بينهم، أو تفريغ الشريعة من مضمونها ومقاصدها، على عكس هؤلاء المتطرفين الذين عاثوا في الأرض فسادًا بما أنتجوه من فقه يفتح باب الإفساد والافتئات في دين الله، ويقفون في وجه كل فقه حضاري يسلك بالناس طريق العمران والبناء.

ثانيًا: تضييق مفهوم الدليل:

فتح المتطرفون بابَ الاجتهاد في الدين بلا واسطةٍ من علم أو أدوات معرفية مؤهلة للاستنباط، وبعد أن حاولوا إغلاقَ باب المذهبية التي كانت صيانة لحرم الشريعة، وحفظًا للفهم المستنير الذي ورثه الخلف عن السلف، سعَوْا إلى بناء معنًى جديدٍ لمفهوم (الدليل) حتى يوافق ما يرمون إليه من جعْلِ الاجتهاد عملًا سهلًا يستطيعه آحاد الناس!

فمفهوم الدليل الذي كان يتبناه علماء المسلمين على مدى قرون كان يعكس عمق فهمهم لصعوبة منصب الاجتهاد، وعظيم خطره؛ لأن مفهوم الدليل بينه وبين الاجتهاد صلة وثيقة، لأنه إذا كان الاجتهاد هو بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط من أصول الأدلة، والاستدلالُ بتلك الأدلة على الأحكام([24])، وإذا كان هذا المعنى مشتقًّا من الجهد وهو المشقة والطاقة([25])، فإنه عمل بالغ الدقة، لا يمكن أن يقوم به آحاد الناس؛ إذ لابد أن يكون القائم به مدركًا لمفهوم الدليل الذي هو قائم على بذل الوسع في إدراكه وفهمه، ولذلك كان الدليل عندهم هو ما أوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري([26])، فكل نظر صحيح في العقليات أو النقليات يؤدي إلى نتيجة ومطلوب فهو داخل في مفهوم الدليل، ومن هنا كان مفهوم الدليل واسعًا، ولا يتوصل إلى الاستنباط منه إلا بالنظر والتفكر، وهو يشمل كليات الأدلة وجزئياتها، ومنطوقها ومفهومها، بل إنهم يرون الأدلة العقلية والنقلية تخرج من مشكاة واحدة، وأنها كلها من عند الله، يقول الإمام الجويني نقلًا عن القاضي الباقلاني: «البيان هو الدليل، ثم الدليل ينقسم إلى العقلي والسمعي، كما نفصل القول فيه، والله سبحانه وتعالى مبين الأمور المعقولة بنصب الأدلة العقلية عليها، والمسمع المخاطب مبين للمخاطب ما يبغيه إذا استقل كلامه بالإبانة والإشعار بالغرض»([27]).

أما هؤلاء المتطرفون فمفهوم الدليل عندهم له معنًى ضيقٌ لا يتجاوز حدود المنصوص عليه في الكتاب والسنة، بل إنهم يتجاوزون ذلك حتى يتعاملون مع هذا المنصوص من الآيات الكريمة، أو الأحاديث النبوية الشريفة تعاملًا حرفيًّا ظاهريًّا يغفل اتساع المدلولات اللغوية، وهم ينتقلون من دائرة ضيقة إلى دوائرَ أضيق، فيشترطون في الاستدلال بالحديث النبوي الشريف أن يكون في أعلى درجات الصحة وأتمها، فيهملون بذلك قدرًا كبيرًا من النصوص التي لم تبلغ في درجة صحتها ذلك المبلغ الذي يكاد يقارب درجة اليقين، بل ويهملون الجمع بين النصوص، ورؤية الأدلة بنظرة كلية، مما جنح بهم إلى ضرب الأدلة بعضها ببعض، وإسقاط بعض الأدلة المعتبرة من دائرة الاحتجاج كالقياس، والمصالح المرسلة، واستصحاب الأصل، وغيرها، وترك العمل بالحديث الضعيف، حتى في فضائل الأعمال، وغير ذلك مما سيترتب عليه اتهام الناس بالبدعة والضلالة في عباداتهم، والحكم عليهم بفساد تعاملاتهم الدنيوية، بل رميهم بالشرك، والتحاكم إلى غير الشرع، ومطالبة الناس جميعًا بالوقوف على الدليل الشرعي المنصوص في كل شؤونهم وأعمالهم.

هذا النمط الفاسد من طرائق الاستدلال كان دافعًا إلى خرق إجماعات، وادعاء الإجماع في مسائل وقضايا خلافية، وتضييق أفق المنهج الاستدلالي الذي كان يمثل بناءً رصينًا في البناء العلمي لجمهور الأئمة، وأحدث خرقًا لا ينسدُّ أمام كل عابث يدَّعي قدرتَه على الاستنباط والاجتهاد مع فقْدِه لأبسط أدوات الاجتهاد من سعة النظر في الأدلة، وجهله بآليات التعامل مع النص الشرعي منطوقًا ومفهومًا، وتلك هي النتيجة الحتمية لسلوك منهج مبتدع يسفه من اجتهادات الفقهاء وأصولهم، ويعتبرها فهمًا محدثًا في الدين، ويرى أن اتباعها هجر للنصوص الشرعية، وهو في حقيقة أمره يخرج من دائرة تقليد علماء المذاهب إلى اتباع هواه، وإلى تقليد أشخاص ليسوا بمعصومين، بل لم يبلغوا درجة في العلم تمكُّنهم من تجريدِ الفكر والنظر في الدليل للتوصل إلى الأحكام الشرعية.

ثالثًا: غياب المنظومة الأصولية:

غيب المتطرفون بجهلهم علم أصول الفقه من واقع المسلمين في تصورهم للفقه الإسلامي، سواء على مستوى الفهم والإدراك للنص الشرعي، أو على مستوى تنزيله وتطبيقه، ذلك العلم الذي كان نورًا يستبصر به علماء المسلمين مدارك النص، ويستوعبون من خلاله نصوص الكتاب والسنة منطوقًا ومفهومًا، وهو منهج النظر والفكر عندهم، فهو القائم على أساس العقل والنقل معًا، كما قال حجة الإسلام الغزالي: «وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل؛ فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل»([28]).

وقد حاول المتطرفون النَّيْل من علم أصول الفقه؛ تارةً بتقليل الفائدة المرجوة منه، وتارة برمي المشتغلين به باتباع الأهواء، وإهمال العمل بالسنة، حتى ذهب بعض مدعيهم إلى أنه علم مشحون بالفلسفة، وهذه المقولة تنبئ عن جهل بالغ بحقيقة هذا العلم الذي هو علم إسلامي خالص، قد دون خدمة للكتاب والسنة، وكل قضاياه لها أصل شرعي أو عقلي مما صحَّ في النقل أو ثبت عند ذوي العقل.

لكن لما كانت غاية هؤلاء المتشددين إيجاد نمط جديد من أنماط الاجتهاد يتحلل من الأصول والقواعد المرعية، ويمارسه كل الناس حتى من لا دراية له بالعلم الشرعي أصلًا، كان سعيهم حثيثًا إلى هدم وتقويض أركان ذلك العلم الشريف من خلال المقولات التي يبثها من يزعمون منهم الاشتغال بالعلم الشرعي، ومن أهم الشبهات التي يلقونها إلى أتباعهم حول علم أصول الفقه:

  • اشتمال مصنفات الأصول على مباحث كلامية:

يردد المتطرفون تلك المقولة، زاعمين أن وجود بعض المباحث الكلامية في أصول الفقه إنما كان نصرة لعقائد المتكلمين، سواء أكانوا من المعتزلة أو من الأشاعرة، وأن ذلك كان إقحامًا منهم لقضايا الاعتقاد في أصول الفقه، وهو أمر ظاهر الفساد؛ فإنَّ المسائلَ المنطقية أو الاعتقادية المذكورة في مصنفات الأصوليين إنما هي مسائلُ لها تأثيرها في القضايا الأصولية، فيكتب فيها كل إمام على حسب اعتقاده، قاصدًا بذلك التأسيس على أصله الذي يرتضيه، أو يرد على غيره من أهل الفرق الذين كتبوا في هذا العلم، وذلك مثل مسألة التحسين والتقبيح العقليين، فإن ذكرها كان أمرًا لا مفر منه؛ إذ بنى المعتزلةُ على اعتقادهم فيها مسائل أصولية، وكذلك غيرها من المسائل والقضايا التي لها أصل عقدي، ولم يكن هرب المتشددين من ذلك النمط من التصنيف الأصولي إلا استصعابًا له، واستشعارًا لوعورة مسلكه بالنسبة لهم، فأرادوا التخلص منه رأسًا، وأقنعوا الجاهلين من أتباعهم بأنه فلسفة وعقل محض، كشأنهم في كل قضية يستصعبونها من قضايا العلم وإشكالاته!

  • مخالفة الأصول للسنة:

مخالفة الكتاب والسنة هي الفرية التي اعتاد المتطرفون أن يرموا بها مخالفيهم في كل قضية، لكنهم بلغوا من الجهل أن جعلوا علمًا كاملًا من أصول علوم الشرع مجرَّد دعوى يدعيها أهل ذلك العلم، لا دليل لهم فيها ولا مستند، وجعلوا قواعدَ علم الأصول خارجةً عن مراد الشرع أصلًا، ومخالفة للسنة النبوية، وأنها -كما هو في زعمهم- (طاغوت) من الطواغيت التي يجب هدمها، وهم يتهمون علماء الأمة قبل ظهورهم أنهم وضعوا هذه القواعد نصرةً لمذاهبهم الفقهية، وهو اتهام لكل علماء الأمة بعدم اتباع الوحي، ومخالفة السنن الثابتة.

ومن خلال هذا التصور العابث حاول المتطرفون جعل النظر في السنة مباشرة بلا أي أدوات علمية أو منهجية بديلًا عن النظر في قواعد الفهم الصحيح، وجاءت فتاواهم متناقضة، وافتقدوا مسالك التفقه المستنير؛ لأنهم غفلوا عن نور الوحي الذي اشتملت عليه قواعد علم الأصول، فما من مسألة أو قضية إلا وهي خلاصة نظر واجتهاد لأكابر العلماء في معاني ونصوص الوحي، حتى خلصت لهم تلك القواعد التي تجمع مقتضى مراد الوحي في سبل النظر والتفكر في النص الشرعي.

من خلال هاتين الشبهتين وغيرهما حاولوا التقليل من أهمية علم أصول الفقه عند المحصلين، حتى صار مسلكهم العلمي في التفقه مسلكًا قائمًا على الأخذ بظواهرِ النصوص، فلا إدراكَ لمعاني النص وحقائقه، ولا تمييزَ بين المنطوق والمفهوم، ولا فهم لمقتضى العموم والخصوص، ولا معرفة لمشكل أو مجمل، فضلًا عن النظر في علل النص، ومسالك استنباطها، إنما غايتهم في النظر حفظ نصوص الوحي حفظًا لا يجاوز التراقي، وهو الوصف الذي وصف به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوارج، ولذلك ترتب على منهجهم الفقهي كل آثار العنف والدمار والفساد والإرهاب التي تتجلى لكل ذي بصيرة وعقل.

المبحث الخامس: تنزيل المتغير منزلة الثابت

لا تكاد تنحصر تلك الأخطاء المنهجية التي يرتكبها أبناء التيارات المتطرفة في تكوينهم العلمي عمومًا، والفقهي خصوصًا، ومن تلك الجهالات تعاملهم مع كثير من القضايا الظنية على أنها قطعية، وهذه القضية وإن كانت متعلقة بفساد عقليتهم وتكوينهم الفقهي، إلا أنها لأهميتها ولكثرة ما ترتب عليها من المسائل والقضايا استحقت أن تفرد بالبحث والتحليل.

إن أكثر ما يقيم عليه المتشددون جهادهم المزعوم أو تشددهم المجحف بحق الأفراد والمجتمعات إنما يقع في إطار قضايا ظنية، ومسائل خلافية، وإن شئت أن تجد سمة وعلامة شديدة الظهور والوضوح لدى المتطرفين فلن تجد شيئًا أبرزَ من تحويل الخلافيات والظنيات إلى قضايا ثنائية، الناس فيها إما محق أو مبطل، ولا يسع هؤلاء المتشددين ما وسع غيرهم من أعلام الفقهاء الذين قبلوا الخلاف، بل راعوه وتنزلوا فيه مراعاة لحرمة ووحدة الأمة، وتعظيمًا لشأن الاجتماع، وتهوينًا من أمر الخلاف، خصوصًا ذلك الذي يتعلق بالفقه، ولا يترتب عليه إيمان أو كفر.

والعلماء قد فرَّقوا بين القطعيات والظنيات والثوابت والمتغيرات تفريقًا لا يدَعُ مجالًا لمدَّعي فقهٍ أن يفسدَ على الناس أمر دينهم، فدائرة القطعي الثابت منحصرة في المعلوم من الدين بالضرورة، والمجمع عليه، يقول الإمام ابن رجب الحنبلي: «وفي الجملة فما ترك الله ورسوله حلالًا إلا مبينًا ولا حرامًا إلا مبينًا، لكن بعضه كان أظهر بيانًا من بعض، فما ظهر بيانه واشتهر وعلم من الدين بالضرورة من ذلك لم يبْقَ فيه شك، ولا يعذر أحد بجهله في بلد يظهر فيه الإسلام، وما كان بيانه دون ذلك فمنه ما اشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضًا، فاختلفوا في تحليله وتحريمه»، ثم بيَّن أسبابَ الخلاف بقوله: «وذلك لأسباب منها: أنه قد يكون النص عليه خفيًّا لم ينقُله إلا قليل من الناس، فلم يبلغ جميع حملة العلم. ومنها: أنه قد يُنقَل فيه نصان: أحدهما بالتحليل، والآخر بالتحريم، فيبلغ طائفة أحد النصين دون الآخرين، فيتمسكون بما بلغهم، أو يبلغ النصان معًا من لم يبلغه التاريخ، فيقف لعدم معرفته بالناسخ. ومنها: ما ليس فيه نص صريح، وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس، فتختلف أفهام العلماء في هذا كثيرًا. ومنها: ما يكون فيه أمر أو نهي، فيختلف العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه، وأسباب الاختلاف أكثر مما ذكرنا»([29]).

هكذا كان العلماء يدركون سعة الشريعة، ويرون الخلاف سائغًا فيما هو مجال لاختلاف الأنظار، واجتهادات المجتهدين، وأما ما كان قطعيًّا لا اجتهاد فهو دائرة محدودة محصورة، خصوصًا فيما نحن بصدده من الفقهيات، كما يقول الإمام الغزالي: «وأما الفقهية فالقطعية منها: وجوب الصلوات الخمس، والزكاة، والحج، والصوم، وتحريم الزنا، والقتل، والسرقة، والشرب، وكل ما علم قطعًا من دين الله، فالحق فيها واحد، وهو المعلوم، والمخالف فيها آثم»([30]).

أما عند المتطرفين فغالب مسائل الشرع داخلة في القطعيات، يوالون ويعادون عليها، وهذا يتسق مع مبدأهم التكفيري، فلن يسوغ لهم جعل أمر التكفير سائغًا إلا إن جعلوا ما يكفرون به قطعيًّا، ومخالفته مخالفة للمعلوم من الدين بالضرورة، وهم في ذلك لا يفرقون حتى بين صغار المسائل وكبارها، فابتداءً من قضية الحكم التي تشغل بالهم حتى جعلوها من العقائد، حتى قضايا اللباس الظاهري الذي يزعمون أن له هيئة وصورة معينة، كل تلك المسائل على اختلاف مراتبها هي عندهم مما يعقد عليه الولاء، وتثار حوله الفتن، ويحاكم الناس فيه، ويُتَّهمون في دينهم؛ لمجرد مخالفة هؤلاء المدعين، دون مساس بقضايا عقدية أو مسائل محل إجماع.

هذا الخلل الفكري عند التيارات المتطرفة تَمَثَّلَ في عدد من المظاهر التي عرفت عنهم، فمن هذه المظاهر تنزيل كثير من المسائل الفقهية منزلةَ العقائد: كقضية الإمامة والحكم التي خالفوا فيها منهجَ علماء أهل السنة والجماعة، وجعلوا الإمامة أصلًا من أصول الدين، وهي عند كل العلماء فرع فقهي لا يتعلق به إيمان أو كفر، ولا تتوقف عليه عقيدة، وكذلك قضايا التوسل والاستغاثة، وزيارة الأضرحة، وغير ذلك مما تحدث عنه العلماء في كتب الفروع، والقضية هنا أكبر من أن تكون رؤية خاصة أو مجرد وجهة نظر، وإنما هي محاولة لإرهاب المجتمع بتحويل هذه المسائل لمسائل عقدية يقينية قطعية، وحينها لا يبقى أمام الناس إلا الإذعان؛ خوفًا من أن يحكم عليهم بالشرك، ومع غياب الوعي الفقهي استغل المتطرفون ذلك، وأشاعوا في الناس التعامل مع تلك المسائل كأنها ثوابتُ لا تقبل الجدال، ومخالفها مشرك، فأثاروا فتنًا بين الناس فرقت في أحيان كثيرة بين الرجل وولده، وبينه وبين زوجته؛ لأن طريقة تناول المسائل الخلافية بالقطع واليقين أورثه عنفًا على مخالفيه، حتى لو كان من أهله وأقربائه.

من مفاسد ذلك المنهج الضال أنه حين ضاقت عليه قضية التكفير، ولم يستطع أن يقطع به ويجترأ عليه في كل القضايا التي يتبناها، تحول إلى مفهوم البدعة، وارتكب الخلل المنهجي نفسه، لكن مع توسع في دائرة الأفعال التي يتناولها في هذا الباب، وهو يحكم بالبدعية في أفعال تدور بين الندب والإباحة، فيحولها إلى دائرة أخرى من القطع، وإن لم يكن الكفر، فإنها لا تقل أثرًا في بث الفتن والشرور بين الخلق، بل تبطل كثيرًا من الأفعال الشرعية التي عمل بها المجتهدون على مدى القرون، فمن القضايا التي تدخل في هذه الدائرة قضية بدعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ومواسم الخير والبركة التي اختصت بها الأمة المحمدية، وإحياء ليالي شهر رمضان المبارك بعشرين ركعة، كما سن ذلك سيدنا عمر رضي الله عنه، والأذان الثاني للجمعة، وكثير من القضايا التي غاية ما يقال فيها أنها خلافية، وإن كانت في حقيقتها مما عليه عمل المسلمين مشرقًا ومغربًا، ولكن مع التسليم بوجود خلاف فلا مجال لرمي الناس بالبدعة والضلال، وتخويفهم بذرائعَ وأوهامٍ ليس لها وجود إلا في خيال أولئك المتشددين.

إنه ليس ببعيد أن يقال: إن هذه السمة الفكرية هي أبرز خصائص التشدد التي تبدو لكل ذي بصيرة، فالتداخل بين القطعيات والظنيات هو الذي أدى إلى خلق مفاهيمَ متشددة، أو تنزيل مفاهيمَ شرعية على صورة غير مطابقة، فالتكفير والتبديع والتفسيق إنما هي مفاهيمُ قد نزلوها على ما يسوغ الخلاف فيه، بذرائعَ متعددة، حتى إذا واجههم العلماء بحقيقة الخلاف، وأن الأمر سهل في جل هذه المسائل التي شددوا فيها، تذرَّع هؤلاء بالاحتياط في الدين، ولم يعلموا أن الاحتياط إنما يكون ضمن دائرة القواعد الشرعية، وليس بابًا للتشدد، أو نافذة إلى تكفير الخلق وتبديعهم.

وبناءً على هذا الأصل ضيق المتطرفون دائرة الخلاف، وأنكروا ما لا إنكار فيه، مع أن القاعدة الفقهية: أنه لا ينكر المختلف فيه، يقول الإمام السيوطي في الأشباه والنظائر: «القاعدة الخامسة والثلاثون: لا ينكر المختلف فيه، وإنما ينكر المجمع عليه»([31])، وصار مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندهم يقتضي إنكار مسائل الخلاف، وهو ما يلزم ادعاءهم في أحيان كثيرة اتفاق العلماء على أمر، بل ادعاء إجماعات على أمور ليست من هذا القبيل.

إن غاية المتطرف التي يهدف إليها ويتعلمها في تكوينه وتأهيله الذي يتلقاه عن قادته وزعمائه هي حمْلُ الناس على رأيه بكل الطرق والوسائل الممكنة، حتى لو كان الطريق إلى ذلك قلْب حقائق العلم، والعبث بمفاهيمِ الشريعة، وتضييق باب الرحمة التي هي المقصود من اختلاف المجتهدين، فصارت الشريعة في مفهومهم فكرة أيدولوجية خاصة بهم وبمن يتبعهم، أكثر من كونها تشريعًا إلهيًّا منزلًا ليخاطب عموم المكلفين، بما يسعهم في دينهم ودنياهم.

المبحث السادس: الجمود وعدم إدراك الواقع

يعدُّ الجمود الفكري سمةً لازمةً للجماعات المتطرفة عامةً، وللمتطرفين دينيًّا منهم خاصةً، فرؤيتهم لا تتوافق مع الواقع الذي نعيشه أو الذي نطمح لتحقيقه، ولا تتفق رؤيتهم كذلك مع أي نظرة دينية صحيحة للواقع، فبدءًا بوقوفهم على ظواهرِ النصوص، وفهمها فهمًا حرفيًّا لا يعبر عن مدلول النص ومقصوده، بل واجتزائهم النصوص ونزعها من سياقاتها، واختطافها بعيدًا عن باقي النصوص التي في بابها، وتطويع كل ذلك ليتماشى مع توجهاتهم، وتوظيفه لتحقيق مطامعهم كجماعات لها أيدلوجياتها الخاصة التي لا تعبِّر عن واقع الشريعة، أو واقع المجتمعات المعاصرة، وانتهاءً بتطرفهم تطرفًا إرهابيًّا مسلحًا يسفك الدماء ولا يفرق بين المسلمين وغيرهم ويسعى لحكم الناس بحدِّ السيف وقهر السلاح.

ذلك الجمود الذي منعهم من التعامل مع الآخر سواء أكان يختلف معهم في الاعتقاد أو يوافقهم فيه، لكنه يختلف معهم في تفاصيلَ مذهبيةٍ أو فكرية أو حتى في المظهر الخارجي، فهم يرون أنهم وحدهم أهلُ الحق، وأصحاب الرؤية الصحيحة شرعًا وواقعًا، والحقيقة أنَّ رؤيتهم التي يعرفها كلُّ من نظر في أصولهم وأفكارهم، هي رؤية لا تعرف مدلول الخطاب، ولا مقاصد الشرع، ولا تدرك الواقع، سواء ذلك الواقع الذي نزل فيه التشريع، أو تكوَّنت فيه المذاهب الفقهية، أو الواقع المعاصر الذي يعيشونه، ويتحايلون على إدراك حقائقه، ويغفلون عن تحقيق متطلباته.

ولقد أدَّى هذا الجمود إلى فرض الرأي المبني على الجهل وسطحية النظر وعدم الفهم، وإلى التمسُّك بظاهر النصوص تمسُّكًا أخَّرَنا لعقود من الزمن، بل وإلى إراقة الدماء وصناعة الإرهاب باسم الدين، وهو بريء من كل ذلك، فالدين الإسلامي رسالة عالمية وشريعة سمحاء صالحة ومصلحة لكل زمان ومكان، ولولا هذه الصالحية والقابلية لما انتشر الإسلام في مختلف الأقطار وسائر العصور وامتزج بالعقول والقلوب امتزاجًا تامًّا، ولذا تحتم علينا عرْضُ هذه القضية وبيانُها حتى يتضحَ بطلانها وفسادها، وتتمثَّل مظاهر تلك المنهجية الفاسدة فيما يأتي:

أولًا: التمسُّك الحرفي بظاهر النص:

لقد أدَّى تمسُّك الجماعات المتطرفة بظواهرِ النصوص، والوقوف عليها، دون تعمُّق في دلائلها إلى عدم فهْمِ المعنى المراد وعدم تحقيق مقصود الشريعة من تلك النصوص، فجعلهم ذلك يتخذون من بعض الآيات والأحاديث الواردة دليلًا على مشروعية قتال غير المسلمين دون قيد، وذلك بسبب إهمال مدلولات اللغة العربية، وعدم استيعاب معانيها، وأساليبها، فأوقعهم ذلك في قصور الرؤية، وسطحية الإدراك، وتضييق الواسع، والتسرُّع في اتخاذ الأحكام التي بُنيت على هذا القصور العلمي، وعدم المدارسة مع أهل الاختصاص، وعلماء الدين الذين أصلوا وقعدوا القواعد لفهْم النصوص، وإدراكها بشكل كلي لا يصادم الواقع الذي لا يرتفع، ولا يصطدم مع المجتمع في عمومه، فلما أسقطوا كل ذلك خرجوا بهذا الفهم المعوج، وانطلقوا من ذلك إلى قتْلِ الأبرياء وسفك الدماء والتفجير، ملبسين كل ذلك ثوب الشرع الشريف، وهو ما جعل الدين في نظر الناس هيئة جامدة، وأفسد صورة المسلمين، مستندين في ذلك إلى ظاهر النصوص القرآنية والنبوية، وهي نصوص تحتاج إلى مستوًى عالٍ من النظر، والبحث الدقيق، ودفع التعارضات، وإعمال القواعد اللغوية والأصولية، والنظر الكلي والجزئي للمسائل، وهو ما فعله علماء المسلمين الأجلاء من الفقهاء والأصوليين، وخالفتهم هذه الجماعات في ذلك، فأخذوا بأفهامهم الساذجة لظواهر النصوص، وطوَّعوا النصَّ لخدمة أفعالهم التي يرفضها الشرع جملةً وتفصيلًا.

– من صور ذلك النمط الساذج في فهم النصوص: ما فهمته تلك الجماعات في بعض آيات القرآن الكريم من مشروعية قتال الكافرين حيث وُجدوا، واستباحة دمائهم، وجعلوا العلَّة في ذلك هو مجرَّد الكفر، لا المحاربة وصريح العداء، وقد خالفوا بذلك علماء المسلمين، وحكموا بجزئيات فقهية أساؤوا فهمها، دون النظر إلى الكليات، والجمع بين نصوص الشريعة، ومن هنا فشا القتل والتفجير في شتى أرجاء المعمورة، دون حرمة للآمنين في أوطانهم الذين لم يقاتلوهم أو يعتدوا عليهم.

– ومن هذه الآيات التي تمسَّكوا بظاهر لفظها دون فهمها فهمًا صحيحًا: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [التوبة: 5]، وقد سميت هذه الآية عند كثير من المفسرين بآية السيف؛ لأنها كان فيها إذن بقتال المعتدين، وإن لم ترد لفظة السيف في القرآن الكريم.

والحقيقة أنَّ فهم آية بمعزل عن باقي الآيات الواردة في نفس بابها وسياقها هو ما أوقع المتطرفين في هذا الفهم الخاطئ، وذلك دون النظر إلى الآية نفسها بشمولها، وإلى النص القرآني بكليته، فوقفوا عند جزئية من جزئيات النص، ونزعوها عن بقية سياقها السابق واللاحق لها، ولم يقفوا عند عللها وأسباب نزولها، ولم ينظروا إلى مفهوم الجهاد ككل في منظور الشريعة الإسلامية.

– اعتمدت هذه الجماعات القولَ بأنَّ هذه الآية ناسخة لباقي آيات القرآن الكريم الواردة في الصفح وعدم الإكراه في الدين والعفو، والقول بالنسخ يعني عدم استمرار الحكم بهذه الآيات، بل بقاء تلاوتها فقط، وهذا القول وإن وجد في التراث الإسلامي لا يقتضي عند قائليه إلا الجهاد الشرعي للمحارب المعتدي، ويكون تحت راية شرعية صحيحة يعقدها الحاكم، لا مجموعة من المرجفين المفسدين، المروعين لأمن الناس وحياتهم، ومع ذلك فالنسخ ليس قولًا متفقًا عليه، وإذا كان النسخ يصار إليه عند تعذُّر الجمع بين الآيات، وهو أولى من إهمال باقيها، فإمكان الجمع قائم هنا؛ بحمل آية السيف على جهاد المعتدي، وكذلك فإنه قد ورد عن البعض أن آية السيف نسخت أيضًا، فقد جاء عن السدي والضحاك أن آية السيف منسوخة بآية: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَا﴾ [محمد: 4].

ويقول الزركشي في (البرهان): «وهذا ليس بنسخ في الحقيقة، وإنما هو نسء كما قال تعالى: (أو ننسئها) -قراءة أخرى لقوله تعالى: ﴿۞مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا﴾ أي: نؤخرها ونرجئها، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا التحقيق تبيَّن ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف وليست كذلك، بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ»([32]).

أي أنَّ الآيات الواردة بالعفو وعدم الإكراه في الدين والصفح ليست بمنسوخة، بل هي من المنسأ، وهو الحكم الذي يتوقَّف العمل به لزوال علته ويتم الانتقال به لحكم آخر، وهو ما ذهب إليه السيوطي أيضًا في (الإتقان)([33]).

ومما هو معلوم أنَّ هذه الآية واردةٌ في مشركي العرب الذين نقضوا العهود، والأمر بقتال هؤلاء المشركين في هذه الآية مبنيٌّ على ابتدائهم القتال مع المسلمين، ولكونهم نكثوا أيمانهم؛ ولذلك قال الحق في آية لاحقة بنفس السورة: ﴿وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: 12]، فقرن الله سبحانه وتعالى قتالهم في الآية بنقضهم للعهد، وطعنهم في الدين بغير حق، وليس لمجرَّد كفرهم كما فهموا هم، وإلا فكيف يفهم أمره جل وعلا بإتمام العهد مع المشركين الذين لم ينقضوا عهدهم، وجعل ذلك من التقوى، فقال في نفس السورة: ﴿ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡ‍ٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 4]، فبجمع الآيات وفهم سياقها يتضح المعنى، لا كما يفعلون هم بأخذ ظاهر النص دون تحقيق فيه وفي سابقه ولاحقه، وما ورد في بابه، وما يعبر عن مقصود النص؛ إذ كيف يكون الكفر علة للقتال ويقول الله سبحانه وتعالى عقب الآية التي استدلوا بها: ﴿وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ﴾ [التوبة: 6]، فكيف تجير من أُمرت بقتله لمجرد كفره، إلا إذا كان القتال لوصف زائد وهو المحاربة، ونقض العهد، فيتبين من ذلك أنَّ القتال إنما هو للكافر المحارب، وهو ما يتسق مع سياق القرآن الكريم وعمل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ((انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا طفلًا ولا صغيرًا ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين»([34])، فكيف يكون الكفر علة للقتال ويستثنى منه الشيخ، والمرأة، والطفل، وهم مشركون؟! فتبين من ذلك أيضًا أنَّ الكفر ليس بعلة للقتال، وإنما العلة هي محاربة ومعاداة المسلمين.

ثانيًا: الاصطدام مع الواقع:

تمسكت الجماعات المتطرفة بصورٍ معينة وقوالبَ فكريةٍ خاصَّة بزمانها ومكانها، وجعلوا هذه الصور مقصودةً لذاتها، واصطدموا في سبيل تحقيقها بالواقع؛ فرفضوا أشكال الحكم الحديثة للدول وأنظمتها ومؤسساتها، سواء المدنية منها أو الحكومية والعسكرية، كل ذلك لجمودهم وتمسكهم باستعادة ما يسمونه بـ(مشروع الخلافة الإسلامية) رغم أن الخلافة نفسها أثناء وجودها كنظام للحكم قد تعدَّدت أشكالها وتغيَّرت، وتطوَّرت مع مرور الزمن، واتساع الأقطار الإسلامية شرقًا وغربًا؛ فصار لكل قطر من الأقطار حاكم يحكمه لا ينفذ حكمه إلى باقي الأقطار التي تحيط بقطره، فلا ينفذ سلطان دولة إلى أخرى، وهذا هو المُشاهد من واقع المسلمين على مر العصور، وما دام ذلك يحققُ المصلحةَ العامَّة للبلاد، ويؤمن سيادتها ووحدتها، ويحمي مصالحَ الشعوب؛ فإنه نظامٌ شرعيٌّ مناسب لزمانه يحقق مقاصدَ الشرع الشريف([35]).

ولقد اصطدمت هذه الجماعات بدول العالم عامة، وبالدول الإسلامية خاصة، وهددت أمنها؛ فقامت بسفك الدماء والتَّخريب وترويع الآمنين بالسلاح والتفجير وقطع الرؤوس، وليست جماعة (داعش) الإجرامية عنا ببعيدة؛ فهي تعد تطبيقًا حيًّا وعمليًّا لهذه الأفكار المشوهة الملبسة ثوب الشرع الشريف، وترجمته على أرض الواقع والاصطدام به بقتل الناس، وتكفيرهم، وسرقة ثرواتهم، واستباحة أعراضهم ببيع النساء والقاصرات من نساء المسلمين واعتبارهن أسرى وغنيمة للاستمتاع بهن، وما فعلته هذه المنظمة الإجراميَّة الإرهابيَّة بسوريا والعراق من قتل وتخريب قد شهده العالم كله، وكانت كلُّ هذه الجرائم والفظائع ترتكب باسم الدين تحت مسمى (مشروع الخلافة الإسلامية)، والحقيقة أن الإسلام بريء من كل هذه الأفعال، بل يتوعَّد مرتكبيها بخزي الدنيا والآخرة، وتطبيق حدِّ الحرابة عليهم لأنهم من المفسدين في الأرض الَّذين قال الحقُّ سبحانه وتعالى فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾  [المائدة: 33].

– ومن صور تصادمهم مع الواقع كذلك تحريم هذه الجماعات للنظام الانتخابي، لاختيار الحاكم من قبل الشعب عبر طرق التصويت، واعتباره خروجًا على حكم الله، وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، رغم أن القرآن الكريم لم يحدد طريقة معينة لنظام الحكم واختيار ولي الأمر، وهو ما لم يحدده رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا، وإنما وُضِعت مبادئ وقواعدُ شرعية مرعية تحقق مصلحة النَّاس متمثلة في الأخذ بمبدأ الشورى، وتحقيق العدل، والمساوة بين الخلق، فمتى تحققت هذه المبادئ كان الحكم حكمًا شرعيًّا موافقًا لقواعد ومقاصد الشرع الشريف، وما جاء به الإسلام من العدل والرحمة ومراعاة المصالح لجميع الخلق.

وقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ولم يحدد إلى من يؤول الحكم من بعده؛ فترك الأمر شورى بين المسلمين، حتى اجتمعوا على اختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه خليفة عليهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اختار أبو بكر عمرَ بن الخطاب ليخلفه من بعده بالتعيين، ثم بعد ذلك جعل عمرُ رضي الله عنه الأمرَ شورى بين ستة من الصحابة، فاجتمعوا على تولية عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم بعد مقتل سيدنا عثمان بايع النَّاس عليَّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه خليفةً عليهم.

فلم يكن هناك نظام معين لاختيار ولي الأمر من أول صدر الإسلام، وقد ظلَّ الأمر هكذا يتغيَّر شيئًا فشيئًا مع توالي العصور واتساع الأقطار وتباعدها، فكان لكلِّ عصرٍ ما يناسبُه ويناسب واقعه ويراعي مصلحة النَّاس والمقاصد الشرعيَّة المعتبرة، الأمر الذي لم تفهمه هذه الجماعات فضلوا وضللوا النَّاس، وأذاعوا القتل والخراب والتفجير، ولم يراعوا الواقع المعيش ومتغيراته فاصطدموا به وشوهوا صورة الإسلام والمسلمين، وكل ذلك بسبب الجمود وعدم مراعاة الواقع والتمسك بالماضي بجهل لتحقيق أطماعهم.

ثالثًا: التمسك الظاهري بالهيئات واللباس:

لم يقف الجمود لدى هذه الجماعات عند حدِّ التمسُّك بظواهرِ النصوص فحسب، بل أدَّاهم ذلك الجمود وعدم مراعاة الواقع إلى عدم قبول تنوع الهيئات الخارجية والملبس، وأرادوا التمسك بمظهر معين؛ فأفتوا بأن لبس ما نسميه بـ (البدلة) للرجال أو (القميص والبنطلون) حرام، وعللوا ذلك بأنه ليس من لباس النبي صلى الله عليه وسلم ولا من سنته، وأنه لم يكن في زمانه؛ ظنًّا منهم أننا مطالبون بأن نعيش زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا أن نعيش منهجه في الحياة، وأن نطبق ذلك المنهج حسب واقعنا، وزماننا، وعرفنا، وحسب مستجدات عصرنا، واختلاف ثقافاتنا، وتارة يزعمون أن ذلك تشبُّه بالكفار، رغم أن العالم كله الآن أصبح يشترك في كثير من الثقافات التي تشابكت وتداخلت فيما بينها، وأصبح الواقع الآن له متطلباته التي لم تتعارض مع الضوابطِ الإسلامية: كشيوع مظهر ولباس معين للرجال والنساء لا يتنافى كما ذكرنا مع ضوابطه، ولكنَّ تلك الجماعات لم تفهم أنَّ اللباس إنما يتحقق وفق الضوابط الشرعية وستر العورة، لا من خلال هيئة ومظهر خارجي معين، ولما كان ضيق الأفق سمة لهم فرضوا على أنفسهم مظهرًا معينًا، وأرادوا فرضه على جموع الأمة الإسلامية بالقوة والشدة على عادتهم.

وظهر ذلك التشدُّد في محاولاتهم فرْضَ شكلٍ معينٍ للباس المرأة المسلمة، وحصره في تغطية الوجه بالنقاب على هيئة معينة يلتزمونها، بل وأحيانًا في فرض الالتزام بلبس السَّواد من اللون، كل ذلك رغم أنَّ الشريعة الإسلامية لم تحدد زيًّا معينًا للمرأة، بل وضعت ضوابطَ وشروطًا يجب توافرها في زي المرأة، فإذا رُوعيت تلك الضوابط صار لباسها شرعيًّا، وتحقق مقصود الشارع من الستر والحشمة، وحماية المرأة، وصيانة عرضها، وقد تمثَّلت هذه الضوابط في الآتي:

ألا يصف ثوبها مفاتن جسدها، وألَّا يشفَّ ويظهر ما تحته، وأن يستر جسدها كله عدا وجهها وكفيها، وكذلك قدميها عند بعض الفقهاء، ولا مانع من أن تلبس المرأة الملابس الملونة بشرط ألَّا تكون لافتة للنَّظر، أو دافعًا إلى إثارة الفتنة بها، فإذا تحققت هذه الشروط والضوابط في أي زيٍّ كان؛ جاز للمرأة المسلمة أن ترتديه وتخرج به من بيتها.

ذلك الجمود بصوره المتعددة أفضى إلى تأخُّر المسلمين عقودًا كثيرة، وإلى تشويه صورة الإسلام، وإظهاره بمظهرٍ جامد لا يستطيع مسايرة الواقع وتجدُّدَه وتغيُّرَ نوازله؛ بل يقف عائقًا أمام التطور، والعمران، وتلك صورة لا تمت للإسلام بصلة، بل هي صورة تناقض أوامر الشرع الشريف، بالسعي والسير في الأرض، وتعميرها.

إنَّ الجمود على الماضي بصوره المظهرية وبحَرفِية وسطحية دون نفاذ إلى مضامينه ومناهجه الحضارية، مع الجهل والعصبية والهوى، كل ذلك لا يتناسب أبدًا مع عظم وجلال الحضارة الإسلامية العريقة، ومكانتها وسط الأمم، تلك الحضارة التي أضاءت العالم، وكانت رحمة للإنسانية، فأصَّلت العلوم، وجددتها، ونقلتها للعالم بصورة مبهرة، ولافتة للنظر، فكانت بحقٍّ خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس، منتجة، معمرة للإنسان والبنيان، وليس كما يريد أولئك الإرهابيون من صناعة تلك الفجوة الموهومة بين الدين والواقع.

المبحث السابع: الجنوح للتكفير

إن الذي ينظر إلى واقع المسلمين الآن يجد أن الأمة الإسلامية كلها تكتوي بنار الأفكار المتشددة والهدامة التي تتبناها الجماعات الإرهابية والإجرامية المتأسلمة زورًا وبهتانًا، ومن أشد هذه الأفكار خطرًا وتهديدًا للأمن المجتمعي هو الفكر التكفيري؛ لتعلقه بجانب العقيدة، وسعيهم الدؤوب لإخراج الناس منها؛ فبمجرد الحكم بالكفر على شخص ما، أو جماعة من الناس يتم إهدار دمهم، واستباحته، والتساهل فيه، مع توفير الغطاء الشرعي، وذلك من الأمور المُشاهدة في واقعنا، خصوصًا في العقود الفائتة التي انتشرت بها هذه الجماعات، وأفكارها الخبيثة في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية.

وتتجلَّى خطورة هذا الفكر الخارجي في اعتقاد من ينتهج هذا النهج أنه حاكم على غيره من الناس في أمور دينهم ودنياهم، وأنه له الحق بالحكم عليهم في قضايا الإيمان والكفر، وأحقية الدخول في دين الإسلام أو الخروج منه، فظنوا أنهم أصحاب حقٍّ مُطلقٍ في الحكم على عقائد الآخرين، بل ومحاسبتهم على ما تخفي صدورهم ونياتهم التي لا سبيل للاطلاع عليها لنا نحن البشر؛ فلا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، كل ذلك مما ينبني عليه عواقبُ شديدة الخطورة كاستباحة الدماء وقتل الأنفس من المسلمين وغيرهم، وأخبث ما في الأمر أنهم يظنون أنهم بهذه الأفعال الدموية يجاهدون في سبيل الله وبشرع الله، والشرعُ منهم براء، وكأن الحق سبحانه وتعالى قد فوضهم في مصائر خلقه وحياتهم!

ليس هناك أشد خطرًا من أن يُتهم شخص ما أو مجتمع بأكمله بالكفر والردَّة؛ ذلك لأنه بموجب هذا الحكم يكون قد فُقدت الكفالة والحصانة الشرعية لهذا الشخص أو المجتمع المكفر، تلك الحصانة التي تكفلها الشريعة الإسلامية وتعتبر حصنًا منيعًا يحمي ويعصم من التعرُّض لصاحبها بسفك دم، أو هتك عرض، أو اغتصاب مال، أو سبي نساء، وغيرها من الأشياء التي لا يحل المساس بها لأي مؤمن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ فكما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم: أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله))([36])، فالإسلام عاصم للدماء والحقوق إلا بحقها، تتحقق فيه مراعاة مقاصد الشارع الشريف الربانية، من حفْظِ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، فلا سبيلَ لحفْظِ حياة الفرد والمجتمع إلا بالحفاظ على هذه المقاصدِ الضرورية التي جاء الشرع مراعيًا لها، ومحافظًا عليها.

إن هذا الفكر الخبيث -الذي تحوَّل لأداة عند هذه الجماعات تمكنهم من ارتكاب أبشع الجرائم في حق الأفراد والمجتمعات- قد فرَّق الأمة الإسلامية، وشوَّه صورة الإسلام والمسلمين أمام العالم، حتى إن هذه الجماعات الإرهابية لم تسلم فيما بينها من هذا الفكر البغيض، فقد كفَّر وفسَّق بعضهم بعضًا، بل وقتل بعضهم بعضًا!

لقد انتهجت تلك الجماعات الدموية مبدأ التكفير للمخالف لهم، ولو كان خلافًا في الفروع المختلف عليها عند أهل العلم المعتبرين؛ فكفروا عوام الناس وبسطاءهم بموجب ذلك، ولو كانت المخالفة بأدنى شبهة لديهم، فجعلوا من يصلي في مسجدٍ به ضريح كافرًا مشركًا يعبد غير الله! رغم أن الصلاة وشروط صحتها وما يتعلق بها هي من الفروع التي يختصُّ بها الفقه وأحكامه، وكذلك قضايا التوسل، والتبرك، وزيارة القبور، والذكر الجماعي، والاحتفال بالمولد النبوي الشريف، أو بذكرى الإسراء والمعراج، أو النصف من شعبان، أو الاحتفال بذكرى أحد من آل البيت عليهم السلام أو أحد الصالحين، فكلها قضايا فقهية فرعية، قد جعلوها من أمور العقيدة، فوقعوا في تكفير جماهير المسلمين وعوامهم، بل وعلمائهم، وذلك عن جهل وإفراط في قضايا التكفير واجتراء عليها، وكان من مظاهر ذلك ما يلي:

أولًا: تمزيق وحدة الأمة الإسلامية:

ممَّا لا شكَّ فيه أن ما تقوم به هذه الجماعات التكفيرية قد أصاب الأمة الإسلامية بالفرقة، وشق وحدة صفها، فقد فرقوا بين المسلمين وجعلوا من أنفسهم حكَمًا على إسلام الخلائق وكفرهم، فحكموا على من شاؤوا بالكفر، وأخرجوهم عن ملة الإسلام، لقد كفَّروا الناس حسب انتماءاتهم؛ فمن لا ينتمي إلى فكرهم فهو ضد الإسلام حسب فهمهم، بل محارب له؛ لأنَّ اعتقادهم أنهم هم الذين يمثلون الإسلام بصورته الصحيحة، وانطلاقًا من تلك النظرة الفاسدة، كفرت تلك الجماعات جماهير الأمة من الصوفية، والأشاعرة، والماتريدية، وعموم أهل السنة والجماعة، وهؤلاء هم سواد الأمة الأعظم، وعلماء الأمة على مدى الأزمان سالكون لمناهجهم في الأصول، والفروع، والسلوك، وذلك عن اجتهاد منهم وتتبع لتلك الأقوال، لا بمحض التشهي واتباع الهوى، لكن تلك التيارات أبت إلا أن تكفرهم لمخالفة تلك الجموع لمنهجهم الفاسد، فزعموا أنهم يدينون بدين غير الإسلام الذي يعرفونه هم، ونشؤوا وتربوا عليه على أيدي شيوخهم وزعمائهم، وهؤلاء الذين يحكمون بكفرهم هم جموع الأمة التي نزل بخيريتها القرآن الكريم، فالحق سبحانه وتعالى يقول في شأن الأمة المحمدية: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110]، ويقول جل وعلا في آية أخرى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗا﴾ [البقرة: 143]، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم))([37]).

لقد خالف هؤلاءِ المقاصدَ الشرعيةَ الربانية التي نزل بها القرآن الكريم، كما خالفوا هدْيَ النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده وجموع علماء الأمة المعتبرين.

يقول الإمام الغزالي رحمه الله في كتابه (فيصل التفرقة): «اعلم أن شرح ما يُكفَّر به مما لا يكفر به يستدعي تفصيلًا طويلًا يفتقر إلى ذكر كل المقالات والمذاهب، وذكر شبهة كل واحد ودليله، ووجه بعده عن الظاهر، ووجه تأويله، وذلك لا يحويه مجلدات، ولا تتسع لشرح ذلك أوقاتي، فاقنع الآن بوصيةٍ وقانونٍ، أما الوصية: فأن تكُفَّ لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك، ما داموا قائلين: لا إله إلا الله محمد رسول الله، غير مناقضين لها، والمناقضة: تجويزهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذر أو غير عذر، فإنَّ التكفيرَ فيه خطر والسكوت لا خطر فيه، أما القانون: فهو أن تعلم أنَّ النظرياتِ قسمانِ: قسم يتعلَّق بأصول القواعد، وقسم يتعلق بالفروع» إلى أن قال: «لا تكفير في الفروع أصلًا إلا في مسألة واحدة، وهي أن ينكر أصلًا دينيًّا علم من الرسول صلى الله عليه وسلم بالتواتر، لكن في بعضها تخطئة كما في الفقهيات، وفي بعدها تبديع كالخطأ المتعلق بالإمامة وأحوال الصحابة»([38]).

فانظر كيف أن أهل العلم يتحاشون ويتورعون أشدَّ الورع عن أن يقعوا في تكفير مسلم، بل إنه لا تكفير أصلًا فيما يختلف فيه من الفروع الفقهية، بل وحتى لو ظهر من أحد ما يكفر بظاهره ينظر في كلامه فيحمل ويأول على أحسن الوجوه والتأويلات، وكل ذلك لعظم هذا الأمر عند الله سبحانه وتعالى.

ولم تقف تلك الجماعات عند تكفيرهم لأفراد بأعيانهم، أو جماعات، بل كفَّرت دولًا بأسرها، فحكمت عليها بالكفر والجاهلية، وأفتت بمحاربتها على مستوى الأنظمة والشعوب؛ وذلك لأنهم جميعًا تحت حكم واحد وهو الكفر، وعدم تطبيق الشريعة الإسلامية وفق رؤيتهم، حتى وإن كان من يكفرونهم من أهل القبلة يصلون ويشهدون الشهادة، فلا اعتبار لكل ذلك ما داموا قد أفتوا بكفر وردة هذا المجتمع من منظورهم وحسب مرجعيتهم الدموية.

ثانيًا: الافتئات على دور القضاء:

إن تكفير شخص ما أو جماعة بعينها ليس أمرًا هينًا يقوم به شخص عبر اجتهاده أو هواه؛ فالتكفير حكم شرعي له ضوابطُه، ولا يكون إلا للقاضي الذي يمثل الحاكم بشكل شرعي وفق آليات شرعية محددة، حتى لا يُكفر من لا يستحق ذلك الحكم، فليس بالأمر الهين الحكم بالكفر على شخص ما أو جماعة أو مجتمع، فإن ذلك ينبني عليه عدة أمور تبدأ بإخراجه من جماعة المسلمين؛ فلا يتزوج منهم، ولا يُدفَن في مدافنهم، ولا يرث منهم، وذلك يؤدي إلى التساهل في حقوقه، بل وحتى إلى إهدار دمه، وذلك الفعل نفسه له عواقبُ تعود على من يتجرَّأ عليه ويرمي الناس بالكفر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيما رجل قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما))([39]). وفي حديث أخرجه البخاري عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عُذب به في نار جهنم، ولَعْن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله))([40])، وقد أخرج الطبراني أيضًا في الكبير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلمين إلا وبينهما ستر من الله، فإذا قال أحدهما لصاحبه هجرًا هتك ستره، وإذا قال: يا كافر، فقد كفر أحدهما))([41])، وعنه صلى الله عليه وسلم -في حديث أخرجه أبو داود في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه- أنه قال: ((ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن، قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار))([42]).

فانظر كيف أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم شدَّد ونهى عن رمْي أحد من المسلمين بالكفر والكف عمن قال: لا إله إلا الله؛ لعظم ذلك الأمر ولالتباسه بأحدهما لا محالة وجعله كقتله، وألا يكفر بذنب أذنبه ولا يخرج من الإسلام بعمل عمله، فالمسلم على حد تعبير الفقهاء يسمى بـ(المسلم الصعب) أي الصعب إخراجه عن الإسلام؛ لأن الإيمان يقين لا يزول بالشك.

وكذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يتحاشون أن يكفروا أحدًا من أهل القبلة لعظم الأمر وثقله؛ فقد أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي سفيان قال: «قلت لجابر بن عبد الله: هل كنتم تقولون لأحد من أهل القبلة: كافر؟ قال: لا، قلت: وكنتم تقولون: مشرك؟ قال: معاذ الله»([43]).

وكذلك فإنَّ أهل العلم قد حذَّروا من رمْي أحد من أهل القبلة بالكفر أو الفسوق أو اتهامه في دينه، يقول الإمام الغزالي في كتابه (الاقتصاد في الاعتقاد): «والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلًا، فإنَّ استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله خطأ، والخطأ في ترْكِ ألف كافر في الحياة أهونُ من الخطأ في سفْكِ محجمة من دم مسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أُقاتل الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها))([44])»([45]).

وقال الإمام النووي في شرحه لصحيح الإمام مسلم: «واعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا يكفر أهل الأهواء والبدع، وأن من جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حكم بردته وكفره، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ونحوه ممن يخفى عليه، فيعرف ذلك، فإن استمر حكم بكفره، وكذا حكم من استحل الزنا أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التي يعلم تحريمها ضرورة»([46]).

وقال الإمام ابن عابدين: «لا يفتى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن، أو كان في كفره اختلاف، ولو رواية ضعيفة»([47]).

وجاء في كتاب (البحر الرائق شرح كنز الدقائق) وهو من معتمدات المذهب الحنفي: «وفي جامع الفصولين روى الطحاوي عن أصحابنا: لا يُخْرِجُ الرجلَ من الإيمانِ إلا جحودُ ما أدخله فيه، ما تيقن أنه ردة يحكم بها به، وما يشك أنه ردة لا يحكم بها؛ إذ الإسلام الثابت لا يزول بشك، مع أن الإسلام يعلو، وينبغي للعالم إذا رفع إليه هذا أن لا يبادر بتكفير أهل الإسلام، مع أنه يقضي بصحة إسلام المكره، أقول: قدمت هذه لتصير ميزانًا فيما نقلته في هذا الفصل من المسائل، فإنه قد ذكر في بعضها أنه كفر مع أنه لا يكفر على قياس هذه المقدمة. فليتأمل اهـ. وفي الفتاوى الصغرى: الكفر شيء عظيم، فلا أجعل المؤمن كافرًا متى وجدت رواية أنه لا يكفر اهـ»([48]).

فالتكفير حكم قضائي شرعي والمرجع في الأحكام الشرعية إلى أهل العلم والقضاء الشرعي وليس إلى عوام الناس، إلا أن هذه الجماعات قد انعزلت فكريًّا ومرجعيًّا عن الأمة الإسلامية؛ فاستقلوا بأنفسهم وجعلوا أهواءهم ومصالحهم هي الحاكمة؛ فضلوا وأضلوا، وكفَّروا الناس واستباحوا دماءهم وأموالهم بالباطل، وألبسوا ذلك ثوب الشريعة وهي منهم براء، فشوَّهوا صورة الإسلام والمسلمين، وافتأتوا على سلطات الحاكم والقضاء، فهؤلاء جماعات إرهابية إجرامية دموية، لا يمثلون الإسلام ولا يعبرون عن حقيقة الدين وجوهره الحنيف.

ثالثًا: تكفير الجماعات بعضها بعضًا:

لم يقف جنوح تلك الجماعات للتكفير عند حد تكفير مخالفيهم فقط، بل يكفِّر بعضهم بعضًا ولو لأدنى خلاف؛ فيتنازعون بينهم، وتلعن كلُّ جماعة منهم الأخرى، وترميها بالكفر، إما لعدم موافقتهم في بعض المسائل، أو الرؤى، أو اختلافهم في المخططات الفكرية أو الحركية، وسبل تحقيقها على أرض الواقع، أو بسبب النزاع بينهم على النفوذ والسيطرة؛ فانقسموا فرقًا شتى، فلا ترى جماعة جهادية تنتهج منهج التكفير إلا وتكفر أختها وتلعنها، ويرجع ذلك لفساد منهجهم من الأساس، فإن أي فكر قد تلتقي معه في شيء مشترك إلا فكر من يتخذ تكفير الناس منهجًا ووسيلةً لتحقيق أغراضه؛ لأنه منهج مبنيٌّ على قتل الآخر والاستهانة به، واستباحته في كل شيء، ومبنيٌّ كذلك على ضيق الأفق، وكثرة النزاع والشقاق، وإثارة الفتن، ولقد رأينا الكثير من هذه الصراعات بين الجماعات الجهادية المسلحة الإرهابية في بلداننا العربية والإسلامية، فليس ذلك إلا واقعًا عايشه الناس، ورأوا أثر ذلك النزاع وتلك العداوات التي تنشأ عنه.

لقد ضيع هؤلاء جميع القيم الإنسانية والدينية، وتجرَّدوا عن كل مسؤولية أخلاقية، فترى الرجل منهم يقتل حتى أبويه وإخوانه وأبناء وطنه بدم بارد وعقل هادئ، ظانين أنهم يقيمون شرع الله عز وجل! والشرع من كل ذلك براء؛ فتكفير الناس وإخراجُهم عن دينهم منهج شيطاني خبيث، ووسيلة دموية مدمرة لا ينبغي أبدًا أن تمارس تحت أي مبرر، فضلًا عن ممارسة ذلك باسم الجهاد وإعلاء كلمة الإسلام، والحق أن الإسلام يرفض كل ذلك جملة وتفصيلًا، ويتوعد فاعليه بعذاب أليم، وأن الانصراف عن ذلك المسلك الخبيث وعدم الخوض فيه والتحرز عنه قدر الإمكان هو الواجب المنوط بالمسلمين، وما تدعو إليه الشريعة، وأن التكفير حكم شرعي قضائي لا يقطع فيه إلا القاضي الممثل عن الحاكم الشرعي؛ لما ينبني على ذلك من فساد عريض، وضياع حقوق، وإزهاق أرواح، وإراقة الدماء.

 

المبحث الثامن: الفهم المنحرف لمصطلحات الشريعة

إن النَّاظرَ في تكوين العَقليَّة المتشددة للجماعات الإرهابيَّة يجد أن أفعالهم ودمويتهم إنما مرجعها لعقيدة بنى عليها هذا الفكر المتشدد إيمانَه ومرجعِيَّتَه، وهي غالبًا متكونة من فهمٍ مُنحرفٍ لمصطلحاتٍ فِقهيَّة، أو تحريفٍ لمعاني هذه المصطلحات ومدلولاتها، فإن أي فعل يكون باعثه ومحركه هو ما يعتقده الإنسان ويؤمن به؛ فمثلًا عندما يفجر الإرهابي نفسه وسط حشد من الناس وقد يكونون من أبناء وطنه، بل وحتى من أبناء دينه ومعتقده، فإنه يفعل ذلك لاعتقاده أن هذا الفعل يؤجر عليه، ويثاب به الجنة، وأنَّ مبناه هو العقيدة الصحيحة في نظره، وذلك كاعتقاده لمفهوم الولاء والبراء، وأنها مسألة عقيدة لا يتحقق إسلام المسلم إلا بها، ولا يتحقق الإيمان إلا باعتقادها على النحو الذي فهموه هم من ذلك المصطلح، وبموجب هذه العقيدة عندهم فلا قيمة للوَطنِ أو للأهل أو للصحبة إن كانوا هؤلاء جميعًا لا يوافقون فهمه ورؤيته للدين والتدين، وكذلك فهمه لكثيرٍ من المصطلحات الفِقهيَّة كمفهوم الجهاد، والبدعة، والحَاكميَّة، والمفاصلة، وَجَاهليَّة المجتمع، والاستعلاء بالإيمان، والبيعة، والإمارة، والهجرة، والخلافة، وغيرها من المصطلحات التي شكلت لب أفكار هذه التيارات المتشددة، والجماعات الإِجراميَّة الإرهابيَّة؛ وهي تعمل جاهدة لتحقيقها على أرضِ الواقعِ، ولو بمعاداة الرجل والديه وأقاربه وأبناء وطنه ودولته التي نشأ فيها، وإن كان ذلك بوسائل غير شرعية كالقتل، والتفجير، وترويع الآمنين، ونشر الفتن والأكاذيب والشائعات، وكل ما يوصل أفراد تلك الجماعات إلى تحقيق غاية جماعاتهم أو تنظيماتهم التي يعتنقون أفكارها ويسعون لتحقيقها.

وانطلاقًا من هذا الفهم المغلوط وهذه العقيدة المنحرفة تؤسس تلك الجماعات موقفها سَلبًا أو إيجابًا، وتعطي هذه المصطلحات بفهمها المنحرف غطاءً شرعيًّا لما يقومون به من جرائم وفظائع، فيكون كل ذلك مبنيًّا على أَساسٍ شرعيٍّ، ولتحقيق غايةٍ شرعيَّة مزعومة؛ وذلك وفقًا لنظرتهم للشريعة على أنها في حَالةِ غيابٍ كَاملٍ عن المجتمعاتِ الإسلاميَّةِ، وأن تلك المجتمعات تعيش حالةً من الجَاهليَّةِ التي سبقت مجيء الإسلام، فأصبحوا يرون فهمهم للدين مُرادفًا له، ومعبرًا عن حقيقته، بل ناطقًا باسمه، وباسم العقيدة الصحيحة، وأنهم أصحاب صحوة تخلي المجتمع من كل ما أصابه من آثار الجاهلية، فالبلدان الإِسلاميَّة في نظرهم ديار كفر، يجوز فيها ما لا يجوز في ديار الإسلام، حتى ولو كان جل من يسكنها أو كلهم مسلمين، فإنهم وفق رؤية هذه التيارات معاونون لأهل الظلم والكفر، وعليه فيجوز قتالهم بموجب عقيدة الولاء والبراء، تحقيقًا لنصرة الإسلام، بل تجب عندهم المفاصلة عن هذا المجتمع الجاهلي الذي غابت عنه الشريعة الإسلامية وحدودها، فلا ولاء لهذه الأوطان ولا قيمة لها، وإنما يكون الولاء للدين والبراء من كل من يعادي تحقيق الشريعة، وهم يقصدون بلا شك ذلك الفهم المعوج والمنحرف للشريعة عمومًا ولهذه المصطلحات خصوصًا، وبغيتهم تصنيف الخلق من خلال تلك الموازين الجديدة للإيمان والكفر، والأحكام غير المسبوقة التي يحكمون بها بمقتضى ذلك المنهج والمعتقد الفاسد، ويزنون بها إيمان المسلمين، فضلًا عن غيرهم، ومن لا يوافقهم فالسيف أولى به.

لقد أدَّى ذلك الفهم المنحرف للمصطلحات الشرعية بهؤلاء إلى ما نعيشه من إحلال الخراب والعنف والدماء بأوطاننا العربية والإسلامية على مدى عشرات السنين وحتى وقتنا الحاضر، تحت غطاء من المسميات الشرعية الإسلامية في ظاهرها، والإسلام بريءٌ من هذا الفهم، بل هو صورة مشوهة للإسلام، وللشريعة السمحاء التي جاءت لتحمل العدل والمساواة والرحمة والعفو للناس جميعًا، ولتكون رسالة عالمية خاتمة لهذه الرسالات، ووحي السماء، إلا إن هؤلاء قد غابت عنهم تلك المقاصد والمحاسن، فلا يرون إلا فهمهم المعوج منهجًا وميزانًا، ولا يرون إلا إراقة الدماء وسيلة لتحقيق نصرة الدين، والحقيقة أنهم خذلوا الدين وضيعوه شريعة ومقاصدًا من خلال ذلك التحريف المتعمد لتلك المفاهيم والمصطلحات، ومن أشهر هذه المصطلحات الشرعية التي أسيء فهمها ما يأتي:

أولًا: الفهم المنحرف لمصطلح الجهاد

لقد شُرِعَ الجهادُ في الإسلام لغاياتٍ نَبيلةٍ ومقاصد قويمة بها رعاية المصالح ودفع المفاسد في الدنيا والآخرة، والجهاد إنما يكون على ثلاثة أنواع: فهناك مجاهدة العدو المحارب الباغي، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس الأمارة بالسوء، يقول الحق سبحانه وتعالى: (وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ) [العنكبوت: 69]؛ أي الذين يجاهدون مرضاة لله
سبحانه وتعالى لنبصرنهم طرقنا في الدنيا والآخرة.

والجهادُ هنا بمعناه العام، ويقول الحق سبحانه وتعالى أيضًا: (وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ) [الحج: 78]؛ فهذه الآيات يدخل فيها الأنواع الثلاثة للجهاد، وقد وَرَدَ في جِهادِ النفس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث منها ما روي عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((المجاهد من جاهد نفسه في سبيل الله))([49])، وعن جابر رضي الله عنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم غزاة، فقال صلى الله عليه وسلم ((قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد هواه))([50]).

فليس الجهادُ في الإِسلامِ مُحصورًا على مُقاتلةِ العدو وحده، وليست لفظة الجهاد في الإسلامِ وفي مفهوم المسلمين وأهل اللغة مرادفة للفظة الحرب والقتال، والجهاد إنما شرع لإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى ويكون أولًا بالحكمة والموعظة الحسنة وذلك جهاد الحجة والدعوة إلى الله؛ لتبليغ الدين وتحمل المشاق والصعاب في سبيل ذلك، وكما يكون الجهاد بالحجة فإنه قد يلجأ فيه للقتال أيضًا ويكون ذلك بين المسلمين وبين المعتدين الكافرين المحاربين الذين أظهروا لنا العداء والحرب، وعليه فيكون القتال مقيدًا ببدء المشركين للقتال كما قال الحق سبحانه وتعالى بقوله: (وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ) [البقرة: 190]، وقول الحق سبحانه: (وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ) [التوبة:36]، أي قاتلوهم كما أنهم يقاتلونكم وبدؤوكم بالقتال، وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى أيضًا: (أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ) [التوبة: 13]، فقد أوضح الله هنا أن القتال بدء كان من جانب المشركين الناكثين عهودهم مع المسلمين، فإن الغرض من الجهاد في الإسلام هو إعلاء كلمة الحق سبحانه وتعالى وحماية الدولة الإسلامية وحفظ أمنها ومصالحها وسلامة أهلها من العدوان، ولا يكون الاعتداء أبدًا من جانب المسلمين لفرض سيطرة، أو حكم بالقوة، أو توسع استعماريّ، أو إرهاب الناس والسطو عليهم، فإن ذلك كله نهى عنه الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم وسيرته تشهد بذلك.

أما هذه الجماعات فقد حرَّفت مفهوم ومصطلح الجهاد وحصروه في معنى المحاربة فقط؛ فشوهوا صورة الجهاد في الإسلام؛ سواء في تصور المسلمين أو غيرهم؛ بحيث إذا أطلق لفظ الجهاد ارتعدت القلوب واشمأزت الأسماع ولا يأتي في بال سامع هذا المصطلح إلا سفك الدماء والتفجير والإرهاب والسبي والدموية.

ثانيًا: الفهم المنحرف لمصطلح الولاء والبراء

لقد جعلت التيارات المتشددة والجماعات الإرهابيَّة من مصطلح الولاء والبراء عقيدة اعتقدوها، فمن لم يؤمن بها ويعتقدها فليس بمؤمن عندهم، يتهاون في دَمهِ وعرضه، ولو كانوا آباءهم وأبناءهم؛ لمجرد عدم الموافقة لمفهومهم المنحرف لهذا المصطلح الذي يعني-حسب فهمهم- الولاء لقيمة الدين فقط، دون غيرها من القيم التي أودعها الله فينا ولو بالفطرة، فلا ولاء ولا قيمة عندهم لأي شيء ليس فيه معنى ديني، والبراء -عندهم- بمعنى المعاداة بالحرب لكل من يخالف الدين، أو يعتنق غيره، ولو لم يلحق ضررًا بالمؤمنين، أو يظهر لهم عداءً.

والحقيقة أنه لا وجود لهذا المصطلح في الإسلام، لا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عصر الخلافة الراشدة، ولا في القرون الثلاثة الأول المفضَّلة، وإنما ظهر هذا المصطلح بعد ذلك في عصر متأخر، وقد تكلم عنه الأئمة بأنه بدعة ليس من الإسلام، بل إن من يقول به قد خالف أهل السنة والجماعة وكان بدعيًّا.

وقد تكلم عن هذا المصطلح الإمام ابن أبي يعلى رحمه الله في كتابه: “طبقات الحنابلة” وهو في القرن السادس الهجري؛ فقال: «والولاية بدعة والبراءة بدعة، وهم الذين يقولون نتولى فلانًا ونتبرأ من فلان، وهذا القول بدعة فاحذروه؛ فمن قال بشيءٍ من هذه الأقاويل أو رآها أو صوبها أو رضيها أو أحبها؛ فقد خَالفَ السُّنَّة وخرج من الجماعة وترك الأثر وقال بالخلاف، ودخل في البدعة وزال عن الطريق، وما توفيقي إلا بالله»([51]).

وقد شاع استخدام هذا المصطلح في العقود الأخيرة على ألسنة التيارات المتشددة والجماعات التكفيرية الإرهابيَّة الذين أحيوا هذا المصطلح من جديد، وهو ليس مجرد مصطلح حتى يقول قائل: إنه لا مشاحة في الاصطلاح، فإنه إنما يتضمن ما جاء في بعض آيات القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

إن الولاء والبراء ليس مجرد مصطلح بالمعنى العام؛ فقد أصبح هذا المصطلح والمفهوم منظومة فكرية ارتقت إلى عقيدة عند هذه الجماعات المنحرفة الدموية لا يتم الإيمان إلا باعتقادها وبتحقيقها على أرض الواقع، وهو ما ترتب عليه سفك دماء للمسلمين أنفسهم بموجب هذه العقيدة حسب مفهوم هذه الجماعات الضالة والمجرمة.

لقد بنت تلك الجماعات هذه العقيدة على فهم مغلوط لآيات من القرآن الكريم وتفسيرها، ومن هذه الآيات قول الحق سبحانه وتعالى : (لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ) [المجادلة: 22]، فقد جاء في سبب نزول هذه الآية: أنَّ أبا عبيدة بن الجراح لقي أباه يوم بدر فقتله وكان أبوه من المشركين المعاندين، فأنزل الله هذه الآية، والعجيب أن هذه الحادثة كانت في يوم قتال وحرب بين المسلمين والمشركين الذين يحادون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فأنكر الله أن يكون مؤمنًا من يود ويصل من يحارب الله ورسوله في حال محاربته ومحاددته لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، وبالرغم من هذا فقد فهمت تلك الجماعات من قوله تعالى: (وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡ) أن هؤلاء ولو كانوا مؤمنين، ولكنهم لا يوافقونهم على فهمهم للدين، فإنهم داخلون فيمن يحادد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا قياس هنا أصلا، فكيف يحمل حكم المشرك المحارب إلى مؤمن ذي قربة مسالم؟! وعليه فقد تهاونوا في دمائهم وحياتهم وقتلوهم بموجب هذا الفهم المنحرف الضال لعقيدة الولاء والبراء، ولقد رأينا في حاضرنا المعاصر من يقتل والديه -لأنَّهما منعاه الخروج والانضمام لهذه الجماعات- بموجب عقيدة الولاء والبراء التي لا يكون المسلم مسلمًا عندهم إلا باعتناقها، وهذا فهم منحرف ضال لا يتوافق مع شريعة الإسلام ولا مقاصد القرآن الكريم.

إن من أُنزلت عليه هذه الآيات نفسه صلى الله عليه وسلم لم يفهم منها ما فهمته هذه الجماعات الإرهابية الدموية؛ فهذه السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما في حديث ورد في الصحيحين، قالت: ((قَدِمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: نعم، صلي أمك))([52])، فهذه أم أسماء جاءت وهي مشركة ولم يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء من بر أمها ووصلها بموجب عقيدة الولاء والبراء كما فهم هؤلاء المجرمون.

إن عَقيدةَ الولاء والبراء بهذا المفهوم وهذه الكيفية بدعة لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته ولا التابعين لهم، وإنما ظهرت على أيدي هؤلاء المجرمين؛ لتكون لهم حِصنًا وَستارًا شرعيًّا لأعمالهم الإجرامية الدموية تحت مظلة الدين ونصرة الإسلام، والحقيقة أنَّ الإسلام براء من هذا الفهم الضال وهذه العقيدة المنحرفة ومن هؤلاء المجرمين، لا يواليهم فيما ذهبوا إليه ولا يؤيدهم بل يبرء منهم ومن أفعالهم.

ثالثًا: الفهم المنحرف لمصطلح الجاهلية

إن مصطلح الجاهلية إذا أُطلق في القرآن الكريم أو السنة المطهرة فإنما يصرف لتلك المرحلة الزمنية التي سبقت مقدم الإسلام وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الدلالة اللفظية لم تكن تختص بالعرب وحدهم، بل خصت كل الأمم قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم، ويشير هذا المصطلح لشيوع جهل العقيدة وعبادة الأوثان والنيران، وانحراف العقيدةِ اليهوديَّة والنَّصرانيَّة؛ فكان يموج العالم في هذه الجاهليَّةِ الاعتقاديَّةِ التي ألقت بظلالها على الحياة الاجتماعية فانتشرت الممارسات المحرمة، والعصبية القبلية والتسلط على رقاب الناس ظلمًا وعدوانًا بغير وجه حق، فتلك كانت الجاهلية التي عاشها الناس قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير الأديان فانتشر الإسلام والشريعة السمحاء الحقة واهتدى الناس لنور الإيمان.

ويشير القرآن الكريم لهذه الدلالة اللفظية في أكثر من موضع؛ فيقول الحق سبحانه: (يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ) [آل عمران: 154]، فهنا يشير الحق سبحانه وتعالى لجاهلية المعتقد بالله فهم أهل شك وريبة في الله عز وجل؛ ولذا أسماه الله (ظن الجاهلية)، ويقول الحق سبحانه وتعالى أيضًا: (أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50]، وهنا ينكر الحق سبحانه وتعالى على من يريد أن يحكِّم هواه ورأيه مع ما أنزل الله من أحكام محكمة مشتملة على كل خير، كما كان أهل الجاهلية يفعلون ويحكمون بضلالات وجهالات من عند رأيهم وأهوائهم([53])، وبالجملة فإن لفظة الجاهلية إنما تشير لتلك الفترة الزمنية والحالة من الجهل والضلال اللذين كانا يعيشان فيهما الناس في كل مكان قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأشاع نور الحق ونشر شريعة السماء الحقة بين الخلق.

ثم جاء في عصرنا الحديث جماعة منحرفة إرهابية تكفيرية فهمت هذا المصطلح فهمًا خاطئًا فحرفته وأسقطت معناه على دولنا العربية والإسلامية؛ لتغرق المجتمعات المسلمة في ظلام الجاهلية؛ فيصفون المجتمعات المسلمة بأنها تعيش زمن جاهلية؛ لأنها لا تطبق شرع الله عز وجل حتى وإن كان من يصفونهم بهذا المصطلح يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة؛ فإن هؤلاء في نظر هذه الجماعات المنحرفة الإرهابية يعيشون في جاهلية ترادف معنى الكفر بالله والارتداد إلى مرحلة ما قبل الإسلام سلوكيًّا واعتقاديًّا، وانتشر هذا المفهوم في هذه التيارات المتشددة والجماعات الإرهابية وترتب عليه اندفاع من يعتنقون هذا المفهوم بتكفيرهم للمجتمع الإسلامي المعاصر ومن ثمَّ استحلوا دماء هذه المجتمعات، وأحلوا قتالها، فنشروا الخراب والإرهاب والحرق والتفجير بين المجتمعات الآمنة، ولم تسلم دولة عربية أو إسلامية أو حتى غير إسلامية من الاحتراق بنار هذا المفهوم المعوج والمصطلح المحرف الضال.

تتجلى خطورة هذا المصطلح في اعتقاد هؤلاء أنَّهم وحدهم أهل الإسلام ومن يطبقون شرع الله عز وجل ويحكمون بما يحكم الله -حسب فهمهم هم- فما يرونه حقًّا فهو حق، ومن يرونه مسلمًا فهو مسلم كامل الإسلام، فجعلوا أنفسهم حكمًا على النَّاس وميزانًا لعقائدهم؛ لأنهم وحدهم من يمثلون الإسلام، ومن عاداهم فهم في جاهلية وظلام وكفر بالله -والعياذ بالله-.

وهو ما أدى لتهاون هذه الجماعات -كالإخوان المسلمين وغيرهم من جماعات الإرهاب التي انبثقت عنهم ومن رحم فكرهم- في الدماء وقتل الناس ولو كانوا مسلمين موحدين بالله مؤمنين بالنبي صلى الله عليه وسلم ورسالة الإسلام، فنتج عن ذلك أن شوهوا صورة الإسلام والمسلمين وحصروا الإسلام في أعمال التكفير والعنف والتفجير والتسلط على رقاب الناس باسم الدين، ومنشأ كل ذلك اعتقادهم أنهم يمثلون الدين والشرع وحكم الله عز وجل في الأرض، فيعدون أنفسهم غرباء وقلة مسلمة في زمن جاهلية المجتمع، والحقيقة أن هذا فهم منحرف ضال، أسقطهم في تكفير الناس وقتلهم بغير وجه حق؛ فجعلهم ذلك من المفسدين في الأرض.

المبحث التاسع: تغييب مقاصد الشريعة

إن إهمال المقاصد الشَّرعيَّة وعدم مراعاتها يحدث بلا أدنى شك خطرًا عظيمًا على الإسلام والمسلمين بل وعلى غير المسلمين أيضًا؛ لِمَا تحققه المقاصد الشرعية من حفظ الدِّين، والنَّفس، والعقل، والنَّسل (أو كرامة الإنسان)، والمِلك، ومراعاة مصالح العباد والمحافظة عليها، تلك المقاصد التي تضمن سلامة الإنسان والمجتمع ككل وسعادته في الدارين.

حيث لم تنفك آيات القرآن الكريم عن التأكيد بارتباط أحكام الشريعة الإسلامية بالحكمة والمقاصد الربانية والمصالح الدنيوية والأخروية التي ضمَّنها الله عز وجل في الشريعة، فيجد الناظر في كتاب الله المحكم الارتباط الوثيق بين الحكم الشرعي وتعلقه بأفعال المكلفين من جهة، وبين المصالح الحيوية التي تنبني على الإذعان لهذه الأحكام من جهة ثانية.

ويترتب على إهمال المقاصد الشرعية مفاسد وأضرار منها: مصادمة الشريعة للواقع مما يجعل أحكام الشرع متضاربة متعارضة، كما يؤدي إهمال المقاصد إلى إدخال ما ليس من الشريعة فيها، وعدم فهم الشريعة فهمًا يتوافق مع مقاصدها الربانيَّة، ومفاسد أخرى وقعت فيها جماعات التطرف والتشدد والإرهاب باسم الدين والشرع- والشرع من كل ذلك بريء.

فقد أهملت تلك الجماعات المقاصد الربانيَّة الشرعيَّة فعثوا في الأرض مفسدين، فنشروا الدماء والعنف وانتهكوا الحرمات فلم يحفظوا حرمة النَّفس وأهدروا دمها، وهي عند الله أعظم حرمة من الكعبة المشرفة، تلك النفس الَّتي خلقها الله سبحانه وتعالى فأكرمها وسخر لها الكون؛ فقال في محكم آياته: (۞وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا)  [الإسراء:70].

فانظر كيف أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يقل ولقد كرمنا المسلمين، أو الطائعين، وإنما قال (بني آدم) أي عمومهم على الإطلاق؛ فهم صنعته وخلقه جل جلاله.

كما لم تستوعب تلك الجماعات المقاصد الربانيَّة للشريعة الإسلامية من التيسير ورفع الحرج ودفع الضرر، فشدَّدوا على النَّاس أمور دينهم ودنياهم؛ فكانوا سببًا في إلحاد الناس وبعدهم عن الدين وكرههم له، بدلًا من أن يقرِّبوا الدِّين والشَّرع القويم للنَّاس عذبًا سهلًا، فتحملوا ما ليسوا أهلًا له من تمثيل الدين للنَّاس، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: (يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ) [البقرة:185]، فكانت هذه الجماعات أسوأ نموذج يمثل التَّدين خصوصًا والدِّين عامَّةً؛ فشوهوا صورة الإسلام والمسلمين وضيعوا مقاصد الشريعة، ولأجل ذلك نبين فساد فكرهم ومنهجهم، وتغييبهم للمقاصد الشرعية من خلال عدد من النقاط:

أولًا: التَّهاون والتَّسرع في إطلاق الأحكام

لقد أدَّى بهم عدم مراعاة المقاصد الشرعية إلى التَّهاون والتَّسرع في إصدار الأحكام والفتاوى الدينيَّة، فتساهلوا في مسائل أدت إلى قتل الناس وتفجير الآمنين وتكفيرهم واستباحة الدماء دون وجه حق، فلم ينظروا إلى عدم اكتمال أهليتهم وآلاتهم العلمية، وتسرعوا في إطلاق هذه الأحكام على المسلمين وغيرهم، وأصبح ذلك سمة لهم؛ فتراهم في مسائل عديدة يفتون برأي ليس عليه العمل أو الإجماع أو هو خاص بزمنٍ معين وحادثة معينة؛ فيخالفون علماء المسلمين، بل ويخطؤونهم ويتكلمون في حقهم باستخفاف وتهاون، وقد نهى الإسلام عن إطلاق الأحكام أو الكلام دون إمعان نظر وتَفَكُر، فقد جاء في البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين ما فيها، يهوي بها في النار، أبعد ما بين المشرق والمغرب))([54]).

لقد بعدت تلك الجماعات عن المنهج القويم الذي سار عليه علماء المسلمين الذين أخرجوا الأحكام والفتاوى على وجهها الصحيح، الموافق للكتاب والسنة والمقاصد الشرعية المعتبرة التي أجمع عليها ذوي العقول والبيان، فقد نقل الحافظ البغدادي عن الإمام الشَّافعي رضي الله عنه المنهج الذي كان عليه علماء المسلمين وأئمتهم فأجملها في قوله: «لا يحل لأحد يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذلك بصيرًا بحديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشعر، وما يحتاج إليه للعلم والقرآن ويستعمل مع هذا الإنصاف وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار، ويكون له قريحة بعد هذا؛ فإذا كان هذا هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي»([55]).

لقد تهاونت هذه الجماعات في تحصيل كل ذلك؛ فأخرجوا منهجًا مشوهًا يتسم بالتسرع والتساهل وضيق الأفق والجهل وعدم النظر إلى المآلات؛ فكانت جرائمهم وفظائعهم نتيجة حتمية لذلك التهاون والتسرع المتأتي من عدم مراعاة المقاصد الشرعية والربانية للدين، ولذا فإن أحكامهم وفتاواهم لا يصلح الأخذ بها بأي حال.

ولقد شدَّد العلماء على عدم التصدر والتكلم في الدين بغير علم وعدُّوه من الكذب، وإن لم يتعمد صاحبه الكذب، فعن الشيخ ابن تيمة رحمه الله قال: «ومن تكلم في الدين بلا علم كان كاذبًا وإن كان لا يتعمد الكذب؛ كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم، ((لما قالت له سبيعة الأسلمية وقد توفي عنها زوجها سعد بن خولة في حجة الوداع فكانت حاملا فوضعت بعد موت زوجها بليالٍ قلائل، فقال لها أبو السنابل بن بعكك: ما أنت بناكحة حتى يمضي عليك آخر الأجلين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كذب أبو السنابل بل حللت فانكحي))([56])، وكذلك لما قال سلمة بن الأكوع إنهم يقولون: إن عامرًا قتل نفسه وحبط عمله، فقال: ((كذب من قالها؛ إنه لجاهد مجاهد))([57])، وكان قائل ذلك لم يتعمد الكذب، فإنه كان رجلًا صالحًا، وقد روي أنه كان أسيد بن الحضير؛ لكنه لما تكلم بلا علم كذبه النبي صلى الله عليه وسلم»([58]).

إن النَّاظر في حال هذه الجماعات يلمس بلا أدنى شك ضعف المنهجية العلمية لديهم وتضييعهم لكل أسس البناء المقاصدي للفتوى وإطلاق الأحكام عامة عندهم، مما أدى بهم لمصادمة الواقع والمجتمع ونبذه ومحاربته.

ثانيًا: سفك الدِّماء

إن أخطر ما وقعت فيه الجماعات الإرهابيَّة والمتطرفة، وأضرت به الأمة الإسلامية أشدَّ الضرر هو سفك الدِّماء التي حرَّمها الله سبحانه وتعالى إلا بالحق؛ فلقد قال الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: (مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ)  [المائدة: 32].

وقد نقل ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «هو كما قال الله تعالى: (مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا) وإحياؤها: ألا يقتل نفسا حرمها الله، فذلك الذي أحيا الناس جميعا، يعني: أنه من حرم قتلها إلا بحق، حيي الناس منه(جميعا)، وهكذا قال مجاهد: (وَمَنۡ أَحۡيَاهَا) أي: كف عن قتلها، وقال العوفي عن ابن عباس، في قوله: (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا) يقول: من قتل نفسا واحدة حرمها الله، فهو مثل من قتل الناس جميعا»([59]).

ويقول الحق سبحانه وتعالى فيمن يقتل المؤمنين الآمنين: (وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا) [النساء:93]، وفي ذلك يقول ابن كثير في تفسيره: «ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، كما ثبت في الصحيحين، عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة))([60])، ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه»([61]).

ولقد بلغت حرمة النَّفس المؤمنة عند الله سبحانه وتعالى أنها أشدُّ في حرمتها من الكعبة المشرفة، على مالها من مَكانةٍ وحرمةٍ عظيمة في الإسلام، فقد روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة، ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله، ودمه، وأن نظن به إلا خيرا))([62]).

فانظر كيف تعدى هؤلاء على حرمة النفس التي حرَّمها الله تعالى وجعل حرمتها أشدُّ حرمة من الكعبة المشرفة؛ فجعل قتلها وسفك دمائها كقتل الناس جميعا؛ إذ نفس واحدة كعدة أنفس لا فرق عند الله بينهم فهم خلقٌ مكرمون لهم حرمتهم وكرامتهم، وقد نصَّب هؤلاء أنفسهم مكان الحاكم وافتأتوا على صلاحياته دون مراعاة لمقصد حفظ النفس الذي يعد أهم الضروريات المقاصدية الخمسة التي قام على أساسها الشرع الشريف؛ فكان الحفاظ عليها أصلا قطعيًّا من أصول الدين، وكلية عامة لا غنى عنها في الدين الإسلامي.

لقد تهاونت تلك الجماعات وضيعت المقاصد الشرعية التي حثَّت على حفظ الدماء مسلمين وغيرهم، وسلامة المجتمع كله والعمران البشري، فقتلوا باسم الدين وفجروا المساجد، ولم يراعوا حرمة للمقدسات الإسلامية وغير الإسلامية، ففجروا المدارس والكنائس والأديرة وعامة المنشآت المدنية، بهدف النيل من الدول والحكومات وإسقاطها ونشر الفتن؛ للوصول لأغراضهم، وغطاؤهم الشرعي المعهود لذلك هو تكفير المجتمع، ودعوى جاهليته، وإن كان مجتمعًا محافظًا على كل مقومات أركان الدين.

ثالثًا: تشديد الدين على الناس

إن التيسير والتسهيل ورفع الحرج عن الأمة الإسلامية من أهم المقاصد الشَّرعيَّة الرَّبانيَّة التي أشار إليها القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنَّ هذه الجماعات قد ضيقت واسعًا وشددت فيما فيه اليسر واللين؛ فأصبح ذلك التشدد سمة لهم وعلامة واضحة غاية الوضوح عليهم في جميع أحوالهم عبادةً، ومظهرًا، وتعاملًا، الأمر الذي نفَّر منهم النَّاس منهم وجعلهم يظنون أنهم الصورة المعبرة عن التَّدين الحقيقي من شدة إصرارهم على هذا الفهم المعوج المنحرف لمقاصد الشرع، ولمنهج النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام -رضوان الله عليهم-.

لقد شددوا الأمر على النَّاس لدرجة أصبح معها الخروج على الدين أمرًا حاصلًا بسببهم؛ فألحد الشباب وكرهوا ذلك التَّدين المغلوط الذي قدمته هؤلاء الجماعات المنحرفة باسم الدين والتدين -والدين من أفعالهم بريء- كل ذلك نتيجة عدم مراعاتهم المقاصد التي جاء بها الدين نفسه ونزل بها القرآن الكريم ووضحها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته السمحاء؛ فقد قال الله سبحانه وتعالى في محكم آياته: (وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ)  [الحج: 78].

– يقول صاحب (التحرير والتنوير): «قد فضل الله هذا الدين المستتبع تفضيل أهله؛ بأن جعله دينًا لا حرج فيه؛ لأن ذلك يسهل العمل به مع حصول مقصد الشريعة من العمل فيسعد أهله بسهولة امتثاله، وقد امتن الله تعالى بهذا المعنى في آيات كثيرة من القرآن، منها قوله تعالى: (يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ) [البقرة: 185]. ووصفه الدين بالحنيف، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بعثت بالحنيفية السمحة))([63]) ا.هـ بتصرف يسير([64]).

فانظر كيف امتن الله سبحانه وتعالى برفع الحرج عن الدين الإسلامي، الأمر الذي يسهل العمل بتعاليم الدين نفسه ويحقق المقاصد الشرعية فيه، وكيف يضيع هؤلاء هذه المقاصد ويتهاونون فيها لأجل عرض زائل وفهم خاطئ معوج.

ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق))([65])، والرفق هو ضد الشدة والتطرف الذي انتهجته هذه الجماعات الإرهابية والتيارات المتشددة، كما جاء أيضا في الصحيحين، فيما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا))([66])، فدعت الشريعة إلى التيسير وحثَّت عليه وأمرت الناس به، لا كما فهموا هؤلاء الغلاة والمتطرفين في فهمهم ومنهجهم ودينهم.

– والناظر في منهج هؤلاء يرى دائما العسر قبل اليسر، والتنفير قبل التبشير، والحديث عن العذاب والموت والقتال قبل الحديث عن الرحمة والمحبة وفقه الحياة، ولقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التنطع في الدين والتشدد فيه والمبالغة في الدين، ففي حديث صحيح رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هلك المتنطعون- قالها ثلاثًا))([67])، فانظر كيف شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هلكة من يتنطع ويبالغ ويجاوز الحد في أفعاله وأقواله فيشدد على نفسه ويشدد على غيره، ولقد بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الغلو في الدين إنما هو من أهم أسباب هلاك الأمم، ففي حديث عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غداة العقبة وهو على ناقته: ((القُط لي حَصى، فلقطت له سبع حصيات، هن حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: أمثال هؤلاء، فارموا، ثم قال: يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين، فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين))([68]).

لقد ضيع هؤلاء مقاصد الشرع الشريف ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم من اليسر وسعة الأفق، كما أخبرت السيدة عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح متفق عليه، قالت: «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها»([69])، فانظر كيف ضيع هؤلاء منهج النبي وفقهه المقاصدي في الحياة ذلك الفقه المستقى من النهج الرباني القويم الذي أنزله الله في كتابه العزيز، وعلمه رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فجذب بذلك المنهج القلوب والعقول، وقد ضيع هؤلاء بتشددهم وتنطعهم في الدين مقاصد الشرع وصرفوا النَّاس عن الدين وشوهوا صورته في الأذهان لدى المؤمنين به وغير المؤمنين به، فأصبح ذلك وبالًا على الإسلام والدعوة إليه؛ فقد أظهروا الدين بمظهر جامد شديد دموي عنيف لا يقبل غيره معه، ولا يتعايش مع محيطه وزمنه.

المبحث العاشر: تغييب دور السلوك الروحي في إصلاح المجتمع

إن صلاح أي مجتمع إنما يتأتى بصلاحه من داخله وباطنه قبل خارجه ومظهره، وهو ما ينعكس على الصورةِ الكُليَّة للمجتمع ذاته فيظهر في سلوكياته وآدابه وتعاملاته مع بعضه البعض بأحسن صورة وأرقاها، ولا شك أن أي أمة إنما تستقي قيمها وتعاليمها من مقدساتها ومعتقداتها التي تؤمن بها، ولم تهمل الشريعة الإسلامية هذا الجانب أبدًا بل كان واضحًا أشدَّ الوضوح منذ بدء الرسالة العالمية، ولقد أوضح رسول الله ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))([70]).

فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا مكانة الخلق الرفيع وجعل إتمامه وصلاحه من أسباب بعثته صلى الله عليه وسلم لِمَا يتضمنه الخلق الحسن من تزكية وتطهير النَّفس التي يصدر عنها ذلك الخلق، فالأخلاق كما عرَّفها الشريف الجرجاني بقوله: «إنَّها هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حَاجةٍ إلى فكرٍ وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلًا وشرعًا بسهولة، سميت الهيئة: خُلقًا حسنًا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة، سميت الهيئة: خُلقًا سيئًا»([71]).

فلمَّا كان الخلق الحسن مصدره رسوخ هيئته في النفس حتى يصدر عنها بلا فِكرٍ ورويةٍ؛ تَجلَّى دور الإصلاح الروحي الذي يهذب النَّفس ويهيئها ويجملها بتلك الطبائع والهيئات، ودور المصلحين الذين هم عماد هذه التزكية والتصفية حتى يتم صلاح الفرد ويصلح به المجتمع الذي هو مجموع أفراده.

وَيعدُّ التصوف الإسلامي هو المنهج المعني بدور الإصلاح والتزكية والتصفية لِمَا يتضمنه من منهج سلوكي ومعرفي قويم لا ينفك عن حقيقة وقيم الإسلام وتعاليمه، بل هو ركنه القويم الذي يعتني بتزكية النفوس وتربية السلوك، والارتقاء بذات المؤمن، وهو المرتبة الثالثة في الإسلام التي هي مقام الإحسان، والتي سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح حين أتاه جبريل عليه السلام في صورة رجل من المسلمين فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ثم الإيمان، ثم قال له: ما الإحسان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))([72])، ذلك الإحسان الذي يكمل به بنيان الدين، فإن الإسلام إنما يبنى على أداء الشهادة وإقامة شرائعه ومناسكه، والإيمان يبنى على التصديق بالله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، والإحسان يبنى على المراقبة والتزكية والتصفية والارتقاء الدائم، ولذا فإن التصوف بما فيه من إصلاح روحي ومعرفي وسلوكي يحقق إصلاح المجتمع وسلامته.

وما أصبح المجتمع غارقًا في المادية وحب الدنيا إلا ببعده عن التصوف الإسلامي وقيمه الروحية -التي تحيي النفوس- وإنكار دوره في إصلاح المجتمع، وهو ما تفعله تلك الجماعات المتشددة والمتطرفة والإرهابية؛ الذين أنكروا التصوف ودوره الهام وأخرجوه عن حقيقته، فأنكروا على أهله وبدعوا كل من يتمسك به؛ فجعلوا الدين في قلوب النَّاس مجرد صورٍ وشعائر وهيئات جافة لا روح فيها ولا قيمة؛ فضلوا وأضلوا النَّاس وأفسدوا المجتمعات الإسلامية بإغراقهم في الدنيا وتحصيل شهواتها وجمع حطامها ومادتها دون اعتبار لنشر العنف وسفك الدماء والتفجير وإهدار حقوق الناس مسلمين وغيرهم؛ فأبعدوهم عن روح الدين وحقيقته، وألصقوا كل هذه الأفعال زورًا وبهتانًا باسم الدين وهو منهم براء، وتمثلت منهجيتهم الفاسدة في ذلك على الوجه التالي:

أولًا: إغراق المجتمع في الماديَّة وطمس القيم الروحيَّة

لقد أنكرت تلك الجماعات المتطرفة والتيارات المتشددة دور التصوف الإسلامي ومكانته في إصلاح النفس البشرية وتزكيتها ونشر القيم الروحية في المجتمع كله؛ فكان نتيجة لذلك أن أغرقوا المجتمع في الماديَّةِ الدنيويَّةِ الخالية من تجلية البواطن وتحليتها، وأولوا المكاسب الحسِّية والحرص على المال والشهوات وحكم النَّاس ولو قهرًا كل اهتماهم، واقتصروا في الجانب الديني على صورة العبادات الحِسِّية والمناسك الظاهرية والهيئات الجامدة فقط، كالسنن الظاهرية من إطلاق اللحية وتقصير القميص، أو تغطية المرأة لوجهها ولبسها للثياب السوداء والمبالغة في تلك المظاهر وكأنها هي المقصد الأوحد، وجعلوا ذلك من الواجبات التي لا غنى عنها، بل إن من لم يفعل ذلك من الناس أصبح عاصيًا آثمًا في نظرهم يعامل بالشدة والترهيب والبعد عنه، مما جعل الدين عند هؤلاء جافًا خاليًا من القيم الروحيَّة والتزكية السلوكية التي يعتني بها أهل التصوف
-المبني على الكتاب والسنة- والتربية الذوقية التي تربط العبد قلبًا وقالبًا بالله عز وجل، فيربي ذلك فيه خشية ومراقبة لله، وخُلقًا حسنًا ورأفة ورحمة بالناس، ومحبة للكون ومن فيه وإعماره، فيكون كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا))([73])، إلا أن تلك الجماعات المتشددة أنكروا علم التصوف وعلوم السلوك والأخلاق والتزكية الروحية، بالرغم من أن جانب الأخلاق والتزكية الروحية منهج قرآني وإرشاد نبوي لا ينفك أبدًا عن الشريعة والكتاب والحكمة، بل ذلك المنهج هو روح الإسلام وجوهره، ولقد قال الله في كتابه العزيز يمنُّ على المؤمنين أن بعث فيهم من يزكيهم ويربي نفوسهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فقال الحقُّ سبحانه وتعالى : (لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ) [آل عمران: 164]، فعجل الحقُّ منهج التزكية سَببًا من أسباب إنقاذ العباد من ضلالتهم وغيهم، وأكدَّ الله في كتابه العزيز في أكثر من آية على تلك المنَّة وهذا المنهج الرباني الذي أكرم الله به عباده واستنقذهم به؛ فقال في موضع آخر: (هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّ‍ۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ) [الجمعة: 2]، فانظر كيف أن الله عز وجل يلفت النَّظر ويؤكد على هذا المعنى وتلك الخصيصة التي أكرم بها عباده؛ فأخرجهم من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم وبتزكيته للعباد وتعليمه الكتاب، والحكمة التي هي السنة النبوية المشرفة؛ فبين سبحانه وتعالى أن التزكية منهج أصيل ووسيلة لا غنى عنها لا تنفك عن التعليم والإرشاد بل قدَّمها عليهما؛ لأن التزكية توطئة وتهيئة للقلب والعقل للتلقي وحسن الاتباع.

كما ربط الله عز وجل بين منهج التزكية وبين فلاح الإنسان في الدنيا والآخرة، وأن الجنة ونعيمها جزاء لمن تحقق وتحلى بمقام تزكية النفس وقطع حجبها وظلماتها؛ فقال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: (قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا) [الشمس: 9] وقال: (جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ) [طه: 76]، فبتزكية النفس وتربيتها وتقويمها وتحسين خلقها ورقيها عن الدنو في مادة الدنيا وشهواتها إلا بما يصلحها وفق منهج التزكية والتربية الروحية بتخلية النفس من كل خلق ذميم وتحليتها بكل خلق جميل تكون الجنَّة ونعيمها هي الجزاء الأوفى والفوز العظيم، ولا أدلُّ على هذا المعنى من حديث جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه»([74])، فانظر كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمن بيتًا بأعلى الجنة لمن حسن خلقه وزكت نفسه فاتصف بأشرف الخصال من مكارم الأخلاق ولم يركن لنفسه وشهواتها وحجبها فأحسن إلى نفسه بتربيتها وتهذيب سلوكها، وغلَّب القيم الروحية والربانيَّة في سلوكه وذاته.

ثانيًا: إلصاق التُّهم بالتَّصوُّف

لقد اعتادت تلك الجماعات المضلة الدَّمويَّة والتيارات المنحرفة المتشددة إلصاق التهم والافتراءات بالتَّصوف الإسلامي والصُّوفيَّة؛ بغرض إبعاد النَّاس عنهم كي ينفردوا وحدهم بالسَّاحة الدينيَّة ويسيطروا على عقول أتباعهم، وبدافع الخوف أيضًا من منهج التصوف الذي ينتشر واسعًا وتهوي إليه الأفئدة وتصبو إليه العقول النيرة ويقصده أهل البصيرة والأفهام القويمة.

فتارة ينسبون التصوف لديانات غير الإسلام، والحقيقة أن التصوف الإسلامي منبعه الكتاب والسُّنَّة مشيَّد بهما لا يستقي من غيرهما، ولا عبرة عند الصوفيَّة بمن شذَّ عن كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وجميع أقوالهم وأفعالهم شاهدة بذلك، يقول الإمام الجنيد رحمه الله المسمى بسيِّد الطائفة (أي الصوفية): «علمنا هذا مضبوط بالكتاب والسنَّة، فمن لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، ولم يتفقه، لا يقتدى به»([75])، وهو هنا يتحدث عن علم التصوف الذي يُعدُّ فيه من أجَلِّ أئمته وشيوخه، ويقول الإمام أبو القاسم القشيري صاحب الرسالة: «الشَّريعةُ أمرٌ بالتزام العُبوديَّة والحقيقة مشاهدة الربوبية، فكل شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول، وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصول، فالشريعة جاءت بتكليف الخلق، والحقيقة إنباء عن تصريف الحق، فالشريعة أن تعبده والحقيقة أن تشهده، والشريعة قيام بما أمر والحقيقة شهود لما قضى وقدر وأخفى وأظهر»([76])، وقد قال أيضًا نقلا عن
أبي اليزيد البسطامي رحمه الله : «لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة»([77])، فانظر كيف أجمع أهل التصوف والمتحققين منهم على حفظ الحدود الشرعية والعمل بها وعدم اعتبار من يشذ عنها.

وتارة يهاجمون التصوف وأهله ويرمونهم بالبدعة وإحداث في الدين ما ليس منه، وهم في هذه المهاجمة على فرقتين: الأولى تجهل ما هو التَّصوف من الأساس، ولكنهم تربَّوا وتعلَّموا على منهج تيار واحد يرفض التصوف ويهاجمه جملة وتفصيلًا، فساروا على ذات النهج يرددون ما تعلموه من أفكار متشددة ومعادية للتصوف، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن الحقيقة وعن ما هو التصوف من الأساس ومصادره.

والثانية فرقة تعلم ما هو التَّصوف حقيقةً، وتعلم ما له من مكانة في التراث الإسلامي على مدى القرون، وما له من منزلة رفيعة عند علماء الإسلام، ولكنهم يسترون كلَّ ذلك ولا يشيرون إليه فينزعون منه فضائله ومزاياه؛ لأجل أهدافهم ومصلحتهم، وخوفًا من زعزعة صورتهم والمنهج الذي رسموه لأتباعهم وَجعَل لهم المكانة والصدارة والمنزلة بين الناس.

وعلى الحالتين فإن هؤلاء الذين يبدعون التصوف لا يفهمون معنى البدعة أصلًا، فهم يعدون كل ما لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله من قبيل البدعة المذمومة.

والحقيقة أنَّ البدعة عند العلماء على ضربين: فمنها ما هي حسنة، ومنها ما هي مذمومة، يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أُحدث يخالف كَتابًا أو سُنَّة أو أثرًا أو إجماعًا؛ فهذه البدعة الضلالة. والثانية: ما أُحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا؛ فهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان: «نعمت البدعة هذه» يعني أنها محدثة لم تكن، وإن كانت فليس فيها رد لما مضى»([78])، فانظر كيف فرَّق الإمام الشافعي بينهما، وهو الحجَّة الثِّقة لغة وفقهًا وأصولًا واجتهادًا، ويقول الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله : «البدعة فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله، وهي منقسمة إلى: بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة، والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة: فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة»([79])، وهنا قسم الإمام العز بن عبدالسلام البدعة إلى خمسة ضروب على الأحكام الخمسة التكليفية للعبد؛ فمنها بدعة محرمة وهي كابتداع ما لم يرد في الدين أو لم تأمر به الشريعة وجعله منها؛ كحرمة من يصلي صلاة الظهر خمس ركعات أو ثلاث ركعات؛ فهذه بدعة محرمة لا تصحُّ، ومن البدع ما يكون واجبًا، كتعلم علم النحو لمن يدرس العلم الشرعي لفهم المعنى المراد ودلالاته، فإن تعلم النحو بل إنَّ علم النحو أصلًا بدعة لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فانظر كيف فهم العلماء البدعة وقسموها وبينوها أحسن بيان؛ فلم يضيقوا على الناس ما وسَّعه الله سبحانه وتعالى، لا كما تفعل تلك الجماعات من تبدعة كل ما لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إطلاقًا، فالتصوف الإسلامي منهجًا وعلمًا وسلوكًا اتفق عليه الأئمة والتابعون والعلماء على مدى القرون، وأجمعوا على أنه نهج لازم لتزكية الإنسان وتطهير قلبه وتخلية نفسه من أمراضها لتتحلى بكل خلق قويم، وتترقى في مدارج أهل الإحسان الواصلين، مما ينتج عنه مجتمع صالح تسود فيه الأخلاق والسلوكيات الحسنة.

ثالثًا: العنف الدَّعوي وغياب التَّسامح

إن إنكار دور التصوف والإصلاح الروحي عند هذه الجماعات أدَّى بهم إلى العنف في الدعوة إلى الله وغياب روح التسامح والعفو وتقبل الآخرين، وهو ما تتسم به هذه الجماعات والتيارات المتشددة والإجراميَّة، فلا يقبلون العاصي أو المخطئ بل يكرَهونه ويكرِّهونه في ذاته، والأصل وكما عَلَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا نكره المعصية ولا نقرها ولكن لا نكره العاصي؛ فيقنط من رحمة الله عز وجل ولقد قال الله في كتابه العزيز: (۞قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ) [الزمر: 53]، فسبحانه من إله رحيم اتصف بالرأفة والرحمة والعفو والمغفرة، وكذلك فقد وصف الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالرأفة والرحمة؛ فقال: (لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ) [التوبة: 128] فالواجب على الدَّاعي أن يتصف بهذه الصفات والأخلاق الربانية والنبوية حتى يدعو إلى الله سبحانه وتعالى فيستجاب له لحرصه ورأفته ورحمته بالعباد، ولكن هؤلاء اتصفوا بقساوة القلب وشدة الطبع؛ فاتهموا الناس في دينهم وبدعوهم وفسقوهم وكفروهم وقتلوهم، ولم يفرقوا بين مسلم وغيره فارتكبوا باسم الدين والدعوة إلى الله أبشع وأعنف الجرائم.

إن إصلاح المجتمع مَرهونٌ بما يغرس في أفراده من قيم عليا، وأخلاق إيمانية مثلى، ولا يتأتى ذلك حقيقة إلا بتطهير القلوب والنفوس من أمراضها وأدناسها فتتحلى بهذه القيم والأخلاق، ولذا فإن التصوف الإسلامي المبني على الكتاب والسنة يعد الركيزة الأصيلة في إصلاح مجتمعاتنا الإِسلاميَّة بما يتضمنه من إصلاح للنفوس، وتطهير للقلوب، وتربية وتهذيب للسلوك، فإن مبناه على جهاد النفس وسلامة الصدر وحسن المعاملة والتخلق بأحسن الأخلاق ومراقبة الله في السرِّ والعلن والرِّضا في السرَّاء والضرَّاء والرحمة للغير وحب الخير له.

([1]) انظر: تاج العروس (باب الجيم، فصل النون مع الهاء).

([2]) انظر: تاج العروس (باب الميم، فصل العين مع اللام).

([3]) انظر: التعريفات (ص 155) للشريف الجرجاني علي بن محمد بن علي، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة: الأولى 1403هـ، 1983م.

([4]) أخرجه مسلم في صحيحه (1/ 15).

([5]) أخرجه أبو داود في كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة (4029) وابن ماجه في كتاب اللباس، باب من لبس شهرة من الثياب (3606) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

([6]) انظر: تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم (ص 54) لأبي عبد الله بدر الدين بن جماعة.

([7]) مجموع الفتاوى (28/ 240، 241) لتقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، عام النشر: 1416هـ – 1995م.

([8]) انظر: الآداب الشرعية والمنح المرعية (1/ 190) لمحمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبي عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي الحنبلي، الناشر: عالم الكتب.

([9]) أخرجه مسلم في مقدمته، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع (5) من حديث أبي هريرة.

([10]) الصمت وآداب اللسان (3/ 611) لابن أبي الدنيا، تحقيق: فاضل بن خلف الحمادة الرقي، دار أطلس الخضراء – الرياض، الطبعة: الأولى، 1433هـ – 2012م.

([11]) انظر: كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس (2/ 109) لإسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي، الناشر: مكتبة القدسي- القاهرة، عام النشر: 1351هـ.

([12]) متفق عليه: أخرجه البخاري واللفظ له في كتاب المغازي، باب غزوة أحد (4042). ومسلم في كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته (2296).

([13]) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الآداب، باب قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119] وما ينهى عن الكذب (6094). ومسلم واللفظ له في كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله (2607).

([14]) الجامع لأحكام القرآن (9/ 119) لأبي عبد الله القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية- القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384هـ- 1964م.

([15]) انظر: ماهية العقل ومعناه واختلاف الناس فيه (ص 209) للحارث المحاسبي، تحقيق: حسين القوتلي، دار الكندي، دار الفكر – بيروت، الطبعة: الثانية، 1398هـ.

 

([16]) أنوار التنزيل وأسرار التأويل (2/ 161) لناصر الدين البيضاوي، تحقيق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الأولى، 1418هـ.

 

([17]) مجموع الفتاوى (16/ 440) لتقي الدين ابن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1416هـ – 1995م.

([18]) مجموع الفتاوى (9/ 225) لتقي الدين ابن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1416هـ – 1995م.

 

([19]) شرح المقاصد في علم الكلام (2/ 271) لسعد الدين التفتازاني الشافعي، دار المعارف النعمانية- باكستان، 1401 هـ.

([20]) في ظلال القرآن (2/ 888- 890) سيد قطب، دار الشروق، بيروت – القاهرة، الطبعة: السابعة عشرة، 1412هـ.

([21]) مفاتيح الغيب (12/ 367، 368) لأبي عبد الله محمد بن عمر فخر الدين الرازي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثالثة، 1420هـ.

([22]) التقريب والتيسير (ص 95) للإمام النووي، تحقيق: محمد عثمان الخشت، دار الكتاب العربي- بيروت، الطبعة: الأولى، 1405 هـ – 1985م.

([23]) انظر: تاج العروس (باب الفاء، فصل السين مع اللام).

([24]) انظر: البحر المحيط في أصول الفقه (4/ 488) لأبي عبد الله بدر الدين الزركشي، تحقيق: محمد محمد تامر، دار الكتب العلمية- بيروت، 1421هـ.

([25]) انظر: المرجع السابق.

([26]) انظر: المرجع السابق (1/ 51).

([27]) البرهان في أصول الفقه (1/ 124، 125) لأبي المعالي الجويني، تحقيق: د. عبد العظيم محمود الديب، دار الوفاء- مصر، الطبعة: الرابعة، 1418هـ.

 

([28]) المستصفى (1/ 33) لأبي حامد الغزالي، تحقيق: محمد بن سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة: الأولى، 1417هـ – 1997م.

([29]) جامع العلوم والحكم (1/ 204) لزين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، تحقيق: الدكتور محمد الأحمدي أبو النور، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية، 1424هـ – 2004م.

([30]) المستصفى للغزالي (ص 348).

([31]) الأشباه والنظائر للسيوطي (ص 158).

([32]) البرهان في علوم القرآن (2/ 42) لأبي عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة: الأولى، 1376هـ – 1957م، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه.

([33]) انظر: الإتقان في علوم القرآن (3/ 68، 69) لعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة: 1394هـ – 1974م.

([34]) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في دعاء المشركين (2614) من حديث أنس بن مالك.

([35]) انظر: السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار (1/ 941) لمحمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، دار ابن حزم، الطبعة: الأولى.

([36]) سبق تخريجه.

([37]) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب السواد الأعظم (3950) من حديث أنس بن مالك. وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (2/ 272).

([38]) فيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة (ص 61، 62) لأبي حامد الغزالي، تحقيق: محمود بيجو، دار البيروتي، الطبعة الأولى، 1993م.

([39]) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال (6104). ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر (60).

([40]) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال (6105).

([41]) أخرجه الطبراني في الكبير (10/ 224/ 10544).

([42]) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في الغزو مع أئمة الجور (2532).

([43]) أخرجه الطبراني في الأوسط (7354).

([44]) سبق تخريجه.

([45]) الاقتصاد في الاعتقاد (1/ 135) لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1424هـ – 2004م.

([46]) صحيح مسلم بشرح النووي (1/ 151) لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، المطبعة المصرية بالأزهر.

([47]) رد المحتار على الدر المختار (4/ 224) لابن عابدين، محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي، دار الفكر- بيروت، الطبعة: الثانية، 1412هـ – 1992م.

([48]) البحر الرائق شرح كنز الدقائق (5/ 134) لزين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابن نجيم المصري، دار الكتاب الإسلامي، الطبعة: الثانية، 1333هـ.

([49]) أخرجه الترمذي في أثناء حديث في كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل من مات مرابطًا (1621). وأحمد في مسنده (23965). وابن حبان في صحيحه (4624) و(4862). والحاكم في المستدرك (24). والبيهقي في الشعب (10611). وقال الترمذي: «حديث فضالة حديث حسن صحيح».

([50]) أخرجه البيهقي في الزهد الكبير (373)، وقال: «هذا إسناد ضعيف».

([51]) طبقات الحنابلة (1/ 35) لأبي الحسين ابن أبي يعلى، محمد بن محمد، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة- بيروت.

([52]) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب الهدية للمشركين (2620). ومسلم في كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد، والوالدين ولو كانوا مشركين (1003).

([53]) انظر: تفسير القرآن العظيم (3/ 131) لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية 1420هـ- 1999م.

([54]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب الرقائق، باب حفظ اللسان (6477). ومسلم واللفظ له في كتاب الزهد والرقائق، باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار (2988).

([55]) الفقيه و المتفقه (2/ 332) لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي، تحقيق: أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف الغرازي، دار ابن الجوزي- السعودية، الطبعة: الثانية، 1421هـ.

([56]) متفق عليه بنحوه؛ أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرا (3991). ومسلم في كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وغيرها بوضع الحمل (1484) من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.

([57]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر (4196). ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة خيبر (1802) من حديث سلمة بن الأكوع.

([58]) مجموع الفتاوى (10/ 449) لتقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية- السعودية، عام النشر: 1416هـ- 1995م.

([59]) تفسير القرآن العظيم (3/ 92، 93) لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية، 1420هـ- 1999م.

([60]) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الديات، باب قول الله تعالى: (أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ)… (6878). ومسلم في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ما يباح به دم المسلم (1676) من حديث عبد الله بن مسعود.

([61]) تفسير القرآن العظيم (2/ 373) لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية، 1420هـ- 1999م.

([62]) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب حرمة دم المؤمن وماله (3932). قال البوصيري في مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (4/ 164): «هذا إسناد فيه مقال، نصر بن محمد ضعفه أبو حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد ثقات».

([63]) أخرجه أحمد في مسنده (22291). والطبراني في الكبير (8/ 261/ 7868) من حديث أبي أمامة. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 279): «رواه أحمد، والطبراني، وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف».

([64]) انظر: التحرير والتنوير (17/ 349، 350) لمحمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي، الدار التونسية للنشر- تونس، سنة النشر: 1984هـ.

([65]) أخرجه أحمد في مسنده (13052). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 62): «رواه أحمد، ورجاله موثقون، إلا أن خلف بن مهران لم يدرك أنسًا. والله أعلم».

([66]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا (69). ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير، وترك التنفير (1734).

([67]) أخرجه مسلم في كتاب العلم، باب هلك المتنطعون (2670).

([68]) أخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب التقاط الحصى (3057). وابن ماجه واللفظ له في كتاب المناسك، باب: قدر حصى الرمي (3029). وابن خزيمة في صحيحه (2867). وابن حبان في صحيحه (3871). والحاكم في المستدرك (1711) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه».

([69]) متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم (3560). ومسلم في كتاب الفضائل، باب مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام واختياره من المباح، أسهله… (2327).

([70]) أخرجه أحمد في مسنده (8952). والبخاري في الأدب المفرد (273). والحاكم في المستدرك (4221). والبيهقي في الكبرى (20782). وفي الشعب (7609). وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه» ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (15/ 9): «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح».

([71]) التعريفات (1/ 101) لعلي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني، تحقيق: ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، الطبعة: الأولى 1403هـ- 1983م.

([72]) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة (50). ومسلم في كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان، والإسلام، والقدر وعلامة الساعة (8) من حديث أبي هريرة.

([73]) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه (4682). والترمذي في كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها (1162). وابن حبان في صحيحه (479). والحاكم في المستدرك (1) من حديث أبي هريرة. قال الترمذي: «حديث أبي هريرة هذا حديث حسن صحيح».

([74]) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في حسن الخلق (4800).

([75]) انظر: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (10/ 255) لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني، الناشر: مطبعة السعادة – بجوار محافظة مصر، 1394هـ- 1974م.

([76]) الرسالة القشيرية (1/ 195) لعبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري، تحقيق: الإمام الدكتور عبد الحليم محمود، الدكتور محمود بن الشريف، دار المعارف- القاهرة.

([77]) المرجع السابق (1/ 58).

([78]) المدخل إلى السنن الكبرى (ص 206) لأحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسروجردي الخراساني، أبو بكر البيهقي، تحقيق: د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي- الكويت.

([79]) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (2/ 204) لأبي محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء، راجعه وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية- القاهرة.

اترك تعليقاً