البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفصل الأول مفهوم مناهج الإفتاء

24 views

تمهيد وتقسيم:

مصطلح “مناهج الإفتاء” مركب إضافي يتكون من لفظين “مناهج” و “الإفتاء”، وحتى نوضح هذا المفهوم، نبدأ أولًا بتعريف هذين اللفظين ثم نشرع في توضيح وتعريف مصطلح “مناهج الإفتاء”.

  • المبحث الأول: مفهوم مناهج الإفتاء.
  • المبحث الثاني: “مناهج الفتوى”…النشأة والأهمية.
  • المبحث الثالث: المرتكزات التي تقوم عليها منهجية الإفتاء.

المبحث الأول

مفهوم مناهج الإفتاء

أولا: تعريف “المناهج”:

أ. تعريف المناهج لغة:

المناهج جمع منهج، و أصلها من “نهج” ، جاء في لسان العرب: “نهج: طريق نهج: بين واضح وهو النهج، وطرق نهجة …، وسبيل منهج: كنهج. ومنهج الطريق: وضحه. والمنهاج: كالمنهج…، وأنهج الطريق: وضح واستبان وصار نهجا واضحا بينا، والمنهاج: الطريق الواضح. واستنهج الطريق: صار نهجا. وفي حديث العباس: لم يمت رسول الله، ، حتى ترككم على طريق ناهجة: أي واضحة بينة”(1).

وقال في تاج العروس: “(النهج) بفتح فسكون: الطريق الواضح البين.

وطرق نهجة: واضحة كالمنهج بالكسر. وفي التنزيل: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة :٤٨] المنهاج: الطريق الواضح”(2).

إذًا ففي ضوء ما سبق يتضح لنا أن التعريف اللغوي للمنهج يدور حول الطريق البينة الواضحة، التي استبانت عن غيرها.

ب. تعريف المناهج اصطلاحا:

تختلف تعريفات العلماء حول تعريف مصطلح “المنهج” بحسب اختلاف تخصصاتهم العلمية وخلفياتهم المعرفية، وهذه بعضها:

  1. “هو فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة، إما من أجل الكشف عن الحقيقة حين نكون بهل جاهلين، وإما من أجل البرهنة عليها للآخرين حين نكون بها عارفين”(3).
  2. ” هو طريقة يختارها أحدهم للوصول إلى نتيجة معينة، فهو خطة منتظمة مسبقًا متسلسلة المراحل تهدف للوصول إلى نتيجة معينة في أي فن من الفنون”(4).
  3. “هو الطريقة التي يتعين على الباحث أن يلتزمها في بحثه، حيث يتقيد باتباع مجموعة من القواعد العامة التي تهيمن على سير البحث، ويسترشد بها الباحث في سبيل الوصول إلى الحلول الملائمة للمشكلة”(5).

ومن خلال التعريفات السابقة للمنهج يتضح لنا أنها تدور حول معنى متقارب، وهو أن المنهج عبارة عن تلك الطريق المحكومة بمجموعة القواعد والخطوات المتسلسلة المرتبة التي يتعين اتباعها للوصول إلى نتيجة أو حقيقة معينة.

ثانيا: تعريف الإفتاء:

أ.الإفتاء لغة:

الإفتاء معناه التَّبيِين والإظهار؛ يُقال: أفتاهُ في الأمرِ: إذا أبانَهُ له، وأجابهُ عنه؛ ويُقال: أَفتَيْتُ فُلانًا في رؤيا رَآها: إذا فسرها له، وأَفتيتُه في مسألته: إذا أجبتُه عنها، والاسم: الفتوى.

وقد وردت مادة الإفتاء في كتاب الله- تعالى- في أحد عشر موضعًا تحمل ذلك المعنى فيها كلها؛ كقوله تعالى: ﴿ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ﴾[الصافات: ١١]، أي: فاسألهم سؤال تقرير أَهُم أشدُّ خلقًا أم مَنْ خلقنا من الأمم السالفة؟ وقال عزَّ وجل: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ﴾[النساء :١٧٦] ، أي: يسألونك سؤال تعلُّم.

ب. الإفتاء اصطلاحًا:

الإفتاء في الاصطلاح: هو الإخبار بحكم شرعي في واقعة عن دليل لمَنْ سأل عنه من غير إلزام.

فالإفتاء في المعنى الاصطلاحي أخص من المعنى اللغوي، حيث إنه قاصر على الأمور الشرعية فقط، أما غيرها من المسائل التي يحتاج السائل فيها إلى جواب فهي لا تسمى إفتاء بالمعنى الاصطلاحي، وإن أطلق عليها بالمعنى اللغوي، كما سبق بيانه في التمهيد.

ثالثا: مفهوم “مناهج الفتوى”:

من خلال ما سبق يتضح لنا أن مفهوم مصطلح مناهج الفتوى يعني تلك الخطوات المنظمة المرتبة التي يتعين على المفتي أن يتبعها في سبيل الأخبار عن الحكم الشرعي(الفتوى) في الواقعة محل السؤال؛ للوصول إلى الفتوى الصحيحة.

فمناهج الفتوى في حقيقتها هي مجموع تلك المراحل أو تلك الخطوات الواضحة المنظمة بطريقة مرتبة ومتدرجة بحيث ينتقل المفتي من خطوة إلى أخرى ومن مرحلة إلى أخرى بحيث يصل في نهاية المطاف باتباعه لهذه الخطوات المرتبة إلى الفتوى الصحيحة من الناحية الشرعية.

ومفهوم “ـمناهج الإفتاء” يقوم على أركان أربعة:

  1. المفتي (وهو الذي يقع على عاتقه الإجابة عن سؤال المستفتي).
  2. المستفتي (وهو الذي يسأل عن واقعة معينة بغية معرفة حكم الله فيها).
  3. المنهج (وهو عبارة عن تلك الخطوات االمنظمة المرتبة التي يسلكها المفتي للوصول إلى الفتوى)، وهو ينقسم إلى شقين:

أ- “شق نظري وهو المتمثل في هذه العمليات الذهنية التي تثمر قدرًا كبيرًا من المعرفة ولكن هذا القدر يظل في حيز العقل البشري و لايستفاد به بالقدر الكافي إلا إذ انضم له الركن الثاني للمنهج ألا وهو:

ب شق التطبيق: وهو المتمثل في استخدام هذه العمليات الذهنية بما أثمرته من معرفة كوسيلة للوصول لحقيقة أو الدليل عليها(6).

  1. الفتوى (وهي المنتج النهائي والذي هو عبارة عن الإخبار بحكم الله عز وجل وفق المنهج الذي سلكه المفتي وهي مطلوب المستفتي في إرادته معرفة حكم الله).

1 لسان العرب، (٢/٣٨٣) مادة «نهج».

2 تاج العروس، (٦/٢٥١) مادة «نهج».

3 مناهج البحث العلمي، عبد الرحمن بدوي، (ص٤).

4 ينظر: مفهوم المنهج ومكوناته، إدريس بوحوت، بحث بمجلة علوم التربية المغربية، عدد. ٦٥، أبريل ٢٠١٦م، (ص١٠٢).

5 أزمة البحث العلمي في العالم العربي، عبد الفتاح خضر ،(ص١٧).

6 منهج الإمام شريح القاضي الفقهي (رسالة ماجستير)، د/عمرو الورداني، (ص١٠).

المبحث الثاني

“مناهج الفتوى”…
النشأة والأهمية

أولا: النشأة:

مما لا شك فيه أن الصحابة رضوان الله عليهم ومن جاء بعدهم من التابعين والمفتين من بعدهم، كانوا يسيرون في فتاويهم وفق منهج منظم محدد المعالم والخطوات، ولا يعني عدم وجود هذا المنهج في صورة مكتوبة عدم وجوده أصلًا كما قد يتوهم البعض.

فهذه المناهج كان موجودة في عهد الصحابة والتابعين، والذي يستقرئ فتاويهم يستطيع أن يستنبط هذه المناهج ويجدها واضحة وإن لم يصرحوا بها لفظا أو يعبروا عنها كتابة، وشأن مناهج الفتوى شأن غيرها من العلوم والمعارف التي مارسها الصحابة والتابعين، وإن لم تكن قد دونت في قرطاس.

فالغالب في شأن جميع العلوم والفنون وأن تكون أولًا في أذهان وعقول أصحابها ثم تأخذ بعد ذلك في التطور والنضج والنمو ثم التدوين الذي يعقبه التهذيب والترتيب، حتى تصل إلى صورتها النهائية، فمثلا أول من دون في قواعد و أسس مناهج الاستنباط من النص هو الإمام الشافعي في “الرسالة”، والحقيقة أنه لم يكن منشئا لهذا العلم بل كان كاشفا له جامعا أشتاته من طريق من سبقه من الصحابة والتابعين في تعاملهم مع نصوص الشرع، يقول ابن خلدون :” ومن بعده صلوات الله وسلامه عليه تعذّر الخطاب الشّفاهيّ وانحفظ القرآن بالتّواتر. وأمّا السّنّة فأجمع الصّحابة رضوان الله تعالى عليهم على وجوب العمل بما يصل إلينا منها قولا أو فعلا بالنّقل الصّحيح الّذي يغلب على الظّنّ صدقه. وتعيّنت دلالة الشّرع في الكتاب والسّنّة بهذا الاعتبار ثمّ ينزّل الإجماع منزلتهما لإجماع الصّحابة على النّكير على مخالفيهم. ولا يكون ذلك إلّا عن مستند لأنّ مثلهم لا يتّفقون من غير دليل ثابت مع شهادة الأدلّة بعصمة الجماعة فصار الإجماع دليلا ثابتا في الشّرعيّات. ثمّ نظرنا في طرق استدلال الصّحابة والسّلف بالكتاب والسّنّة فإذا هم يقيسون الأشباه بالأشباه منهما، ويناظرون الأمثال بالأمثال بإجماع منهم…، فلما انقرض السلف وذهب الصدر الأول وانقلبت العلوم كلها صناعة كما قررناه من قبل احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة فكتبوها فنا قائما برأسه سموه أصول الفقه. وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله تعالى عنه. أملى فيه رسالته المشهورة تكلم فيها في الأوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس. ثم كتب فقهاء الحنفية فيه وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها”(1).

وفي حديث معاذ بن جبل أن رسول الله  لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟»، قال: أقضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟»، قال: فبسنة رسول الله ، قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله ، ولا في كتاب الله؟» قال: أجتهد رأيي، ولا آلو فضرب رسول الله  صدره، وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول، رسول الله لما يرضي رسول الله»(2).

فحينما سأله النبي  إنما كان يسأله عن المنهج الذي يسلكه سيدنا معاذ في القضاء والفتوى، فأخبره بالخطوات المنظمة المرتبة التي يتبعها في القضاء والفتوى، وهي كالآتي:

  • أولًا: البحث عن المسألة في كتاب الله.
  • ثانيًا: إن لم يجدها في كتاب الله يبحث عنها في سنة رسول الله.
  • ثالثًا: إن لم يجدها في الكتاب أو السنة ينتقل إلى الخطوة الثالثة والأخيرة وهي بذل الوسع والجهد في إعمال عقله ورأيه للوصول إلى النتيجة الصحيحة قدر الإمكان، وهو ما عبر عنه بقوله: أجتهد رأيي ولا آلو، أي: لا أقصر، فتلك الخطوات والإجراءات التي ذكرها سيدنا معاذ هي ما يسمى بالمنهج.

إذًا فالصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم من التابعين كانوا لا يسيرون خبط عشواء، بل كان لديهم مجموعة من القواعد والأصول التي يتعاملون بها مع النصوص للاستنباط والفهم، وما فعله الإمام الشافعي في كتابه “الرسالة” ما هو إلا كشف و إجلاء لهذا المنهج، وليس إنشاءً و اختراعًا، إن هذا المنهج “تلوح بوادره الأولى منذ عهد علماء صحابة رسول الله ، ومن حفظت عنهم الفتوى منهم كعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، كانت كاللمحة الخاطفة والإشارة الدالة، ثم زادت وضوحًا عند علماء التابعين كالحسن البصري وسعيد بن المسيب وابن شهاب الزهري والشعبي وقتادة السدوسي و إبراهيم النخعي، ثم اتسع الأمر واستعلن جلة الفقهاء والمحدثين من بعدهم ، كمالك بن أنس و أبي حنيفة…، ثم استقر تدوين الكتاب فصار نهجًا مستقيمًا، وكالشمس المشرقة نورًا مستفيضًا عند الكاتبين جميعًا”(3).

ثانيا: أهمية معرفة مناهج الفتوى:

  1. توضيح الأصول والأسس والقواعد التي كان يتبعها الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم في الاستنباط والفهم من النصوص الشرعية ومن ثم معرفة معالم المنهج الإفتائي الذي كانوا يترسمونه.
  2. تكمن أهمية المنهج أيضًا في وجود مرجعية أساسية ومعيارية يمكن الرجوع والتحاكم إليها للتخطئة والتصويب.
  3. حفظ الفتوى الشرعية من الخطأ والشذوذ والزلل؛ وذلك ببيان الخطأ والانحراف المنهجي الذي قد يسلكه غير المتخصصين والمنحرفين عن جادة الصواب.
  4. لا يلزم أن يكون المنهج الصائب واحدًا بل قد تتعدد المناهج الصائبة، كتعدد مناهج الاستنباط لدى المدارس الفقهية الأربعة المشهورة المتبوعة.
  5. إن دراسة المناهج بعناية وعمق يساهم كثيرًا في الإثراء المعرفي والتراكمية المعرفية، بحيث يصلح أن يكون هذا نقطة انطلاق في عمليتي التجديد والاجتهاد بتحديد الثوابت والمتغيرات.

ونختم كلامنا عن أهمية المنهج، بتبيين مدى حرص النبي  أن يعرف تلك المنهجية التي يسير عليها من يرسله إلى الأمصار من القضاة والمفتين كما في حديث معاذ السابق ،، قال ابن رسلان في شرحه لسنن أبي داود: “وفي الحديث: دليل على أن الإمام الأعظم إذا كان في بلد فعليه أن يبعث القضاة إلى الأمصار غير بلده، كما بعث النبي عليًّا قاضيًا إلى اليمن، وأن من بعث قاضيًا، فإن لم يكن يعلمه، أو شك في أمره فيمتحنه بما يتعلق من العقود والأحكام، كما امتحن النبي  معاذًا حين بعثه”(4).

1 ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر (ص٥٧٣) وما بعدها.

2 رواه أبو داود في سننه، (ح٣٥٩٢)، ورواه الترمذي في سننه، (ح١٣٢٧).

3 رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، محمود شاكر (ص٢٤).

4 شرح سنن أبي داود، (١٤/٦٤٧).

المبحث الثالث

المرتكزات التي تقوم عليها منهجية الإفتاء

وضع العلماء مجموعة من الدعائم والمرتكزات الأساسية التي هي من الأصول التي تقوم عليها منهجية الإفتاء؛ وهذه الدعائم توجد سياجًا حول المنهجية يحميها من الانحراف بها عن جادة الصواب وعدم تأثرها بالهوى والتعصب المذموم، وسنتناول في هذا المبحث أهم هذه المرتكزات في النقاط التالية:

الركيزة الأولى: اختيار المفتي المؤهل:

إن اختيار المفتي المؤهل يعتبر هو الركيزة الأساسية في عملية الإفتاء برمتها، فهو حجر الزاوية الذي بإعداده و حسن تأهليه تستقيم العملية الإفتائية؛ لذلك حظى اختيار المفتي باهتمام بالغ من أهل العلم، فكتبوا باستفاضة عن “أهلية المفتي” و”شروط المفتي”، و “آداب بالمفتي”، وإذا طالعنا كتب الأصوليين وجدناها لا تخلوا- غالبا- من الحديث حول أهمية المفتي وشروطه و آدابه وغير ذلك مما يتعلق بالمفتي، بل إن بعض أهل العلم قد أفردوا مصنفات مستقلة لتتناول هذا الأمر كالنووي وابن الصلاح و السيوطي و ابن حمدان غيرهم كما سبق وأشرنا إليه في التمهيد عند حديثنا عن علوم الإفتاء.

وإذا نظرنا إلى هذه الشروط و الآداب التي وضعها العلماء لاختيار المفتي، وجدنا أنها في مجملها بعضها يتناول الجوانب الأخلاقية والسلوكية للمفتي، والبعض الأخر يتحدث عن الجوانب العلمية والمهارية له.

ونحن الآن لسنا بصدد الحديث عن هذا الشق (شروط المفتي و اختياره للفتوى) إنما نحن بصدد إلقاء الضوء على أهمية مكانته و خطورتها، لأنه هو الذي يقع على عاتقه عبء وجهد الوصول إلى الفتوى الشرعية الصحيحة وفق المنهج الإفتائي الصحيح، فهو الذي سيقوم باستخلاص السؤال من المستفتي ثم القيام بتصوره تصورًا صحيحًا وتكييفه تكييفًا شرعيًا ملائمًا إلخ الخطوات…، ومع هذا يقوم بالاستنباط أو التخريج من المصادر الشرعية، ويراعي الموازنة بين المصالح والمفاسد والأعراف وحال المستفتي وغير ذلك، كل هذا يقع العبء فيه على المفتي وحده، لذلك فلا عجب من كل هذا الاهتمام البالغ الذي نجده في كتب العلماء من بسط الكلام حول هذا المسألة الخطيرة، يقول الشاطبي: “المفتي قائم في الأمة مقام النبي ، والدليل على ذلك أمور:

أحدها: النقل الشرعي في الحديث: “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم”…”، وقال في موضع آخر: ” الثالث: أن المفتي شارع من وجه؛ لأن ما يبلغه من الشريعة؛ إما منقول عن صاحبها، وإما مستنبط من المنقول؛ فالأول يكون فيه مبلغا، والثاني يكون فيه قائما مقامه في إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع، فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاده؛ فهو من هذا الوجه شارع، واجب اتباعه والعمل على وفق ما قاله، وهذه هي الخلافة على التحقيق، بل القسم الذي هو فيه مبلغ لا بد من نظره فيه من جهة فهم المعاني من الألفاظ الشرعية، ومن جهة تحقيق مناطها وتنزيلها على الأحكام، وكلا الأمرين راجع إليه فيها؛ فقد قام مقام الشارع أيضا في هذا المعنى، وقد جاء في الحديث: “أن من قرأ القرآن؛ فقد أدرجت النبوة بين جنبيه”، وعلى الجملة؛ فالمفتي مخبر عن الله كالنبي، وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي، ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي”(1).

فالمفتي قائم مقام النبي في الأمة ومخبر عن الله تبارك وتعالى وموقع عنه، يقول ابن القيم: “وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض و السماوات؟.

فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به؛ فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب؛ فقال تعالى: ﴿ ﮱ ﯓ ﯔﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﴾ [النساء: ١٢٧]، وكفى بما تولاه الله تعالى- بنفسه شرفا وجلالة؛ إذ يقول في كتابه: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﴾ [النساء: ١٧٦]، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسئول غدا وموقوف بين يدي الله”(2).

الركيزة الثانية: إدراك أهمية الفتوى وخطرها:

نظرًا لأهمية الفتوى وخطرها فقد وضع أهل العلم جملة من الآداب والأخلاق والسلوكيات -هي بمثابة منهج- ينبغي على المفتي أن يراعيها ويلتزمها بغية الوصول للفتوى الصحيحة وحفظًا من الانحراف بالفتوى عن جادة الصواب و الوقوع في الخطأ؛ لأن الفتوى في نهاية الأمر هي منتج بشري قد يعتريه ما يعتري البشر من أخطاء و أهواء و تعصب وما إلى ذلك، يقول النووي: “اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر كبير الموقع كثير الفضل لأن المفتي وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقائم بفرض الكفاية لكنه معرض للخطأ”(3).

ومن هنا كانت تلك الآداب والقواعد التي انتهجها أهل العلم، والتي من أهمها:

أ- التثبت في القول وقول “لا أعلم”:

على المفتي أن يتريث في فتواه و أن يقلبها من كل جوانبها ووجوهها، مستبصرًا لعواقبها ومآلاتها، فلا يندفع بالإجابة و لا يتسرع بها قبل أن يتثبت من الفتوى، وهذا التسرع ليس من البراعة والإتقان في شيء، بل حكم عليه العلماء بالحرمة، وأرشدوا المستفتين إلى اجتناب من كان هذا دأبه ومنهجه في الفتوى، يقول النووي : “يحرم التساهل في الفتوى ومن عرف به حرم استفتاؤه، فمن التساهل أن لا يتثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر”(4).

فعد الإمام النووي عدم التثبت والتسرع في الجواب نوعا من التساهل المحرم، ويقول ابن حمدان: “يحرم التساهل في الفتوى، واستفتاء من عرف بذلك؛ إما لتسارعه قبل تمام النظر والفكر، أو لظنه أن الإسراع براعة، وتركه عجز ونقص”(5).

فإذا أعمل المفتي نظره وفكره في المسألة و لم يكن يعلم جوابها أو لم يترجح لديه شيء فيها، فليقل ” لا أعلم” أو “لا أدري”، فإن هذا لا يحط من قدره أو ينقص من مكانته، و هذا ما كان يفعله كبار العلماء من أمة سيدنا محمد  والراسخون في العلم منهم سلفًا وخلفًا، يقول ابن الجوزي: ” وكانوا رضي الله عنهم يكثرون من قول: لا أدري…، قال علي بن أبي طالب عليه السلام: وابردها على الكبد! إذا سئل أحدكم عن ما لا يعلم، أن يقول: لا أعلم . عن عقبة بن مسلم، قال: صحبت ابن عمر أربعةً وثلاثين شهراً، وكان كثيراً ما يسئل، فيقول: لا أدري، و سئل الشعبي عن شيء، فقال: لا أدري، فقيل له: أما أن تستحيي من قولك لا أدري وأنت فقيه أهل العراق؟ قال: لكن الملائكة لم تستحي حين قالت: {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}، وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: كان أبي يستفتى، فيكثر أن يقول: لا أدري، وعن محمد بن عجلان، قال: لا أدري جُنة العالم، فإذا أغفلها أوشك أن تصاب مقاتله”(6)، قال ابن أبي ليلى: “أدركت عشرين ومائة من الأنصار، من أصحاب رسول الله  يسأل أحدهم عن المسألة، فتردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: “من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه. فهو مجنون، وقال الهيثم بن جميل: “شهدت مالكا سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في ثنتين وثلاثين منها: لا أدري” وقيل: “ربما كان يسأل عن خمسين مسألة، فلا يجيب في واحدة منها” وقال أبو الذيال: “تعلم “لا أدري”، فإنك إن قلت “لا أدري”؛ علموك حتى تدري، وإن قلت “أدري”؛ سألوك حتى لا تدري” ، وسئل الشافعي -رحمه الله-عن مسألة، فسكت. فقيل: ألا تجيب؟ فقال: “حتى أدري الفضل في سكوتي، أو في الجواب”(7).

لذلك اعتبر العلماء أن الذي يسارع بالفتوى ويبتدر الإجابة عليها بدون روية يتنكبه الحق والصواب، يقول الخطيب البغدادي: “وقل من حرص على الفتوى , وسابق إليها , وثابر عليها إلا قل توفيقه , واضطرب في أمره , وإذا كان كارها لذلك غير مختار له , ما وجد مندوحة عنه , وقدر أن يحيل بالأمر فيه على غيره , كانت المعونة له من الله أكثر , والصلاح في فتواه وجوابه أغلب”(8).

ب- المشاورة في الفتوى:

تعتبر المشاورة في الفتوى من أهم الركائز الأساسية التي وضعها العلماء للمحافظة على منهجية الفتوى الصحيحة؛ حيث إنه كلما كان هناك أكثر من عقل يتحاور ويتشاور للوصول إلى الفتوى الصحيحة الصائبة كان ذلك أبعد عن الخطأ وهوى النفس، وهذا المنهج هو منهج سلفنا الصالح- رضوان الله عليهم-، يقول ابن حمدان: “يستحب أن يقرأ ما في الورقة على الفقهاء الحاضرين الصالحين لذلك ويشاورهم في الجواب ويباحثهم فيه وإن كانوا دونه وتلامذته إقتداء برسول الله  والسلف الصالح”(9).

فمنهجية المشاورة في الفتوى كانت حاضرة في أذهان السلف الصالح رضوان الله عليهم ومارسوا هذا تطبيقًا و عملًا كما أثر عنهم، فقد سار على هذا المنهج أبوبكر وعمر وسائر الخلفاء الراشدين، فقد أورد البيهقي في سننه عن ميمون بن مهران، قال: ” كان أبو بكر رضي الله عنه إذا ورد عليه خصم نظر في كتاب الله ، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به بينهم , فإن لم يجد في الكتاب , نظر: هل كانت من النبي  فيه سنة؟ فإن علمها قضى بها ، وإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين فقال: ” أتاني كذا وكذا , فنظرت في كتاب الله , وفي سنة رسول الله  , فلم أجد في ذلك شيئا , فهل تعلمون أن نبي الله  قضى في ذلك بقضاء؟”, فربما قام إليه الرهط فقالوا: ” نعم , قضى فيه بكذا وكذا ” , فيأخذ بقضاء رسول الله  “. قال جعفر وحدثني غير ميمون أن أبا بكر رضي الله عنه كان يقول عند ذلك: “الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا صلى الله عليه وسلم”، وإن أعياه ذلك دعا رءوس المسلمين وعلماءهم , فاستشارهم , فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به “(10).

وعلى هذا النهج سار عمر بن الخطاب ومن بعده من الخلفاء الراشدين أيضا، فقد روى أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه: “عن عبيد الله بن رفاعة بن رافع، عن أبيه رفاعة بن رافع حدثنا أبو بكر قال: بينا أنا عند عمر بن الخطاب إذ دخل عليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة، فقال عمر: علي به، فجاء زيد، فلما رآه عمر قال: أي عدو نفسه، قد بلغت أن تفتي الناس برأيك، فقال: يا أمير المؤمنين، بالله ما فعلت، لكني سمعت من أعمامي حديثا فحدثت به، من أبي أيوب، ومن أبي بن كعب، ومن رفاعة، فأقبل عمر على رفاعة بن رافع، فقال: وقد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم من المرأة، فأكسل لم يغتسل، فقال: “قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله ، فلم يأتنا من الله تحريم، ولم يكن من رسول الله  فيه نهي، قال: رسول الله  يعلم ذاك؟ قال: لا أدري، فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار، فجمعوا له فشاورهم، فأشار الناس أن لا غسل في ذلك، إلا ما كان من معاذ وعلي، فإنهما قالا: «إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل» فقال عمر: هذا وأنتم أصحاب بدر وقد اختلفتم فمن بعدكم أشد اختلافا، قال: فقال علي: يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد أعلم بهذا من شأن رسول الله  من أزواجه، فأرسل إلى حفصة فقالت: لا علم لي بهذا، فأرسل إلى عائشة، فقالت: «إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل» فقال عمر: لا أسمع برجل فعل ذلك إلا أوجعته ضربا”، قال جعفر: وحدثني ميمون أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يفعل ذلك , فإن أعيا أن يجد في القرآن والسنة ، نظر: هل كان لأبي بكر رضي الله عنه فيه قضاء؟ فإن وجد أبا بكر رضي الله عنه قد قضى فيه بقضاء قضى به، وإلا دعا رءوس المسلمين وعلماءهم، فاستشارهم , فإذا اجتمعوا على الأمر قضى بينهم “(11).

وقد بلغ من أهمية المشاورة عند سيدنا عمر رضي الله عنه أنه كان يستشير من يرجو عنده علمًا أو نفعًا، صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى، فعن يوسف بن الماجشون، قال: قال لنا ابن شهاب أنا وابن أخي , وابن عم لي ، ونحن غلمان أحداث , نسأله عن الحديث: “لا تحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم, فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم, يبتغي حدة عقولهم”.(12)

عن ابن سيرين، قال: إن كان عمر رضي الله عنه ليستشير في الأمر، حتى إن كان ليستشير المرأة، فربما أبصر في قولها , أو الشيء يستحسنه , فيأخذ به “(13).

وكان سيدنا عثمان رضي الله عنه إذا جلس على المقاعد جاءه الخصمان فقال لأحدهما: اذهب ادع عليا، وقال للآخر: اذهب ادع طلحة والزبير ونفرا من أصحاب النبي  , ثم يقول لهما: ” تكلما ” , ثم يقبل على القوم فيقول: “ما تقولون؟ ” , فإن قالوا ما يوافق رأيه أمضاه , وإلا نظر فيه بعد , فيقومان وقد سلما”(14).

وهذا المنهج لم يقتصر على الخلفاء الراشدين فقط ممن تولوا مسئولية الحكم، بل كان منهجًا مطردًا لكل من تصدر للفتوى من الصحابة رضوان الله عليهم ،حتى أننا نجد الصحابة كانوا يجمعون للمشاورة في الفتوى العدد الكثير، فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: “أدركت عشرين ومائة من الأنصار، من أصحاب رسول الله  يسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذ إلى هذا حتى ترجع إلى الأول”.

وعن أبي حصين الأسدي أنه قال: “إن أحدكم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر”.(15)

إذًا فالمشاورة في الفتوى أمر راسخ في منهجية المسلمين منذ سلفنا الصالح وحتى عصرنا الحاضر، ومارسوها تطبيقًا وعمليًا في تلك المجالس الإفتائية التي كان يعقدها الخلفاء و القضاة وولاة الأمور، و”مجالس الشورى” –قديمًا-في الأندلس مشهورة ومعروفة، ومن التطبيقات العملية المعاصرة للفتوى الجماعية ، المؤسسات الإفتائية ، والمجامع الفقهية ، ولجان الفتوى.

ج- ضمان المفتي:

يعد من مظاهر إدراك أهمية الفتوى وعظم شأنها زجر غير المؤهلين للفتوى والإنكار عليهم إذا انتصبوا وتصدروا بغير علم فأدى هذا إلى إتلاف مال أو هلاك نفس، بل يصل في بعض الأحيان إلى تضمينهم قيمة ما أتلفوه وأفسدوه، وقد استند أهل العلم في ذلك إلى ما يلي:

  1. ففي حديث صاحب الشجة، والذي أفتاه الناس-بغير علم ولا تخصص-بالغسل من الجنابة فأدى ذلك إلى هلاكه ووفاته، فغضب النبي غضبًا شديدًا، وقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب -شك موسى-على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده».(16)

قال ابن رسلان: “وفيه أن الجهل داء عضال، فينبغي أن يُطلب دَواؤه، وهو سؤال أهل العلم، وأي داء أدوى مِنَ الجهل؟! قال اللهُ تعالى: ﴿ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﴾”. وقال النبي : «من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه» رواه ابن ماجه.(17)

  1. وجاء في الحديث عن النبي ، والذي رواه أبو داود وغيره: «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ»؛ فغير المتخصص أو الجاهل بعلم الطب إذا امتهن هذه المهنة وترتب على ذلك ضرر للمريض ضمن هذا الضرر ذلك المتصدر غير المتخصص، يقول المناوي: “(من تطبب ولم يعلم منه طب) أي من تعاطى الطب ولم يسبق له تجربة، ولفظ “التفعل” يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بكلفة ككونه ليس من أهله (فهو ضامن) لمن طبه بالدية إن مات بسببه؛ لتهوره بإقدامه على ما يقتل، ومن سبق له تجربة وإتقان لعلم الطب بأخذه عن أهله فطب وبذل الجهد الصناعي فلا ضمان عليه”(18).

وهذا ما عليه جمهور أهل العلم أن المتصدر لصناعة أو مهنة إن لم يكن عليًما بها ممارسًا لها متخصصًا فيها ضمن ما ترتب على ذلك من ضرر و إتلاف من مال أو نفس، قال ابن رسلان: “(من تطبب) أي: تعاطى علم الطب وتعدى بمعالجة المريض بما يقتل غالبًا، فحصل منه التلف في النفس أو العضو (ولا يعلم منه) معرفة، ولم يعلم منه (طب) ولا يكون ذا درجة وسطى من معرفة حقيقة الطب وأنواعه، وأقسام أمراضه، ويشخص داء العليل، ومعرفة المفردات وطبائعها (فهو ضامن) لما أتلفه… يدخل في تعاطي الطب طب الآدميين وطب البهائم، وهو البيطرة، وربما دخل فيه طب الأديان، فمن تعاطى المشيخة وجلس لها ولا يعرف أمراض القلوب، فربما وقع منه الفساد.

وكذا كل من تعاطى علمًا لا يعرفه، كمن تعاطى خياطة الملبوس مثلًا وفصل قماشًا وخاطه وهو لا يعرفه، فإنه يكون ضامنًا لما أفسده، وهذِه مصيبة قد عمت، فنسأل اللَّه العافية.

وهذا الحديث يتناول من تطبب بوصفه وقوله كالطبائعي، وبمروده وهو الكحال، وبمبضعه ومراهمه كالجرائحي، وبموساه وهو الحالق، وبريشته وهو الفاصد، وبمحاجمه كالحجام، وبخلعه ووصله كالمجبر، وبقربته كالحاقن، واسم الطبيب يقع على هؤلاء كلهم”(19)

  1. يقول معمر: “سمعت الزهري يقول كلاما معناه إن كان البيطار أو المتطبب أو الختان غر من نفسه وهو لا يحسن فهو كمن تعدى يضمن”(20).

وقد تناول الفقهاء في كتبهم مسألة (ضمان المفتي)، ويقصدون بذلك إذا ترتب على فتوى المفتي إتلاف مال أو هلاك نفس للمستفتي، ولها صورتان:

الصورة الأولى: أن تكون المسألة مما يسوغ الاجتهاد والاختلاف فيها، والمفتي حينئذ لا يخلوا من حالين:

  • أن يكون مؤهلًا، وحينئذ لا ضمان عليه؛ لأنه في كل الأحوال مجتهد مأجور.
  • أن يكون غير مؤهل (مقلدًا)، فحينئذ يضمن؛ لتعديه.

الصورة الثانية: أن تكون المسألة مما لا يسوغ الاختلاف والاجتهاد فيها، وأيضًا لا يخلوا المفتي حينئذ من حالين:

  • أن يكون مؤهلًا، فالراجح أن عليه الضمان.
  • أن يكون غير مؤهل، فالظاهر أن عليه الضمان إذا كان مُنَصَّبًا رسميًّا للفتوى في البلاد وباشر تنفيذ الفتوى بنفسه، وإلا -بأن لم يكن مُنَصَّبًا رسميًّا للفتوى-فلا ضمان عليه، بل يكون الضمان على المستفتي المقصر في تحري سؤال من هو أهل للفتوى.

قال الحطاب الرعيني: «إن من أتلف بفتواه شيئًا وتبين خطؤه فيها، فإن كان مجتهدًا لم يضمن، وإن كان مقلدًا ضمن إن انتصب وتولى فعل ما أفتى فيه وإلا كانت فتواه غرورًا قوليًّا لا ضمان فيه ويزجر، وإن لم يتقدم له اشتغال بالعلم أُدِّبَ»(21).

وقد نقل النووي في المجموع عن أبي إسحاق الإسفرائيني: «إذا عمل بفتواه في إتلاف فبان خطؤه وأنه خالف القاطع فعن الأستاذ أبي إسحاق أنه يضمن إن كان أهلًا للفتوى ولا يضمن إن لم يكن أهلًا؛ لأن المستفتي قصر كذا حكاه الشيخ أبو عمر وسكت عليه»(22)، وقد استشكله النووي وعقب عليه قائلًا: «هو مشكل، وينبغي أن يخرج الضمان على قولي الغرور والمعروفين في بابي الغصب والنكاح وغيرهما، أو يقطع بعدم الضمان إذ ليس في الفتوى إلزام ولا إلجاء”(23)

د- الرجوع عن الفتوى:

من تلك القواعد و الضوابط الهامة أنه إذا أفتى المفتي بفتوى ثم تبين له خطأ تلك الفتوى ومجانبتها للصواب فعليه حينئذ أن يعدل عن فتواه الخاطئة ويرجع عنها إلى الحق والصواب الذي تبين له، وأسباب رجوع المفتي عن فتواه كثيرة استفاض أهل العلم في ذكرها في كتبهم، ولعل أهمها: مخالفته لنص صريح من الكتاب أو صحيح من السنة أو مخالفته الإجماع القطعي أو الجلي من القياس.

وقد استأنس أهل العلم لوجوب رجوع المفتي عن فتواه إذا تبين له خطؤها بما كتبه سيدنا عمر رضي الله عنه إلى عامله في البصرة سيدنا أبي موسى الأشعري:” لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل”(24).

وتحت عنوان “باب رجوع المفتي عن فتواه إذا تبين له أن الحق في غيرها” ذكر الخطيب البغدادي جملة من المرويات تبين كيف كان سلف هذه الأمة يثوبون إلى الحق، ويبحثون عن كل من يأخذ بيدهم إليه، ونذكر منها ما يلي:

عن أبي هريرة , أنه قال: «كنت حدثتكم أن من أصبح جنبا فقد أفطر , فإنما ذلك من كيس أبي هريرة , فمن أصبح جنبا فلا يفطر».

عن ابن عمر أنه رجع عن قوله في دفع الزكاة إلى السلطان , وقال: «ضعوها مواضعها».

وعن محمد بن أحمد بن الحسن بن زياد أن الحسن بن زياد, وهو اللؤلؤي استفتي في مسألة فأخطأ, فلم يعرف الذي أفتاه, فاكترى مناديا ينادي: أن الحسن بن زياد استفتي يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ فمن كان أفتاه الحسن بن زياد بشيء فليرجع إليه , فمكث أياما لا يفتي , حتى وجد صاحب الفتوى , فأعلمه أنه قد أخطأ , وأن الصواب كذا وكذا.

ثم عقب الخطيب البغدادي على هذه الآثار بقوله: “فإن كان قد بان للمفتي أنه خالف نص كتاب أو سنة أو إجماع وجب نقض العمل بها وإبطاله”(25).

الركيزة الثالثة: الالتزام بالموضوعية واجتناب الهوى والتعصب:

من أهم الأسس التي ينبغي للمفتي أن يتغياها للوصول إلى الفتوى الصحيحة الصائبة إلتزام الموضوعية والحيادية بغية الوصول إلى الحق، ونبذ التعصب واجتناب الهوى ، وهذا المنهج هو “منهج الإنصاف” وهو المنهج الذي كان يتبعه السلف الصالح –رضوان الله عليهم- ومن بعدهم من التابعين، وقد تمثل هذا المنهج واضحًا صريحًا في أقوال و أفعال الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة المتبوعة، حيث قد تواتر عنهم ما يدل على تشبثهم بهذا المنهج وعدم الحيدة عنه قيد أنملة، وما حدث من بعض الأتباع من الخروج عن هذا المنهج إنما هو شذوذ لا يقاس عليه ولا يلتفت إليه، ونقتبس من أقوال الأئمة الأربعة ما يؤكد أنهم جميعا بغيتهم الوصول إلى الحق:

فيقول أبو حنيفة: “إذا قلت قولاً يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول  فاتركوا قولي” ويقول: “لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه (26)

ويقول الإمام مالك: “ليس أحد بعد النبي  إلا ويؤخذ من قوله ويترك ، إلا النبي صلى الله عليه وسلم “، وقال ابن وهب : سمعت مالكاً سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء ؟ فقال : ليس ذلك على الناس . قال فتركته حتى خف الناس ، فقلت له : عندنا في ذلك سنة ، فقال : وما هي ؟ قلت : حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال : رأيت رسول الله  يدلك بخنصره مابين أصابع رجليه . فقال : إن هذا الحديث حسن ، وما سمعت به قط إلا الساعة . ثم سمعته بعد ذلك يسأل ، فيأمر بتخليل الأصابع .(27)

ويقول الشافعي: “ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله  وتعزب عنه ، فمهما قلت من قول ، أو أصًّلت من أصل ، فيه عن رسول الله  خلاف ما قلت، فالقول ما قال رسول الله  ، ويقول: “إذا صح الحديث فهو مذهبي”(28)

وعن الإمام أحمد بن حنبل: “لا تكتبوا عني شيئاً ولا تقلدوني ولا تقلدوا فلانا وفلانا، وخذوا من حيث أخذوا”، وقال بعضهم: “لا تقلدوا دينكم الرجال، إن آمنوا آمنتم وإن كفروا كفرتم”(29).

لذلك كان من المقطوع به أن الأئمة رضوان الله عليهم ما تعمدوا ترك حديث للنبي  يدلهم إلى الصواب والحق ، وقد أوضح ذلك ابن تيمية في كتابه “رفع الملام عن الأئمة الأعلام” وأفاض فيه، وبين أوجه و أسباب الاختلاف بينهم يقول: “وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة -المقبولين عند الأمة قبولا عاما- يتعمد مخالفة رسول الله  في شيء من سنته؛ دقيق ولا جليل، إنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول . وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك, إلا رسول الله . ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه, فلا بد له من عذر في تركه. وجميع الأعذار ثلاثة أصناف:

  • أحدها: عدم اعتقاده أن النبي قاله.
  • والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.
  • والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ”(30).

ومن تجليات ومظاهر هذا المنهج عند الأئمة، ترسيخ قيم و آداب الاختلاف؛ بل والنظر إليه على أنه رحمة وسعة بأمة المصطفى ، يقول السيوطي:” إن اختلاف المذاهب في هذه الملة خصيصة فاضلة لهذه الأمة وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة فكانت الأنبياء قبل ذلك تبعث بشرع واحد وحكم واحد، لم يكن فيها تخيير في كثير من الفروع التي شرع فيها التخيير في شريعتنا…، فمن سعتها أن كتابها أنزل على سبعة أحرف ، يقرأ بأوجه ، والكل كلام الله عز وجل ووقع فيها الناسخ والمنسوخ ؛ ليعمل بهما جميعا في هذه الملة ، وبالجملة فكأنه عمل فيها بالشرعين جميعًا، ووقع فيها بالتخيير بين أمرين، شرع كل منهما في ملة: كالقصاص والدية، فكأنها جمعت الشريعتين معًا وزادت حسنًا بشرع ثالث وهو التخيير الذي لم يكن في أحد من الشريعتين.

فكانت المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة كل مأمور بها في هذه الشريعة، كأنها عدة شرائع بعث النبي  بجميعها، وفي ذلك توسعة زائدة لها وفخامة عظيمة لقدر النبي  وخصوصية له على سائر الأنبياء؛ حيث بعث كل منهم بحكم واحد وبعث هو  في الأمر الواحد بأحكام متنوعة، يحكم بكل منها ينفذ ويصوب قائله ويؤجر عليه ويهدي به ، وهذا معنى لطيف فَتَح الله به، يستحسنه كل من له ذوق و إدراك لأسرار الشريعة”(31).

الركيزة الرابعة: مراعاة مآلات الفتوى:

يعتبر فقه إدراك الواقع ركنًا أساسيًا من الإفتاء؛ حيث يدخل في عملية الإفتاء بكل مراحلها: (التصور، التكييف، الحكم، التنزيل)، يقول ابن القيم: “ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:

أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما.

والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان قوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر؛ فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا؛ فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع و التفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله”(32).

والحقيقة أن المفتي حتى تكون فتواه صائبة لابد وأن يدرك المتغيرات الكثيرة الحاصلة في عالم الواقع بما لها من تأثيرات وتفاعلات في علم الإفتاء، فينبغي على المفتي أن يكون مدركًا لعالم الواقع بما يحويه من (أشخاص وأحداث وأفكار وأشياء) والنظم التي تربط بين هذه العوالم المختلفة.

لذلك كان من أهم الأمور التي ينبغي أن يراعيها المتصدر للفتوى كمظهر من مظاهر إدراك واقع الفتوى معرفته مآلات الفتوى أي: أنه يلاحظ قبل جوابه ما يترتب على فتواه من آثار عند تطبيقها، وذلك من خلال إدراك واقع السؤال، وحال السائل، مع مراعاة المقاصد الشرعية، يقول الشاطبي في الموافقات: “النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى المفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم مشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة”(33).

واعتبار المآل ومراعاته له أصل من الكتاب والسنة وفعل الصحابة رضوان الله عليهم:

ففي الكتاب يقول الله تعالى:﴿ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﴾ [الأنعام: ١٠٨]

وسبب نزولها: أن كفار قريش قالوا لأبي طالب: إما أن ينتهي محمد وأصحابه عن سب آلهتنا والغض منها؛ وإما نسب إلهه ونهجوه؛ فنزلت الآية، فأمسك المسلمون عن سب آلهتهم، فظاهر الآية وإن كان نهيا عن سب الأصنام، فحقيقته النهي عن سب الله، لأن سب معبوداتهم من الأصنام كان سببا لأن يسبوا الله تعالى، فلما كان هذا المآل من أعظم المفاسد نهاهم المولى سبحانه عن ذلك اعتبارا لما يؤول إليه.

ومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه: عَنْ عَائِشَةَ –رضي الله عنها- قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ : «لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَتِ الْبَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفًا»(34)

واستنبط الإمام النووي من هذا الحديث مراعاة ما تؤل إليه الأمور، فقال: “وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام، منها إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم؛ لأن النبي أخبر أن نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم  مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه؛ وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريبا، وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة فيرون تغييرها عظيما فتركها ”(35).

ومن فعل الصحابة: جمع القرآن الكريم في عهد سيدنا عثمان بن عفان –رضي الله عنه- على مصحف واحد، وحرق سائر المصاحف، وترك القراءات الأخرى مع ما فيها من مصلحة التيسير في حفظ القرآن إلا أن مفسدة البقاء عليها أعظم؛ لأنها كانت بابا لاختلاف المسلمين في القرآن فأغلقه سيدنا عثمان بمحضر من الصحابة.

أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أيوب عن أبي قلابة قال: “لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، قال أيوب: لا أعلمه إلا قال: حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان فقام خطيبا فقال: أنتم عندي تختلفون فيه فتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافا وأشد لحنا، اجتمعوا يا أصحاب محمد واكتبوا للناس إماما”(36).

ومثل جمع القرآن في مصحف واحد إسقاط حد السرقة، ومنع سهم المؤلفة قلوبهم، و غير ذلك من الأمور التي كان فيها اعتبار المآلات.

1 الموافقات،(٥/ ٢٥٣) وما بعدها.

2 إعلام الموقعين عن رب العالمين (٢/ ١٦، ١٧).

3 آداب الفتوى والمفتي والمستفتي (ص١٣).

4 آداب الفتوى المفتي والمستفتي (ص٣٧).

5 صفة الفتوى والمفتي والمستفتي (ص٣١).

6 تعظيم الفتيا، ابن الجوزي (ص٨٣-٨٩).

7 صفة الفتوى والمفتي والمستفتي (ص١٣٥) وما بعدها.

8 الفقيه والمتفقه،(٢/ ٣٥٠).

9 صفة الفتوى والمفتي والمستفتي (ص٥٨).

10أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، رقم (٢٠٣٤١).

11 أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، رقم (٩٤٧).

12 أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، رقم (٢٠٣٣١).

13 أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، رقم (٢٠٣٣٢).

14 أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ، رقم (٢٠٣٢٦).

15 أدب المفتي والمستفتي (ص٧٥، ٧٦).

16 سبق تخريجه.

17 شرح سنن أبي داود (٢/٦٤٤).

18 فيض القدير شرح الجامع الصغير (٦/١٠٦)

19 شرح سنن أبي داود (١٨/٥٧)

20 ينظر: الاستذكار لابن عبد البر (٨/٦٣).

21 حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/٢٠).

22 المجموع شرح المهذب (١/٤٥، ٤٦)

23 المجموع شرح المهذب (١/٤٦).

24 أخرجه الدارقطني في سننه، رقم (٤٤٧١) .

25 راجع الفقيه والمتفقه (٢/ ٤٢١) وما بعدها.

26 انظر: إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار، صالح الفلاني (ص٥٣، ٦٢).

27 الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم (١/ ٣١، ٣٢).

28 تاريخ دمشق لابن عساكر (٥١/ ٣٨٩).

29 مختصر المؤمل في الرد إلى الأمر الأول لأبي شامة(ص٦١، ٦٢).

30 رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ابن تيمية (ص٩).

31 انظر: جزيل المواهب في اختلاف المذاهب، السيوطي (ص٢٧-٢٩).

32 ينظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٦٩).

33 الموافقات (٥/١٧٧)

34 أخرجه مسلم (ح ١٣٣٣).

35 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ،النووي (٩/٨٩).

36 المصاحف ، ابن أبي داود (ص٩٥).

اترك تعليقاً