البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

المقدمة

66 views

إنَّ التسارع الذي تشهده الأحداث اليومية في هذا العصر، مع ترابط وتعقد العلاقات وتشابكها، والانفتاح الكبير على العالم، وانتقال التأثيرات في ثوانٍ معدودة من بلد إلى آخر، تطلَّب هذا محاولةً لتفهم هذه التشابكات ودراستها؛ لكي يستطيع أصحاب القرار أن يتوقعوا الأحداث التي قد تؤثر في الواقع ومعرفة مقدار التأثير واتساعه، ومن هنا تكمن أهمية الدراسات المستقبلية.

ولأن رسالة الإسلام رسالة ربانية عالمية فإنَّ أهل الحل والعقد والمفتين يقع على عاتقهم دورٌ كبير ومسئولية بالغة في استشراف المستقبل، وتفهم التغيرات المتسارعة حولهم، سواء على الصعيد المحلي أو العالمي، وإن كان الفقه غلب عليه المحلية فإنه مع التغيرات التي تشهدها الساحة العربية والدولية تؤذن الأوضاع بدخول مرحلة جديدة للفكر والخطاب الإسلامي يكون عالمي الطابع، يستوعب الشعوب والأمم قاطبة؛ خصوصًا مع تيسر وسائل التواصل والاتصال، وانتشار المسلمين في كل بلاد الأرض.

وهذا يتطلب الإعداد لهذه المرحلة الجديدة لما يمكن أن نتوقعه في المستقبل، من خلال اقتناص الفرص وتجنب المخاطر.

ولا يهدف استشراف المستقبل إلى التكهن بتفاصيل أحداث المستقبل، لا للأفراد ولا للمجتمع الإنساني، فهذا مجاله التنجيم والكهانة المنهي عنها شرعًا، ولكن الدراسات المستقبلية هي مهارة عملية تهدف إلى استقراء التوجهات العامة في حياة البشر، التي تؤثر بنظام معين في مسارات الأفراد والأمم.

واستشراف المستقبل من الموضوعات الحديثة، وهو يجعل الفقيه ذا سعة واطلاع على الأمور الفقهية، وله اعتبار مهم في استنباط الأحكام وتنزيلها؛ لما يُبنى عليه من تحقيق للمقاصد، لكن ينبغي التحوط في تقديره حتى لا ينتهي الأمر إلى الاستشراف الموهوم فيبنى عليه حكم في غير موضعه، فيكون في ذلك خطأ في تقرير أحكام الشريعة أو تنزيلها، ولذلك ينبغي ألا يعتبر في الاستشراف إلا ما يتحقق العلم به على وجه اليقين أو الظن الغالب.

والأمة بها حاجة إلى استشراف المستقبل في كل مجالات الحياة، وبخاصة في مجال الفقه وقضاياه المستحدثة ونوازله الممكنة الوقوع، لاسيما وأن الشريعة الإسلامية اهتمت بالمصالح والمفاسد في الحاضر والمستقبل، وقعَّدت لذلك القواعد الكثيرة؛ فلا بد من الاستعداد لكل نائبة متوقعة من نوائب الدهر عن طريق الاستشراف والتخطيط المسبق.

لذا ينبغي للعقل الإسلامي المعاصر التصالح مع المستقبل والانفتاح عليه استشرافًا وتخطيطًا وعملًا كي نحرر العقول من التعصب، ونأخذ من الماضي المشرق والحاضر المستنير بالدليل من أجل الاهتمام بقضايا المستقبل.

اترك تعليقاً