البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

المقدمة

68 views

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد…

فإن الشريعة في مجموعها هي الحكمة الإلهية التي أنزلها الله على قلب نبيه صلى الله عليه وسلم وجعلها نورًا وهداية للعالمين على اختلاف أعراقهم وأجناسهم، وقد جاءت محافِظة على بنيان أشرف مخلوق خلقه الله -عز وجل- وهو ذلك الخلق الإنساني الذي سُخِّرت من أجله عوالم هذا الكون بَرًّا وبحرًا، وما ذلك إلا لشرف التكليف الذي كُلف به، من عبادة الله، وعمارة الكون، وتزكية النفس، وإنما يَشرُف الشيء بشَرَف مقاصده ومطالبه، فإذا كان الإنسان مكلفًا بأجلِّ المطالب وأسماها فهو حقيق بأن يكون محطَّ تشريف وعناية.

وإذا كانت القاعدة تقضي بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن ما حُمِّل به الإنسان من تكليف لا يتم إلا بالحفاظ على البنيان الإنساني أولًا، ورعاية العقل البشري الذي هو مناط القيام بواجب التعمير، والحفاظ على التكوين الإنساني من جوانبه المتعددة عقلًا ونفسًا وروحًا، فإن ارتباط العقل والقلب بالسلوك الإنساني مما لا ينكره عاقل، وإنما تنشأ الأضرار المؤثرة في مسيرة الإنسانية بقدر اختلال تلك المكونات المعرفية والسلوكية، وتعتمد الأفكار الهدامة على استغلال مكون معرفي داخل العقل البشري لإحداث ذلك الخلل، والسيطرة على العقل، حتى تنتكس الفطرة، وتتولد من هذه الأفكار وظائف ومقاصد جديدة يدور عليها التكليف، تكون محقِّقة لمقاصد أصحابها، وليست مرتبطة بمراد الله، وأنوار شريعته.

ولا يخفَى على ذي بصيرة ما عانت منه مجتمعاتنا المسلمة في العقود الأخيرة من ذلك الخلل السلوكي الذي دمر العديد من المجتمعات، وسلب السكينة من قلوب الآمنين، وكان الأمر ليكون هينًا لو أن ذلك السلوك المدمر إنما نشأ عن غفلة، أو عن قلة وعي، وإنما ظهر من خلال التتبع أنه عمل مقصود، وأن له أسسًا مكتملة تعمل على تزييف الوعي، وتغييب الحقائق، من أجل قلب الحقائق الراسخة، والعمل على هدم البناء المعرفي الذي أصله علماء المسلمين على مدى قرون، ذلك البناء الذي أسسوه على نمط رفيع من أجل أن تكون العلوم والمعارف وسيلة من وسائل البناء، ترقى بالإنسان إلى تحقيق مقاصد الحق من الخلق، فتحولت على يد أصحاب تلك الأفكار الهدامة إلى وسيلة من وسائل التدمير، والحط من شأن المعرفة، وتسطيح للعلوم، وجعل المعرفة الدينية معرفة خالية من حكمة العقل، وانضباط النقل، وسكينة الروح، وهي معرفة سطحية مبتذلة، تسرع إلى تفكيك المعاني، وسلبها مضامينها، وذلك على السواء في المعاني الإنسانية المشتركة، أو المعاني الشرعية ذات الدلالات المقصودة، وتلك الجماعات المتطرفة التي تتبنى ذلك النمط لم تنجح رغم مرور عقود أن تسيطر على العقل الجمعي، أو أن تسلب الأمة حصونها الفكرية والعلمية، فلم يجدوا بدًّا أن يلجؤوا إلى الإرهاب بقوة السلاح والتخويف والردع، على أن ذلك ليس التجاء المضطر -رغم قبح هذا السلوك– ولكنه التجاء مستند إلى ذرائع لها أصولها التي قامت على اللامنهجية، وغياب العقلية العلمية، وسيطرة العقل السطحي الذي يريد جعل المعرفة عمومًا، والدينية منها خصوصًا، مشاعًا لكل من يستطيع أن يقرأ النص، ولو كان متجردًا من آليات وقواعد الإدراك، وذلك الإرهاب والعنف ليس مجرد صفة عارضة، بل هو سمة تكاد أن تكون منهجًا مستقرًّا لدى تلك التيارات، وهو ما ولد آثارًا مدمرة على صعيد طرق النظر والتفكير، وكذلك على المنحى السلوكي الذي صار أتباع تلك التيارات يتسمون به، بل هو علامة بارزة لهم، يعرفهم بها كل من كان على بصيرة، وطغت تلك الآثار على المجتمع العربي والإسلامي في العقد الأخير، حتى أشعلت فتنًا وأحقادًا، وخلفت رواسب فكرية وسلوكية كانت بمرأى ومسمع من جميع الناس، حتى وصل الأمر إلى تشويه صورة الدين لدى العالمين، وخلق حالة من الانغلاق والتأزم بين المسلمين والعالم، فضلًا عما لحق المسلمين من حرب داخلية على مطامع تتلبس بلباس الدين.

وإدراكًا من الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم لدورها في رأب الصدع الذي يلحق الفكر الديني عمومًا، والفقهي والإفتائي على وجه الخصوص، حاولت أن تقدم تصورًا عن معالم البناء الإنساني في نظر العقل العلمي المستنير، خصوصًا ما يتعلق بصناعة الإفتاء، ويؤثر فيها كأحد مكوناتها، أو روافدها، وأن تقدم نموذجًا للآثار الفكرية والاجتماعية والإنسانية التي يثمرها ذلك المنهج، متمثلةً في ذلك بعض فتاوى دار الإفتاء المصرية، باعتبارها رائدة في استثمار مقومات بناء الإنسان من خلال المنهج العلمي المنضبط.

وعلى الجانب الآخر كان من اللازم التوقف عند المقومات المسيطرة على العقل المتطرف، والتي تجعله يجنح إلى كل مظاهر العنف والتخريب، وعدم صيانة الحرمات والمقدسات، سواء كانت حرمة البشر في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، أو كانت حرمة للمناهج العلمية المستقرة، أو هدمهم للبنيان الإنساني سلوكيًّا وروحيًّا، حتى صاروا نموذجًا للتدين الجامد المتحجر الذي لا يرعى مقدسًا، ولا يحسن خُلقًا، بل يعمد إلى كل ما له احترام ديني أو وطني أو إنساني، فيحاول أن يسقطه، ويحاكمه إلى منهجيته العبثية، وهنا تظهر آثار ذلك المسلك وتنعكس على الأفراد والجماعات، حتى تهدد قيمًا راسخة كالأسرة والوطن، بل تزيف تصور غير المسلمين عن الدين الإسلامي، وتهدد قيم التعايش والتسامح، فيتأثر البناء الإنساني جملة وتفصيلًا.

ويأتي هذا البحث بعنوان: الفتوى وبناء الإنسان محاولًا تغطية بعض تلك الجوانب الفكرية، وتقديم الأسس المنهجية لبناء الوعي في عقل المسلم، في مقابل نظيرها من معاول الهدم والتخريب عند التيارات المنحرفة، وأثر كل منهما في المجتمعات، وفي تعزيز ثقافة البناء والتعمير، وترسيخ المكونات المعرفية والسلوكية الصحيحة، وقبول الاختلاف، واحترام أسس التعايش السلمي، وذلك من خلال بابين، وأربعة فصول:

الباب الأول: الفتاوى المعتدلة وبناء الإنسان، وفيه فصلان:

الفصل الأول: التأصيل المنهجي للفتاوى المعتدلة، وفيه عشرة مباحث.

الفصل الثاني: أثر دار الإفتاء المصرية في تنمية المجتمع وبناء الإنسان من خلال الفتوى المعتدلة، وفيه عشرة مباحث.

الباب الثاني: الأثر الهدام للفتاوى المتطرفة على المجتمعات، وفيه فصلان:

الفصل الأول: سمات الفتاوى المتطرفة، وفيه عشرة مباحث.

الفصل الثاني: الآثار المدمرة لفتاوى الجماعات المتطرفة، وفيه تسعة مباحث.

اترك تعليقاً