البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

الفصل الثاني: محاور صناعة الإفتاء

30 views

هناك مجموعة من المحاور و المرتكزات التي تعتمد عليها صناعة الفتوى، وهذه المحاور هي بمثابة سياج يحمي هذه الصناعة من الفوضى والعبث، ويكفل لها أن تسير في إطار المنهج الذي أراده لها الشرع، وفي هذا الفصل نتحدث عن هذه المحاور وفق المباحث الآتية:.

  • المبحث الأول: صناعة المفتي المؤهل.
  • المبحث الثاني: التخصص الإفتائي.
  • المبحث الثالث: الإفتاء الجماعي.
  • المبحث الرابع: تنظيم الفتوي.

المبحث الأول

صناعة المفتي المؤهل

يُعد المتصدر للفتوى رأس الأمر وعموده في العملية الإفتائية؛ فهو المخبر عن حكم الله تعالى لعباده، وأحكام الله تعالى قد تكون ظاهرة واضحة بحيث يتمكن المفتي من إظهارها بسهولة، وقد تكون خفية تحتاج في إظهارها وبيانها للمستفتي إلى جهد فكري وإعمال لقواعد الاستنباط، أي أن المفتي يحتاج إلى مؤهلات خاصة حتى تحصل له أهلية الإفتاء.

وفي عصرنا الحاضر كثرت القضايا الفقهية والنوازل العصرية فما من يوم يمر إلا ويتم الإعلان عن كشف علمي جديد، وهذا نتيجة منطقية للتطور الذي يصاحب المجتمعات في ظل الثورة التكنولوجية الهائلة، وللمفتي دور رئيس إزاء تلك القضايا والمستجدات ففي الدول التي تتخذ الإسلام منهاجًا يعتبر الحكم الشرعي في تلك القضايا بمنزلة القول الفصل فيها، وهذه القضايا لا تحتاج إلى مفتٍ من النوع العادي بل تحتاج إلى مفتٍ يتمتع بملكات مميزة وإلى الإلمام بمبادئ العلوم الحديثة.

وهذه المؤهلات الخاصة ترجع إلى جملة الشروط التي اشترط العلماء القدامى توافرها في المفتي، وينضم إليها في هذا العصر شروط أخرى، ويمكن اعتبار هذه الشروط جميعًا ضوابط ومعايير لاختيار من يتصدر للإفتاء.

ضوابط ومعايير اختيار مَن يتصدر للإفتاء:

بعد الاتفاق على أن المفتي لا بد أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا فإن الشروط التي ينبغي توافرها فيمن يتصدر للإفتاء يمكن أن تتوزع على الجوانب التالية:

  1. الجانب الأخلاقي والسلوكي.
  2. الجانب العلمي والثقافي.
  3. الجانب المهاري.

وفيما يلي بيان هذه الجوانب بشيء من التفصيل:

أولًا: الجانب الأخلاقي والسلوكي:

١- الورع:

وتدل عبارات أهل العلم على أنه: ترك كل ما فيه ضرر واقع أو مقدَّر من المحرمات أو بعض الأمور التي هي من المباحات لكنَّ فيها شائبة أو اشتباهًا قد يجنح بها إلى جهة المحرمات.

وذكر ابن القيم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم اختصر الورع في كلمة واحدة فقال: «وقد جمع النبي  الورع كله في كلمة واحدة. فقال: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه” فهذا يعم الترك لما لا يعني من الكلام والنظر والاستماع والبطش والمشي والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة. فهذه الكلمة كافية شافية في الورع»(1).

ولقد كان ديدن الصحابة رضي الله عنهم الاجتهاد في الورع وترك المشتبهات وكثير من المباحات خشية الوقوع في الحرام، حتى قال بعضهم: «كنا ندع سبعين بابًا من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام».

ومحل الورع الصحيح الورع عن المحرمات وعن المباحات التي فيها شائبة الحرمة، أما الورع فيما لا مضرة فيه مطلقًا أو فيما نفعه راجح فهو خلاف الجادة، ولا يُحمد عليه صاحبه.

ولقد شرط أهل العلم هذا الشرط فيمن يتصدر للإفتاء منهم الإمام النووي فقد قال: «وينبغي أن يكون المفتي ظاهر الورع مشهورًا بالديانة الظاهرة والصيانة الباهرة، وكان مالك رحمه الله يعمل بما لا يلزمه الناس ويقول: لا يكون عالمًا حتى يعمل في خاصة نفسه بما لا يلزمه الناس مما لو تركه لم يأثم، وكان يحكي نحوه عن شيخه ربيعة»(2).

فلم يكتفوا بتحقيق المفتي لأصل الورع بل لا بد أن يكون هذا الورع ظاهرًا عليه مشتهرًا به.

وهناك دلائل وأمور يُعرف بها التزام المفتي بالورع، ويُقاس بها مدى تحريه للحق في فتاويه وأحكامه، من أهمها ما يأتي:

أ- استشعار عظمة مقام الفتوى وخطورتها والخوف من القول على الله بغير علم:

ومما يعينه على تحقيق ذلك استحضاره وقوفَه بين يدي الله تعالى يوم القيامة ومُساءلته إياه عن هذه الفتوى فعليه ألَّا يورط نفسه في موضع لا يجد منه بعد ذلك مخرجًا.

قال ابن المنكدر: «إن العالم يدخل فيما بين الله وبين عباده فليطلب لنفسه المخرج».

ب-استشعار أنه وارث مقام النبي :

فإن العلماء ورثة الأنبياء كما جاء في الحديث المشهور، وعلى الوارث نصيب من المسئولية التي على المورِّث.

ج-ترك الإفتاء فيما لا يعلمه:

فمن دلائل الورع وعلاماته أن يترك المفتي الإفتاء فيما لا علم له به ويَكِل علمه إلى الله سبحانه؛ فينجو من القول على الله بغير علم.

قال الإمام أحمد: سمعت الشافعي قال: سمعت مالكًا قال: سمعت ابن عجلان قال: «إذا أغفل العالم: لا أدري، أُصيبت مقاتله».

د-التثبت عند الإفتاء في المشتبهات وعدم التسرع:

وذلك لاشتباه الحق فيها بالباطل؛ فإذا أفتى فيها بالظن فلا يدري أيصيب فيها حكم الله أم لا فيمنعه الورع عن الإقدام على ذلك.

والفرق بين هذه والتي قبلها أنه في هذه يعلم الحكم الأصلي للمسألة إلا أنه لم يتيقن من انطباقها على المسألة المسئول عنها، أما في الأولى فليست لديه إحاطة بالحكم الأصلي للمسألة.

وقد كان السلف الصالح يجتمعون عند نزول الأمور المشتبهة حتى ينظروا فيها. قال أبو حصين: «إن أحدهم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر».

ومما يمكن إلحاقه بهذا الباب أيضًا: عدم الإجابة بجواب عام قد يحتمل عدة صور مختلفة عند طرح السؤال. قال ابن القيم رحمه الله : «إذا كان السؤال محتملًا لصور عديدة؛ فإن لم يعلم المفتي الصورة المسئول عنها لم يجب عن صورة واحدة منها، وإن علم الصورة المسئول عنها فله أن يخصها بالجواب، ولكن يقيد لئلا يتوهم أن الجواب عن غيرها فيقول: إن كان الأمر كيت وكيت، أو كان المسئول عنه كذا وكذا؛ فالجواب كذا وكذا، وله أن يفرد كل صورة بجواب؛ فيفصل الأقسام المحتملة، ويذكر حكم كل قسم»(3).

هـ-التحرر من شهوات النفس:

فلا تكون فتواه صادرة لغرض دنيوي أو شهوة زائلة، سواء كانت طلب رئاسة أو شهرة، أو تملقًا لمستفتٍ وتساهلًا معه ومحاولة لتبرير ما قد يقع فيه من طوام؛ لأجل أن يبذل له شيئًا من فتات الدنيا وزخرفها، أو لأجل أن يدخر له تلك اليد لما يُستقبل من الأيام، إلى غير ذلك من الأغراض.

ومما يلحق بهذا الباب أن يفتي المفتي على حسب ما يوافق مذهبه واتجاهه، سواء كان اتجاهًا سياسيًّا أو فكريًّا أو عرقيًّا ونحوها، وذلك أن الورع يحمل المفتي على أن يفتي بما يرضاه الله ويقبله من الأحكام، ولا يهمه رضاء الناس بذلك الأمر أو مخالفتهم له.

و-عدم التصريح في الحكم بلفظ التحليل والتحريم:

ومن ورع المفتي أنه لا يُطْلِق على الأحكام التي يستنبطها باجتهاده وصف التحليل والتحريم الصريح، بل يختار من الألفاظ ما يدل على المنع أو على الجواز من غير تصريح، وعلى هذا سار أئمة السلف في القرون الأولى.

وقد ذكر ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عن مالك بن أنس أنه قال: «لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا، ولا أدري أحدًا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك وإنما كانوا يقولون: نكره هذا ونرى هذا حسنًا، ونتقي هذا ولا نرى هذا»(4).

قال الشاطبي: «وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحًا أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام. ويتحامون هذه العبارة خوفًا مما في الآية من قوله: ﴿ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙﯚ ﴾ [النحل: ١١٦] وحكى مالك عمن تقدمه هذا المعنى. فإذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها: أكره هذا، ولا أحب هذا، وهذا مكروه. وما أشبه ذلك، فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط، فإنه إذا دل الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة فمن أين يعد فيها ما هو مكروه كراهية التنزيه؟»(5).

٢-العدالة:

وهي صفة تحمل صاحبها على لازمة التقوى والمروءة، وتجعله موضع ثقة الناس، ويكون ذلك باجتناب الكبائر، وأن يترك من الصغائر ما يدل على نقص الدين.

وقد أجمع العلماء على أن العدالة شرط لقبول الفتوى وليست شرطًا للأهلية.

٣-سعة الأفق:

ينبغي ألا يكون المفتي متعصبًا لمذهبه، بل يرى أن الحق قد يكون مع غيره في مسألة كما كان معه في مسألة غيرها؛ فإنَّ المفتي المتعصِّب لقوله أو قول من يقلده يوصد باب الفهم والاستيعاب لأقوال الآخرين مما يضيِّع أو يُضعف جودة الفتوى وقوتها.

٤-الذكاء والفطنة:

فهما لازمان لدى متصدر الفتوى بحيث يستطيع أن يفهم السؤال جيدًا ويتصوره، ثم يقوم بتكييفه من الناحية الفقهية ثم بيان الحكم الشرعي، فكل مرحلة من هذه المراحل تتطلب أن يكون المفتي ذكيًا فطنًا ذا ذهن صاف حتى يسهل عليه هذا الأمر.

٥-حسن السمت والوقار:

إذ كلما تحلَّى المتصدر للفتوى بحسن السمت والظاهر كان هذا أدعى للمستفتي أن يُقبل عليه، فمما لا شك فيه أن الوقار والمظهر الطيب عنصر مؤثر ومهم عند الناس.

ثانيًا:الجانب العلمي والمعرفي:

  1. أن يكون عالمًا بكتاب الله؛ لأنه الأصل الأول للتشريع، فيعلم ناسخه ومنسوخه، وخاصه وعامه، ومطلقه ومقيده، ومكيه ومدنيه، وأسباب نزول الآيات، وتوقيت نزولها، وغير ذلك مما يتعلق بعلوم القرآن.
  2. أن يكون على معرفة بالسنة النبوية، بأنواعها من الفعل والقول والتقرير، ويستطيع أن يميز بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة، والمقبولة والمردودة.

وعليه أيضًا أن يوجه مزيد اهتمامه إلى أحاديث الأحكام؛ فقد توجد أحاديث بعيدة عن مجال الأحكام في الظاهر ولكن المفتي يستنبط منها من الأحكام ما قد يفوت غيره، ولا يشترط حفظها عن ظهر قلب بل يكفي أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه وقت الحاجة إلى الفتوى.

  1. أن يعرف مواضع الإجماع، لكي لا يخالفها؛ لأن في الإجماع العصمة وإحقاق الحق، وما يخالفه يكون باطلًا قطعًا والباطل غير مقرر شرعًا، والمقصود بالإجماع ما ليس فيه خلاف يستند إلى دليل شرعي.

ولكن لا يلزم المفتي حفظ جميع مواضع الإجماع بل كل مسألة يفتي فيها فينبغي أن يعلم أن فتواه ليست مخالفة للإجماع إما بموافقة مذهب عالم، أو تكون الواقعة متولدة في العصر ليس لأهل الإجماع فيها خوض.

  1. أن يكون عالمًا باللغة العربية، فالقرآن نزل بلسان عربي فصيح، والقدرة على التعاطي مع الأدلة وقوة الاستنباط منها تتوقف على الإلمام باللغة وعلومها، من علوم الصرف والنحو والبلاغة ومباحثها، ومعاني الألفاظ ودلالاتها، وغير ذلك.
  2. أن يكون متضلِّعًا بعلم أصول الفقه، وهو العلم بتلك القواعد التي يُتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من نصوص الكتاب الكريم والسنة الشريفة، ويُعد التمكن من هذا العلم من أهم الأدوات التي تمكِّن المتصدر للإفتاء من الوصول إلى المراد الإلهي بصورة علمية منضبطة، ومن أهم أبواب الأصول التي يحتاجها المفتي: باب القياس وما يتعلق به، لأن القياس قاعدة الإفتاء، ومن لا يعرف القياس لا يتمكن من الاستنباط.
  3. أن يكون ملمًّا بعلم القواعد الفقهية، وبقدر الإحاطة به يعظم قدر المفتي ويشرف، وتتضح مناهج الفتوى وتُكشف، وإلمام المتصدر للفتوى بهذه القواعد يكفيه في كثير من الأحيان مئونة الرجوع إلى المدونات الفقهية لمعرفة مراد الشرع إزاء جملة حسنة من المسائل والقضايا.

وحاجة مفتي العصر إلى هذا العلم ماسة جدًّا كحاجته إلى أصول الفقه؛ لأن المستجدات الفقهية لا نص فيها من الشرع فيحتاج فيها إلى إعمال القواعد الفقهية للتخريج والإلحاق، بل منها ما يكون دليلًا قاطعًا في الإفتاء إذا جرى مجرى التعبير عن دليل أصولي، أو اقتبس من نص حديثي صحيح، ولا تكاد تخلو فتوى معاصرة من الانبناء على قاعدة فقهية.

  1. أن يكون على معرفة بالأسس والمبادئ العقلية والنقلية التي تمكِّن المرء من الدفاع عن حمى هذا الدين العظيم ونصرته وبيان ضرورته للبشرية في كل زمان ومكان؛ فقد بات واضحًا أن التحديات التي تواجه الأمة أفرادًا ودولًا في العصر الراهن لم تعد تحديات داخلية فحسب، ولكنها تحديات خارجية ترمي إلى استئصال عقيدة الإسلام في النفوس بشتى الطرق والوسائل، مما يجعل من الضروري تمكن المتصدر للإفتاء من أصول الدين ومبادئه، وقدرته على توظيف الحجج والدلائل المقنعة في الدفاع عن عقيدة الإسلام وتعاليمه أمام هذه الهجمات المنظمة ضد الوجود الإسلامي.

كما أن تمكنه من المعرفة الدقيقة بالديانات الأخرى وأصولها وما تضمه من أفكار من شأنه أن يمكِّنه من الدفاع عن الإسلام، ودحض الاتهامات التي توجه ضده من لدن المتعصبين من أتباع الديانات الأخرى المنافسة لدين الإسلام وتعاليمه السمحة.

وهذا الشرط يتأكد فيمن يتصدر للإفتاء في فتاوى الشبهات.

  1. أن يكون على علم بآداب الجدل والمناظرة، وهذا الفن قد يعدُّه البعض شرطًا تحسينيًّا، وحلية زائدة في المتصدر للفتوى، ولكن الحقيقة أن الإلمام به واجب مضيق في حق مفتي العصر؛ لأن من صميم دوره الدفاع عن فتواه وبيان رجحانها، لاسيما إذا انبرى لها المخالف بالرد وكرَّ عليها بالنقض.
  2. أن يكون على علم بمقاصد الشريعة، وهو العلم بالحِكَم والمعاني والأسرار التي من أجلها شَرَع الشرعُ الأحكامَ تحقيقًا لمصلحة العباد، ومعرفة هذه المقاصد تعصم المفتي من الوقوع في الزلل وآفة ضرب نصوص الشرع بعضها ببعض؛ إذ إن عدم التمكن في هذه المعرفة يدفع المرء إلى الاهتمام بالجزئيات على حساب الكليات، مما ينتهي به إلى الإساءة إلى تعاليمه من حيث يظن الإحسان إليها، كما أن هذه المعرفة تجعل المفتي يستحضر عند إفتائه مآلات الأفعال، كما يلتفت إلى الاعتداد بمبدأ الموازنة بين المصالح والمفاسد المترتبة على تصرف من التصرفات سواء في الإقدام أو الإحجام.
  3. أن يكون المتصدر للإفتاء ملمًّا ببعض الأساسيات العامة والقواعد الكلية التي تشتمل عليها العلوم المعاصرة على قدر المستطاع، باعتبارها تقدم تفسيرًا معقولًا وتحليلًا دقيقًا للظواهر المحيطة بالإنسان، وخاصة تلك الظواهر النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقانونية التي تؤثر في حياة الإنسان، ويؤثر فيها الإنسان سلبًا أو إيجابًا، وقد أصبحت هذه الظواهر علومًا قائمة بذاتها فهناك علم النفس وعلم السياسة وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد وعلم القانون وغير ذلك.

ولئن كان من المتفق عليه حاجة المتصدر للفتوى إلى معرفة الناس والواقع الذي يعيشون فيه فإن التمكن من هاتين المعرفتين يتطلب الإلمام بمبادئ هذه العلوم التي تشتمل على مبادئ وحقائق تعين المفتي على حسن تفهم الإنسان وتفهم الواقع الذي يعيش فيه، مما يمكِّن المفتي من حسن التعامل مع الواقعات المختلفة.

فكيف يتسنى للفقيه أن يفتي في قضايا الإجهاض والتحكم في جنس الجنين وغير ذلك من المستجدات إذا لم يكن لديه قدر من المعرفة بما كشفه العلم الحديث عن الحيوانات المنوية الذكرية والبويضة الأنثوية وقضية الجينات وعوامل الوراثة إلخ هذه القضايا العلمية.

  1. أن يطَّلع من يتصدر للإفتاء على قوانين الدولة لا سيما بالمجال الذي يتخصص في الإفتاء فيه.

فالقوانين الوضعية في البلاد الإسلامية في مجملها لا تختلف عن مقررات الشريعة الإسلامية،

وكل قانون لا يخالف الشريعة فهو من الشريعة، وقد نص الدستور المصري –مثلًا- على أن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.

فعلى المفتي ألا يخالف بفتواه نصوص القانون إذا اختارت من الآراء الفقهية ما يحقق المصلحة ويرفع الخلاف؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف.

ثالثًا: الجانب المهاري:

هناك مجموعة من المهارات التي لها أثرها في الصنعة الإفتائية، وهي مهارات يكتسبها المفتي تعينه على سلوك الطريق الصواب في اجتهاده، وتجعل الفتوى وفق منهجية علمية سليمة ومنضبطة، ويمكن تقسيم هذه المهارات إلى ثلاثة أنواع كما يأتي:

  • النوع الأول: مهارات تتعلق بالتعامل مع النصوص والأدلة الشرعية فهمًا وتنزيلًا.
  • النوع الثاني: مهارات تتعلق بفقه الواقع وإدراك المستجدات.
  • النوع الثالث: مهارات تتعلق بفقه حال المستفتي.

ونعرض لهذه المهارات فيما يأتي بإيجاز غير مخل:

النوع الأول: مهارات تتعلق بالتعامل مع النصوص والأدلة الشرعية فهمًا وتنزيلًا:

١- مهارة تنزيل النص على الواقع:

فلابد أن يفهم المفتي النصوص فهمًا دقيقًا، ولا يتأتى ذلك إلا بمعرفة الملابسات التي سيق فيها الكلام وجاء بيانًا لها وعلاجًا لظروفها، حتى يتحدد المراد من هذا الكلام بدقة؛ فلا يجري المفتي وراء ظاهر غير مقصود.

وقد ذكر العلماء أن مما يعين على حسن فهم القرآن معرفة أسباب النزول حتى لا يقع المفتي فيما وقع فيه بعض الغلاة كالخوارج ممن أخذوا الآيات القرآنية التي نزلت في المشركين وطبَّقوها على المسلمين.

ويتأكد هذا الأمر بالنسبة للسنة النبوية فإن أسباب ورود الحديث مطلب مهم لمن يريد فهم وتفسير السنة، التي فيها من الخصوص والتفاصيل ما ليس في القرآن الكريم.

ولذلك كان على المفتي الماهر ألا يتشبث بحرفية النص وحدها مُغْفِلًا ما وراءها من مقاصد وملابسات لها تأثيرها في معرفة الحُكم، وبدون ذلك ستزل الأقدام وتضل الأفهام ويذهب الناس بعيدًا عما قصده الشارع الحكيم.

٢- مهارة البحث عن مقصد الشارع من النص قبل إصدار الفتوى أو الحكم:

فإن من المهم لكل مجتهد سواء كان كليًّا أو جزئيًّا، في أي مسألة من المسائل أن يعرف مقصد الشارع فيما أمر به أو نهى عنه، وذلك حتى يكون حكمه في المسألة حكمًا صحيحًا؛ لأن المقصد الشرعي له دخل كبير في توجيه الحكم بالوجوب أو الاستحباب في المأمورات، وفي التحريم أو الكراهة في المنهيات، وفي الحكم بالحِل أو الإباحة فيما عدا ذلك؛ فلا يُتصور أن يكون الشيء من الضروريات التي لا تقوم الحياة إلا بها ثم يكون حكمه هو مجرد الاستحباب ناهيك عن الإباحة، أو يكون الشيء من التحسينات أو ما يسميه الناس في عصرنا بالكماليات ثم يكون حكمه الفرضية المُلزمة.

٣- مهارة إعمال القواعد الفقهية في فهم النصوص واستنباط الأحكام:

والقواعد الفقهية هي أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تتضمن أحكامًا تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها.

ولقد فطن أهل العلم المتقدمون لأهمية القواعد الفقهية بالنسبة لمن رام حصول ملكة الاجتهاد وتحصيل منزلة الفتوى، من ذلك قول الإمام القرافي: «وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، ويشرف ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف، فيها تنافس العلماء وتفاضل الفضلاء، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى وانتهى العمر ولم تقض نفسه من طلب مناها، ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب»(6).

النوع الثاني: مهارات تتعلق بفقه الواقع وإدراك المستجدات:

١- مهارة الرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص:

وهم الخبراء ذوو الاختصاص والمعرفة بحقائق الأشياء التي يتقنونها، ويستطيعون تقديم التقارير عما يُسألون عنه في علومهم أو فنونهم.

فالأطباء في شتى تخصصاتهم في الأمراض والمسائل الطبية، والمهندسون في المساحات والأبنية ونحوها، والفلكيون في المواقيت ونحوها، والاقتصاديون في الاقتصاد والمالية وهكذا.

والمراد بالرجوع إلى أهل الخبرة في تحقيق مناط الفتوى أن يقرر أهل الخبرة في كل تخصص بحسبه ثبوت مناط الحكم في الواقعة أو القضية المسئول عنها.

وهو ضابط مكمل لضابط تصور المسألة، بل هو أحد أدواته ومن أهم الوسائل الموصلة إلى ذلك في كثير من المسائل الطبية والاقتصادية والسياسية.

وقد عد مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة عشرة أن من شروط الإفتاء: الرجوع إلى أهل الخبرة في التخصصات المختلفة لتصور المسألة المسئول عنها كالمسائل الطبية والاقتصادية ونحوها.

وقد أعمل المجمع هذا الضابط في كثير من المسائل المستحدثة، ومن أمثلة ذلك: رجوعه إلى الأطباء المتخصصين في التعرف على حقيقة التلقيح الصناعي وغيرها من المسائل الطبية التي لا يملك أعضاء المجلس أدوات تصورها، وكذلك رجوعه إلى المتخصصين الاقتصاديين والمصرفيين لاسيما في بعض المعاملات المصرفية.

وقد جاء النص على هذا الضابط في كلام المتقدمين؛ منهم قول السرخسي الحنفي في المبسوط): «وإنما يرجع إلى معرفة كل شيء إلى من له بصر في ذلك الباب، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﴾ [النحل: ٤٣]»(7).

٢- مهارة اعتبار اختلاف العوائد والأعراف عند إصدار الفتاوى:

وقد عبَّر عن أهمية امتلاك هذه المهارة أحسن تعبير الإمام القرافي فقال مخاطبًا من يتصدر الإفتاء في كتابه الفروق): «فمهما تجدد في العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك واسأله عن عرف بلده وأَجْرِهِ عليه وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك؛ فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين»(8).

وقد لاحظ أصحاب المذاهب الفقهية اعتبار العرف في ابتناء الأحكام والفتاوى التي يستند في تنزيلها على العوائد والأعراف، وعلى أساس ذلك وضعوا العديد من القواعد التي تبيِّن منزلة العرف في توجيه الأحكام والفتاوى حيث قالوا: «الثابت بالعرف كالثابت بدليل شرعي»، و«الثابت بالعرف كالثابت بالنص»، و«المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا»، و«استعمال الناس حجة يجب العمل بها». وكل هذه القواعد تندرج تحت قاعدة كلية وهي «العادة محكَّمة».

وفي الفتاوى الهندية: «ولكل أهل بلد اصطلاح في اللفظ فلا يجوز أن يفتي أهل بلد بما يتعلق باللفظ من لا يعرف اصطلاحهم»(9).

وبناءً على ذلك فإنه يلزم المفتي السؤال عن عُرف المستفتي السائل ومقصوده من ألفاظ أهل بلدته، وعلى مستوى العادات فإنه على المفتي أن يتحقق من أفعال الناس ومعاملاتهم فيما بينهم؛ فهذا أحد المفتين القدماء كان يذهب إلى الصباغين ويسأل عن معاملاتهم وما يديرونها فيما بينهم، ومفتي هذا العصر أولى أن يتحقق من معاملات الناس وأفعالهم في أماكن عملهم ومصانعهم وشركاتهم حتى تكون فتواه صحيحة.

٣- مهارة مراعاة فقه الواقع ومسايرة روح العصر وحاجته:

فينبغي على المفتي الماهر أن يراعي عند اجتهاده في النازلة تغير الواقع المحيط بهذه النازلة، سواء كان تغيرًا زمانيًّا أو مكانيًّا أو تغيرًا في الأحوال والظروف؛ لأن كثيرًا من الأحكام الشرعية الاجتهادية تتأثر بتغير الأوضاع والأحوال الزمنية والبيئية؛ ومن أجل هذا أفتى الفقهاء المتأخرون من شتى المذاهب الفقهية في كثير من المسائل بعكس ما أفتى به أئمة مذاهبهم وفقهاؤهم الأولون، وصرح هؤلاء المتأخرون بأن سبب اختلاف فتواهم عمن سبقهم هو اختلاف الزمان وفساد الأخلاق في المجتمعات؛ فليسوا في الحقيقة مخالفين للسابقين من فقهاء مذاهبهم، بل لو وُجِد الأئمة الأولون في عصر المتأخرين، وعايشوا اختلاف الزمان وأوضاع الناس لعدلوا إلى ما قال المتأخرون، وعلى هذا أُسست القاعدة الفقهية «لا يُنكر تغير الأحكام بتغير الأزمان».

٤- مهارة مراعاة نصوص القانون في الدولة:

فمن مهارات المفتي ألا يخالف بفتواه نصوص القانون إذا اختارت من الآراء الفقهية ما يحقق المصلحة ويرفع الخلاف؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف؛ وذلك إذا كانت نصوص القانون في مجملها لا تخالف الشريعة الإسلامية.

٥- مهارة المعرفة بالوسائل والتقنيات الحديثة:

فإن من أهم سمات عصرنا الحاضر ظهور الأجهزة الحديثة والوسائط الإلكترونية التي تيسر سبل البحث والنظر، كأجهزة الحاسب الآلي ببرامجها المتقدمة، والأقراص الحاسوبية التي تحوي آلاف الكتب والمصادر، وشبكة الإنترنت وما تتضمنه من الوسائل المعينة على البحث كقواعد المعلومات ومحركات البحث التي يمكنها استقراء وجمع أغلب المعلومات المتعلقة بالمسألة المطلوبة، إضافة إلى الأجهزة الأخرى التي لا غنى عنها في العصر الحاضر كالآلات الحاسبة ووسائل الاتصال الحديثة ونحوها.

وقد نص قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم ١٠٤ (٧/١١) بشأن الاستفادة من النوازل على أنه ينبغي للمتصدرين للفتيا مواكبة أحوال التطور الحضاري الذي يجمع بين المصلحة المعتبرة والالتزام بالأحكام الشرعية.

ويمكن للمجتهد أن يستعين بهذه الوسائل في جوانب متعددة من أهمها: معرفة حقيقة النازلة التي يريد أن يحكم فيها، فإنه يمكن من خلال شبكة الإنترنت تكوين تصور واضح عن حقيقة المسألة وماهيتها، كما تتيح هذه الوسائل الحديثة للمجتهد أن يتواصل مع نظرائه بشكل مباشر مهما تباعدت المسافات ونأت الديار.

وينبغي الاعتماد على تلك الوسائل الحديثة إذا توافرت ضوابط من أهمها ما يلي:

أ- أن تكون لدى العالم الخبرة الكافية في استخدام هذه الوسائل وكيفية التعامل معها والاستفادة منها.

ب- أن تكون مصادر المعلومات فيها موثوقة، ويمكن للمجتهد التحقق من ذلك إذا اتصفت بأمرين:

  • الأول: أن تكون صادرة من جهة متخصصة معروفة بالأمانة والدقة في هذا المجال.
  • الثاني: أن تحظى هذه المصادر بتزكية أهل الخبرة، بمعنى أن يشهد لها أهل العلم بكونها موثوقة وصحيحة في الجملة.

ج- عدم الاعتماد عليها والاكتفاء بها وإهمال المصادر الأصلية؛ فإن في ذلك إخلالًا بالأمانة العلمية.

النوع الثالث: مهارات تتعلق بفقه حال المستفتي:

١- مهارة مراعاة مصلحة المستفتي:

وذلك لأن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد.

والمصلحة المقصودة هي المصلحة الشرعية، وهي: المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسبهم وأموالهم طبق ترتيب معين فيما بينها.

وعلى المتصدر للإفتاء أن يعلم أن المصالح التي تحققت في زمن مضى ليس بالضرورة أن تتحقق اليوم، وذلك لأن النصوص الشرعية منها ما هو منشئ للمصلحة ومنها ما هو مبني عليها؛ فالأول ثابت والثاني متغير، والأول لا يتأثر بالتغيير في مستجدات الأحداث والأزمنة والعوائد والأعراف، والثاني يتأثر.

وقد بيَّن هذا الإمام ابن القيم فقال: «الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه. والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالًا، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها؛ فإن الشارع ينوِّع فيها بحسب المصلحة»(10).

٢- مهارة اعتبار المآل عند إصدار الفتوى:

ويقصد باعتبار المآل: النظر فيما يمكن أن تئول إليه الأفعال والتصرفات والتكاليف موضوع الاجتهاد والفتوى والتوجيه، وإدخال ذلك في الحسبان عند الحكم والفتوى.

وقد نبَّه العلماء على هذه المهارة قديمًا وحديثًا، وأكدوا على أهميتها في انضباط الفتوى وسلامة الحكم الشرعي، يقول الإمام الشاطبي: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يئول إليه ذلك الفعل، مشروعًا لمصلحة فيه تُستجلب، أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى المفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم مشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة»(11).

وعلى ذلك فإن الحكمة لا تقتضي من المفتي التطبيق الآلي للأحكام دون النظر لما قد يئول إليه ذلك التطبيق وما يسببه من تداعيات قد تعود على المقاصد الشرعية بالنقض، بل هو محكوم بأصل النظر في المآلات الواقعة أو المتوقعة. وعلة ذلك أن العمل قد يكون مشروعًا لكن يُنهى عنه لما يئول إليه من المفسدة، أو ممنوعًا لكن يُترك النهي عنه لما في ذلك من المصلحة.

وبدون النظر إلى المآلات والعواقب التي قد تلحق بالحكم تحصل الإساءة للشريعة والمجتمع؛ فكم من فتاوى خرجت من غير مراعاة للمآلات أدت إلى انتهاك حرمات وانهيار مجتمعات؛ فعلى ذلك تكون حاجة المجتمعات إلى فقه المآلات حاجة ملحة لتصحح سيرها من خلال قراءة المستقبل وما يحمل من تداعيات وعواقب.

٣- مهارة التغليظ والتيسير بحسب حال المستفتي:

فمن المهارات التي ينبغي على المفتي أن يتحلى بها مهارة قراءة حال المستفتي، والتغليظ أو التيسير عليه بما يصلح شأنه، وبما فيه مصلحته؛ فالمفتي هنا يقوم بدور الطبيب المعالج؛ فإذا رأى أن المصلحة أن يفتي العامي بما فيه تغليظ وهو مما لا يعتقد ظاهره وله فيه تأويل جاز ذلك زجرًا له، ويُستأنس لذلك بما أورده النووي في آداب الفتوى والمفتي والمستفتي عن ابن عباس رضي الله عنهما فقد رُوي عنه أنه سئل عن توبة القاتل فقال: لا توبة له، وسأله آخر فقال: له توبة. ثم قال: أما الأول فرأيت في عينه إرادة القتل فمنعته، وأما الثاني فجاء مستكينًا قد قتل فلم أقنطه(12).

وللمفتي طريق آخر في هذا الشأن، وهو أن ينقل للمستفتي النصوص المغلظة من الكتاب والسنة يجعلها جوابًا للسؤال، وإن كان يرى أنها ليست على ظاهرها بل هي مخصصة أو مرجوحة، كقوله تعالى: ﴿ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﴾ [النساء: ٩٣]، وكذلك إن كان المقام يستدعي تهوين الأمر على المستفتي والتيسير عليه كالموسوس فيخبر بما يدل على سقوط الحرج، وكالتائب النادم الراجع عن كبائر المعاصي الذي يستعظم أن يتوب الله عليه فهو قانط من رحمة الله فيخبر بسعة رحمة الله وعظيم توبته لمن تاب وآمن وعمل صالحًا.

٤- مهارة تسهيل عرض المعلومات للمستفتي:

لقد اشترط الفقهاء أن تكون الفتوى الشرعية مفهومة للمستفتي؛ لأن حُسن عرض الفتوى وسهولة طرحها يعين على فهم الأحكام الشرعية المشتملة عليها ومن ثم تقبُّلها.

يقول الإمام النووي: « إذا كان المستفتي بعيد الفهم فليرفق به ويصبر على تفهم سؤاله وتفهيم جوابه فإن ثوابه جزيل»(13).

ومن باب تسهيل عرض المعلومات على المستفتين عدم إدخالهم في تفاصيل بعض المسائل الخلافية مما يشتت عقولهم ويحير ألبابهم، ويجعلهم يظنون أنهم بالخيار بين هذه الأقوال؛ فصاروا يبحثون عن القول الأسهل بزعمهم ويتركون ما دل عليه الدليل، ولقد نبه على ذلك كثير من الفقهاء.

قال ابن تيمية: «والواجب أمر العامة بالجمل الثابتة بالنص والإجماع، ومنعهم من الخوض في التفصيل الذي يوقع بينهم الفرقة والاختلاف فإن الفرقة والاختلاف من أعظم ما نهى الله عنه ورسوله»(14).

فينبغي على من يتصدر للفتوى أن يراعي فهم المستفتين فيعرض لكلٍّ بما يناسبه من الأسلوب؛ لأن الناس تتباين ثقافاتهم وتختلف طرق تلقيهم للمعلومات؛ فلابد أن يكون المفتي فطنًا لذلك حتى لا يوقع الناس في حرج من جراء عدم فهم ما يلقى إليهم من أحكام.

٥- إرشاد المستفتي إلى المخارج الشرعية المخلصة من الإثم:

من مهارات المفتي إرشاد المستفتي إلى المخارج الشرعية والحلول المباحة المخلصة له من المآثم؛ وذلك لأن المفتي لو أفتى بحرمة فعل المستفتي وتركه ولم يدلَّه على البديل الشرعي لذلك فإنه سوف يتركه حائرًا لا يعرف ماذا يصنع.

ولقد أشار إلى هذا ابن القيم فقال: «من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه وكانت حاجته تدعوه إليه، أن يدله على ما هو عوض له منه، فيسد عليه باب المحظور، ويفتح له باب المباح، وهذا لا يتأتى إلا من عالم ناصح مشفق قد تاجر الله وعامله بعلمه، فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء يحمي العليل عما يضره، ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان، وفي الصحيح عن النبي  أنه قال: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم»، وهذا شأن خلق الرسل وورثتهم من بعدهم»(15).

1 مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن قيم الجوزية (٢/٢٣، ٢٤).

2 آداب الفتوى والمفتي والمستفتي، النووي (ص١٨، ١٩).

3 إعلام الموقعين عن رب العالمين (٤/١٩٦).

4 جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر (٢/١٠٧٥).

5 الاعتصام، الشاطبي (٢/٥٣٧)

6 الفروق (١/٣).

7 المبسوط، السرخسي (١٣/١١٠).

8 الفروق (١/١٦٦، ١٦٧).

9 الفتاوى الهندية، لجنة من العلماء (٣/٣٠٩، ٣١٠).

10 إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ابن قيم الجوزية (١/٣٣٠، ٣٣١).

11 الموافقات (٥/ ١٧٧، ١٧٨).

12 آداب الفتوى والمفتي والمستفتي (ص٥٦).

13 المجموع شرح المهذب (١/٤٨).

14 مجموع الفتاوى، ابن تيمية (١٢/ ٢٣٧).

15 إعلام الموقعين عن رب العالمين (٤/ ١٢١، ١٢٢).

المبحث الثاني

التخصص الإفتائي

إنَّ الواقع المعاصر يشهد كل يوم جديدًا؛ فهو واقع سريع التطور بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية.

فقضايا المعاملات المالية المعاصرة كقضايا التأمين والأوراق المالية كالأسهم والسندات والمعاملات المصرفية، وغيرها من القضايا المالية والاقتصادية أضحت من المستجدات التي عمت بها البلوى وصارت مما لا تستغني عنه المجتمعات المسلمة، ولا بد لها من اجتهادات وفتاوى تواكب تطورها المستمر.

ومثل ذلك يقال في قضايا الفقه الطبي المتطورة كإثبات النسب بالوسائل الحديثة كالبصمة الوراثية وتحليل الحامض النووي واستنساخ الخلايا، وغيرها من القضايا الطبية.

ويقال مثل ذلك في قضايا الأقليات المسلمة في بلاد الغرب كالتجنس بجنسيات تلك الدول والالتحاق بجيوشها والمشاركة في حروبها، والاحتكام لمحاكمها وقضاتها فيما يتعلق بأحكام الأسرة، وغير ذلك.

وكذا المستجدات في أبواب الجنايات والعقوبات والأقضية من استخدام وسائل الإثبات الحديثة، واستحداث عقوبات جديدة ووسائل تنفيذ، ونحو ذلك.

وكذا المستجدات في أبواب العبادات كبعض مسائل الحج كتوسعة المسعى وتوسيع وقت رمي الجمرات، وغيرها.

فجميع تلك القضايا السابقة وغيرها من القضايا المعاصرة تحتاج إلى المتخصصين كلٍّ في بابه، كما تستوجب الاجتهاد لتصويرها وتكييفها، وإيجاد الحكم الشرعي لها بضوابطه وتفصيلاته.

لذا فإننا سنلقى الضوء على التخصص الإفتائي وأهميته وعلاقته بالاجتهاد المعاصر، وسيكون الحديث على النحو التالي:

أولًا: مفهوم التخصص الإفتائي.

مفهوم التخصص:

جاء في لسان العرب: “خصه بالشيء يخصُّه خصًّا وخصوصًا وخصوصية وخصوصية، والفتح أفصح، وخصيصى وخصصه واختصه: أفرده به دون غيره. ويقال: اختص فلان بالأمر وتخصص له إذا انفرد”(1).

فالتخصص -إذن- من الناحية اللغوية معناه: هو أن ينفرد الشخص بأمر ما.

أما التخصص في الاصطلاح العلمي-في أبسط معانيه-: هو أن ينكب الإنسان على علم من العلوم أو جزئية من جزئيات العلم أو مسألة من مسائله، فيدرسها من كل جوانبها، ويحيط علمًا بكل ما يتعلق بها.

تأصيل مبدأ التخصص في الإسلام:

من خلال نصوص الشرع يظهر لنا أن الإسلام يحترم التخصص، ويؤكد عليه كقيمة تعود على المجتمع بالنفع، فقد دعا في القرآن الكريم الناس إلى سؤال أهل التخصص والعلم والمعرفة فيما يجد لهم من نوازل وحوادث، يقول سبحانه وتعالى: ﴿ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﴾ [الأنبياء:٧].

وقد حث الإسلام المؤمنين على أن يكون هناك طائفة أو نفر خاص منهم ليحبسوا أنفسهم على دراسة الفقه ويتعلموه ويتفرغوا له، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وهذا يعتبر ملمحًا وصورة من صور التخصص.

وإذا ذهبنا إلى السنة وجدنا أن النبي  كان يخصص كل واحد من أصحابه لمهمة أو عمل أو علم معين بما يتلاءم مع قدراته ومهاراته، ففي الحديث الذي رواه الترمذي والنسائي وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله  قال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، ألا وإن لكل أمة أمينًا، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»(2).

قال في فتح الباري: «خص النبي  كل واحد من الكبار بفضيلة ووصفه بها فأشعر بقدر زائد فيها على غيره كالحياء لعثمان والقضاء لعلي ونحو ذلك»(3).

فانظر كيف خصَّ النبي  أصحابه بأمر معين محدد، فجعل القضاء لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وجعل فقه الحلال والحرام لمعاذ بن جبل، وعلم المواريث لزيد بن ثابت، وأما القرآن وتجويده فكان لأبي بن كعب -رضي الله عنه- فاختياراته صلى الله عليه وسلم-في الحقيقة- إنما كانت استثمارًا لمهارات أصحابه ومعرفة لقدراتهم وإمكاناتهم، وحين يكون المرء في التخصص المناسب له يكون ذلك أدعى للتفوق والابتكار والإبداع، وهذه هي حقيقة التخصص وثمرته.

زجر وتضمين غير المتخصصين:

يعد من مظاهر دعوة الإسلام للتخصص والحث عليه زجر غير المتخصصين والإنكار عليهم إذا انتصبوا وتصدروا بغير علم فأدى هذا إلى إتلاف مال أو هلاك نفس، بل يصل في بعض الأحيان إلى تضمينهم قيمة ما أتلفوه وأفسدوه:

( أ ) ففي حديث صاحب الشجة، والذي أفتاه الناس-بغير علم ولا تخصص-بالغسل من الجنابة فأدى ذلك إلى هلاكه ووفاته، فغضب النبي  غضبًا شديدًا، وقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب -شك موسى-على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده». قال ابن رسلان: “وفيه أن الجهل داء عضال، فينبغي أن يُطلب دَواؤه، وهو سؤال أهل العلم، وأي داء أدوى مِنَ الجهل؟! قال اللهُ تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}”(4).

وقال النبي : «من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه» رواه ابن ماجه.(5)

(ب) وجاء في الحديث عن النبي ، والذي رواه أبو داود وغيره: «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ»(6)؛ فغير المتخصص أو الجاهل بعلم الطب إذا امتهن هذه المهنة وترتب على ذلك ضرر للمريض ضمن هذا الضرر ذلك المتصدر غير المتخصص.

يقول المناوي: “(من تطبب ولم يعلم منه طب) أي من تعاطى الطب ولم يسبق له تجربة، ولفظ “التفعل” يدل على تكلف الشيء والدخول فيه بكلفة ككونه ليس من أهله (فهو ضامن) لمن طبه بالدية إن مات بسببه؛ لتهوره بإقدامه على ما يقتل، ومن سبق له تجربة وإتقان لعلم الطب بأخذه عن أهله فطب وبذل الجهد الصناعي فلا ضمان عليه”(7)، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم أن المتصدر لصناعة أو مهنة إن لم يكن عليًما بها ممارسًا لها متخصصًا فيها ضمن ما ترتب على ذلك من ضرر و إتلاف من مال أو نفس، قال ابن رسلان : “(من تطبب) أي: تعاطى علم الطب وتعدى بمعالجة المريض بما يقتل غالبًا، فحصل منه التلف في النفس أو العضو (ولا يعلم منه) معرفة، ولم يعلم منه (طب) ولا يكون ذا درجة وسطى من معرفة حقيقة الطب وأنواعه، وأقسام أمراضه، ويشخص داء العليل، ومعرفة المفردات وطبائعها (فهو ضامن) لما أتلفه…، يدخل في تعاطي الطب طب الآدميين وطب البهائم، وهو البيطرة، وربما دخل فيه طب الأديان، فمن تعاطى المشيخة وجلس لها ولا يعرف أمراض القلوب، فربما وقع منه الفساد.

وكذا كل من تعاطى علمًا لا يعرفه، كمن تعاطى خياطة الملبوس مثلًا وفصل قماشًا وخاطه وهو لا يعرفه، فإنه يكون ضامنًا لما أفسده، وهذِه مصيبة قد عمت، فنسأل اللَّه العافية.

وهذا الحديث يتناول من تطبب بوصفه وقوله كالطبائعي، وبمروده وهو الكحال، وبمبضعه ومراهمه كالجرائحي، وبموساه وهو الحالق، وبريشته وهو الفاصد، وبمحاجمه كالحجام، وبخلعه ووصله كالمجبر، وبقربته كالحاقن، واسم الطبيب يقع على هؤلاء كلهم”(8).

يقول معمر: “سمعت الزهري يقول كلاما معناه إن كان البيطار أو المتطبب أو الختان غر من نفسه وهو لا يحسن فهو كمن تعدى يضمن”(9).

(جـ) أيضًا يعتبر من مظاهر العناية بالتخصص العلمي واحترامه، ما تناوله الفقهاء في كتبهم في مسألة (ضمان المفتي)، ويقصدون بذلك إذا ترتب على فتوى المفتي إتلاف مال أو هلاك نفس للمستفتي، وللمسألة تفصيل في محلها.

ثانيًا: أهمية التخصص في الإفتاء المعاصر.

لقد أضحى التخصص من أبرز سمات هذا العصر، لا سيما مع تطور فروع العلم وتشعبها، ومع كثرة عوائق الطلب وتعدد الشواغل واختلاف الظروف المكانية والزمانية عما سبق، ومع محدودية قدرات الإنسان الذهنية والعلمية، وعدم تمكنه من استيعاب جميع العلوم، أو حتى جميع الفروع والشعب في العلم الواحد أو الفن الواحد.

وقد نبه العلماء قديمًا على أهمية التخصص في العلوم، فقال الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت ١٧٠هـ): «إذا أردت أن تكون عالمًا فاقصد لفنٍّ من العلم، وإذا أردت أن تكون أديبًا فخذ من كل شيء أحسنه».

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤هـ): «ما ناظرني رجل قط وكان مفنِّنًا في العلوم إلا غلبتُه، ولا ناظرني رجل ذو فن واحد إلا غلبني في علمه ذلك».

إن هذه العبارات تدل على فضل المتخصص في علم واحد على الجامع لأطراف العلوم، كما أنها تؤكد على أن كل علم من العلم بمنزلة بحر من البحور، لا يصل إلى خفاياه إلا من قصر حياته على الغوص فيه.

وفي عصرنا الحاضر قد ازدادت العلوم تشعبًا، وعظم كل علم عما كان.

ولخوض غمار عملية الاجتهاد لا بد من الحصول على قدر معين من المعرفة، وخصوصًا معرفة اللغة، والاطلاع على مقاصد الشريعة والفقه وأصوله؛ وذلك ليكون لدى المرء تصور عام للشريعة وفقهها، فلا يُسمح لأي إنسان بالاجتهاد دون مؤهلات ولا ضوابط، لكن إذا حصل المرء على هذا الرصيد من المعرفة فليس ثمة بأس من أن يتخصص البعض في باب من أبواب الفقه، ويتخصص غيره في باب أو أبواب أخرى، وهذا هو الواقع فعلًا فهناك من كتب في الأحوال الشخصية، وهناك من ألَّف في فقه الزكاة، وثالث كتب في الاقتصاد الإسلامي إلخ.

أثر التخصص في تحقيق التكامل:

سبق أن ذكرنا أن العلوم الشرعية في عصرنا الحاضر ومع تطور العلم وتشعب الحياة المعاصرة قد تعددت فروعها بحيث أصبح لا يمكن الإحاطة بجميع العلوم، أو حتى جميع فروع العلم الواحد.

وحيث إن العلوم الشرعية مترابطة فيما بينها، ولا يستغني علم عن العلوم الأخرى، وذلك أن العلوم الشرعية كلها ترجع إلى نصوص الكتاب والسنة، فهما مصدر جميع العلوم الشرعية، ومن ثم فهي متداخلة فيما بينها، وتشترك في كثير من مسائلها وأحكامها، ويكون كل علم مكملًا ومتممًا للعلم الآخر.

فعلى سبيل المثال: دراسة علم الفقه وبيان مسائله وأحكامها لا يمكن إلا ببيان النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وفهم معانيها وألفاظها، ومن ثم فعلم الفقه بحاجة إلى علم التفسير وعلوم القرآن، والسنة وعلومها، واللغة العربية، وأصول الفقه.

وكذلك علم التفسير لا بد وأن يشتمل على بيان الأحكام الفقهية المستفادة من الآيات القرآنية، ومن ثم فإنه يتطرق إلى ذكر أقوال الفقهاء ومذاهبهم في تفسير الآيات، واختلافهم في استنباط الأحكام منها.

ويمكن أن نقول مثل ذلك في تخصص علم الطب فإن لمستجدات العلوم الطبية أثرًا في اختلافات الفقهاء في مسائل أبواب الفقه المختلفة كالطهارة والحيض والصلاة والصيام وعيوب النكاح والجنايات والحدود وغيرها.

ومن يلج باب الفتوى في المسائل الطبية المعاصرة يجب أن يكون خبيرًا متخصصًا في هذا النوع من الفتاوى، وتحققت عنده الأهلية الكاملة لذلك.

فالتخصصات الشرعية وتخصصات المعرفة الإنسانية بمجموعها منظومة متكاملة يكمل بعضها بعضًا، ولا يستغني تخصص عن الآخر، وبتكاملها جميعًا وتبادل مسائلها وأحكامها يتحقق الفهم الصحيح للإسلام.

ثالثًا: الاجتهاد المعاصر وارتباطه بفكرة التخصص.

إن حتمية الاجتهاد اليوم تبدو أكثر مما مضى؛ فإذا كانت العصور الأخيرة قد اكتفت بالفقهاء الذين يحفظون المذهب ويفهمون الواضحات والمشكلات والمسائل، ولكن مع ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته فإننا اليوم بحاجة إلى تجديد الاجتهاد والعودة به إلى عصر مجتهدي الترجيح أو التنقيح بل إلى عصر المجتهد المطلق الذي يستطيع استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية؛ ذلك أن الأوضاع تغيرت وغدت القضايا المعاصرة بعيدة الشبه بما دوِّن في الكتب من المسائل التي أُنزلت عليها الأحكام، وتغيرت المعاملات وتعددت صورها، وحدثت فيها أنواع لم يكن لها وجود ولا شبه من قبل، واتصلت بالحياة العملية اقتصادية واجتماعية وسياسية اتصالًا جعلها من عناصرها ومقوماتها.

إن استكمال شرائط الاجتهاد ليس بالأمر الصعب، خاصة إذا نادينا بفكرة الاجتهاد التخصصي، ثم إن أمام الدارس تراث فقهي ومجهودات جبارة لعلماء اجتهدوا أيما اجتهاد في تدوين العلم، ورغم أن التراث العلمي قد ضاع منه الكثير فإن ما بقي منه فيه الخير الكثير، وإن اطلاع المعاصرين ينبغي أن يكون أوسع من اطلاع السابقين لوفرة التصانيف وسهولة الاطلاع عليها، إضافة إلى أن الوسائل العصرية يمكنها أن تسهل عملية البحث إلى حد كبير.

إن عملية الاجتهاد في العصر الحاضر لا يمكن أن يقوم بها شخص بمفرده، بل لا بد أن يُعهد الأمر إلى مؤسسات يتعاون أعضاؤها على إبراز الحكم الشرعي في القضايا المطروحة. وهذا الأمر يدعونا إلى إلقاء الضوء على فكرة تجزؤ الاجتهاد.

تجزؤ الاجتهاد ومبدأ التخصص:

يمكن تقسيم الاجتهاد باعتبار قدرة المجتهد على الاجتهاد في كل مسائل الشرع وأبوابه، أو في بعض المسائل والأبواب دون بعض إلى قسمين:

  • اجتهاد مطلق: وهو تحقق القدرة على الاجتهاد في كل مسائل الشرع وأبوابه.
  • واجتهاد جزئي: وهو تحقق القدرة على الاجتهاد في باب من أبواب الشرع دون غيره منها، أو في مسألة من مسائل الشرع دون غيرها منها.

على أن بعض الأصوليين عبَّر عن المجتهد المطلق بلفظ المستقل، وعبر عنه بعضهم بلفظ المطلق، بينما عبر عنه آخرون بلفظ المطلق المستقل.

وحقيقة الأمر أن تسمية المجتهد ووصفه بالمطلق إنما هي باعتبارين مختلفين لا باعتبار واحد؛ وذلك لأن لفظ المطلق يطلق ويراد به عند أهل الأصول أحد معنيين أو كلاهما معًا، الأول: المطلق الذي يراد به المجتهد الذي لا يتقيد في اجتهاده بأصول غيره من أهل الاجتهاد ولا بفروعه، بل يجتهد وفق أصول وضعها هو بنفسه ويخرج عليها فروعه، وهو المسمى هنا بالمستقل، وهو الذي يقابله المجتهد المقيد الذي يكون في اجتهاده متقيدًا بأصول مجتهد أو بفروعه.

والمعنى الثاني: المطلق الذي يراد به المجتهد الذي لا يتقيد في اجتهاده بباب دون باب، ولا بمسألة دون مسألة، بل يجتهد في جميع الأبواب والمسائل، وهو الذي يقابله هنا المجتهد المتجزئ الذي يجتهد في باب دون باب أو في مسألة دون مسألة.

وعلى هذا فمن وصف المجتهد المستقل بالمطلق فمراده بذلك أنه مستقل من جهة عدم تقيده بأصول أحد من أهل الاجتهاد ولا بفروعه، وأنه مطلق من جهة عدم تقيده في اجتهاده بباب دون باب أو مسألة دون مسألة، ومن وصف المجتهد بالمطلق وعنى به المستقل فمراده أنه مطلق من الجهتين: من جهة عدم تقيده بأصول أحد ولا بفروعه، ومن جهة عدم تقيده بباب دون باب ولا بمسألة دون مسألة.

وبناء على ما سبق يكون المراد بالاجتهاد الجزئي: أن يكون المجتهد مقتدرًا على الاجتهاد في مسألة أو مسائل بأعيانها فقط من مسائل الفقه أو باب أو أبواب بأعيانها فقط من أبوابه.

مشروعية الاجتهاد الجزئي:

واختلف أهل الأصول في مشروعية الاجتهاد الجزئي على ثلاثة أقوال:

  • القول الأول: جواز الاجتهاد الجزئي مطلقًا، سواء كان في باب دون باب، أو مسألة دون مسألة، وبه قال جمهور الأصوليين.
  • القول الثاني: عدم جواز الاجتهاد الجزئي مطلقًا، وبه قال بعض الأصوليين.
  • القول الثالث: التفصيل؛ فمن هؤلاء من أجاز الاجتهاد الجزئي في باب دون باب، ومنعه في مسألة دون مسألة، وبه قال بعض الأصوليين.

ومنهم من أجاز الاجتهاد الجزئي في باب الفرائض (المواريث) فقط دون ما عداه من الأبواب.

ولكل فريق منهم أدلته، ولكل دليل اعتراضات وأجوبة.

والمختار هو الرأي الأول، وهو جواز الاجتهاد الجزئي مطلقًا.

ومن أهم الأدلة على ذلك ما يأتي:

الدليل الأول: قوله : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». أخرجه الترمذي في سننه.

ووجه الدلالة: أن ما كان مأخوذًا عن تقليد ففيه ريب بالنسبة للمقلد، وما كان مأخوذًا عن اجتهاد ونظر فلا ريب فيه بالنسبة للمجتهد، وعلى هذا فإن أمكن الفقيه أن يأخذ حكم المسألة عن اجتهاد حين يكون قادرًا على الاجتهاد الجزئي فيها -ولو عجز عن الاجتهاد في غيرها- فلا شك أن أخذه فيها حينئذ بموجب اجتهاده وتركه تقليد غيره فيها ترك لما يريبه إلى ما لا يريبه، وهو مطلوب الشارع منه.

وقد أجيب عن ذلك: بأن المجتهد المتجزئ جاهل بأدلة الأحكام ومناطاتها في المسائل الأخرى غير المسألة التي هي محل اجتهاده، والاحتمال قائم حينئذ أن يكون لبعض تلك الأدلة والمناطات تعلق بالمسألة محل اجتهاده؛ اعتبارًا بكون الأبواب والمسائل الفقهية في الأصل يتعلق بعضها ببعض؛ فإذا اجتهد في مسألة مع هذا الاحتمال فلا يمكن أن يقال في الحكم الذي يهتدي إليه والحال هذه: إنه حكم لا ريب فيه، وحينئذ لا يكون بتركه تقليد غيره في تلك المسألة تاركًا ما يريبه إلى ما لا يريبه.

وقد رُدَّ على ذلك: بأن المجتهد الجزئي لما كان بالنسبة إلى المسألة محل اجتهاده كالمطلق تمامًا من جهة العلم بكل ما تعلق بها من الأدلة –ولو كانت من مسائل وأبواب أخرى- فقد صار كالمطلق تمامًا أيضًا من جهة عدم ورود ذلك الاحتمال عليه، وهو احتمال أن يكون قد فاته العلم بما لا بد من العلم به من الأدلة والمناطات المتعلقة بالمسألة محل اجتهاده مما هو في المسائل والأبواب الأخرى.

الدليل الثاني: قوله : «استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك». رواه أحمد والطبراني وغيرهما.

ووجه الدلالة: أن النبي  أمر المجتهد باستفتاء قلبه وإن أفتاه مجتهد غيره، وفي هذا ترجيح لاجتهاده على اجتهاد غيره ولو كان غيره مطلقًا؛ فيكون الحديث دالًّا من هذا الوجه على اعتبار الاجتهاد الجزئي ومشروعيته.

الدليل الثالث: أن الاجتهاد لو لم يتجزأ للزم أن يكون المجتهد عالمًا بجميع الأحكام في جميع المسائل، وهذا باطل قطعًا؛ لأن كثيرًا من المجتهدين سئلوا عن مسائل فأجابوا عن بعضها ولم يجيبوا عن بعضها الآخر، والمجتهد إذا لم يجب عن مسألة من المسائل فقد لزم أن يصير بذلك مجتهدًا متجزئًا لا مطلقًا؛ لأنه قدر على الاجتهاد في باب دون باب أو مسألة دون مسألة، وهذه حال كثير من المجتهدين المتفق على أنهم مجتهدون كالأئمة الأربعة وكثير من الصحابة والتابعين؛ فلو لم يكن الاجتهاد الجزئي جائزًا ومعتبرًا، ولو كانت القدرة على الاجتهاد المطلق في كل المسائل شرطًا لصحة الاجتهاد في مسألة بعينها لكان هؤلاء الأئمة حينئذ مقلدين لا مجتهدين، وهذا مخالف للإجماع على أنهم مجتهدون لا مقلدون.

يقول الإمام ابن حزم : «وكل من علم مسألة واحدة من دينه على الرتبة التي ذكرنا أجاز له أن يفتي بها وليس جهله بما جهل بمانع من أن يفتي بما علم ولا علمه بما علم بمبيح له أن يفتي فيما جهل، وليس أحد بعد النبي  إلا وقد غاب عنه من العلم كثير هو موجود عند غيره فلو لم يفت إلا من أحاط بجميع العلم لما حل لأحد من الناس بعد رسول الله  أن يفتي أصلًا، وهذا لا يقوله مسلم، وهو إبطال للدين وكفر من قائله»(10).

الدليل الرابع: لو كان تجزؤ الاجتهاد ممنوعًا لشرط في المجتهد العلم بكل أدلة الأحكام، ولو علم بكل أدلة الأحكام للزم أن يعلم بكل الأحكام فعلًا، واللازم –وهو العلم بكل الأحكام فعلًا- منتفٍ؛ فالملزوم –وهو اشتراط العلم بكل أدلة الأحكام- مثله.

سبب ترجيح جواز الاجتهاد الجزئي:

إن من أنعم النظر في حجج القائلين بمنع الاجتهاد الجزئي يظهر له أنها راجعة إلى أمرين:

  • الأول: اعتبار أن الاجتهاد ملكة لا تتجزأ.
  • الثاني: اعتقاد تعلق أبواب الشرع ومسائله بعضها ببعض.

فأما الأمر الأول: فأجيب عنه بأن التجزؤ المقصود إنما محطُّه نفس فعل الاجتهاد لا ملكته، فكان الخلط بين ملكة الاجتهاد ونفس فعله سبب الارتباك في كلام بعض المانعين.

وذلك أن المراد بالتجزؤ في الاجتهاد الجزئي التبعيض في أجزاء الكلي لا في أفراد الكل؛ فملكة استنباط حكم مسألة ما هي فرد جزئي مندرج في كلي هو ملكة الاستنباط، وملكة استنباط حكم مسألة أخرى هي فرد جزئي آخر مندرج في كلي هو تلك الملكة أيضًا، ومن ثم فبساطة ملكة الاستنباط –أي عدم تركبها من أجزاء- لا تنافي التجزؤ بهذا المعنى، ولعل القائل بمنع تجزؤ الاجتهاد اشتبه عليه تبعيض جزئيات الكلي بتبعيض أجزاء الكل.

وأما الأمر الثاني فأجيب عنه بأن فرض المسألة أن المجتهد المتجزئ فيما يجتهد فيه من المسائل كالمجتهد المطلق من جهة علمه بكل ما يتعلق بالمسألة من أدلة، ولو كانت من أبواب أخرى أو مسائل أخرى.

وبهذا يظهر رجحان جواز تجزؤ الاجتهاد.

كما أن من مؤيدات هذا الترجيح ومقتضياته أن الحاجة إلى الاجتهاد الجزئي في هذا العصر ملحة من أجل مسايرة مستجداته الكثيرة التي لا تكاد تنقضي، وتجديد الدين فيه تجديدًا يقوم على الاجتهاد الصادر من أهله والواقع في محله.

ففتح باب الاجتهاد الجزئي يجلب للأمة مصالح كثيرة ويدفع عنها مفاسد كثيرة.

ونختم القول في هذا الموضوع بأنه عند القائلين بالتجزؤ لا بد من توافر شروط الاجتهاد، ولكن لا يطلب تحقق الشرط بكامله، وإنما يكفي أن تتكامل الشروط مجتمعة في موضوع من الموضوعات.

أهمية الاجتهاد الجزئي في العصر الحاضر:

  1. تصحيح اجتهادات كثير من الفقهاء المجتهدين؛ إذ هم في الواقع لا يقتدرون على الاجتهاد والنظر في جميع أبواب الفقه ومسائله، بل الغالب عليهم أن منهم من يجيد في باب الاقتصاد والمعاملات المالية مثلًا، ومنهم من يجيد في باب القضايا الطبية وما تعلق بها، ومنهم من يجيد في باب السياسة الشرعية والعلاقات الدولية وهكذا. فهم مجتهدون فيما تخصصوا فيه.

وهذا واقع أكثر أعضاء المجامع الفقهية، لذا فقد اتفق العلماء على أن الشرط الأول فيمن يتولى الاجتهاد في المجامع الفقهية المعاصرة أن يكون مجتهدًا، وقد بيَّنوا أن المقصود بهذا الشرط هو أن يكون المجتهد المعاصر أو عضو المجمع متحققًا –في الأقل الأدنى- بشروط الاجتهاد الجزئي في المسألة محل اجتهاده، ولا يشترط أن يكون متحققًا بشروط الاجتهاد المطلق، وذلك لأنه بأقل من شروط الاجتهاد الجزئي لا يكون مجتهدًا رأسًا، لا مطلقًا ولا متجزئًا؛ فلا يعتبر نظره في المسألة حينئذ، ولأن تحققه بشرط المجتهد المطلق قدر زائد عن المطلوب لاعتبار اجتهاده وجواز تقليده فيه، كما هو رأي الأكثرين الذين أجازوا الاجتهاد الجزئي.

إذن فالتحقق بشرط الاجتهاد الجزئي شرط صحة في اجتهاد الفقيه المعاصر –سواء كان عضوًا في مجمع فقهي أم لا- لا شرط كمال؛ لأن التحقق بهذا الشرط هو الحد الأدنى الذي لا تتحقق أهلية الاجتهاد إلا به، أما التحقق بشرط الاجتهاد المطلق فهو شرط كمال لا شرط صحة فيما عليه شروط العضو في المجامع الفقهية المعاصرة.

وعلى هذا فإن الاجتهاد لو كان لا يصح إلا من المجتهد المطلق –مع العلم بأن المجامع الفقهية المعاصرة لا تشترط في العضو المجتهد أكثر من أن يكون بلغ رتبة الاجتهاد الجزئي- لزم أن تكون اجتهادات أكثر أعضاء هذه المجامع غير صحيحة، وبخاصة إذا كانت من قبيل الاجتهاد الإنشائي، كما هو الواقع في اجتهادهم في أكثر المستجدات، وإذا كانت غير صحيحة لذلك تعين القول بجواز الاجتهاد الجزئي سبيلًا إلى تصحيحها.

  1. إثبات كمال الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، بوفائها بأحكام المستجدات في كل عصر من الأعصار؛ لأن الاجتهاد هو نقطة الارتكاز التي يقوم عليها الحكم بصلاح شريعة الإسلام لكل زمان ومكان؛ فإذا قيل ببطلان اجتهادات المجتهدين المتجزئين في هذا العصر لعدم مشروعية الاجتهاد الجزئي مع قلة أهل الاجتهاد المطلق نسبيًّا وتكاثر المستجدات في كل المجالات لزم دخول النقص على الشريعة من هذا الجانب، ولزم عجز الشريعة عن مسايرة هذه المستجدات بالحكم والتوجيه، وكل هذا باطل فما أدى إليه يكون باطلًا، ومن ثم تثبت صحة القول بجواز الاجتهاد الجزئي للمحافظة على خلود الشريعة واستمرارها إلى يوم القيامة.
  2. توفير البديل عن المجتهد المطلق، وذلك أن المجتهد المطلق القادر على الاجتهاد في جميع أبواب الشرع ومسائله نادر الوجود في هذا العصر، وحينئذ فإن البديل عن هذا المجتهد المطلق هو مجموع المجتهدين المتجزئين القادرين في مجموعهم على هذا النوع من الاجتهاد، بحيث أن المجتهدين المتجزئين الذين يملك كل واحد منهم أن يجتهد في باب بعينة من أبواب الفقه المختلفة يكوِّنون في مجموعهم مجتهدًا واحدًا مطلقًا يجتهد في كل أبواب الفقه، بمعنى أن ما يعجز بعض المجتهدين المتجزئين أن يجتهد فيه من أبواب الفقه فإن بعضهم الآخر –في الغالب- قادر على الاجتهاد فيه.

فإن من المعلوم أن من المجتهدين المتخصصين في المجامع الفقهية وغيرها اليوم من هو خبير في باب المعاملات والاقتصاد الإسلامي دون باب الأحوال الشخصية مثلًا، في حين أن منهم من هو خبير في باب الأحوال الشخصية دون غيره من الأبواب الأخرى، وإذا كان كذلك فيمكن باجتماع هؤلاء المجتهدين المتخصصين المختلفي القدرات والمعارف بالنسبة إلى أبواب الفقه أن يوجد المجتهد المطلق القادر على الاجتهاد في تلك الأبواب كلها، ويعوض بذلك عن فقده أو ندرته.

  1. تيسير الاجتهاد للفقهاء وطلبة العلم وفتح بابه لهم، وذلك من وجهين:

أحدهما: تمهيد السبيل إلى الاجتهاد الجزئي بفتح بابه لمن لا يقتدر من الفقهاء وطلبة العلم على الاجتهاد المطلق الذي يُشترط له العلم بأغلب أدلة الأحكام في أبواب الفقه المختلفة.

والثاني: تمهيد السبيل إلى الاجتهاد المطلق بفتح باب الاجتهاد الجزئي أولًا؛ لأن طلب الاجتهاد الجزئي يفضي إلى طلب الاجتهاد المطلق غالبًا؛ لأن من نال في العلم رتبة يطمح غالبًا إلى بلوغ ما بعدها، وأن من تمكن من الاجتهاد في باب فإن الغالب من شأنه أن يحاول التمكن من باب ثان وثالث بعدئذ إلى أن يصير متمكنًا من الأبواب كلها، وهذا هو المجتهد المطلق.

  1. استغلال الطاقات والقدرات المتاحة وعدم إهدارها، وذلك أن العادة جارية في كل عصر بأن يوجد فيه من الناس من أوتي ملكة في علم بعينه من العلوم أو باب بعينه من أبواب العلم، ولا تكون له ملكة في غيره من العلوم والأبواب فلماذا يُحرم العلم والشرع من طاقة أمثال هذا وقدراته حين يُمنع من استغلال ملكته وقدرته فيما له فيه من أبواب الفقه ومسائله ملكة واقتدار بسبب عدم ملكته وقدرته في باب آخر من تلك الأبواب والمسائل، بل إن من كبار المجتهدين المطلقين المتفق على قدرتهم على الاجتهاد من كان –مع كونه قادرًا على الاجتهاد في كل أبواب الفقه- أعظم ملكة في باب من أبواب الفقه منه في الأبواب الأخرى، وهذا ما يؤكده قوله عليه الصلاة والسلام: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، ألا وإن لكل أمة أمينًا، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح». أخرجه الترمذي والنسائي وغيرهما.
  2. أن المشكلة كلما كانت معقدةً أكثر كان إسناد النظر فيها إلى أهل التخصص أنفع، وكلما كانت أعم وأشمل كان جعل البحث والاجتهاد فيها بيد الجماعة أنجح، ثم إنه مع تسارع المستجدات وتشابكها تنشأ الحاجة إلى وجود مؤسسات ومجامع في الأمة الإسلامية، ليس للقيام بالاجتهاد الجماعي المطلق بل بالاجتهاد الجماعي الجزئي، ويُراد بهذا أن توجد في الأمة مجامع فقهية للاجتهاد الجماعي في مجال المعاملات المالية والاقتصادية، وأخرى في مجال القضايا الطبية، وثالثة في مجال السياسة الشرعية، وهكذا حتى تستوعب هذه المجامع كل مجالات الحياة.

العلاقة بين تجزؤ الاجتهاد وفكرة التخصص:

إن تجزؤ الاجتهاد في العصر الحاضر ينبغي أن يُقصد به ما يُعرف بالتخصص؛ فالمجتهد مع توفره على شروط الاجتهاد يكون متخصصًا في جانب فقهي، ولذلك يمكن أن يقسم المجتهدون إلى مجموعات متخصصة، كل واحدة منها تنظر في باب من أبواب الفقه أو قضية من القضايا المعاصرة المطروحة.

وليس معنى ذلك نفي الاجتهاد والبحث الفردي، بل إن الأبحاث والاجتهادات الفردية هي التي توصل إلى الاجتهاد الجماعي الصحيح، وبهذا الاجتهاد الجماعي يُتوصل إلى تحقيق الإجماع.

فإذا كان العلماء قد ذكروا أن الإجماع لا يمكن وقوعه لتعذر تحقيق أركانه فإن ذلك إنما كان في العهود السابقة ولسببين: الأول: صعوبة الاتصال. والثاني: عدم وجود المؤسسة التي تجمع بين المجتهدين للدراسة والبحث، وبذلك ظل الاجتهاد الفردي عاجزًا عن تحقيق الإجماع.

ونحن اليوم بحاجة إلى الإجماع في القضايا المعاصرة، بل وفي القضايا الخلافية التي تسبب الكثير من الحرج للمسلمين، واختلاف الفقهاء في القضايا المعاصرة يتسبب في كثير من البلبلة والاضطراب.

1 لسان العرب (٧/ ٢٤)، مادة «خصص».

2 أخرجه الترمذي، (ح٣٧٩١).

3 فتح الباري شرح صحيح البخاري (٧/٩٣).

4 شرح سنن أبي داود (٢/٦٤٤).

5 أخرجه ابن ماجه (ح٥٣).

6 أخرجه أبو داود (ح٤٥٨٦).

7 فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي ،(٦/١٠٦).

8 شرح سنن أبي داود (١٨/٥٧).

9 ينظر: الاستذكار (٨/٦٣).

10 الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم (٥/١٢٧، ١٢٨).

المبحث الثالث

الإفتاء الجماعي

التأصيل الشرعي:

يعتبر الإفتاء الجماعي من أهم المحاور و المرتكزات التي تقوم عليها صناعة الفتوى، و “الفتوى الجماعية” ليست أمرًا وليد عصرنا، بل هي منهج كان يسير عليه الصحابة رضوان الله عليهم، فكانوا يحافظون على هذا الأمر باعتباره منهجية تؤدي إلى الفتوى الصحيحة؛ حيث إنه كلما كان هناك أكثر من عقل يتحاور ويتشاور للوصول إلى الفتوى الصحيحة الصائبة كان ذلك أبعد عن الخطأ وهوى النفس، يقول ابن حمدان: “يستحب أن يقرأ ما في الورقة على الفقهاء الحاضرين الصالحين لذلك ويشاورهم في الجواب ويباحثهم فيه وإن كانوا دونه وتلامذته إقتداء برسول الله  والسلف الصالح”(1).

فمنهجية المشاورة في الفتوى كانت حاضرة في أذهان السلف الصالح رضوان الله عليهم ومارسوا هذا تطبيقًا و عملًا كما أثر عنهم، فقد سار على هذا المنهج أبوبكر وعمر وسائر الخلفاء الراشدين، فقد أورد البيهقي في سننه عن ميمون بن مهران، قال: ” كان أبو بكر رضي الله عنه إذا ورد عليه خصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به بينهم، فإن لم يجد في الكتاب، نظر: هل كانت من النبي صلى الله عليه وسلم فيه سنة؟ فإن علمها قضى بها، وإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين فقال: ” أتاني كذا وكذا، فنظرت في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ، فلم أجد في ذلك شيئا , فهل تعلمون أن نبي الله  قضى في ذلك بقضاء؟”, فربما قام إليه الرهط فقالوا: “نعم , قضى فيه بكذا وكذا”، فيأخذ بقضاء رسول الله  “.

قال جعفر وحدثني غير ميمون أن أبا بكر رضي الله عنه كان يقول عند ذلك: “الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا ”، وإن أعياه ذلك دعا رءوس المسلمين وعلماءهم , فاستشارهم , فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به “(2).

وقد أوضحنا هذا بشيء من التفصيل عند حديثنا عن المشاورة في الفتوى بما لا داعي لإعادته هنا.

الإفتاء الجماعي وفكرة التخصص:

نظرًا لما تتسم به نوازل هذا العصر من التعقيد فإنه يبقى أفضل حل لهذا الإشكال هو الإفتاء الجماعي الذي يجمع بين الخبير المتخصص في مجال القضية والمفتي لتباحث النازلة.

والافتاء الجماعي هو من أفضل الحلول لإشكالية التعقيد العلمي في الإفتاء المعاصر وخاصة إذا أضفنا إلى ذلك الإفتاء الجماعي التخصصي، بحيث يقسم المفتون داخل المجامع والمؤسسات والهيئات الإفتائية إلى مجموعات إفتائية نوعية متخصصة في باب معين أو مجال معين من العلم و هذا مبني على فكرة الاجتهاد الجزئي الذي أفضنا في الحديث عنه وتحدث عنه العلماء في كتبهم، وهو الاجتهاد في باب خاص أو ما اصطلحوا عليه بتجزؤ الاجتهاد، وقد أشار الإمام الزركشي رحمه الله إلى منهج الإفتاء في باب خاص فقال: «أما المجتهد في حكم خاص فإنما يحتاج إلى قوة قامة في النوع الذي هو فيه مجتهد؛ فمن عرف طرق النظر القياسي له أن يجتهد في مسألة قياسية وإن لم يعرف غيره، وكذا العالم بالحساب والفرائض»(3).

حاجة الفتوى إلى الخبراء من التخصصات المختلفة:

ونعني بالخبراء هنا المراجع المختصة في غير العلوم الشرعية، والذين نحتاج إليهم لتوضيح بعض الجوانب الضرورية التي يُعتمد عليها في بيان الحكم الشرعي، ومن الأمثلة لذلك: بأن يُسأل الأطباء المختصون عما إذا كان المرض الذي أصيب به المستفتي يضر الصوم بصاحبه أم لا؟ أو أن يُسأل الكيمائيون والصيادلة عما إذا كان أنواع الكحول جميعها مسكرة أم لا، من أجل الحكم بنجاستها مثلًا؟ أو بالرجوع إلى علماء الفلك حول قضية ثبوت رؤية الهلال، وهل تلزم رؤيته في بعض البلاد أم سائر البلاد؟

إن هؤلاء الخبراء يعدون مرجعًا مهمًّا للفقهاء من أعضاء هيئات الفتوى؛ إذ يبني هؤلاء الفقهاء الكثير من الأحكام الشرعية على الرؤية التي يعرضها الخبراء.

إلا أن هؤلاء الخبراء لا ينبغي أن يكونوا محكمين في الحكم الشرعي الذي يعتمد على دراية فقهية، إنما يقتصر دورهم على توضيح الأمور المتعلقة باختصاصهم العلمي، والذي يُعد أساسًا للحكم الشرعي الذي يصدره أعضاء هيئة الفتوى بناء على القواعد الواجب التزامها من أسس الاجتهاد في الحكم الشرعي.

1 صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، ابن حمدان (ص٥٨).

2 أخرجه البيهقي في السنن الكبرى رقم (٢٠٣٤١).

3 البحر المحيط في أصول الفقه، الزركشي (٨/ ٢٣٨).

المبحث الرابع

تنظيم الفتوى

لم تعد الارتجالية التي كانت تسير حركة المجتمع البسيط في الماضي تستطيع أن تلبي احتياجات المجتمع بعد تطور الحياة وتعقد العلاقات، وأصبحت كل مرافق المجتمع بحاجة ماسة إلى تنظيم دقيق يضبطها.

والفتوى ليست بدعا من الأمر فهي بنت بيئتها تتأثر بها وتتفاعل معها، ولذلك فهي بحاجة أيضا إلى تنظيم، ويمكن تفصيل هذا في النقاط التالية:

أولا: طرق التعرف على أهلية المفتي.

لقد ذكر الأصوليون المتقدمون الطرق التي يستدل بها العامي على أهلية العالم للفتوى، وأوجبوا على السائل أن يسلكها أو بعضها لمعرفة من يجوز سؤاله، وهذه الطرق التي ذكرها المتقدمون لم تعد تناسب عصرنا الحاضر، إلا أنه يمكن أن ننتقي من هذه الطرق طريقتين بعد تحديثهما حتى تتلاءما مع عصرنا، وهما:

الطريقة الأولى: الشهادة:

والشهادة من الطرق القوية للإثبات في الشريعة الإسلامية كما هو معلوم، وقد روى الخطيب البغدادي بسنده عن الإمام مالك بن أنس أنه قال: «ما أفتيتُ حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك»(1).

وروى عنه أيضًا قوله: «ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل يراني موضعًا لذلك؟ سألت ربيعة، وسألت يحيى بن سعيد فأمراني بذلك. فقلت له: يا أبا عبد الله لو نهوك؟ قال: كنت أنتهي، لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلًا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه».(2)

فهذا نص من إمام دار الهجرة على أن شهادة العلماء بأن الشخص أهل للفتوى طريق صحيح لمعرفة أهليته، وأن الإنسان لا ينبغي أن يعتمد على رأيه في نفسه حتى يسأل غيره.

وقد جاء الإسلام بأن الشهادة لا تكون إلا ممن يعلم حال المشهود عليه، كما قال تعالى: ﴿ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﴾ [يوسف: ٨١].

وروى الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعًا أن النبي  سُئل عن الشهادة فقال: «ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع».

فالشهادة التي تصلح لإثبات أهلية العالم للإفتاء ينبغي أن تكون مستوفية للشروط التالية:

  1. أن تكون الشهادة من العلماء الأثبات المعروفين بالعلم والورع.
  2. أن يكون عددهم كثيرًا بحيث يبعد أن يتفقوا على الخطأ في الحكم على الشخص ومدى قدراته العلمية.
  3. ألا يكتفى في الشهادة بالعبارات الواسعة المحتملة كقولهم: طالب عالم أو من أهل العلم أو ما شابه ذلك، بل لابد من التصريح بأنه أهل للفتوى، إما مطلقًا وإما في باب فقهي معين.

أما فيما يتعلق بالعلماء الذين تُقبل شهادتهم في هذا الباب فهذا الأمر موكول إلى المجامع الفقهية والهيئات الشرعية التي عليها أن تتولى هذا الأمر.

الطريقة الثانية: الاختبار:

ويمكن أن يشهد لهذه الطريقة بالاعتبار قول النبي  لمعاذ: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. الحديث.

فهذا اختبار من النبي  لرجل توسم فيه العلم والنباهة وأراد أن يعينه قاضيًا أو مفتيًا.

ولا بأس في اتباع هذه الطريقة لمعرفة من يصلح للفتوى ومن لا يصلح.

وهذا الاختبار لابد أن يكون من العلماء الثقات الذين يعرفون الشروط الواجب توافرها في المفتي وآدابه.

ويمكن أن تقوم الدول الإسلامية أو المؤسسات الإفتائية أو الهيئات العلمية بتكوين لجان من كبار العلماء فيها لهذا الغرض.

ثانيًا: ضبط وتنظيم العملية الإفتائية.

يبدو أن مشكلة تصدر غير المؤهلين وغير المتخصصين بما يترتب عليها من فوضى الفتاوى واضطرابها والحاجة الملحة إلى تنظيم شئون الفتوى وضبطها لم تقتصر على زماننا فقط، بل كانت مشكلة قديمة أيضًا، مما دعا أهل العلم قديمًا إلى محاربتها ووضع الحلول العاجلة لها؛ يقول الخطيب البغدادي: «ينبغي لإمام المسلمين أن يتصفح أحوال المفتين فمن كان يصلح للفتوى أقره، ومن لم يكن من أهلها منعه منها، وتقدم إليه بأن لا يتعرض لها وأوعده بالعقوبة إن لم ينته عنها»(3).

وفكرة أن يتولى الإمام الإشراف على عملية تنظيم الفتوى هي الأنسب والأليق، حيث إنه هو القائم على تحصيل المصالح العامة للمسلمين ودرء الضرر والمفاسد عنهم.

إن فوضى الفتاوى وصدورها من غير أهلها من غير المؤهلين والمتخصصين يؤدي إلى أضرار جسيمة بالمجتمع لا تقف عند حد إفساد دينهم بل وفساد دنياهم أيضًا، ونحن الآن في عصر التخصص العلمي والانفجار المعرفي والسيولة مما يجعلنا أشد احتياجًا من ذي قبل لأمر تنظيم الفتوى وضبطها بحيث تؤدي الفتوى وظيفتها في المجتمع من صلاح واستقامة في الدنيا والآخرة؛ فإن التنظيم في كل الأمور مفيد ومهم ومطلوب، وقد يصبح واجبًا وضروريًّا، وهو من واجبات الحاكم المسلم الذي يقع عليه أعباء الأمانة وصار مسئولًا عنها؛ فتنظيم السير في الطريق وتنظيم التعليم والقضاء وشئون المساجد وغيرها أصبح من الواجبات على ولاة الأمر، ولذلك تحتاج الفتوى إلى تنظيم دقيق وإشراف أمين نتيجة للأحوال السائدة إيجابيًّا أو سلبيًّا، واحتياطًا من البلبلة والتشويش والاضطراب والمخالفات في دين الله وشرعه، مع تعيين المفتين من الفقهاء الذين تتوفر فيهم شروط الفتوى التي سبق الحديث عنها، وهذا يقتضي وضع نظام وتشريع للفتوى وتحديد أعمالها وتنظيم العمل بها، والتنسيق بين المفتين محليًّا ودوليًّا.

كما يجب على الدولة منع غير المختصين بالفقه والشريعة من إصدار الفتاوى بما فيها من خطر وضرر؛ يقول ابن القيم: “من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضا، قال أبو الفرج بن الجوزي – رحمه الله -: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين؟ وكان شيخنا – رضي الله عنه – (يقصد ابن تيمية) شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجعلت محتسبا على الفتوى؟ فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب؟”(4).

ويرى الكثير من أهل العلم أنه ينبغي زجر غير المتأهلين وتقريعهم و إذا تمادوا فللحاكم أن يقوم بتعزيرهم، يقول القرافي: “ويعزر من تعرض لعلم الشرع من فقيه أو واعظ وخشي اغترار الناس به في سوء تأويل أو تحريف جواب أنكر عليه وأظهر أمره الناس ومن أشكل عليه لا ينكر عليه حتى يختبره”(5).

ويقول ابن حجر الهيتمي: “إن لم يكن متأهلا للإفتاء حرم عليه أن يتجرأ على هذا المنصب الخطير، ووجب على حكام المسلمين زجره عن الدخول فيه فإن لم يمتنع وإلا لزمهم تعزيره التعزير الشديد الزاجر له ولأمثاله عن الخوض في مثل ذلك لما يترتب عليه من إضرار المسلمين بالأمور الباطلة وقد ورد عنه  وعن الصحابة ومن بعدهم أشياء كثيرة في الحط على من سلك هذا السبيل الأقفر بغير حقه فليحذر من لم يتأهل له عن أن تقول له نفسه إنه أهل له فيكون متبوأه النار وبئس المصير”(6).

ثالثًا: صور تعيين المفتين.

يتم اختيار المفتي من قِبَل الجهات المختصة في الدولة لتعيينه مفتيًا رسميًّا ليؤدي وظيفة الإفتاء، ويقوم بعمله موظفًا حكوميًّا يتقاضى راتبًا، ويواظب على أداء العمل في دائرة محددة.

ويأخذ التعيين عدة صور:

  • تعيين المفتي العام للدولة. وهو واحد ليتولى أعلى درجات الإفتاء ويكون مسئولًا عنها، وخاصة في القضايا والمسائل التي تخص الدولة والمجتمع عامة، مما يرد عليه من استفتاءات وأسئلة من أصحاب السلطة أو الوزارات أو المؤسسات لبيان ما يمليه عليه الواجب الديني في تعيين الحكم الشرعي في كل ما يصدر من قوانين وقرارات وأنظمة لبيان شرعيتها.
  • -تعيين مفتٍ في كل مدينة. وقد يكون جميع المفتين من أتباع مذهب فقهي معين، كما لو كان هو المذهب الوحيد السائد في البلاد، وقد يعين عدد من المفتين بحسب المذاهب المنتشرة في البلد وبحسب الأقاليم.
  • تعيين مفتٍ في كل منطقة أو إقليم لتسهيل الأمر على جميع فئات الأمة، وليكون المفتي قريبًا من الوقائع والأحداث، وما يهم الناس أو يهتمون به، ويريدون معرفة حكم الله فيه.
  • تحديد من له حق الإفتاء، ومن يتولى ذلك في المساجد والمؤسسات والفضائيات؛ لاستبعاد الدخلاء الذين يفتون بغير علم ويسيئون إلى الإسلام ويحرفون الأحكام.
  • وإن ما ابتُليت به الفتوى المعاصرة من جرأة الأدعياء على التصدر لها يقتضي من ولاة الأمر بسط إشرافها الرسمي على الإفتاء، وحياطته بسياج الهيبة، وتصفح أحواله، وتأهيل مؤسساته، بشرط ألا يُضيِّق هذا الإشراف من حريات المفتي ويجني على استقلالية الفتوى.
  • ومن واجب ولاة الأمر أن يسعوا إلى ضمان استقلالية المفتين من خلال الانتقاء النزيه لأعضاء المجامع والهيئات الشرعية، وتخصيص ميزانية مستقلة لإدارة شئون الإفتاء.
  • وفي الدول التي يوجد فيها مؤسسات إفتائية فإنه يمكن لهذه المؤسسات أن تقوم بإعداد وإنشاء لائحة أو مدونة تحتوي على أهم الصفات والآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المتصدر للإفتاء بما يتلاءم مع القيم والآداب الشرعية والأعراف والعادات المجتمعية وتقاليد هذه المؤسسة الإفتائية، بحيث تكون هذه الضوابط والقواعد السلوكية والأخلاقية حاضرة دائمًا أمام المتصدرين للفتوى، مما يكون له أعظم الأثر في الضبط السلوكي والقيمي لديهم.

1 الفقيه والمتفقه (٢/٣٢٥).

2 الفقيه والمتفقه (٢/٣٢٥).

3 الفقيه والمتفقه (٢/٣٢٤).

4 إعلام الموقعين عن رب العالمين (٤/١٦٦).

5 الذخيرة، القرافي (١٠/ ٥٠).

6 الفتاوى الفقهية الكبرى، ابن حجر الهيتمي (٢/ ٢٧٨).

اترك تعليقاً