البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

المبحث الثالث: منزلة الإفتاء من الفقه والقضاء

79 views

من المصطلحات التي تتداخل مع الإفتاء مصطلح الفقه ومصطلح القضاء، إلا أنه هناك فرق بينها، وقد أدرك العلماء خصوصية كل مصطلح منها وإن كان هناك قدرا مشتركا بينها، يقول التقي السبكي: “اعلم يا أخي أن العلماء الكاملين المبرزين يجيئون من الفقه على ثلاث مراتب:

إحداها: معرفة الفقه في نفسه، وهو أمر كلي؛ لأن صاحبه ينظر في أمور كلية وأحكامها كما هو دأب المصنفين والمعلمين والمتعلمين، وهذه المرتبة هي الأصل.

الثانية: مرتبة المفتي وهي النظر في صورة جزئية وتنزيل ما تقرر في المرتبة الأولى فعلى المفتي أن يعتبر ما يسأل عنه وأحوال تلك الواقعة، ويكون جوابه عليها فإنه يخبر أن حكم الله في هذه الواقعة كذا بخلاف الفقيه المطلق المصنف المعلم لا يقول في هذه الواقعة، بل في الواقعة الفلانية وقد يكون بينها وبين هذه الواقعة فرق ولهذا نجد كثيرا من الفقهاء لا يعرفون أن يفتوا، وأن خاصية المفتي تنزيل الفقه الكلي على الموضع الجزئي وذلك يحتاج إلى تبصر زائد على حفظ الفقه وأدلته ولهذا نجد في فتاوى بعض المتقدمين ما ينبغي التوقف في التمسك به في الفقه ليس لقصور ذلك المفتي معاذ الله بل؛ لأنه قد يكون في الواقعة التي سئل عنها ما يقتضي ذلك الجواب الخاص فلا يطرد في جميع صورها وهذا قد يأتي في بعض المسائل، ووجدناه بالامتحان والتجربة في بعضها ليس بالكثير، والكثير أنه مما يتمسك به فليتنبه لذلك فإنه قد تدعو الحاجة إليه في بعض المواضع فلا نلحق تلك الفتوى بالمذهب إلا بعد هذا التبصر.

المرتبة الثالثة: مرتبة القاضي وهي أخص من رتبة المفتي؛ لأنه ينظر فيما ينظر فيه المفتي من الأمور الجزئية وزيادة ثبوت أسبابها ونفي معارضتها، وما أشبه ذلك، وتظهر للقاضي أمور لا تظهر للمفتي فنظر القاضي أوسع من نظر المفتي ونظر المفتي أوسع من نظر الفقيه، وإن كان نظر الفقيه أشرف وأعم نفعا.

إذا علمت هذا فالفقه عموم شريف نافع نفعا كليا، وهو قوام الدين والدنيا والفتوى خصوص فيها ذلك وتنزيل الكلي على الجزئي من غير إلزام والحكم خصوص الخصوص فيها ذلك وزيادات: إحداها الحجج والأخرى الإلزام”(1)

وحتى يتضح لنا الفرق بين المصطلحات الثلاثة علينا أولا أن نوضح معنى كل واحد منها، وقد سبق بيان معنى الإفتاء وبقي لنا أن نوضح معنى الفقه، والقضاء.

تعريف الفقه:

الفقه لغة: الفهم، وقيل هو فهم غرض المتكلم من كلامه، وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع: هو فهم الأشياء الدقيقة، فلا يقال فقهت أن السماء فوقنا. وقال الآمدي: هو الفهم وهذا هو الصواب فقد قال الجوهري: الفقه الفهم تقول فقهت كلامك بكسر القاف أفقه بفتحها في المضارع أي فهمت أفهم. قال الله تعالى: ﴿ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﴾ [النساء: ٧٨] . وقال تعالى: ﴿ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﴾ [هود: ٩١] وقال تعالى: ﴿ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ﴾ [الإسراء: ٤٤](2).

واصطلاحا: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.(3)

وقيل: هو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، كالعلم بأن النية في الوضوء واجبة، وأن الوتر مندوب وأن النية من الليل شرط في صوم رمضان، وأن الزكاة واجبة في مال الصبي، وغير واجبة في الحلي المباح، وأن القتل بمثقل يوجب القصاص، ونحو ذلك من مسائل الخلاف، بخلاف ما ليس طريقه الاجتهاد، كالعلم بأن الصلوات الخمس واجبة، وأن الزنا محرم، ونحو ذلك من المسائل القطعية فلا يسمى فقهاً.(4)

تعريف القضاء:

القضاء لغة: الحُكْمُ.(5)

واصطلاحا هو: إلزام ذي الولاية بحكم شرعي بعد الترافع إليه.

ومن خلال تعريف كل من الإفتاء والفقه والقضاء يتضح لنا أن هناك علاقة قوية بين المصطلحات الثلاثة ومع ذلك فهناك أمور يمتاز بها كل واحد منها عن غيره، يمكن إجمالها فيما يلي:

الفرق بين الإفتاء والفقه والقضاء:

  1. الفقيه: يستنبط أحكام الله تعالى من الأدلة التفصيلية، وتلك الأحكام تحقق مقاصد الشريعة الكلية.
  2. المفتي: يدرس الواقع ثم يلتفت إلى الفقه ليأخذ منه حكم الله تعالى في مثل هذه الواقعة بما يحقق مقاصد الشريعة.
  3. القاضي: يتدخل لتغيير الواقع ويلزم أطراف النزاع بما عليه حكم الله تعالى، وقد تتشابك تلك الوظائف بعضها مع بعض فيقوم القاضي بدور الفقيه أو المفتي، ويقوم الفقيه بدور المفتي؛ إلا أنه سيظل هناك فرق بين تلك المعاني ووظائف القائمين عليها، ويمكن تلخيص ما هنالك فيما يلي:

مثال: الفقيه يقول: إن الخمر حرام لقوله تعالى: ﴿ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﴾ [المائدة: ٩٠].

والمفتي يول للمضطر بعد أن عرف حاله وطبق القاعدة الشرعية بوجوب أخف الضررين ودفع المفسدتين: اشرب الخمر مع حرمتها حتى لا تهلك.

والقاضي يقيم الحد على من شرب الخمر، ولا يقيمه على المضطر ويحكم بإراقة الخمر..

  1. ومن الفروق كذلك أن القرابة والصداقة والعداوة لا تؤثر في صحة الفتوى كما تؤثر في القضاء والشهادة، فيجوز أن يفتي أباه أو ابنه أو صديقه أو شريكه أو يفتي على عدوه، فالفتوى في هذا بمنزلة الرواية؛ لأن المفتي في حكم المخبر عن الشرع بأمر عام لا اختصاص له بشخص، ولأن الفتوى لا يرتبط بها إلزام، بخلاف حكم القاضي.

ويجوز أن يفتي نفسه، ونقل أبو عمرو بن الصلاح عن صاحب الحاوي أن المفتي إذا نابذ في فتياه شخصا معينا صار خصما، فترد فتواه على من عاداه كما ترد شهادته عليه إذا وقعت.

وعلى ما سبق يتضح أن المفتي مخبر عن الحكم للمستفتي، والقاضي ملزم بالحكم وله حق الحبس والتعزير عند عدم الامتثال، كما أن له إقامة الحدود والقصاص.(6)

  1. ومن الفروق أيضا أن الفتوى محض إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة، أما الحكم: فإخبار مآله الإنشاء والإلزام.

فالمفتي –مع الله تعالى- كالمترجم مع القاضي ينقل عنه ما وجده عنده وما استفاده من النصوص الشرعية بعبارة أو إشارة أو فعل أو تقرير أو ترك.

والحاكم (القاضي) –مع الله تعالى- كنائب ينفذ ويمضي ما قضى به –موافقا للقواعد- بين الخصوم.

  1. أن كل ما يتأتى فيه الحكم تتأتى فيه الفتوى ولا عكس، ذلك أن العبادات كلها لا يدخلها الحكم (القضاء) وإنما تدخلها الفتيا فقط، فلا يدخل تحت القضاء الحكم بصحة الصلاة أو بطلانها، وكذلك أسباب العبادات كمواقيت الصلاة ودخول شهر رمضان وغير هذا من أسباب الأضاحي والكفارات والنذور والعقيقة؛ لأن القول في كل ذلك من باب الفتوى وإن حكم فيها القاضي، ومن ثم كانت الأحكام الشرعية قسمين:

الأول: ما يقبل حكم الحاكم مع الفتوى، فيجتمع الحكمان كمسائل المعاملات من البيوع والرهون والإيجارات والوصايا والزواج والطلاق.

الثاني: ما لا يقبل إلا الفتوى كالعبادات وأسبابها وشروطها وموانعها.

وعليه فإن الفتوى أعم من القضاء من جهة الموضوعات التي تتناولها، ويزيد القضاء في الإلزام، وكذلك تفارق الفتوى القضاء في أن هذا الأخير إنما يقع في خصومة يستمع فيها القاضي إلى أقوال المدعي والمدعى عليه، ويفحص الأدلة التي تقام من بينة وإقرار وقرائن، أما الفتوى فليس فيها كل ذلك، وإنما هي واقعة يبتغي صاحبها الوقوف على حكمها من واقع مصادر الأحكام الشرعية.

ويختلف المفتي والقاضي عن الفقيه المطلق؛ بأن القضاء والفتوى أخص من العلم بالفقه؛ لأن هذا أمر كلي يصدق على جزئيات أو قواعد متنوعة، وبعبارة أخرى: فإن عمل المفتي والقاضي تطبيقي، وعمل الفقيه تأصيل لقاعدة أو تفريع على أصل مقرر.(7)

  1. ومنها أن المفتي يفتي بالديانة –أي باطن الأمر- ويدين المستفتي، والقاضي يقضي على الظاهر كما جاء في مسائل الطلاق “لو سبق لسانه من قول أنت حائض مثلا إلى أنت طالق فإنه يقع قضاء فقط، وعما لو نوى بأنت طالق الطلاق من وثاق فإنه قضاء فقط أيضا. وأما الهازل فيقع طلاقه قضاء وديانة لأنه قصد السبب عالما بأنه سبب فرتب الشرع حكمه عليه أراده أو لم يرده كما مر، وبهذا ظهر عدم صحة ما في البحر والأشباه من أن قولهم إن الصريح لا يحتاج إلى النية إنما هو القضاء. أما في الديانة فمحتاج إليها أخذا من قولهم: ولو نوى الطلاق عن وثاق أو سبق لسانه إلى لفظ الطلاق يقع قضاء فقط أي لا ديانة لأنه لم ينوه. وفيه نظر لأن عدم وقوعه ديانة في الأول لأنه صرف اللفظ إلى ما يحتمله، وفي الثاني لعدم قصد اللفظ، واللازم من هذا أنه يشترط في وقوعه ديانة قصد اللفظ وعدم التأويل الصحيح. أما اشتراط نية الطلاق فلا بدليل أنه لو نوى الطلاق عن العمل لا يصدق ويقع ديانة أيضا كما يأتي مع أنه لم ينو معنى الطلاق وكذا لو طلق هازلا. (قوله عن وثاق) بفتح الواو وكسرها القيد وجمعه وثق كرباط وربط مصباح وعلم أنه لو نوى الطلاق عن قيد دين أيضا (قوله دين) أي تصح نيته فيما بينه وبين ربه تعالى لأنه نوى ما يحتمله لفظه فيفتيه المفتي بعدم الوقوع. أما القاضي فلا يصدقه ويقضي عليه بالوقوع لأنه خلاف الظاهر بلا قرينة”(8)
  2. ومن الفروق أيضا أن المفتي ليس من شأنه أن يفحص الأدلة والبينات واستجلاب الشهود، وهذا من صميم عمل القاضي.

وقد أدرك العلماء حقيقة التفرقة بين تصرفات القاضي وتصرفات المفتي حتى في أفعال رسول الله ، فقد فرق بينها الإمام القرافي فقال: “اعلم أن رسول الله  هو الإمام الأعظم والقاضي الأحكم والمفتي الأعلم فهو  إمام الأئمة وقاضي القضاة وعالم العلماء فجميع المناصب الدينية فوضها الله تعالى إليه في رسالته وهو أعظم من كل من تولى منصبا منها في ذلك المنصب إلى يوم القيامة فما من منصب ديني إلا وهو متصف به في أعلى رتبة غير أن غالب تصرفه  بالتبليغ لأن وصف الرسالة غالب عليه ثم تقع تصرفاته  منها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعا ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة ومنها ما يختلف العلماء فيه لتردده بين رتبتين فصاعدا فمنهم من يغلب عليه رتبة ومنهم من يغلب عليه أخرى ثم تصرفاته  بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة فكل ما قاله  أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكما عاما على الثقلين إلى يوم القيامة فإن كان مأمورا به أقدم عليه كل أحد بنفسه وكذلك المباح وإن كان منهيا عنه اجتنبه كل أحد بنفسه وكل ما تصرف فيه – عليه السلام – بوصف الإمامة لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام اقتداء به – عليه السلام – ولأن سبب تصرفه فيه بوصف الإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك وما تصرف فيه  بوصف القضاء لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بحكم حاكم اقتداء به  ولأن السبب الذي لأجله تصرف فيه  بوصف القضاء يقتضي ذلك”(9)

1 فتاوى السبكي، تقي الدين السبكي (٢/ ١٢٢، ١٢٣).

2 نهاية السول شرح منهاج الوصول، الإسنوي (ص: ٨).

3 السابق: (ص: ١١).

4 شرح الورقات في أصول الفقه، ، المحلي (ص٦٨، ٦٩).

5 القاموس المحيط، الفيروزآبادي (ص: ١٣٢٥) مادة (قضي).

6 راجع تقديم كتاب الإفتاء المصري من الصحابي عقبة بن عامر إلى الدكتور علي جمعة، (ص٢٦) وما بعدها.

7 راجع تقديم الدكتور على جمعة لكتاب الإفتاء المصري، (ص٢٨) وما بعدها.

8 حاشية رد المحتار على الدر المختار، ابن عابدين (٣/ ٢٥٠، ٢٥١).

9 الفروق، القرافي (١/ ٢٠٥، ٢٠٦).

اترك تعليقاً