البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

مصادر الفتوى الحنفية

28 views

1-          «فتاوى النوازل» لأبي الليث السمرقندي.

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو أبو الليث إمام الهدى نصر بن محمد بن ابراهيم السمرقندي الحنفي.

ب ـ نشأتُه وشيوخُه:

تفقَّه الشيخ أبو الليث رحمه الله في صغره على والده محمد بن إبراهيم التوذي وكان فقيهًا فاضلًا، وقد نقل كثيرًا من أقواله في «تفسيره».

وتفقه كذلك على الفقيه أبي جعفر الهندواني، والخليل بن أحمد القاضي السجزي، ومحمد بن الفضل بن أنيف البخاري.

ج ـ أشهر تلاميذه:

من أشهر تلاميذه: أبو بكر محمد بن عبد الرحمن الترمذي، ولقمان بن حكيم الفرغاني راوي كتبه، وأبو مالك نعيم الخطيب، وأبو سهل أحمد بن محمد، وأبو عبد الله طاهر بن محمد الحدادي.

د ـ أبرز مصنفاته:

له كثير من المصنفات النفيسة؛ منها: «تفسير القرآن العظيم»، و«النوازل» في الفقه، و«خزانة الفقه»، و«تنبيه الغافلين»، و«بستان العارفين»، و«عيون المسائل»، و«تأسيس النظائر»، و«مقدمة الصلاة»، و«عمدة العقائد»، و«فضائل رمضان»، و«المقدمة» في الفقه، و«شرح الجامع الصغير» في الفقه، و«دقائق الأخبار في بيان أهل الجنة وأهوال النار»، و«مختلف الرواية» في الخلافيات بين أبي حنيفة ومالك والشافعي، و«شرعة الإسلام» في الفقه، و«تفسير جزء عم يتساءلون» ، و«رسالة في أصول الدين».

هـ ـ وفاتُه:

قد اختلف في تاريخ وفاته؛ فذكر الذهبي في السير أنه توفي رحمه الله في جمادى الآخرة سنة خمس وسبعين وثلاثمائة (375هـ)، وذكر صاحب الجواهر المضية أنه توفي سنة (373هـ)، أما صاحب تاج التراجم فذكر أنه توفي سنة (393)، وذُكر غير ذلك([1]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب «فتاوى النوازل» جمع فيه المؤلف كثيرًا من المسائل والأحكام الشرعية النافعة للمتصدرين للفتوى على المذهب الحنفي مرتبة على الأبواب الفقهية، وقد ألفه الإمام السمرقندي نزولًا على رغبة من سألوه وضعَ كتاب فقهي جامع لما يُحتاج إليه في الحوادث، جامعًا للأحكام على المذهب([2]).

قدَّم المؤلف لكتابه بكلمة مقتضبة عن موضوعه وهدفه وسبب تأليفه للكتاب، ثم أتبع ذلك أربعين كتابًا شاملةً للأحكام الفقهية مرتبة على الترتيب المعتاد في كتب الفقه الإسلامي؛ ابتدأ تلك الكتب بالحديث عن أحكام العبادات من الطهارة، ثم الصلاة، ثم الزكاة، فالصوم، فالحج، ثم أردف ذلك بالحديث عن أحكام النكاح، والطلاق، والعتق، والأيمان، ثم الحديث عن أحكام التجارات والشركات وغيرها الكثير من المعاملات الإسلامية، ثم انتقل الإمام السمرقندي في هذا الكتاب إلى الحديث عن آداب وشروط القضاء والقضاة، وأنه لا يجوز لغير المتخصص أن يخوض غمار القضاء والإفتاء، وعليه حينئذ أن يتوجه إلى تقليد أحد المذاهب المعتبرة، صيانةً لحقوق العباد وإخلاء العالم من الفساد.

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

يتميز كتاب «فتاوى النوازل» للسمرقندي بأنه منسوب لأحد أئمة السادة الحنفية في القرن الرابع الهجري، ويوثق منهج الإفتاء والتأليف في هذا العصر، الأمر الذي يفيد المتصدرين للفتوى في دراسة حالات الإفتاء والمفتين في فترة زمنية متقدمة قريبة من عهد الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين، كما أن الكتاب تميز في مقدمة تحقيقه بوضع المصطلحات الفقهية المعتمدة في المذهب الحنفي؛ ليفيد منها الدارسون والمفتون.

وقد دعم الإمام أبو الليث كتابه بالأدلة من القرآن الكريم والأحاديث والآثار في المسائل التي تحتاج إلى ذلك، واهتم -بجانب تدقيقه لمسائل كتابه وترجيح ما يراه صوابًا- بذكر أقوال أئمة المذهب الحنفي، ثم أقوال أئمة باقي المذاهب ما اتفق منها وما اختلف، وبخاصة الشافعي ومالك، مما يعطي الكتاب قوة ومرجعية. وقد اهتم في مقدمة كل كتاب فقهي غالبًا -وقبل ذكر مسائله- بذكر تمهيد بسيط يتصدره التعريف والحكم الفقهي.

وهو كتاب صحيح النسبة لمؤلفه؛ فقد ذكر اسمه في مقدمته فقال: «وسميته فتاوى النوازل»([3])، وكذا نسبه إليه أصحاب كتب التراجم وفهارس الكتب.

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال أبو الليث السمرقندي: «مسلم عدل أخبر بنجاسة الماء لا يجوز التوضؤ به، بل يتيمم عند وجود ذلك الماء، وقول الفاسق لا يعتبر فيه، وكذلك مستور الحال، وقول الكافر لا يعتبر إلا إذا غلب على ظنه أنه صادق، والأولى أن يترك الماء، وقول الصبي فيه كقول الفاسق».
  • وقال: «فصل في طلاق المريض: إذا طلق الرجل امرأته في مرض موته طلاقًا بائنًا، فمات وهي في العدة ورثت منه، وإن مات بعد انقضاء العدة فلا ميراث لها» ثم ذكر خلاف الشافعي ومالك رحمهما الله في المسألة.
  • وقال: «رجل شرب الخمر فصدع فزال عقله بالصداع فطلق امرأته لا يقع، وهذا إذا لم تكن البينة شديدًا، أما إذا كان شديدًا فيقع على قياس قول محمد؛ لأنه حرام عنده. ولو زال عقله بالسكر فطلق امرأته لا يقع، وكذا لو زال عقله بالبنج ولبن الرماك، أو شرب دواء فسكر فطلق امرأته لا يقع».
  • وقال: «وإذا وقعت الفرقة بين الزوجين فالأم أحق بالولد؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لامرأة: ((أنت أحق ما لم تتزوجي))([4])، ولأن الأم أشفق وأقدر على الحضانة فكان الدفع إليها أفضل».
  • وقال: «لا يحل الأكل والشرب والادهان والتطيب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء للحديث المعروف؛ ولأنه تشبه بذي المشركين وتنعيم المسرفين، وكذا الأكل بملعقة الفضة والذهب، والاكتحال بميل الذهب والفضة، ولا بأس باستعمال الزجاج والبلور والعقيق خلافًا للشافعي رحمه الله».
  • وقال: «فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… إنما يلزمه إذا عَلِم أن يُتعظ به، أما إذا علم أنه لا يُتعظ به لا يلزمه ذلك، ولا يأثم بتركه، وينبغي أن يكون التعريف أولًا باللطف والرفق ما يكون أبلغ في الموعظة والنصيحة، ثم التعريف بالقول لا بالسب، ثم باليد… قيل: للأمراء باليد، وللعلماء باللسان، وللعوام بالقلب».
  • وقال: «رجل ظهر الفسق في داره ينبغي لجاره أن يعظه، وإن لم يمتنع يخبر الإمام وهو إن شاء أدبه وإن شاء أزعجه».
  • وقال: «كافر أسلم وهو شيخ، قال أهل البصرة: هو لا يُطيق شق الختن يترك؛ لأن الواجبات تترك بالأعذار والسنن أولى، وكذا المسلم الذي لم يختن حالة الصغر ثم كبر».
  • وقال: «رجل له خصم، فمات خصمه ولا وارث له؛ يتصدق عن صاحب الحق مقدار حقه حتى يكون وديعة عند الله فيوصل إلى خصمه يوم القيامة».
  • وقال: «ومن أوصى لرجل بثلث ماله لآخر بثلث ماله ولم يجز الورثة، فالثلث بينهما نصفان؛ لأنهما تساويا في سبب الاستحقاق فيتساويان في الاستحقاق والمحل يقبل الشركة».

 

 

2-          «النتف في الفتاوى» للسغدي.

 

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو أبو الحسن علي بن الحسين بن محمد السغدي الحنفي.

ب ـ نشأتُه وشيوخُه:

أصله من السُّغد بنواحي سمرقند، وقد سكن بخارى وولي بها القضاء، وانتهت إليه رياسة الحنفية.

قال السمعاني: «سكن ببخارى، وكان إمامًا فاضلًا، وفقيهًا مناظرًا، وسمع الحديث».

من أشهر شيوخه: إبراهيم بن مسلم البخاري.

ج ـ أشهر تلاميذه:

روى عنه شمس الأئمة السرخسي «السير الكبير»، ومن تلاميذه أيضًا: عثمان بن إبراهيم بن محمد الفضلي البخاري([5])، وأبو بكر بن نصر الكرابيسي.

د ـ أبرز مصنفاته:

من أشهر كتبه: «النتف في الفتاوى»، و«شرح الجامع الكبير» في فروع الفقه الحنفي.

هـ ـ وفاتُه:

توفي رحمه الله ببخارى سنة إحدى وستين وأربعمائة (461هـ)([6]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب «النتف في الفتاوى» مهَّد فيه المؤلف لصياغة القواعد الفقهية بطريقة عصرية؛ بحيث يقدم للمفتين مجموعة عملية يرجعون إليها في الإفتاء تضم حصيلة من تراث الفقه الإسلامي([7]).

ويشتمل الكتاب على مسائل في الأبواب والفصول الفقهية المعروفة، بالإضافة إلى مجموعة من الفتاوى والأقوال والآراء للإمامين أبي حنيفة، والشافعي، وغيرهما، وبدأ المؤلَّف بكتاب المياه، ثم كتاب الطهارة، ثم كتاب التيمم، ثم كتاب الصلاة إلى أن اختتم بكتاب السبق، ثم ألحقَ بالكتاب مجموعة من القواعد الفقهية المنسوبة للإمام السغدي.

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

يتميز كتاب «النتف في الفتاوى» بالروح الإحصائية في تقعيده للقواعد حيث جمع السغدي القواعد الشاردة من مختلف أبوابها؛ فهو يحرص على أن يحصي كل احتمال ممكن فيما قعده من القواعد، فنجده فصَّل كثيرًا في تقسيماته وعرض وجوه كل مسألة مع ربط حديثه بالواقع المعيش أحيانًا كثيرة، فكان كتابه جامعًا بين المنطقية والواقعية، ولا يميل الكتاب إلى الشرح والتعليل بل يقتصر على تقعيد القواعد العامة والتفصيلية بأسلوب موجز متوخيًا بذلك تيسير مهمة القضاء والإفتاء والتدريس.

كما أن السغدي يعزو مختلف الأقاويل إلى المذاهب وكبار العلماء المجتهدين سواء في عصره أو عصر الصحابة والتابعين.

كما أن الكتاب تميز بسرد القواعد الفقهية مجردة عن التنظير والأخذ والرد وإيراد المناقشات عليها، وهي ميزة من شأنها أن تجعل هذا المصنف مرجعًا لطيفًا من مراجع فكرة تقنين الفقه الإسلامي، كما يتميز الكتاب بجمعه بين آراء المذاهب الفقهية السنية وغير السنية بعناية ودقة مع الإيجاز والوضوح وبكل حيادية، فكان علامة على نبذ التعصب المذهبي وكذلك نبذ الانتصار للرأي الشخصي.

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال السغدي رحمه الله: «فأما ما ينزل من السماء فعلى خمسة أوجه: المطر، والثلج، والبرد، والطل، والجليد. فكل هذه الخمسة طاهر تجوز به الطهارة وإزالة النجس».
  • وقال: «ولا يستنجى بخمسة أشياء: أحدها: برجيع. والثاني: بروث. والثالث: بعظم. والرابع: بخزف. والخامس: بزجاج. كما جاء في الخبر».
  • وقال: «الطلاق السني: وأما السني بشرائطه خمس: أحدها: أن يكون الطلاق واحدة. والثاني: أن تكون المرأة مدخولًا بها. والثالث: أن تكون طاهرة من الحيض والنفاس. والرابع: أن يكون رحم المرأة طاهرًا خاليًا من ماء الرجل. والخامس: ألا تكون حاملًا. وكل طلاق يكون مع هذه الشرائط الخمس فهو سني، وإلا فهو بدعي في قول أبي عبد الله».
  • وقال فيما يشترط في القاضي من صفات: «أحدها العلم، وهو أن يكون عالمـًا بكتاب الله وسنن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يحكم بكتاب الله، ثم بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجد ذلك فيما ذكرنا اجتهد رأيه، وما اشتبه عليه من شيء يشاور فيه أهل العلم».
  • وقال: «اعلم أن الأحكام على أربعة أقسام: قسم منها لا تقوم بينتها إلا بشهادة طائفة من الناس، وهي أربعة: صيام شهر رمضان وإفطاره إذا كانت السماء مصحية ولم يكن في السماء علة. والثاني: لا تقوم ولا تصح إلا بشهادة أربعة شهود رجال عدول، وهي الرجم وحد الزنا. والثالث: لا يقوم ولا يصح إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين وهي أكثر أحكام المسلمين. والرابع: أن يقوم بشهادة امرأة واحدة عدلة فصاعدًا، وهي التي لا يطلع عليها الرجال من أحكام النساء في قول أبي يوسف ومحمد وأبي عبد الله».
  • وقال: «ويجوز للحاكم أن ينسخ حكمه ويحكم بما رأى إذا كان ذلك مما يختلف فيه الناس، أي: من الأمور الاجتهادية، فإن كان مما لا يختلف فيه المسلمون فلا يجوز له أن ينقضه؛ لأنه ليس للحاكم أن ينفرد بنفسه فيما يحكم».
  • وقال: «ولو أن بهيمة لرجل لا يعلفها، فإنه يجبر على علفها في قول مالك والشافعي والشيخ، ولا يجبر عليه في قول أبي حنيفة وصاحبيه وهو آثم».
  • وقال: «وليس للموصي أن يقرض مال اليتيم، ولا للأب بلا خلاف، وللحاكم أن يقرض من ذلك في قول أبي حنيفة وصاحبيه، ولا يجوز ذلك في قول مالك والشيخ».
  • وقال: «ولا تجوز الوصية في سبعة أشياء وإن أجازها الورثة: أحدها: في المعاصي. والثاني: في إفساد شيء. والثالث: في تبذير المال. والرابع: في التكفين بغير السنة. والخامس: في أن يكفن بالديباج والحرير والميتة وما يكره منها من المصبوغات وجلود السباع ونحوه. والسادس: أن يحمل جثمانه من بلد إلى آخر ويحتاج إلى مؤنة ونفقة في ذلك. والسابع: أن يوصي بأن يدفن في داره، فلا يجوز إلا أن يجعل داره مقبرة لقرابته وللمسلمين فيجوز».
  • وقال: «وأما الموصى له فلو أن رجلًا لا يكون له وارث بوجه من الوجوه، فأوصى بماله لرجل فإنه جائز، ويكون المال للموصى له جميعًا في قول أبي حنيفة وصاحبيه وأبي عبد الله وشريك، وفي قول مالك والشافعي والأوزاعي والشيخ ليس له أن يوصي بأكثر من الثلث والباقي لبيت المال».

 

 

 

3-             “الواقعات” لابن مازه.

 

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو حسام الدين أبو محمد([8]) عمر بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مازه البخاري برهان الأئمة المعروف بالصدر الشهيد، شيخ الحنفية في زمانه.

ب ـ نشأتُه وشيوخُه:

وُلد رحمه الله في صفر سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة (483هـ).

تفقه بأبيه العلامة أبي المفاخر حتى برع وصار يضرب به المثل. ومن شيوخه أيضًا: علي بن محمد بن خدام، وأبو سعد أحمد بن الطيوري، وأبو طالب بن يوسف، ومسعود بن الحسن بن الحسين الكشاني.

ج ـ أشهر تلاميذه:

تفقه على الإمام ابن مازه وسمع منه خلق، منهم: ابنه محمد بن عمر بن عبد العزيز بن مازه، وبرهان الإسلام محمد بن محمد السرخسي، وأبو الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني صاحب الهداية، وأبو علي بن الوزير الدمشقي، وأبو محمد عمر بن محمد بن عمر العقيلي.

د ـ أبرز مصنفاته:

من أبرز مصنفات الإمام ابن مازه: “الجامع” في الفقه، و”الفتاوى الصغرى”، و”الفتاوى الكبرى”، و”المبسوط” في الخلافيات، و”عمدة المفتي والمستفتي”، و”شرح أدب القاضي للخصاف”، و”شرح الجامع الصغير”.

هـ ـ وفاتُه:

توفي رحمه الله بسمرقند شهيدًا في صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة (536هـ) وله ثلاث وخمسون سنة([9]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب “الواقعات الحسامية” جمع فيه المؤلف المسائل الفقهية المتعلقة بالعبادات والمعاملات، مرتبة على أبواب الفقه المعروفة، معتمدًا في ذلك الجمع على مصادر الفقه الحنفي المتقدمة كالمبسوط والزيادات وشرح الجامع الصغير والأمالي وغيرها([10]).

ويقوم منهج المؤلف على إيراد المسائل الفقهية بطريقة افتراض المسائل التي تقع للإنسان سواء مع ذاته في مجال العبادات، أو مع غيره في مجال المعاملات، فيبدأ غالب مسائله بقوله: رجل فعل كذا… أو امرأة فعلت كذا… أو حصل له أو لها كذا… ثم يشرع في الإجابة.

ويشتمل الكتاب على مجموعة من أحكام الفقه على المذهب الحنفي، التي سبق بها الإمام ابن مازه قدماء الفقهاء، ورتب الكتاب على الأبواب الفقهية المعروفة، وقد قسم الكتب الفقهية إلى خمسة أبواب، بينها في مقدمة الكتاب المخطوط، وكان يشير لها بقوله في كل كتاب: باب (كذا). وأشار علامة النون إلى “نوازل أبي الليث”، ثم بعلامة العين إلى “مسائل العيون”، ثم بعلامة الواو إلى “واقعات الناطفي”، ثم بعلامة الباء إشارة إلى الشيخ أبي بكر محمد بن الفضل، ثم بعلامة السين إشارة إلى “فتاوى سمرقند”([11]).

وتلك الواقعات انتخاب وترتيب لكتاب “الفتاوى الكبرى” للمؤلف، ثم هذبت هذه الواقعات وزيد عليها ما يجانسها على مر العصور؛ مستفيدًا في ذلك من “النوازل” لأبي الليث، و”الواقعات” للناطفي، و”فتاوى أبي بكر بن الفضل”، و”فتاوى أهل سمرقند”.

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

يُعدُ كتاب “الواقعات” لابن مازه من أهم كتب النوازل في فقه السادة الحنفية، التي تميزت بالاختصار وسهولة التناول. وهو كتاب صحيح النسبة لمصنفه بداية من وجود اسم المصنف واضحًا على نسخ الكتاب الخطية؛ ثم عزو أصحاب كتب التراجم وفهارس الكتب ذلك الكتاب لمصنفه ابن مازه؛ كحاجي خليفة في كشف الظنون([12])، والزركلي في الأعلام([13]).

وقد اهتم به كبار علماء المذهب الحنفي؛ مثل الإمام محمد بن محمد الكاشغري الذي ينسب له كتاب “تهذيب الواقعات”، وقام الإمام محمود بن أحمد بن عبد العزيز البخاري صاحب “المحيط البرهاني” بترتيب “الواقعات” لابن مازه، وزاد عليه ما يجانسه ويوافقه، ورتبه أيضًا الشيخ نجم الدين الخاصي، ثم قام ظهير الدين أبو المكارم الحنفي بضم طائفة أخرى من الواقعات إلى واقعات ابن مازه وسماها “الفتاوى الظهيرية”، وقال في مقدمتها: إن الشيخ الإمام حسام الدين الشهيد كان أشد الناس اهتمامًا بتحرير علم الأحكام، فقصر مسافة الطالبين إلى علم الدين بما لخص من حقائقه لا سيما كتاب “الجامع لنوازل الأحكام”.

ولقد نالت تلك “الواقعات” كثيرًا من الاهتمام، وهو الأمر الواضح من كثرة نقل العلماء عنه.

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال ابن مازه رحمه الله: “رجل أراد أن يتوضأ فمنعه رجل عن التوضؤ بوعيد، قيل: ينبغي أن يتيمم ويصلي ثم يعيد الصلاة بعدما زال عنه؛ لأن هذه من جهة العباد فلا يسقط عنه فرض العبادة”.
  • وقال: “ميت وجد في الماء لا بد من غسله؛ لأن الخطاب بالغسل توجه على بني آدم”.
  • وقال: “المريض إذا لم يستطع الصلاة إلا مضطجعًا فنام في الصلاة انتقض وضوؤه؛ لأنه نام مضطجعًا حقيقة، وإن نام قاعدًا أو قائمًا لا ينقض، والنوم مضطجعًا ينقض الوضوء لاسترخاء المفاصل معه”.
  • وقال: “جُنبٌ ومسلمٌ ميت، ووجد ماء لا يكفي إلا لأحدهما يُغسل الجُنب ويُيمم الميت؛ لأن غسل الجنابة ثبت فريضة بنص القرآن، وغسل الميت ثبت في السنة فهذا دونه”.
  • وقال: “إمامة صاحب الجرح السائل للأصحاء لا تجوز؛ لأن طهارته ضرورية فلا يطهر في حق جواز صلاة القوم”.
  • وقال: “الرجل إذا كان تعلم بعض القرآن ولم يتعلم الكل، فإذا وجد فراغًا كان تعلم القرآن أفضل من صلاة التطوع؛ لأن حفظ القرآن على الأمة فرض، وتعلم الفقه أولى من ذلك؛ لأن تعلم جميع القرآن فرض على الكفاية، وتعلم ما لا بد منه من الفقه فرض عين، والاشتغال بفرض العين أولى”.
  • وقال: “المصلي إذا دعاه أحد أبويه لا يجيبه ما لم يفرغ من الصلاة، إلا أن يستغيث من يقين له شيء منه؛ لأن قطع الصلاة لا يجوز إلا للضرورة، وكذلك الأجنبي إذا خاف أن يسقط من سطح أو تحرقه النار أو يغرق في الماء وجب عليه أن يقطع الصلاة وإن كان في الفريضة”.
  • وقال: “القابلة إذا اشتغلت بالصلاة فخافت أن يموت الولد لا بأس بأن تؤخر الصلاة وتقبل على الولد؛ لأن تأخير الصلاة عن الوقت لعذر يجوز، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة عن وقتها يوم الخندق وهو يوم الأحزاب، وكذا المسافرون إذا أطاقوا اللصوص وقطاع الطرق جاز لهم أن يؤخروا؛ لأن لهم عذرًا”.
  • وقال: “رجل كان بالمفازة فأخبره رجلان أن القبلة إلى هذا الجانب، ووقع اجتهاده إلى جانب آخر، فإن لم يكونا من أهل ذلك الموضع وهما مسافران مثلًا لا يلتفت إلى قولهما؛ لأنهما أقرا بالاجتهاد فلا يترك اجتهاده باجتهاد غيره، وإن كانا من أهل ذلك الموضع يأخذ بقولهما؛ لأن الخبر في كون حجته فوق الاجتهاد”.
  • وقال: “رجل حج مرة فأراد أن يحج مرة أخرى فالحج أفضل أم الصدقة؟ فالمختار أن الصدقة أفضل؛ لأن الصدقة تطوع يعود منفقها إلى غيره والحج لا”.

 

 

4-             “الفتاوى الولوالجية”.

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو ظهير الدين أبو الفتح عبد الرشيد بن أبي حنيفة بن عبد الرزاق بن عبد الله الولوالجي، من أهل ولوالج بلدة من طخارستان بلخ.

ب ـ نشأتُه وشيوخُه:

كانت ولادته رحمه الله بولوالج من طخارستان في جمادي الأولى سنة سبع وستين وأربعمائة (467هـ). وسكن بسمرقند، قال السمعاني: إمام فاضل حسن السيرة ورد بلخ وتفقه بها على أبي بكر محمد بن علي القزاز، ثم ورد بخارى وتفقه بها على علي بن الحسن البرهان البلخي مدة مديدة، ثم ورد سمرقند واختص بأبي محمد محمد بن أيوب القطواني، وكتب الأمالي عن جماعة من الشيوخ، وسكن كش مدة ثم انتقل إلى سمرقند.

ومن شيوخه أيضًا: أبو القاسم الخليلي سمع منه كتاب شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي عيسى الترمذي.

ج ـ أشهر تلاميذه:

قال أبو المظفر عبد الرحيم ابن السمعاني: “لقيته وسمعت منه وكان إماما فقيها فاضلا حنفي المذهب حسن السيرة”. ومن تلاميذه أيضًا: افتخار الدين أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب.

د ـ أبرز مصنفاته:

بجانب كتاب “الفتاوى” من أهم كتب الوالوالجي أيضًا كتاب “الأمالي”.

هـ ـ وفاتُه:

توفي رحمه الله بولوالج بعد سنة (540 هـ)([14]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب “الفتاوى الولوالجية” جمع فيه المؤلف الفتاوى التي وصلت إليه من العلماء كالصدر الشهيد، والفقيه أبي الليث وأبي جعفر الهنداوي، وآخرين، ثم قام بالإضافة عليها كثيرًا حتى أحاط بمادة الفقه الإسلامي إحاطة شاملة في جميع أبوابه([15]).

وقد قدَّم المؤلف لكتابه بكلمة مقتضبة عن موضوع الكتاب والباعث على تأليفه، وأنه قد فصَّل ما أورده الشيخ حسام الدين الصدر الشهيد في كتابه “الجامع لنوازل الأحكام التي تعم به بلوى الأنام” وضم إليه ما اتفق سواه من الواقعات المهمة القريبة، وضم إليه ما اشتملت عليه كتب الإمام محمد بن الحسن رحمه الله تعالى مما لا بد من معرفته لأهل الفتوى من قضايا الدين وأحكام الهدى؛ ليكون كتابًا جامعًا لأصول الفقه وقواعده([16]).

ثم أورد بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالعبادات كالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ثم انتقل بعد ذلك للحديث عن أحكام النكاح، والطلاق، والعتق، والأيمان، ثم الحديث عن أحكام التجارات والشركات وغيرها الكثير من المعاملات الإسلامية.

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

يتميز كتاب “الفتاوى الولوالجية” بأنه ضم ما اشتملت عليه كتب الإمام محمد بن الحسن الشيباني، التي تعد المرجع الأول لفقه الإمام أبي حنيفة، وكذلك أدب القضاء للطحاوي والمبسوط للسرخسي والكافي للحاكم الشهيد، وغيرها، ويعد من الكتب المهمة التي قدمت للأمة الإسلامية مجموعة من فتاوى الأئمة السابقين، التي يندر وجودها؛ وهي فتاوى “الجامع لنوازل الأحكام التي تعم به بلوى الأنام” للإمام الصدر الشهيد عمر بن عبد العزيز بن مازه الشهير بالحسام الشهيد المتوفى سنة (536هـ)؛ حيث نص الإمام الولوالجي على ذلك، فقام ببيان مبهمها، وتفصيل مجملها، بما سهل على الحفاظ والمفتين جمعها ودراستها وفهمها.

وقد ظهرت قوة المصنف العقلية وسعة علمه في سرده للمسائل وبيانه الأوجه التي يمكن أن توجد في المسألة، فقد راح يرجح بين الأوجه ويبين أقوال الأئمة الأصحاب ملزمًا نفسه بالتدليل لكل قول راجح على غيره ومبينًا ضعف قول المخالف، وحاول أن يكون منهجه الدليل من القرآن أو السنة أو الإجماع، لكن متى لم يعثر عليه كان الطريق الثاني له القياس والاستحسان حتى يضع سندًا قويًّا متينًا يبين به صحة المسألة المفتى بها([17]).

كما ضم الكتاب واقعات مهمة يندر وقوعها، وضم أيضًا من تراث الإمام محمد بن الحسن ما لا بد من معرفته لأهل الفتوى من قضايا الدين وأحكام الهدى؛ فكان كتابًا جامعًا لأصول الفقه وقواعده وشوارده، ينال منه المستفيد منيته ويُدرك به الـمُفيد بغيته ويستريح من مطالعة الكتب الحاوية.

وقد اختُلف في نسبة الكتاب، هل هي لأبي الفتح عبد الرشيد الولوالجي المتوفى 540هـ، أو لأبي المكارم إسحاق بن أبي بكر الحنفي الولوالجي المتوفى 710هـ؟ فقد نسبه صاحب كشف الظنون للثاني([18])، غير أن اللكنوي في الفوائد البهية قال: “فيه خطأ ظاهر من وجوه عديدة” ورجح أنه لصاحبنا الأول([19]). أما الزركلي فقد ذكر في أعلامه الكتاب في ترجمة كلا الرجلين([20])!! والحقيقة أن الكتاب صحيح النسبة لعبد الرشيد الولوالجي؛ لأن مصنف كتاب “الفتاوى الولوالجية” قد صرح في ثنايا كتابه بسماعه من الصدر الشهيد المتوفى سنة 536هـ؛ فيستحيل أن تكون وفاة ذلك المصرح في القرن الثامن الهجري، ناهيك عن كون الصدر الشهيد مذكورًا في مشيخة عبد الرشيد الولوالجي.

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال عبد الرشيد الولوالجي رحمه الله: “الجلود كلها تطهر بالدباغ إلا جلد الآدمي والخنزير، أما الآدمي فإن الانتفاع به حرام لتعظيمه، وأما جلد الخنزير فلأنه لا يقبل الدباغ”.
  • وقال: “المرأة إذا جامعها زوجها فاغتسلت ثم خرج منها مني الزوج لا يجب عليها الغسل بالإجماع؛ لأن هذا ليس ماءها، وكان بمنزلة الحدث”.
  • وقال: “إن وجد في فراشه بللًا أو على فخذيه وقد رأى رؤيا أو لم ير وجب الغسل في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا يجب الغسل حتى يتيقن أنه قد احتلم”.
  • وقال: “الجورب إذا كان من الجلد ويلبس معهما النعلين جاز في قولهم، وإذا كان من الصوف فهما ثخينين، فيه خلاف معروف؛ عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يجوز، وعندهما يجوز، وروى محمد بن سلمة بإسناده عن أبي حنيفة أنه مسح على الجوربين قبل موته بثلاثة أيام. فرجع إلى قولهما وعليه الفتوى”.
  • وقال: “من سقط فأصاب رجله وجع لا يقدر على القيام ولا على غسل رجليه يتوضأ ويمسح على ذلك العضو ولا يتيمم إلا من عجز عن غسل أكثر الأعضاء، فحينئذ يجوز له التيمم، وكذلك الجنابة؛ لأن للأكثر حكم الكل، وإن كانوا سواء يغسل ويمسح حتى قال محمد: إن كان على اليدين قرح لا يقدر على الغسل وفي وجهه مثل ذلك يتيمم، وإن كان بيده خاصة توضأ”.
  • وقال: “المحبوس في المصر إذا لم يقدر على الماء يتيمم ويصلي ثم يعيد، وعن أبي يوسف أنه لا يعيد؛ لأنه عاجز عن استعمال الماء فجاز له التيمم، وإنا نقول: العجز جاء من قبل العباد فلا يؤثر في إسقاط حق الله تعالى، أما إذا حبس في السفر لا يعيد؛ لأن الأصل ثمة عدم الماء؛ فبالحبس تحقق ما هو الأصل”.
  • وقال: “إذا أراد إنسان قراءة القرآن يستحب أن يكون على أحسن الأحوال؛ فيلبس صالح ثيابه ويتعمم ويستقبل القبلة؛ لأن القارئ يجب عليه تعظيم القرآن، والعالم تعظيم العلم”.
  • وقال: “المصحف إذا صار كهنًا، إن صار بحال لا يقرأ فيه ويخاف أن يضيع يجعل في خرقة طاهرة ويدفن؛ لأن المسلم إذا مات يدفن فالمصحف إذا كان كذلك كان دفنه أفضل من وضعه موضعًا يخاف عليه أن تقع عليه النجاسة أو نحو ذلك”.
  • وقال: “حريق وقع في محلة، فهدم إنسان دار غيره بغير أمر صاحبها حتى انقطع الحريق من داره، فهو ضامن إن لم يعمل بإذن السلطان أو نائبه؛ لأنه أتلف مال الغير لكن بعذر فيضمن، ولا يأثم كالمضطر”.
  • وقال: “رجل مات بالبادية فلصاحبه أن يبيع جهازه ومتاعه ويحمل الدراهم إلى أهله؛ لأنه مقيم بالحسبة”.

 

 

 

5-             “الفتاوى الخانية” لفخر الدين قاضيخان.

 

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو فخر الدين أبو المحاسن حسن بن منصور بن محمود البخاري قاضيخان الحنفي الأوزجندي الفرغاني.

ب ـ نشأتُه وشيوخُه:

كان رحمه الله إمامًا في الأصول والفروع، عدَّه المولى ابن كمال باشا من أصحاب طبقة الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب؛ كالخصَّاف والطَّحَاوي وغيرهما.

تفقه على الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي نصر الصفاري الأنصاري، والإمام ظهير الدين أبي الحسن علي بن عبد العزيز المرغيناني، ونظام الدين أبي إسحاق إبراهيم بن علي المرغيناني، وظَهير الدين أبي علي الحسن بن مازه، وعن جده محمود.

ج ـ أشهر تلاميذه:

تفقه على الإمام قاضيخان كثير من الفضلاء، منهم: شمس الأئمة محمد بن عبد الستار الكردري، وجمال الدين محمود بن أحمد الحصيري، وصاحب الخلاصة طاهر بن أحمد البخاري، ونجم الأئمة الحكيمي، والخاصي، والصدر الكبير صاحب المحيط، وبرهان الإسلام الزَّرنوجي، وخلق.

33د ـ أبرز مصنفاته:

للإمام قاضيخان الكثير من المصنفات النافعة، من أبرزها: “شرح الجامع الصغير”، و”شرح الزيادات”، و”شرح أدب القاضي للخصاف”، و”الواقعات”، و”الأمالي”، و”المحاضر”.

هـ ـ وفاتُه:

توفي رحمه الله ليلة الإثنين خامس عشر رمضان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة (592هـ)، ودفن عند القضاة السبعة([21]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب “الفتاوى الخانية”، أو “فتاوى قاضيخان” في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان جمع فيه المؤلف جملة من المسائل التي يغلب وقوعها، وتمس الحاجة إليها([22]).

ويشتمل كتاب “فتاوى قاضيخان” على كثير من الفتاوى الفقهية في وقائع متنوعة، وقد رتبها الإمام على ترتيب الكتب الفقهية المعروفة بين العلماء فرعًا وأصلًا؛ فبدأ كتابه بكلمة تمهيدية تحدث فيها عن منهج الإفتاء، وصفة المجتهد بإيجاز شديد، ثم انطلق في سرد المسائل الفقهية والفتوى فيها بداية من الطهارة، والصلاة، والزكاة، والحج، ثم ذكر بعد ذلك سائر أنواع البيوع.

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

يُعد كتاب “فتاوى قاضيخان” من أصح الكتب التي يُعتَمد عليها في الإفتاء والعمل في مذهب السادة الحنفية، وما يميزه أن الإمام اقتصر فيه على قول أو قولين فيما كَثُرَت فيه الأقاويل من المتأخرين، وقَدَّم ما هو الأظهر، وافتتح بما هو الأشهر، كما قال في خطبته، ووضع له فِهرسًا مفصلًا، فهو كتاب معتمد ومشهور ومقبول ومتداول عند العلماء والفقهاء كافة، وكان ما ذكر فيه من فتاوى نصب عين من تصدر للقضاء والإفتاء على حد سواء.

وهو كتاب صحيح النسبة إلى مصنفه؛ حيث نسبه له أصحاب كتب التراجم وفهارس الكتب؛ كصاحب الجواهر المضية، وصاحب كشف الظنون([23]).

وقد رتبه الإمام قاضيخان ترتيبًا حسنًا، فقسمه إلى كتب وأبواب وفصول ومطالب، مما يعين الباحث إلى الوصول لبغيته بأقل جهد.

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال الإمام قاضيخان رحمه الله: “ولو قال لامرأته: وكلتك بطلاقك. يقتصر على المجلس، وهو تفويض؛ كما لو قال لها: طلقي نفسك”.
  • وقال: “ولو أخذ القاضي من المدعى عليه -أو أمين القاضي- كفيلًا بالنفس بطلب المدعي أو بغير طلبه، فسلمه الكفيل إلى القاضي برئ، وإن سلمه إلى الطالب لا يبرأ، هذا إذا لم يضف القاضي أو أمينه الكفالة إلى الطالب، فإن أضاف وقال له القاضي أو أمينه: إن المدعي يطلب منك كفيلًا بالنفس فأعطه كفيلًا بنفسك. فسلم الكفيل إلى القاضي أو إلى أمينه لا يبرأ، وإن سلمه إلى الطالب برئ”.
  • وقال: “ولو أن مديونًا قال لرجل: ادفع إلى فلان ألف درهم قضاء عن دينه الذي له عليَّ، على أني ضامن لها. فقال المأمور: قضيت. وصدقه الآمر، وأنكر الطالب وحلف أنه لم يقبض منه شيئًا؛ كان القول قول الطالب ولا يبرأ الغريم عن دينه، ولا يرجع المأمور على الآمر”.
  • وقال: “قوم دخلوا على رجل بيتًا ليلًا أو نهارًا وشهروا عليه سلاحًا وهددوه حتى صالح رجلًا عن دعواه على شيء، أو أكرهوه على إقرار أو إبراء ففعل، قالوا: في قياس أبي حنيفة رحمه الله تعالى يجوز الصلح والإقرار والإبراء؛ لأن عنده الإكراه لا يكون إلا من السلطان، وعند صاحبيه تحقيق الإكراه من كل متغلب يقدر على تحقيق ما أوعد. والفتوى على قولهما”.
  • وقال: “رجل بنى في الطريق الأعظم بناء بغير إذن الإمام، فإن كان ذلك يضر بالطريق يكون آثمًا بما صنع، وإن كان لا يضر لا يكون آثمًا إلا أنه لو عثر به إنسان أو دابة فعطب كان ضامنًا، ويكون لكل واحد من آحاد الناس حق المنع والمطالبة بالرفع”.
  • وقال: “رجل له هدف في داره، فرمى إلى الهدف فجاوز سهمه داره فأفسد شيئًا في دار رجل آخر أو قتل نفسًا؛ كان ضامنًا، ويكون ضمان المال في مال الرامي، ودية القتل على عاقلة الرامي”.
  • وقال: “رجل اشترى أضحية وأمر رجلًا بذبحها، وقال: تركت التسمية عمدًا. ضمن الذابح قيمة الشاة للآمر ليشتري الآمر بقيمتها شاة أخرى، ويضحي ويتصدق بلحمها ولا يأكل. هذا إذا كان أيام النحر باقية، فإن مضت أيام النحر يتصدق بقيمتها على الفقراء”.
  • وقال: “رجل استعار من رجل ثورًا، فقال له المعير: أعطيك غدًا. فلما كان الغد أخذ المستعير الثور من بيته عند غيبته واستعمله ومات في يده كان ضامنًا؛ لأنه أخذ بغير إذنه”.
  • وقال: “رجل خرج في طلب العلم بغير إذن والديه لا بأس به ولم يكن هذا عقوقًا، قيل: هذا إذا كان ملتحيًا، فإن كان أمرد صبيح الوجه فلأبيه أن يمنعه من الخروج، ولو أراد أن يخرج للحج وأبوه كاره لذلك قالوا: إن كان الأب مستغنيًا عن خدمته لا بأس بأن يخرج، وإن لم يكن مستغنيًا لا يسعه الخروج”.
  • وقال: “الزوجة والأمة إذا تصدقت يرجع إلى العرف إن كان بمقدار المتعارف تكون مأذونة بذلك، قال مولانا رضي الله عنه: وفي عرفنا المرأة والأمة لا تكون مأذونة بالتصدق بالنقد، وإنما تكون مأذونة بالمأكولات”.

 

 

6-             “صنوان القضاء وعنوان الإفتاء” للأُشْفُورقاني.

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو عماد الدين أبو المحامد محمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد الخطيب القاضي الأُشْفُورقاني، نسبة إلى أُشْفُورقان من قرى مرو الروذ والطالقان.

ب ـ نشأتُه وشيوخُه:

وُلد الشيخ رحمه الله في أواخر القرن السادس الهجري.

وكان أحد الفقهاء المشهورين في الهند، ولي قضاء الممالك بحضرة دهلي في رابع ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة (639هـ) في أيام مسعود شاه، فاستقل به زمانًا، ثم اتهم بأمر وعُزل عن القضاء يوم الجمعة تاسع ذي الحجة سنة ست وأربعين وستمائة (646هـ).

جـ ـ وفاتُه:

قُتل رحمه الله بعد عزله عن القضاء بأمر عماد الدين ريحان الحاجب يوم الإثنين ثاني عشر من ذي الحجة سنة ست وأربعين وستمائة (646هـ)([24]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب “صنوان القضاء وعنوان الإفتاء” جمع فيه الأُشْفُورقاني خلاصة ما كتب في علم القضاء في الإسلام، وذلك بعد اطلاعه على كتب المتقدمين في هذا الفن، بالإضافة إلى أنه جمع فيه بعض الواقعات التي تكررت في مجالس القضاء والإفتاء؛ ليستفيد منها المعاصرون له واللاحقون به في فتاويهم وأقضيتهم([25]).

والكتاب مرتب على أبواب وفصول وأنواع ترتيبًا حسنًا؛ فقد عقد المصنف خمسة أبواب في الكتاب، وكل باب مشتمل على فصول، وكل فصل يحتوي على أنواع، وقد ابتدأ الإمام الأُشْفُورقاني كتابه بفاتحة تمهيدية تحدث فيها عن تعريف القضاء وبيان فضيلته وشرفه، ثم بين الشروط الواجب توافرها في الشخص حتى يصير مؤهلًا للقضاء والاجتهاد، وأفرد بابًا تحدث فيه عن أدب القضاء وحكم تقليد القضاء والإفتاء، ثم انتقل الإمام إلى بيان ما يتعلق بشهادة الشهود وإقرارهم ومن تقبل شهادته ومن لا تقبل، ثم بيَّن حكم أخذ الأجرة على القضاء والإفتاء وكل عمل لخدمة المسلمين، ثم بدأ الإمام بالحديث عن بعض أحكام الشرع الشريف؛ مثل: حكم إحياء الموات، وأحكام بيت مال المسلمين، ومقدار الزكاة، وبيان مصارف هذه الأموال، ثم تحدث بعد ذلك عن بيان جواز الوصية واستحبابها وألفاظها وما تجوز فيه وما لا تجوز، ثم اختتم كتابه النفيس بالحديث عن أحكام الدعاوى والبينات.

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

يعتبر كتاب “صنوان القضاء وعنوان الإفتاء” للقاضي الأشفورقاني من أهم الكتب التراثية التي تضمنت الكثير من المسائل التي تكثر الحاجة إليها في باب القضاء، والحوادث التي يحتاج القضاة والمفتون إلى معرفة حكمها لإنزاله على ما يعرض لهم من المشكلات المتكررة، وهي مسائل متنوعة بين أحكام الشهادات والديات والحدود والكفارات ومقادير الزكاة والبيوع والوصايا والإقرار وأحكام إحياء الموات. قال المصنف رحمه الله: “واصطفيت المسائل الدوارة على باب القضاء، متجددة وقعتها متكررة خصومتها شهرًا فشهرًا، بل أسبوعًا فأسبوعًا”([26]).

كما تضمن الكتاب الحديث عن فضائل القضاء وصفات القضاة والآداب التي لا بد أن يتحلوا بها، وما الذي يجب عليهم فعله وما الذي لا يجب، قال الأشفورقاني: “وهو كتاب ينتفع به المفتي كما ينتفع به القاضي، وهو نعم العون لكتبة ديوان القضاء في كتابة المحاضر والسجلات، وللوكلاء في الدعاوى والخصومات، وللشهداء عند أداء الشهادات، وأما المتوسط فمضطر إليه عند المصالحة، والمزكي عند التزكية، والحكم عند قطع الخصومة”([27]).

كما أن الكتاب يمثل أهمية خاصة لدى دارسي العلوم الإسلامية بشكل عام وأصول الفقه على نحو خاص؛ حيث نرى الإمام الأشفورقاني في هذا الكتاب يذكر المسائل الفقهية ويذكر أقوال الفقهاء فيها ويعرض لاختلافاتهم في حكمها. كما يتصل كتاب “صنوان القضاء وعنوان الإفتاء” بالعديد من فروع العلوم الإسلامية؛ بما في ذلك السيرة النبوية المطهرة، والحديث الشريف، وأصول التفسير، وغير ذلك من التخصصات الفقهية.

والكتاب صحيح النسبة لمصنفه، ومما يقوي ذلك أن النسخ الخطية تتفق على نسبة الكتاب إلى المصنف، وكذلك ورد ذكره في إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون([28]).

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال الأشفورقاني رحمه الله: “وذكر أستاذ الأئمة في الأقضية عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: أهل القضاء من كان فيه العدالة والعلم بكتاب الله ناسخه ومنسوخه، وحلاله وحرامه، وأمره ونهيه، والعلم بسنة رسول الله، وأن يكون من أهل الاجتهاد، وألا يكون محدودًا في قذف”.
  • وقال: “فمن اتخذ القضاء مكسبة للدنيا فهو على خسران في الآخرة والأولى؛ لأن القضاء بحق عبادة لله تعالى وفرض عليه، والقاضي مؤدٍّ عن نفسه ما عليه، بل القضاء أفضل العبادات؛ لأن نفع القضاء عام ونفع سائر العبادات خاص”.
  • وقال: “تكذيب المشهود له الشهود وتفسيقه إياهم قبل القضاء يمنع القضاء، وبعد القضاء يبطل القضاء على ما عليه إشارات الأصل والجامع”.
  • وقال: “ولا ينبغي لأحد أن يفتي الناس إلا إذا كان مخصوصًا بالعلم والأمانة والعدالة والوقوف على أدلة الشرع، إلا أن يفتي بشيء قد سمعه فإنه يكون حاكيًا لا مفتيًا، وكان بمنزلة الراوي، فيشترط فيه ما يشترط في الرواية من العقل والضبط والإسلام والعدالة”.
  • وقال: “ولا ينبغي للقاضي أن يكون فظًّا غليظًا جبارًا، بل يكون لينًا من غير ضعف، قويًّا من غير عنف، يشتد حتى يستوفي الحقوق، ويداري كيلا ينفي القلوب”.
  • وقال: “ولا ينبغي للقاضي أن يجلس للقضاء إلا وهو مقبل على الحجج مفرغ نفسه لذلك؛ لأنه مأمور بالقضاء بحق، وإدراك الصواب وجهة الحق إنما يظهر له إذا اجتهد في حال فراغ البال واعتدال الأحوال، والإقبال على الحجج إنما يمكنه إذا لم يكن له هم أو نعاس أو غضب، فإذا دخل فيه شيء من هذه الأشياء كف عن القضاء حتى يزول ما دخل عليه”.
  • وقال: “وينبغي للقاضي أن يقدم الأسبق فالأسبق، ولا يقدم أحدًا جاء غيره قبله لفضل سلطانه ومنزلته؛ لأن نظر القاضي لهم بسبب الدين، فالسلطان وغيره في ذلك سواء”.
  • وقال: “وذكر في الفتاوى الكبرى: ينبغي للقاضي ألا يستعجل في قطع الخصومة ويدافعهم قليلًا لعلهم يصطلحون. وذكر في العيون: إذا اختصم إلى القاضي إخوة أو بنو الأعمام فينبغي أن يدافعهم قليلًا ولا يعجل بالقضاء بينهم؛ لأن القضاء وإن وقع بحق فربما يقع سببًا للعداوة بينهم”.
  • وقال: “وإن نسي القاضي مذهبه وقضى برأي غيره، ثم تذكر رأيه، قال أبو حنيفة رحمه الله: ينفذ قضاؤه ولا يرد، ويعمل برأيه في المستقبل. وقال أبو يوسف رحمه الله: يرد، وهو الصحيح من قول محمد رحمه الله أيضًا. وإن لم يكن له رأي في المسألة فاستفتى فقيهًا فأفتاه، فقضى بفتواه، ثم حدث له رأي؛ لا يُرد القضاء، ويعمل بالرأي الحادث في المستقبل”.
  • وقال: “ولا يجوز للقاضي أن يقضي لوكيله ولا لوكيل وكيله؛ لأن الوكيل في الخصومة سفير ومعبر؛ فيكون القضاء واقعًا للموكِّل، والقضاء لنفسه باطل لما ذكرنا؛ ولأن القضاء يعتمد مقضيًّا له ومقضيًّا عليه ولم يوجد”.

 

 

7-             “الفتاوى الغياثية” لداود بن يوسف الخطيب.

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو داود بن يوسف الخطيب.

صنف رحمه الله كتاب “الفتاوى الغياثية” وأهداه للسلطان أبي المظفر غياث الدين اليمين([29]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب “الفتاوى الغياثية” جمع فيه المؤلف ما اختاره مشاهير المتقدمين، وأفتى به نحارير المتأخرين؛ وذلك بعد أن رأى اختلاف الفقهاء حول مسألة الاستخلاف في المسائل الستة عند أبي حنيفة وصاحبيه، فقام المؤلف بجمع ما صح من الروايات عن أبي حنيفة وصاحبيه وغيرهم، وما أفتوا به من الواقعات من كل كتاب؛ وذلك ليسهل الأمر على المفتين حال الإفتاء.

وقد جمع المؤلف تلك الفتاوى من عدة مصادر في الفقه الحنفي؛ منها: المنتقى، والذخيرة، والمنتهى، والشامل، والزيادات، وجامع الفتاوى والأجناس، ونظم الأشرف الزندوستي، وفتاوى الشيخ الكشي، وفتاوى أهل سمرقند، وفتاوى الشيخ الصاعدي، ومجموع البقالي الخوارزمي، وفتاوى الشيخ أبي بكر محمد بن الفضل البخاري، وواقعات الصدر الشهيد حسام الدين، والعيون والنوازل، وفوائد نجم الدين النسفي، وجامع الأصول، وغيرها([30]).

ورغبة في عدم الإطالة فقد رمز المصنف لهذه الكتب برموز تدل على الكتاب بإيجاز؛ فقال: “فالمنقول من المنتقى معلم بالميم، والمأخوذ من المجرد موسوم بالجيم، وما أثبته من البقالي أعلمته بالباء، وما أخذته من الجامع الحسامي سميته بالحاء، وما أوردته من فتاوى الكشي ذكرته بالكاف…”.

ويشتمل كتاب “الفتاوى الغياثية” على مسائل متنوعة، مرتبة على ترتيب الأبواب الفقهية، ابتدأها المؤلف بكتاب الطهارة، وذكر فيها أحكامًا عدة، ثم ذكر كتاب الصلاة، ثم الزكاة فالصوم، ثم تحدث عن أنواع المعاملات، واختتم كتابه بالحديث عن مسائل في كتاب الوصايا.

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

يعتبر كتاب “الفتاوى الغياثية” نموذجًا تطبيقيًّا واضحًا على مسألة التوثيق في الفتوى، واتصال سند السادة المفتين بعضهم ببعض، وذلك واضح من خلال تصريح المؤلف بأنه ضم في كتابه ما اختاره مشاهير المتقدمين ليستفيد منه نحارير المتأخرين حال فتواهم.

كما أن الكتاب يعتبر رافدًا مهمًّا لكلٍّ من المفتي والمستفتي على حد سواء؛ فيعرف المتصدر للفتوى من خلاله ما أجمع عليه أتباع المذهب الحنفي من الأحكام والفتاوى في بعض المسائل، كما أنه من الكتب التي اعتمدت طريقة الإيجاز في عرض الاستفتاء والجواب عليه، ويتميز الكتاب بأنه جمع بين ما كانت عليه الفتوى في المذهب الحنفي قديمًا وما هي عليه حديثًا، وكذلك ما عدل عنه علماء الحنفية من الأحكام الشرعية من أقوال السلف إلى أقوال الخلف لعموم البلوى به.

والكتاب صحيح النسبة لمصنفه؛ فقد صرح رحمه الله باسمه واسم كتابه في مقدمته؛ فقال: “قال العبد الراجي رحمة ربه المجيب داود بن يوسف الخطيب… سميت كتابي هذا الفتاوى الغياثية ليشتهر الكتاب اشتهارًا…”([31]). وقد نسبه له أيضًا صاحب إيضاح المكنون.

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال داود بن يوسف الخطيب رحمه الله: “وسئل أبو نصر رحمه الله تعالى عمن يغسل الدابة فيصيبه من مائها أو عرقها، قال: لا يضره. قيل له: فإن كانت تمرغت في روثها وبولها؟ قال: إذا جف وتناثر وذهب عينه لا يضره. فعلى هذا إذا جرى الفرس في الماء وابتل ذنبه وضرب به على راكبه ينبغي ألا يضره”.
  • وقال: “حد صيرورة الإنسان صاحب عذر بسبب الرعاف ونحوه، وحد صيرورة المرأة مستحاضة سواء، والحد في ذلك أن يستمر الدم بها وقت صلاة كاملًا اعتبارًا للثبوت بالسقوط، وقد شرط استيعاب الانقطاع وقتًا كاملًا لسقوط العذر، حتى إن المستحاضة إذا انقطع دمها مقدار وقت صلاة كامل تخرج من أن تكون مستحاضة، وإن كان أقل من ذلك لا”.
  • وقال: “المسافر أو المريض إذا أفطرا في رمضان لا تبطل عنهما صدقة الفطر؛ لأن سبب الوجوب موجود في حقهما وهو طلوع الفجر يوم الفطر”.
  • وقال: “إن كتب إلى امرأته بطلاقها في رسالة وأقر أنه كتابه، وقال: لم أعن به الطلاق. طلقت ولم يصدق أنه لم ينوِ، كما لو قال: أنت طالق. ثم قال: لم أنوِ به. وذكر بعد هذا خلاف هذا الجواب أنه يصدق ديانة؛ لأنه لم يتكلم به. والصحيح ما مر”.
  • وقال: “لبس الثياب الجميلة مباح إذا كان لا يتكبر بها، وتفسير ذلك أن يكون معها كما كان قبلها”.
  • وقال: “ذكر مساوئ أخيه المسلم على وجه الاهتمام لا بأس به؛ لأن الغيبة على وجه النقيصة. لو كان الرجل يصلي ويصوم ويضر بالناس يدًا ولسانًا فذكره بما فيه ليس بغيبة بالحديث”.
  • وقال: “مات وعليه دين نسيه، فإن كان من تجارة يرجى ألا يؤاخذ به؛ لأن النسيان مرفوع، وإن كان من غصب يؤاخذ به؛ لأنه كان في أوله قطع مال رجل ظلمًا. والأفضل لصاحب المال أن يحلله؛ لأنه لو رآه في نار الدنيا فأنقذه منها كان مكتسبًا أجرًا عظيمًا، فكذا إذا أنقذه من نار الآخرة”.
  • وقال: “إذا أمر غيره بأخذ مال الغير فالضمان على الآخذ، ولا رجوع على الآمر؛ لأن الأمر لم يصح. كذا في كل موضع لا يصح الأمر، فالضمان على المأمور من غير رجوع”.
  • وقال عن الانتفاع بالأضحية: “فيطعم منها الغني والفقير، ويهب منها ما شاء لغني ولفقير، ولمسلم ولذمي، وإن أكل الكل أو أطعم الكل كان جائزًا واسعًا، والصدقة أفضل، إلا أن يكون معيلًا فالأفضل أن يدعه لعياله ويوسع عليهم”.
  • وقال: “لمن لا بد له من شراء شيء من الأشياء ولا يستقر قلبه أن يشتريه بعد السؤال والتصرف مخافة الشبهة، فإن كان في بلد غلب في سوقهم الحلال لا يسأل؛ عملًا بالظاهر حتى يوجد المعارض، وإن كان في بلد غلب في سوقهم الحرام، أو كان في وقت غلب في أسواقه الحرام، وكان البائع مختلط الحال يكتسب من حلال وحرام؛ لا بأس بالسؤال وهو حسن”.

 

8-             “المختار للفتوى” لابن مودود الموصلي.

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو مجد الدين أبو الفضل عبد الله بن محمود بن مودود بن محمود الموصلي الحنفي.

ب ـ نشأتُه وشيوخُه:

قال أبو العلاء الفرضي: كانت ولادته بالموصل في يوم الجمعة سلخ شوال سنة تسع وتسعين وخمسمائة (599هـ).

كان شيخًا فقيهًا عالما فاضلًا مدرسًا عارفًا بالمذهب، وكان قد تولى قضاء الكوفة ثم عُزل، ورجع إلى بغداد ورُتب مدرسًا بمشهد الإمام أبي حنيفة رحمه الله.

والشيخ رحمه الله له مشيخة كبيرة جليلة؛ فقد سمع بالموصل من: أبي حفص عمر بن طبرزد، ومن صاحب جامع الأصول المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم، وأخيه علي بن محمد، وأبي الفتح محمد بن عيسى بن ترك الخاص. وسمع بالمدرسة الصارمية من المؤمل بن عمر بن محمد بن طبرزد. وببغداد من أبي الفرج محمد بن عبد الرحمن بن أبي العز الواسطي، وأبي الحسن علي بن أبي بكر بن روزبة القلانسي، ومن الشيخ شهاب الدين السهروردي، وأبي النجا عبد الله بن عمر بن اللتي، وأبي نصر بن عبد الرزاق الجيلي، وعثمان بن إبراهيم السبتي، وعبد الكريم بن عبد الرحمن بن الحسين بن المبارك، وفتيان بن أحمد بن سمينة، ومن أبي المجد محمد بن محمد بن أبي بكر الكرابيسي.

وأجاز له جماعة من أهل خراسان منهم: المؤيد بن محمد الطوسي، وأبو بكر القاسم بن عبد الله بن العطار، وأبو المظفر عبد الرحيم بن أبي سعد بن عبد الكريم السمعاني.

وقد أثنى على علمه، وغزير فضله، ودقيق نظره، وجودة فكره جماعة كثيرة، وكان إمامًا ورعًا، دينًا خيرًا، مترفعًا على الملوك والأعيان، متواضعًا للفقراء والطلبة، وعنده مروءة وتعصب للفقراء رحمه الله تعالى.

ج ـ أشهر تلاميذه:

كان الإمام ابن مودود رحمه الله إمام عصره، وآخر من كان يُرحل إليه من الآفاق، تفقَّه به جماعة من أعيان السادة الحنفية، وروى عنه الحافظ شرف الدين عبد المؤمن الدمياطي، وذكره في معجم شيوخه، ولما ولي مشيخة مشهد الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه أكب على الاشتغال والإشغال والتصنيف والتأليف، وانتفع به عامة الطلبة في سائر المذاهب.

د ـ أبرز مصنفاته:

للإمام ابن مودود رحمه الله العديد من التصانيف المهمة وخاصة في خدمة المذهب الحنفي، منها: “الاختيار لتعليل المختار”، و”المشتمل على مسائل المختصر”.

هـ ـ وفاتُه:

لم يزل الإمام ابن مودود رحمه الله يفتي ويدرس ببغداد إلى أن توفي بكرة يوم السبت تاسع عشر المحرم سنة ثلاث وثمانين وستمائة (683 هـ)([32]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب “المختار للفتوى على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه” جمع فيه المؤلف زبدة المذهب الحنفي وثمرته في أبواب الفقه كلها، بدون ذكرٍ للدليل، مقتصرًا فيه على مذهب أبي حنيفة، معتمدًا فيه على فتاويه، دون أقوال أصحاب الإمام، إلا في خمس عشرة مسألة؛ حيث اعتمد فيها قول غيره من أصحابه([33]).

ويغطي كتاب “المختار للفتوى على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه” أبواب الفقه كلها؛ حيث قسمه المؤلف إلى ثمانية وخمسين كتابًا يغطي كل منها جانبًا محددًا من جوانب الفقه الإسلامي؛ فبدأ كتابه بالحديث عن كتاب الطهارة، ثم ناقش فيه مجموعة من المسائل، بما في ذلك الصلح والمواثيق والصيد، وانتهى بـكتاب الفرائض.

وقد جعل المصنف رحمه الله لكل اسم من أسماء الفقهاء حرفًا يدل عليه من حروف الهجاء طلبًا للإيجاز والاختصار، وهي: لأبي يوسف (س)، ولمحمد (م)، ولهما (سم)، ولزفر (ز)، وللشافعي (ف).

وننبه هنا على أن هذا الكتاب يُعد أحد كتب الفقه الحنفي؛ بل أحد معتمداتها كما سيأتي؛ ولا يُعد من حيث موضوعه مصنفًا في كتب الفتاوى، وإنما أدخلناه هنا لوجود لفظة “الفتوى” في اسمه مع اختصاصه بالفقه.

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

لكتاب “المختار للفتوى” مكانة عظمى عند السادة الحنفية، وحظوة كبرى في مذهبهم؛ فهو أحد المتون الأربعة المعوَّل عليها عندهم، والموثوق بها، التي لا يُذكر فيها إلا القول الراجح الصحيح، مع التحقيق والتدقيق، وهي: “الوقاية، ومجمع البحرين، والمختار، وكنز الدقائق”.

وهو متداول جدًّا في العالم بين أيدي الفقهاء وطلابهم، وفي حلقهم الخاصة والعامة، بل هو -مع شرحه المسمى الاختيار في تعليل المختار- من المقررات الدراسية على طلاب الأزهر، قال ابن مودود رحمه الله في مقدمة كتابه “الاختيار”: “كنت جمعت في عنفوان شبابي مختصرًا في الفقه لبعض المبتدئين من أصحابي، وسميته بالمختار للفتوى، اخترت فيه قول الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، إذ كان هو الأول والأولى، فلما تداولته أيدي العلماء واشتغل به بعض الفقهاء طلبوا مني أن أشرحه شرحًا أشير فيه إلى علل مسائله ومعانيها…”([34]).

والكتاب صحيح النسبة لابن مودود الموصلي رحمه الله؛ فقد نسبه إليه أصحاب كتب التراجم وفهارس الكتب؛ كصاحب الجواهر المضية، وصاحب كشف الظنون([35]).

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال ابن مودود رحمه الله: “فرض الغسل المضمضة والاستنشاق وغسل سائل البدن، وسنته أن يغسل يديه وفرجه، ويزيل النجاسة عن بدنه، ثم يتوضأ للصلاة، ثم يفيض الماء على جميع بدنه ثلاثًا. ويوجبه غيبوبة الحشفة في قبل أو دبر على الفاعل والمفعول به، وإنزال المني على وجه الدفق والشهوة، وانقطاع الحيض والنفاس”.
  • وقال: “سؤر الآدمي والفرس وما يؤكل لحمه طاهر. والثاني: مكروه، وهو سؤر الهرة، والدجاجة المخلاة، وسواكن البيوت، وسباع الطير. والثالث: نجس، وهو سؤر الخنزير، والكلب، وسباع البهائم (ف). والرابع: مشكوك فيه، وهو سؤر البغل والحمار (ف)”.
  • وقال: “من لم يقدر على استعمال الماء لبعده ميلًا، أو لمرض (ف)، أو برد (ف)، أو خوف عدو أو عطش، أو عدم آلة؛ يتيمم بما كان من أجزاء الأرض؛ كالتراب، والرمل، والجص (فس)، والكحل (فس)، ولا بد فيه من الطهارة والنية (ز)”.
  • وقال: “المستحاضة، ومن به سلس البول، وانطلاق البطن، وانفلات الريح، والرعاف الدائم، والجرح الذي لا يرقأ؛ يتوضؤون لوقت كل صلاة، ويصلون به ما شاؤوا (ف)، فإذا خرج الوقت بطَل وضوؤهم، فيتوضؤون لصلاة أخرى. والمعذور هو الذي لا يمضي عليه وقت صلاة إلا والحدث الذي ابتلي به موجود”.
  • وقال: “من لم يجد ما يزيل به النجاسة صلى معها ولم يُعِد، ومن لم يجد ثوبًا صلى عريانًا قاعدًا مومئًا، وهو أفضل من القيام”.
  • وقال: “الجماعة سنة مؤكدة، وأولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة، ثم أقرؤهم، ثم أورعهم، ثم أسنهم، ثم أحسنهم خلقًا، ثم أحسنهم وجهًا، ولا يطول بهم الصلاة”.
  • وقال: “لا يقتدي الطاهر بصاحب عذر (ف)، ولا القارئ بالأمي، ولا المكتسي (ف) بالعريان، ولا من يركع ويسجد (ف) بالمومئ، ولا المفترض (ف) بالمتنفل، ولا المفترض بمن يصلي فرضًا آخر (ف). ويجوز اقتداء المتوضئ بالمتيمم، والغاسل بالماسح، والقائم (م) بالقاعد، والمتنفل بالمفترض، ومن علم أن إمامه على غير طهارة أعاد”.
  • وقال: “صدقة الفطر: وهي واجبة على الحر المسلم المالك لمقدار النصاب فاضلًا عن حوائجه الأصلية عن نفسه، وأولاده الصغار، وعبيده للخدمة، ومدبره، وأم ولده وإن كانوا كفارًا لا غير، وهي نصف صاع من بر أو دقيقه، أو صاع من شعير أو دقيقه، أو تمر، أو زبيب، أو قيمة ذلك”.
  • وقال: “العمرة سنة، وهي: الإحرام، والطواف، والسعي، ثم يحلق أو يقصر، وهي جائزة في جميع السنة، وتكره يومي عرفة والنحر وأيام التشريق، ويقطع التلبية في أول الطواف”.
  • وقال: “مطلق البيع يقتضي سلامة المبيع، وكل ما أوجب نقصان الثمن في عادة التجار فهو عيب، وإذا اطلع المشتري على عيب فإن شاء أخذ المبيع بجميع الثمن، وإن شاء رده”.

 

 

9-             “الفتاوى التاتارخانية” لعالم بن العلاء الدهلوي.

 أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو عالم بن العلاء الأندريتي الدلهوي الهندي الحنفي. أحد العلماء المبرزين في الفقه والأصول والعربية.

ب ـ أبرز مصنفاته:

قال صاحب نزهة الخواطر: “له الفتاوي التاتارخانية في الفقه المسمى بزاد السفر، صنفه في سنة سبع وسبعين وسبعمائة (777هـ) للأمير الكبير تاتار خان، وسماه باسمه، وكان فيروز شاه يريد أن يسميه باسمه فلم يقبله؛ لصداقة كانت بينه وبين تاتار خان، كما في كلزار أبرار”.

جـ ـ وفاتُه:

توفي الإمام عالم بن العلاء رحمه الله سنة (786 هـ)([36]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب “الفتاوى التاتارخانية” جمعه الإمام عالم بن العلاء رحمه الله من أكثر من ثلاثين كتابًا من المصادر العريقة في الفقه الحنفي؛ منها “المحيط البرهاني” و”ذخيرة الفتاوى” كلاهما لابن مازه الحنفي، و”الفتاوى الخانية” لقاضي خان، و”الظهيرية” لظهير الدين القاضي، و”الخلاصة في الفتاوى” للرشيدي البخاري، و”جامع الفتاوى” للسمرقندي، و”التجريد” للقدوري، و”التفريد” لابن شجاع الثلجي، و”النوازل” للفقيه أبي الليث، و”الهداية” للمرغيناني، و”الفتاوى الغياثية” لداود بن يوسف الخطيب، و”الفتاوى السراجية” لسراج الدين الأوشي، و”الفتاوى النسفية” لنجم الدين النسفي، و”واقعات الناطفي”، وغيرها. وسماه “الفتاوى التاتارخانية” نسبة إلى تاتار خان، وهو من كبار الأمراء والوزراء في الهند الإسلامية في القرن الثامن الهجري، وتحديدًا في العام (707 هـ)([37]).

قال صاحب كشف الظنون: “وهو كتاب عظيم، جمع فيه مسائل: (المحيط البرهاني)، و(الذخيرة)، و(الخانية)، و(الظهيرية). وجعل الميم علامة (للمحيط)، وذكر اسم الباقي. وقدم بابًا في ذكر العلم، ثم رتب على أبواب (الهداية).

وذكر أنه أشار إلى جمعه الخان الأعظم تاتار خان، ولم يسم؛ ولذلك اشتهر به. وقيل: إنه سماه: (زاد المسافر). ثم إن الإمام إبراهيم بن محمد الحلبي -المتوفى سنة ست وخمسين وتسعمائة (956هـ)- لخصه في مجلد، وانتخب منه ما هو غريب، أو كثير الوقوع، وليس في الكتب المتداولة، والتزم بتصريح أسامي الكتب”([38]).

فكما ذكر صاحب كشف الظنون قد جاء الكتاب مرتبًا على ترتيب أبواب كتاب “الهداية” للمرغيناني، فابتدأ المؤلف بالحديث عن أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج، ثم سرد مسائل دقيقة في كل باب منها، مع إيراد ما قد يستنبط مما ذكره من فروع جديدة، ثم انتقل بالحديث عن أحكام النكاح والطلاق وأحكام بعض مسائل المعاملات والعقود، ثم اختتم حديثه بالكلام على باب الأيمان.

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

كتاب “الفتاوى التاتارخانية” من أهم كتب الفتاوى والفقه على المذهب الحنفي في بلاد الهند الإسلامية؛ التي دوِّنت بأمر من ملوك التتار، وهو كتاب فريد ضخم، بل موسوعة شاملة لمسائل الفقه الحنفي اشتمل على آلاف من الأصول والفروع المهمة، يلي في الأهمية كتاب “الفتاوى العالمكيرية”، كما أنه جمع كثيرًا من الاقتباسات من الكتب المعتمد عليها في المدرسة الحنفية؛ فهو يعد مرجعًا مهمًّا للمتصدرين للفتوى؛ من حيث إنه قدَّم للقانون الإسلامي، وجمع مقتطفات من المعتمدات في المذهب الحنفي، ومن هنا فقد اعتمد عليه كثير من الفقهاء الذين صنفوا كتب الفتاوى والشروح بعده؛ كما يظهر ذلك من مؤلفاتهم.

وقد سمى مؤلفه رحمه الله ثلاثين كتابًا في مقدمته استقى منها المسائل لكتابه، ومع ذلك فالكتب التي نقل عنها المؤلف فعليًّا تتخطى المائة كتاب.

ولم يكتف المؤلف فقط بالموسوعية في ذكر مسائل الفقه الحنفي، بل قد أفاد الباحثين في مجال علوم الإفتاء بأن عقد في مقدمة كتابه بابًا بعنوان “في العلم والحث عليه” ووزعه في سبعة فصول: الفصل الأول في فضيلة العلم، والفصل الثاني في فضل العلم والفقه والعالم والتعلم والتعليم والمتعلم، والفصل الثالث في فرض العين والكفاية من العلوم، والفصل الرابع في آفة العلم، والفصل الخامس في بيان السنة والجماعة، والفصل السادس فيمن تحل له الفتوى ومن لا تحل له، والفصل السابع في آداب المفتي والمستفتي.

وبعد مقدمة الكتاب التي تحدث فيها عن هذه الأمور المهمة بدأ أصل الكتاب من كتاب الطهارة، وراعى في كتابه لدى سرد المسائل أمورًا، منها: أن اهتم رحمه الله بنقل المسائل عن كتب الفقه المعتمدة الموثوق بها بالإحالة إلى أساميها تصريحًا، وكان في بعض الأحيان ينقل مسألة واحدة عن عدد من الكتب، وكان كتاب “المحيط البرهاني” الأساس الذي بنى عليه كتابه من بين الكتب التي نقل عنها المسائل؛ ولذلك أشار إليه لدى الإحالة عليه بحرف (م) بينما صرح بأسماء الكتب الأخرى التي استقى منها المسائل.

والكتاب لا شك صحيح النسبة لمصنفه رحمه الله، فقد نسبه إليه أصحاب كتب التراجم وفهارس الكتب.

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال عالم بن العلاء رحمه الله، عن فرض العين من العلوم نقلًا عن منتخب الإحياء: “… والذي ينبغي أن يقطع به هو علم بما كلَّف الله تعالى عباده، وهو ثلاثة فصول: اعتقاد، وفعل، وترك. فإذا بلغ الإنسان في ضحوة النهار مثلًا يجب عليه معرفة الله تعالى بصفاته بالنظر والاستدلال، وتعلم كلمتي الشهادة مع فهم معناهما، ثم إن عاش إلى وقت الظهر يجب تعلم الطهارة قبل وقت صلاة الظهر، ثم تعلم علم الصلاة، هلم جرا إلى آخره، فإن عاش إلى شهر رمضان يجب تعلم كيفية الصوم ووقته وما يقوم به وما يُفسده، فإن استفاد مالًا يجب عليه تعلم كيفية الزكاة ونصابها، وإن بلغ استطاعة الحج يجب تعلم المسافرة إلى مكة وإحرام الحج ومناسكه… وأما الترك فيجب بحسب ما يتجدد من الحال وما يختلف باختلاف الأشخاص”.
  • وقال نقلًا عن فتاوى الحجة: “واعلم أن علم الطب في تصحيح الأبدان من فروض الكفاية، إذا قام في البلد واحد بذلك سقط عن الكل، ولو لم يوجد فيه طبيب لحرج الناس، وكذا علم الحساب في الوصايا والمواريث، فعلم الطب حصل بالتجربة، وعلم الحساب بالعقل، وكذا الفلاحة والحياكة والحجامة والسياسة”.
  • وقال نقلًا عن المضمرات: “قال أبو يوسف رحمه الله: لا يسع لأحد أن يفتي بالرأي إلا من عرف أحكام الكتاب والسنة، وعرف الناسخ والمنسوخ، وعرف أقاويل الصحابة، وعرف المتشابه ووجوه الكلام. ورُوي عن محمد رحمه الله أنه قال: إذا كان صواب الرجل أكثر من خطئه جاز له أن يفتي”.
  • وقال نقلًا عن المضمرات: “اعلم أن اتفاق أئمة الهدى واختلافهم رحمة من الله وتوسعة على الناس، فإذا كان أبو حنيفة رحمه الله في جانب وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله في جانب، فالمفتي بالخيار إن شاء أخذ بقوله، وإن شاء أخذ بقولهما، وإن كان أحدهما مع أبي حنيفة يأخذ بقولهما ألبتة، إلا إذا اصطلح المشايخ على الأخذ بقول ذلك الواحد فيتبع اصطلاحهم”.
  • وقال نقلًا عن المضمرات: “ولا يجوز للمفتي أن يفتي ببعض الأقاويل المهجورة لجر منفعته؛ لأن ضرر ذلك في الدنيا والآخرة أتم وأعم، بل يختار أقاويل المشايخ واختيارهم، ويقتدي بسير السلف، ويكتفي بإحراز الفضيلة والشرف، ولا يجر به مالًا، ولا يرجو عليه في الدنيا منالًا، فإن ذلك مذهب للمهابة والوجاهة، ويعقب الندامة والملامة”.
  • وقال نقلًا عن الملتقط: “ينبغي للذي ابتُلي في أمر دينه أن يسأل أفقه زمانه في بلده، ولا يتعدى عن قوله غيره، وإن كان فيها فقيهان فاتفقا أخذ بقولهما، وكذلك إن كانوا ثلاثة فاتفق اثنان، وإن اختلفوا تحرى الصواب”.
  • وقال نقلًا عن الخلاصة: “اعلم بأن الطهارة شرط جواز الصلاة، وهي على ضربين: تطهير النجاسة الحكمية، وتطهير النجاسة الحقيقية، أما الحقيقية فهي الطهارة عن النجاسة حقيقة، وهي أنواع ثلاثة: طهارة البدن، وطهارة الثوب، وطهارة المكان. أما الحكمية فهي الطهارة عن النجاسة حكمًا، وهي على نوعين: تطهير نجاسة الحدث وهو الوضوء. وتطهير نجاسة الجنابة والحيض والنفاس وهو الغسل، لكن التيمم يقوم مقامهما عند الضرورة”.
  • وقال نقلًا عن الكافي: “فرض الحج الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة. وواجبه الوقوف بمزدلفة، ورمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق، وطواف الصدر لغير المكي. وغيرها سنن وآداب”.
  • وقال نقلًا عن الظهيرية: “روي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد لا يحل له أن يفتي إلا بطريق الحكاية، فيحكي ما يحفظ من أقوال الفقهاء”.
  • وقال نقلًا عن الكافي: “أصح ما قيل في حد المجتهد أن يكون قد حوى علم الكتاب ووجوه معانيه، وعلم السنة بطرقها ومتونها ووجوه معانيها، وأن يكون مصيبًا في القياس، عالمًا بعرف الناس على ما بينا في أصول الفقه. وقيل: يكون صاحب حديث له معرفة بالفقه؛ ليتمكن من القياس فيما لا نص فيه؛ لأن الحوادث ممدودة والنصوص معدودة، أو صاحب فقه له معرفة بالحديث”.

 

10-   «المسائل البدرية المنتخبة من الفتاوى الظهيرية» لبدر الدين العيني

 

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود العنتابي القاهري الحنفي العيني قاضي القضاة.

ب ـ نشأتُه وشيوخُه:

أصله رحمه الله من حلب ومولده بعنتاب؛ حيث انتقل أبوه من حلب إلى عنتاب فولي قضاءها، ووُلد له البدر العيني بها في رمضان سنة ثنتين وستين وسبعمائة (762هـ)، فنُسب إليها، ونشأ بها وقرأ القرآن وتفقه، واشتغل بالفقه وبرع ومهر.

ولي نظر الحسبة بالقاهرة مرارًا، ثم نظر الأحباس (السجون)، ثم قضاء الحنفية بها، ودرس الحديث بالمؤيدية، وتقرب من الملك المؤيد حتى عُد من خاصته، ولما ولي الملك الأشرف أكرمه وقدَّمه، ثم انصرف رحمه الله عن وظائفه وعكف على التصنيف والتدريس.

وكان إمامًا عالما علامة من كبار الفقهاء والمحدثين، عارفًا بالعربية والتصريف وغيرهما، حافظًا للغة كثير الاستعمال لحواشيها.

اشتغل رحمه الله بالعلوم من سائر الفنون في بلده عنتاب على أكابر العلماء، وتفقه على والده وعلى غيره من شيوخ العلم فيها، فلازم الشمس محمد الراعي بن الزاهد، وأخذ الصرف والفرائض السراجية وغيرهما عن البدر محمود بن محمد العنتابي الواعظ، وقرأ المفصل في النحو والتوضيح مع متنه التنقيح على الأثير جبريل بن صالح البغدادي تلميذ التفتازاني، وقرأ المصباح في النحو على خير الدين القصير، وسمع ضوء المصباح على ذي النون، وتفقه أيضًا بميكائيل بن حسين بن إسرائيل التركماني الحنفي، وبالحسام الرهاوي، وعيسى بن الخاص بن محمود السرماوي، فبرع وأجاد حتى ناب عن والده في قضاء بلده وهو شاب.

ثم ارتحل إلى حلب سنة (783هـ) وأخذ عن أجلة الشيوخ فيها وحضر مجالس أكابر العلماء؛ كالجمال يوسف الملطي البزدوي، وحيدر الرومي. ثم عاد إلى بلده ولم يلبث أن مات والده فارتحل إلى بهنسا وملطية.

وفي سنة (788هـ) سافر إلى البلاد الحجازية قاصدًا حج بيت الله، ثم توجه لزيارة بيت المقدس فالتقى فيها بالعلامة علاء الدين أحمد بن محمد السيرامي الحنفي، فلازمه ثم سافر معه إلى مصر، وانتفع به وأخذ عنه علومًا كثيرة. وأخذ الفقه وغيره عن الشهاب أحمد بن خاص التركي، ومحاسن الاصطلاح عن مؤلفه سراج الدين البلقيني، وسمع على الزين العراقي صحيح مسلم، وقرأ على التقي الدجوي الكتب الستة، وسمع مسند أبي حنيفة للحارثي والشفا على الشرف محمد بن عبد اللطيف بن الكويك، وسمع أيضًا من الحافظ الهيثمي وغيرهم من أكابر العلماء.

ج ـ أشهر تلاميذِه:

قال السخاوي: «حدث وأفتى ودرس وأخذ عنه الأئمة من كل مذهب طبقة بعد أخرى، بل أخذ عنه أهل الطبقة الثالثة، وكنت ممن قرأ عليه أشياء».

ومن تلاميذه أيضًا: أبو بكر بن إسحاق بن خالد الكختاوي الحلبي، ومحمد بن محمد بن أحمد القليوبي، وحسن بن قلقيلة بدر الدين الحسيني الحنفي، وكمال الدين بن الهمام محمد بن عبد الواحد السيواسي، وعيسى بن سليمان بن خلف بن داود، وأحمد بن أسد الأميوطي.

د ـ أبرز مصنفاته:

له مصنفات كثيرة نافعة منها: «شرح البخاري» وسماه: «عمدة القاري»، و«مغاني الأخيار في رجال معاني الآثار»، و«مباني الأخبار في شرح معاني الآثار»، و«نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار»، و«شرح المجمع»، و«شرح عروض الساري»، و«طبقات الحنفية»، و«طبقات الشعراء»، و«مختصر تاريخ ابن عساكر»، و«رمز الحقائق» شرح الكنز في الفقه، و«البناية شرح الهداية» في الفقه، و«شرح درر البحار»، و«العلم الهيب شرح الكَلِم الطيب لابن تيمية»، و«عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان»، و«تاريخ البدر في أوصاف أهل العصر»، و«الدرر الزاهرة في شرح البحار الزاخرة»، و«المسائل البدرية»، و«السيف المهند في سيرة الملك المؤيد»، و«منحة السلوك في شرح تحفة الملوك»، و«المقاصد النحوية» في شرح شواهد شروح الألفية، يعرف بـ«الشواهد الكبرى»، و«فرائد القلائد» مختصر شرح شواهد الألفية، ويعرف بـ«الشواهد الصغرى»، و«معجم شيوخه»، و«سيرة الملك الأشرف»، و«الروض الزاهر في سيرة الملك الزاهر»، و«الجوهرة السنية في تاريخ الدولة المؤيدية»، و«المقدمة السوادنية في الأحكام الدينية»، و«شرح سنن أبي داود»، و«تاريخ الأكاسرة».

هـ ـ وفاتُه:

توفي رحمه الله بالقاهرة في ليلة الثلاثاء رابع ذي الحجة سنة (855هـ)، ودُفن من الغد بمدرسته التي أنشأها بعد أن صلى عليه المناوي بالأزهر([39]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب «المسائل البدرية المنتخبة من الفتاوى الظهيرية» سماه بذلك مؤلفه في مقدمته([40])، وقد ذُكر بهذا الاسم أيضًا في كشف الظنون([41]). وقد يُذكر في كتب متأخري الأحناف بلفظ: «مختصر الظهيرية».

وقد لخص فيه المؤلف كتاب «الفتاوى الظهيرية» وانتخب منها ما يكثر الاحتياج إليه، وحذف منها ما كثر الاطلاع عليه وكثر شرحه وتفصيله في المطولات؛ فقال في مقدمته: «لما نظرت في الفتاوى الظهيرية ألفيتها كتابًا يحتوي على مسائل غريبة وأقوال عجيبة يحتاج إليها المستفتي والمفتي في كتابه حين يفتي، مشتملًا على مسائل من كتب المتقدمين لا يستغني عنها علماء المتأخرين، ورأيتها تستثقل على الناظرين من القوم الغير الماهرين، لخصتها وانتخبت منها ما يكثر الاحتياج إليه، وحذفت ما كثر الاطلاع عليه، استغناء بما ذُكر في المختصرات، واكتفاء بما دون في شروحها المطولات»([42]).

ويشتمل كتاب «المسائل البدرية المنتخبة من الفتاوى الظهيرية» على مجموعة من المسائل الفقهية المنتقاة، وابتدأها المحقق من كتاب الغصب، وذكر فيه فتاوى العيني في بعض المسائل كالرد والاسترداد، وفي ضمان النقصان، ثم انتقل إلى الحديث عن باب الوديعة، ثم العارية، ثم كتاب اللقيط واللقطة، وأحكام المفقود، ثم ذكر باب الذبائح، ثم ختم رسالته بباب البيع الفاسد.

وقد راعى العيني فيه ترتيب كتاب «الفتاوى الظهيرية»، فلم يخرج عن الموضوعات التي ذكرها ظهير الدين رحمه الله في أبواب كتابه، وكذلك قسم الكتاب على تقسيم «الفتاوى الظهيرية»، فيذكر الكتب، ثم الفصول، ثم المقطعات، لكنه حذف الأبواب والأقسام التي تندرج تحت الكتب، وراعى في ذلك عبارة الإمام ظهير الدين عند اختصار المسائل، وذكر اجتهاداته وتصحيحاته وصدَّر ذلك بقوله: «قال المصنف». واهتم بذكر أصحاب الأقوال من الحنفية الذين نص عليهم الإمام ظهير الدين، مع إهمال ذكر الاختلاف مع أئمة باقي المذاهب كمالك والشافعي، وهو مع ذلك قد اختصر مسائل الكتاب فذكرها مجردة عن الأدلة من القرآن والسنة غالبًا.

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

لكتاب «المسائل البدرية المنتخبة من الفتاوى الظهيرية» أهمية كبرى لدى علماء الحنفية، فمؤلف الأصل هو الإمام القاضي المحتسب ظهير الدين محمد بن أحمد البخاري، الذي انتهت إليه رئاسة العلم بعد الستمائة، والمختَصِر هو أحد أبرز أئمة الفقهاء المحققين الحنفيين الذي كان عالما بالفقه والأصول والحديث واللغة وغيرها.

كما أن كتاب «الفتاوى الظهيرية» من كتب الفتاوى المعتمدة عند الأحناف، وقد اختصره العيني في «المسائل البدرية» بطريقة مفيدة قربت الكتاب الأصل إلى الطلاب بحذف ما اطلع عليه في المختصرات وشروحها، وانتخاب ما احتيج إليه، فقد انتقى الإمام العيني من «الفتاوى الظهيرية» ما يُحتاج إليه في الفتيا، فتميزت تلك الفتاوى بالعمق الفقهي، مما ينمي الملكة الفقهية لدى العلماء والفقهاء والمفتين الماهرين، كما اشتملت على مسائل من كتب المتقدمين لا يستغني عنها العلماء المتأخرون، فكان لكتاب «المسائل البدرية» أثر ظاهر فيمن جاء بعده؛ لما اشتمل عليه من ترجيحات وتصحيحات ونقول مهمة.

والكتاب صحيح النسبة لمصنفه؛ قد صرح بذلك بدر الدين العيني في مقدمة كتابه؛ فقال: «وبعد فإن المفتقر إلى ربه الغني أبا محمد محمود بن أحمد العيني عامله ربه ووالديه بلطفه الجلي والخفي، يقول: لما نظرت في الفتاوى الظهيرية… لخصتها وانتخبت منها ما يكثر الاحتياج إليه… وسميته المسائل البدرية المنتخبة من الفتاوى الظهيرية»([43]). وصرح أيضًا صاحب كشف الظنون بنسبة الكتاب لمصنفه العيني([44]).

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال بدر الدين العيني رحمه الله: «إيصال الماء إلى داخل العينين ليس بواجب ولا سنة، ولا يتكلف الإغماض والفتح حتى يصل الماء إلى الأشفار وجوانب العينين، وكذلك ما يُوارَى بشعر اللحية».
  • وقال: «ولو سلم الواحد من جماعة جاز عنهم، ووجب على المدخول عليهم أن يردوا الجواب، فإن تركوا اشتركوا في المأثم، وإن رد واحد منهم وسكت الباقون قال بعضهم: لا يسقط عنهم الجواب. كذا روى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف. وقال بعضهم: يسقط. وبه قال عامة الفقهاء».
  • وقال عن آداب الصلاة: «من آدابها إخراج الكفين من الكمين عند التكبير، ونظره في قيامه إلى موضع سجوده، وفي الركوع إلى أصابع رجليه، وفي السجود إلى أرنبة أنفه، وفي القعود إلى حجره، وكظم الفم عند التثاؤب، فإن لم يقدر غطاه بيده أو كمه، ودفع السعال عن نفسه، ولا بأس بمسح جبهته بعد السلام بل يستحب، ولو مسحها بعد الفراغ من أعمال الصلاة قبل السلام لا بأس به».
  • وقال عن الشك في الصلاة: «ولو وقع الاختلاف بين الإمام والقوم، فقال القوم: صليت ثلاثًا. وقال الإمام: صليت أربعًا. فإن كان الإمام على يقين لا يقبل قولهم، وإلا يؤخَذ بقولهم. وإن اختلف القوم فقال بعضهم: صلى ثلاثًا. وقال بعضهم: صلى أربعًا. والإمام مع أحد الفريقين يؤخذ بقول الإمام وإن كان معه واحد».
  • وقال: «إن خاف فوت شيء من ماله كان في سعة من قطع صلاته، ولا فصل في الكتاب بين المال القليل والكثير».
  • وقال: «التراويح سنة هو الصحيح، وهي سنة الرجال والنساء. ويستحب أداؤها بالجماعة، وعن أبي يوسف: من قدر على أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام في مسجده فالأفضل أن يصلي في بيته. والصحيح أن الجماعة أفضل».
  • وقال: «إذا وُلد المولود ميتًا لم يغسل ولم يصل عليه، وعن أبي حنيفة: إذا استهل المولود سُمي وغُسل ويُصلى عليه ووَرث ووُرث عنه، وإن لم يستهل لم يسم ولم يصل عليه ولم يرث».
  • وقال عن غسل الميت: «وينبغي أن يكون الغسَّال طاهرًا، ويكره أن يكون جنبًا أو حائضًا، والأفضل أن يكون غسل الميت مجانًا، وإن ابتغى الغاسل الأجر فإن كان هناك غيره يجوز أخذ الأجرة وإلا لا، وأما استئجار الخيَّاط لخياطة الكفن فاختلفوا فيه، وأجرة الحاملين والدفَّان من رأس المال».
  • وقال عن زكاة الفطر: «أداء القيمة أفضل، وقيل: عين المنصوص. والفتوى على الأول، ولا تسقط بالتأخير وإن تباعدت المدة وطالت، وكذا بالافتقار… وقال خلف بن أيوب: يجوز تعجيلها في رمضان ولا يجوز قبله. وقال نوح بن أبي مريم: يجوز في النصف الأخير من رمضان ولا يجوز في النصف الأول. وقال الحسن بن زياد: لا يجوز تعجيلها. والصحيح أنه يجوز إذا دخل شهر رمضان، وهو اختيار الإمام محمد بن الفضل، وعليه الفتوى».
  • وقال: «لا بأس بصوم يوم الجمعة، وعن أبي يوسف: أنه يكره إلا أن يصوم يومًا قبله أو بعده».

 

 

 

 

11- «الفتاوى الطرسوسية» لنجم الدين الطرسوسي

 

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو أبو إسحاق نجم الدين إبراهيم بن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المنعم الطرسوسي الدمشقي الحنفي، قاضي قضاة الحنفية بدمشق.

ب ـ نشأتُه وشيوخُه:

وُلد رحمه الله في سنة إحدى وعشرين وسبعمئة (721هـ) بدمشق، ونشأ وتفقه بها على علماء عصره، وبرع في الفقه والأصول والعربية، وشارك في عدة فنون، وتصدر للإفتاء والتدريس مدة طويلة، ثم ولي قاضي قضاة الحنفية بدمشق، وحُمدت سيرته مع ملازمته للإقراء والتدريس والتأليف. كان له سماع من أبي نصر الشيرازي، والحجار وغيرهما.

ج ـ أبرز مصنفاته:

المصنف رحمه الله له الكثير من المصنفات النافعة؛ منها: «رفع الكلفة عن الإخوان في ذكر ما قدم فيه القياس على الاستحسان»، و«مناسك الحج»، و«الاختلافات الواقعة في المصنفات»، و«محظورات الإحرام»، و«الإشارات في ضبط المشكلات»، و«الفتاوى» في الفقه، و«الإعلام في مصطلح الشهود والحكام»، و«الفوائد المنظومة» في الفقه، و«ذخيرة الناظر في الأشباه والنظائر» في فقه الحنفية، و«الدرة السنية في شرح الفوائد الفقهية» شرح منظومة له، و«الأنموذج من العلوم لأرباب الفهوم» في أربعة وعشرين علمًا، و«وفيات الأعيان من مذهب أبي حنيفة النعمان»، و«تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك»، وغير ذلك.

د ـ وفاتُه:

توفي رحمه الله تعالى يوم السبت بعد الظهر رابع شعبان سنة ثمان وخمسين وسبعمائة (758هـ) بالمزة، وصُلي عليه بالجامع الأموي بعد العصر، ودُفن آخر النهار المذكور، وكانت جنازة حافلة بها الحكام والعلماء والأمراء([45]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب الفتاوى الطرسوسية «أنفع الوسائل إلى تحرير المسائل» من أعظم الكتب نفعًا وفائدة، جمع فيه المصنف رحمه الله الفتاوى المتعلقة بالمحاكمات والقضاء، ورتبها على ترتيب كتب الفقه.

قال الطرسوسي: «لما رأيت المسائل الواقعات في المحاكمات متفرقة في الكتب ويحصل في الكشف عنها غاية التعب، ورأيت العمل في بعضها على غير القول الصحيح، والتلويح أنسب من التصريح، وربما وقع بعض القضاة في مسائل خارجة عن المذهب بالكلية، والمنصوص فيها على خلاف ما حكم به في القضية؛ استخرت الله في جمع المسائل المشار إليها وترتيبها على ترتيب كتب الفقه»([46]).

ولم يصرح المصنف رحمه الله بذكر عناوين الكتب والأبواب الفقهية، بل اكتفى بذكر المسائل المتعلقة بالقضاء متتالية مرتبة؛ حيث بدأ بمسائل الزكاة، ثم النكاح، ثم الطلاق، ثم العتق، ثم الوقف، ثم مسائل البيوع، ثم الكفالة، ثم القضاء، ثم الوكالة، ثم الدعوى.

وكتاب الفتاوى الطرسوسية كان مؤلفه رحمه الله قد سماه بعدة أسماء؛ حيث قال: «وكنت سميت هذا الكتاب بـ: التنقيح، والتحقيق، والتدقيق، والتنميق» ثم بان له أن يعتمد الاسم الحالي فقال: «ثم رأيت أن أسميه بأنفع الوسائل إلى تحرير المسائل»([47]). وهو الاسم المعتمد في كتب التراجم بجانب اختصاره لـ: «الفتاوى الطرسوسية».

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

يُعد كتاب «الفتاوى الطرسوسية» من أهم كتب الفتاوى التي جمعت مسائل المحاكمات والقضاء على المذهب الحنفي خاصة. ومصنفها رحمه الله هو قاضي قضاة الحنفية في عصره نجم الدين الطرسوسي؛ حيث تظهر فيها دقة المصنف وسعة علمه واطلاعه على مصادر المذهب الحنفي ومعتمد الفتوى فيه.

وقد قام رحمه الله بدعم مسائل الكتاب بالنقول من مصنفات الحنفية، مع الاهتمام بعزو تلك النقول، وذلك مع التحرير والإيضاح والتقرير؛ فقد جعل الابتداء في كل مسألة بعد ترجمتها بعبارات الأصحاب فيها، ثم أتبع الكلام عقيب ذلك بما تحرر واتضح من كشف معنى تلك العبارة وبما يعمل به في المسألة على حسب الوسع والطاقة. مع الاهتمام أيضًا بذكر الخلاف الموجود في باقي المذاهب وخاصة المذهب الشافعي.

وقد اهتم المصنف أيضًا بذكر الأدلة في المسألة من الكتاب والسنة وما أثر عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وعلماء التابعين مما يثري الكتاب ويزيده قوة وتوثيقًا.

رابعًا: نماذج إفتائية:

1- قال المصنف رحمه الله: «مسألة: لا تجب الزكاة في مال الصغير والصغيرة على ما عُرف…؟

ذكر في الهداية قال: وليس على الصبي والمجنون زكاة خلافًا للشافعي رحمه الله فإنه يقول: هي غرامة مالية فتعتبر بسائر المؤن كنفقة الزوجات… ولنا أنها عبادة فلا تتأدَّى إلا بالاختيار تحقيقًا لمعنى الابتلاء ولا اختيار لهما لعدم العقل بخلاف الخراج… قلت: المسألة معروفة وليس فيها خلاف بين الأصحاب فيما علمت أن الزكاة لا تجب على الصغير والصغيرة…».

2- قال: «مسألة: في زيادة المهر وتحرير كلام الأصحاب فيها، وما يشترط لصحتها.

ذكر في البدائع قال: وتجوز الزيادة في المهر إذا تراضيا بها والحط عنه إذا رضيت به» ثم أكمل بتفصيل المسألة من كتب الحنفية، ثم قال: «والحط من المهر يصح عندنا؛ لأنه حقها والحط يلاقيه فيصح، ولكن لا يُشترط لصحته القبول في المجلس كما يشترط في الزيادة؛ لأنه إبراء أو تمليك، وأيا ما كان فلا يحتاج على القبول…».

3- وقال: «مسألة: في أحكام الخلوة في النكاح التي تؤكد مجموع المهر، وتعمل عمل الدخول حقيقة، وتحرير الكلام فيها، وما يُشترط لها، وما يُفسدها، وتحقيق كلام الأصحاب فيها.

ذكر في البدائع قال: وأما بيان ما يتأكَّد به المهر، فالمهر يتأكد بأحد معان ثلاثة: الدخول، والخلوة الصحيحة، وموت أحد الزوجين سواء كان مسمى أو مهر المثل» ثم أكمل رحمه الله بتفسير وتفصيل تلك المعاني الثلاثة.

4- قال: «مسألة: إذا طلب الزوج السفر بزوجته إلى بلد آخر وقد أوفاها جميع المهر وهي تأبى الخروج معه هل له أن يجبرها على ذلك أم لا؟

ذكر في الهداية قال: وإذا أوفاها مهرها نقلها إلى حيث شاء؛ لقوله تعالى: ﴿أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ﴾ [الطلاق: 6]. وقيل: لا يخرجها إلى بلد آخر غير بلدها؛ لأن الغريب يؤذى، وفي قرى المصر القريبة لا تتحقق الغربة». ثم أكمل النقول من المذهب الحنفي ثم قال: «ينبغي للحاكم أن يستكشف عن حقيقة الحال وينظر في طلب الزوج السفر بأهله، فإن كان طلب مضارة لأجل أن تهبه شيئًا من المهر، أو تترك الكسوة، أو لأمر جرى بينهما من خصومة ونحوها فلا يجيبه إلى ذلك…».

5- وقال: «مسألة: إسلام الصبي العاقل وارتداده صحيح: قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: إسلام الصبي العاقل صحيح اتفاقًا، وارتداده صحيح عند أبي حنيفة ومحمد، ولا يُقتل، وعند أبي يوسف والشافعي لا تصح ردته، وانفرد الشافعي بأنه لا يصح إسلامه أيضًا».

6- وقال: «مسألة: هل يشترط أن يكون القاضي مجتهدًا أم لا؟ وهل يجوز تولية المقلد أم لا؟ وبيان من يصلح للقضاء، وتحرير الكلام في ذلك.

ذكر في الهداية قال: كل من كان أهلًا للشهادة يكون أهلًا للقضاء، وما يُشترط لأهلية الشهادة يشترط لأهلية القضاء، والفاسق أهل للقضاء حتى لو قلد يصحُّ إلا أنه لا ينبغي أن يقلد كما في حكم الشهادة فإنه لا ينبغي للقاضي أن يقبل شهادته ولو قبل شهادته جاز عندنا، وأهلية الاجتهاد شرط الأولوية في الصحيح. وأما تقليد الجاهل فصحيح عندنا خلافًا للشافعي…» ثم أكمل رحمه الله الكلام على تفصيل المسألة في المذهب الحنفي.

7- وقال: «مسألة: ذكر قدر مدة الحبس في الحقوق الشرعية، وسماع البينة بالإعسار، وهل يشترط لسماعها حضور المدعي أم لا؟ وهل يجوز سماعها قبل الحبس أم لا؟

ذكر في الهداية: ثم فيما كان القول قول المدعي: إن له مالًا أو ثبت ذلك بالبينة فيما كان القول فيه قول من عليه يحبسه شهرين أو ثلاثة ثم يسأل عنه، فالحبس لظهور ظلمه في الحال، وإنما يحبسه مدة ليظهر ماله لو كان يخفيه، فلا بد أن تمتد المدة لتفيد هذه الفائدة، فقُدر بما ذُكر، ويُروى غير ذلك من التقدير بشهر أو أربعة إلى ستة أشهر، والصحيح أن التقدير مفوض إلى رأي القاضي لاختلاف أحوال الأشخاص فيه…»، ثم أكمل رحمه الله بذكر النقول من كتب المذهب الحنفي.

 

 

12- «جامع الفتاوى» لقرق أمير الحميدي

 

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو قرق أمير الحميدي الرومي الحنفي، فقيه تركي مستعرب.

ب ـ أبرز مصنفاته:

ذكرت كتب التراجم له من الكتب غير «جامع الفتاوى» كتاب «شرح كنز الدقائق للنسفي» في فروع الفقه الحنفي.

جـ ـ وفاتُه:

توفي الإمام قرق أمير الحميدي رحمه الله سنة (860 هـ)([48]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب «جامع الفتاوى» للإمام قرق أمير جمع فيه المؤلف أغلب مسائل الفقه الحنفي، وقد استقى الأمير قرق تلك الفتاوى من أمهات المصنفات في المذهب الحنفي؛ مثل: «المنية» لبديع بن أبي منصور العراقي، و«القنية»، و«الغنية» كلاهما لنجم الدين الحنفي، و«تحفة الفقهاء» لعلاء الدين السمرقندي، و«فتاوى قاضي خان»، و«الفتاوى البزازية» لابن بزاز الكردي، و«جامع الفصولين» لابن قاضي سماونة، و«الواقعات» لابن مازه البخاري، و«الإيضاح» لأبي الفضل الكرماني، وغيرها([49]).

ويشتمل الكتاب على أغلب المسائل المعتمدة في المذهب الحنفي مبوبة على الأبواب الفقهية؛ حيث نظم الكتاب على عشرة أبواب في كل منها عشرة فصول، وكل منها مشتمل على عشر مسائل، ثم أفرد المصنف فصلًا خاصًّا في المتفرقات ذكر فيه المسائل التي لم يذكرها، سواء كانت مسائل إضافية أم فاتت عليه فاستدركها.

ويبدأ هذا الجزء المحقق من تلك الفتاوى للإمام قرق أمير بالمسائل التي أوردها الإمام في باب الطهارة وحتى باب الصلح وهو نهاية كتاب البيع.

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

يُعدُ كتاب «جامع الفتاوى» للإمام قرق أمير من أهم كتب الفتاوى الحنفية التي تميزت بالاختصار وسرد الكثير من الواقعات والنوازل، فقد أبدع المؤلف رحمه الله في تنظيم المسائل المطروحة وعرضها بأسلوب دقيق ومنسق؛ حيث امتاز بأسلوب رائع من السلاسة والبساطة والوضوح مبتعدًا عن أي نوع من أنواع التعقيد([50]).

وقد اعتمد مؤلفه على جمع أغلب الفتاوى المعتمدة عند الحنفية في المسائل المستفتى عنها، متجاوزًا بذلك الفتاوى الكثيرة التي لم يكن لها وجه فقهي راجح. قال الإمام قرق في مقدمة كتابه: «فإني لما رأيت همم الطالبين معرضة عن المطولات ومائلة إلى المختصرات؛ لكثرة الموانع والواقعات، خصوصًا في هذه الأيام والأوقات، استصفيت المسائل المهمات من الفتاوى المعتبرات»([51]).

كما جاء الكتاب غنيًّا بذكر الكثير من أقوال وآراء العلماء، فقد استعرض آراء العلماء في المذهب في مسائل كثيرة، فيذكر رأي إمام المذهب وأصحابه، وبجانب رأي الإمام أبي حنيفة كثيرًا ما يذكر آراء علماء باقي المذاهب وخاصة الإمام مالك والشافعي، مع ذكر الخلاف والرأي الراجح في بعض المسائل.

كما حفل الكتاب بالكثير من ذكر الأدلة الشرعية المعتمدة من الكتاب، والسنة، والآثار ومرويات الصحابة رضي الله عنهم، والإجماع، والقياس، والاستحسان، ولهذا كان الكتاب من أهم كتب المتون التي ألفت في الفقه الحنفي.

والكتاب صحيح النسبة لمصنفه قد نسبه إليه أصحاب كتب التراجم وفهارس الكتب؛ كصاحب كشف الظنون، والزركلي في الأعلام([52]).

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال الإمام قرق أمير رحمه الله: «وفي صدر الشريعة: لو كان مع الجنب ما يكفي الوضوء لا الغسل يكتفي بالتيمم خلافًا للشافعي، ولو كان مع الجنابة ما يوجب الوضوء فالتيمم للجنابة اتفاقًا».
  • وقال: «ولو كان بيدي المتوضئ قروح يضره الماء دون سائر أعضائه غير أنه إذا غسل وجهه يسيل الماء على يديه فيضره؛ له التيمم إذا لم يجد من يغسل وجهه. وقيل: يجوز له التيمم مطلقًا».
  • وقال: «يستحب للحائض في وقت الصلاة أن تتوضأ وتجلس في مسجد بيتها، وتسبح وتهلل مقدار أداء الصلاة لو كانت طاهرة؛ لئلا تزول عادة العبادة. وللحائض والجنب زيارة القبر، وقراءة دعوات، وإجابة أذان ونحوها».
  • وقال: «ولو أتى امرأته في حال الحيض فعليه الاستغفار والتوبة، هذا من حيث الحكم، وأما من حيث الاستحباب يتصدق بدينار أو نصفه، كذا في الواقعات».
  • وقال: «تأخير العشاء إلى ما زاد على نصف الليل، والعصر إلى وقت اصفرار الشمس، والمغرب إلى اشتباك النجوم يكره كراهية تحريم».
  • وقال: «وكل فرض بعده نفل فالأفضل أن يشرع إلى النفل يمنة أو يسرة، أو يتأخر، أو يرجع إلى بيته مقتديًا أو إمامًا، أو مصليًا وحده، وإن مكث في مكانه يتنفل جاز، والأول أولى؛ لتكثير الشهود. وقيل: يتأخر الإمام ويتقدم المقتدي؛ ليخالف حالة النفل حالة الفرض».
  • وقال: «ويكره النداء أن فلانًا مات، ولا بأس أن يُعلم بعضهم بعضًا، والأصح أنه لا يكره؛ لأن فيه إعلام الناس فيؤدون حقه، وفيه تكثير المصلين عليه والمستغفرين له».
  • وقال: «والأموال التي تدفع إلى ولي المرأة من المهر المعجل تكون لها، فلو صرف وليها إلى جهازها خلص من الضمان، وإلا دينها عليه تطالبه من أيهما شاءت، إلا أن تكون المرأة بالغة فيصرف وليها تلك الأموال إلى مصالحها بإذنها. والجهاز الذي اشترى لها الأب من مال نفسه حال صغرها أو بعدما كبرت وسلمها إليها كان لها ولا رجوع عليها».
  • وقال: «النائم، والمغمى عليه، والصبي، والمجنون، والذي يشرب الدواء مثل البنج والأفيون، فتغير عقله فطلق، أو أعتق، أو تصرف تصرفًا يختص بالعبارة؛ لا يترتب عليه الحكم فلا يقع طلاقه».
  • وقال: «وفي المصفى: الأمين إذا ادعى شيئًا بخلاف الظاهر لا يُقبل قوله؛ كالوصي إذا ادعى أنه أنفق على الصبي مالًا كثيرًا، ولو أنفق وصي من مال نفسه على الصغير ولم يُشهد الرجوع وقت الإنفاق فله أن يرجع، ولو كان المنفق أبًا لم يرجع، وقيل: لا يرجع الوصي أيضًا إلا إذا كان أنفق عليه ليرجع عليه».

 

 

13- «فتاوى ابن نجيم»

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو زين الدين بن إبراهيم بن محمد بن نجيم الحنفي، صاحب البحر الرائق.

ب ـ نشأتُه وشيوخُه:

كانت ولادته رحمه الله بالقاهرة في سنة ست وعشرين وتسعمائة (926هـ).

وكان إمامًا، عالما عاملًا، مؤلفًا مصنفًا، ما له في زمنه نظير.

وقد أخذ ابن نجيم عن جماعة من علماء الديار المصرية، منهم: الشيخ أمين الدين بن عبد العال الحنفي، والشيخ أبو الفيض السلمي، والشيخ شرف الدين البلقيني، وشيخ الإسلام أحمد بن يونس الشهير بابن الشلبي، وغيرهم. وأخذ العلوم العربية والعقلية عن جماعة كثيرة، منهم: الشيخ نور الدين الديلمي المالكي، والشيخ شقير المغربي.

ج ـ أشهر تلاميذِه:

قد انتفع بالإمام ابن نجيم خلق كثير، منهم: أخوه عمر صاحب النهر، والعلامة محمد الغزي التمرتاشي صاحب المنح، والشيخ محمد العلمي سبط ابن أبي شريف المقدسي، وعبد الغفار مفتي القدس، وذكره عبد الوهاب الشعراني في طبقاته.

د ـ أبرز مصنفاته:

قد رُزق الإمام ابن نجيم السعادة في سائر مؤلفاته ومصنفاته، فما كتب ورقة إلا واجتهد الناس في تحصيلها بالمال والجاه، وسارت بها الركبان في سائر البلدان. ومن تلك المصنفات: «الأشباه والنظائر» في أصول الفقه، و«شرح المنار» في أصول الفقه، واختصر «تحرير الإمام ابن الهمام» في أصول الفقه وسماه «لب الأصول»، و«البحر الرائق في شرح كنز الدقائق» في الفقه، وهو أكبر مؤلفاته وأكثرها نفعًا، و«الرسائل الزينية» تزيد على (40) رسالة في مسائل فقهية.

هـ ـ وفاتُه:

كانت وفاته رحمه الله في نهار الأربعاء، سابع رجب الفرد، سنة سبعين وتسعمائة (970هـ)([53]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب «فتاوى ابن نجيم» أو «الفتاوى الزينية» وهو عبارة عن إعادة ترتيب لفتاوى الإمام ابن نجيم، قام بترتيبها شمس الدين محمد بن عبد الله الشهابي بن قرقماس الحنفي؛ حيث قال في مقدمة الكتاب: «لما كان كتاب الفتاوى المنسوبة إلى أستاذنا شيخ الإسلام، بركة الأنام، قدوة المشايخ العظام، مولانا الشيخ زين الدين ابن نجيم المصري الحنفي -عامله الله بلطفه الخفي- كتابًا مشتملًا على بعض أجوبة يحتاج إليها ويعول في الإفتاء والقضاء عليها، غير أنها يعسر استخراج المسائل منها لعدم ترتيبها، والوقوف على ما فيها من الفوائد بسرعة لعدم تبويبها؛ أردت أن أرتبها على منوال الكتب الفقهية، وأجعلها على أسلوب المعتبرات الشرعية؛ لتكون عونًا لمن ابتلي بمنصب الفتوى، وسلك في فتواه طريق الاستقامة والتقوى، مع تنبيه على فوائد يحتاج إليها، وإشارة إلى تصحيح بعض مواضع لم يعول في إفتائه عليها»([54]).

ويضم كتاب فتاوى ابن نجيم عددًا كبيرًا من الفتاوى مرتبة على أبواب الفقه، ومقسمة على (38) كتابًا، تبتدئ بكتاب الطهارة، ثم الصلاة، ثم الزكاة… إلى آخره، وتنتهي بكتاب الفرائض، وقبله كتاب يضم مسائل شتى.

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

يعدُّ كتاب فتاوى الإمام ابن نجيم مرجعًا مهمًّا جدًّا على المستوى المذهبي، فالكتاب يُعد جامعًا لمعتمد المذهب الحنفي وما استقر عليه المذهب عند المتأخرين، لا سيما وأن مؤلفه أحد محرري المذهب، فضلًا عن طريقة الجواب للإمام ابن نجيم، والتي اتسمت بالاختصار فقللت من تشعبه وفروعه، وجعلت مادته مركزة بشكل كبير، وجعلته مفيدًا لأقصى حد على الجانب الإفتائي المتعلق بالمذهب.

ولا شك أن الكتاب صحيح النسبة للإمام ابن نجيم؛ فقد نسبه له في مقدمته الإمام شمس الدين الشهابي الذي أعاد ترتيبه وتبويبه كما تقدم، وكذا نسبه له أصحاب كتب التراجم وفهارس الكتب.

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال الإمام ابن نجيم رحمه الله: «سئل عن مريض معذور لا ينقطع البول عنه، ولا يمكنه غسل ثوبه لعدم انقطاعه عنه، فهل له أن يصلي مع النجاسة أم لا؟ أجاب: نعم، يجوز له أن يصلي مع النجاسة ولا يكلف إلى الغسل لكل صلاة، والله أعلم».
  • وقال: «سئل عن شخص مار بالطريق، فأصابه من طين الشوارع كثير حتى ملأ ثوبه، هل يجوز له الصلاة فيه مع وجود ذلك حتى يغسله؟ أجاب: نعم، تجوز الصلاة فيه مع وجود ذلك؛ لأنه عفو للضرورة، والله أعلم».
  • وقال: «سئل عن الميت إذا دُفن بغير بلد أهله، وأرادوا نقله بعد دفنه، هل يجوز ذلك؟ أجاب: لا يجوز أن يُنقل بعد دفنه، ويُترك هناك طالت المدة أم قصرت، ولكن يخرج من الأرض المغصوبة إلى غيرها، والله أعلم».
  • وقال: «سئل عن صغير يملك مالًا كثيرًا، هل تجب فيه الزكاة، ويُؤمر وصيه بدفع الزكاة عنه أم لا؟ أجاب: لا زكاة في مال الصغير ولا يُؤمر وصيه بدفعها عنه؛ لعدم وجوبها عليه، والله أعلم».
  • وقال: «سئل عن المحرم إذا لبس ثوبه أو عمامته من عذر ماذا يلزمه؟ أجاب: يلزمه أن يذبح شاة إن شاء، أو يتصدق بثلاثة أصوع من البر على ستة مساكين، أو يصوم ثلاثة أيام، والله أعلم».
  • وقال: «سئل عن المطلقة إذا كان معها ولد من المطلق، وأرادت أن تخرج به إلى بلد قريب، أو تسكن عند أهلها، والبلد مصر، هل للأب منعها من ذلك أم لا؟ أجاب: إن كان البلد المذكور قريبًا؛ بحيث يتمكن الأب من مطالعة ولده في يومه ويرجع فيه ليس للأب منعها، والله أعلم».
  • وقال: «سئل عن أرض بين جماعة على سبيل الشركة، فبنى أحدهم فيها أو غرس بغير إذن الباقين، فهل لهم القطع أو لا؟ أجاب: إن لم يرضوا بذلك تُقسم الأرض، فإن وقع نصيبه فيما بنى أو غرس فهو له على حاله، وإن وقع فيما يخص الباقين قلعه، وضمن ما نقصت الأرض بذلك».
  • وقال: «سئل عمن آجر عقاره أو عبده ثم باعه وسلمه للمشتري، فحضر المستأجر في غيبة المؤجر، وادعى الإجارة على المشتري، هل تُسمع دعواه عليه وتُقبل بينته؟ أجاب: نعم، تُسمع دعواه على المشتري وتُقبل بينته عليه بالتآجر السابق على البيع، وإذا ثبت تُؤخذ العين من المشتري وتُسلم للمستأجر حتى تنتهي مدة إجارته».
  • وقال: «سئل عن البائع إذا قبض الثمن، ثم جاء إلى المشتري وأراد أن يرد عليه شيئًا منه زاعمًا أنه زيف، وأنكر المشتري أن يكون ذلك من دراهمه، فهل القول للبائع أم للمشتري؟ أجاب: إن أقر باستيفاء حقه لا يُقبل قوله، ولا يلزم المشتري عوض ذلك، ولكن إن طلب يمين المشتري على نفي العلم يُجاب، فإن أنكر لزمه الرد».
  • وقال: «سئل عن شرائط القضاء ما هي؟ أجاب: شرائط القضاء: العقل، والبلوغ، والإسلام، والحرية، والنظر، والنطق، والسلامة من حد القذف».

 

 

14- «بذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود» للتمرتاشي

 

أولًا: التعريف بالمؤلف:

تقدمت ترجمة الإمام التمرتاشي عند ذكر كتابه: «مسعفة الحكام على الأحكام».

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

رسالة «بذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود» بحث فيها الإمام التمرتاشي الأحكام المتعلقة بالنقود الاصطلاحية؛ وهي المتخذة من المعادن الخسيسة؛ كالنحاس والحديد وغير ذلك، واصطلح الناس على التعامل بها لتكون أثمانًا، قال التمرتاشي في بداية رسالته: «إنه لما كثر الاستفتاء عن مسألة كثيرة الوقوع في زماننا، وهي أن التجار بالديار الشامية وقع منهم معاملات شرعية ومعاوضات مرضية بالشواهي والشرفيات؛ حيث كانت رائجة بشيء معين ثم كسد بعضها، وتغير سعر بعضها بالنقص، بموجب أمر الإمام الأعظم والخاقان الأفخم»([55]). والشواهي والشرفيات هي أنواع من الفلوس.

وتشتمل رسالة «بذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود» على بيان شافٍ لمسألة الكساد العام والجزئي للنقود، وكذلك حالة انقطاع النقود، وغلاء النقود ورخصها، ثم بيَّن ما هي الفتوى على قول أبي يوسف في لزوم القيمة، وما هو العمل عند اختلاف الفقهاء في لزوم القيمة، ثم قعَّد الإمام القواعد في مسألة العمل بالراجح وترك المرجوح، وكذلك في مسألة العمل عند وجود قولين مصححين في المذهب، ثم ختم رسالته ببيان ألفاظ الترجيح عند الحنفية.

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

تُعد رسالة «بذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود» من الرسائل اللطيفة في المذهب الحنفي التي عالجت قضية فقهية كانت محل اهتمام الفقهاء ومجالًا لبحثهم، كما أن مؤلف الرسالة من كبار محققي المذهب الحنفي من المتأخرين؛ ولذلك نجده قد حقَّق مذهب الحنفية في مسألة النقود تحقيقًا دقيقًا؛ حيث رجع إلى عشرين كتابًا تقريبًا من أمهات الكتب المعتمدة في المذهب الحنفي، مثل «الفتاوى التتارخانية»، و«فتاوى قاضيخان»، و«الحاوي»، و«البزازية»، و«الهداية»، و«فتح القدير»، و«المنتقى»، و«الذخيرة»، و«الخلاصة»، و«مجمع الفتاوى»، و«المحيط»، و«التتمة».

كما أن الرسالة تعتبر توثيقًا لواقعة بعينها عمَّت بها البلوى في عصره، وهي اصطلاح الناس في بلاد الشام على التعامل بنوع معين من النقود الخسيسة –وهي الشواهي والشرفيات- وقد رفعت للإمام استفتاءات عن حكم التعامل بها، فألَّف تلك الرسالة.

والرسالة لا شك صحيحة النسبة للإمام التمرتاشي؛ حيث نسبها إليه أصحاب كتب التراجم وفهارس الكتب، ونسبها إليه أيضًا متأخرو علماء الحنفية؛ كابن عابدين في حاشيته الشهيرة([56]).

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال الإمام التمرتاشي رحمه الله: «اعلم أنه إذا اشترى بالدراهم التي غلب غشها، أو بالفلوس وكان كل منهما نافقًا حتى جاز البيع لقيام الاصطلاح على الثمنية، ولعدم الحاجة إلى الإشارة لالتحاقها بالثمن، ولم يسلمها المشتري للبائع، ثم كسدت بطل البيع».
  • وقال: «إن اشترى بالدراهم ثم كسدت أو انقطعت بطل البيع، ويجب على المشتري رد المبيع إن كان قائمًا، ومثله إن كان هالكًا وكان مثليًّا، وإلا فقيمته، وإن لم يكن مقبوضًا فلا حكم لهذا البيع أصلًا، وهذا عند الإمام الأعظم. وقالا: لا يبطل البيع… وإذا لم يبطل وتعذر تسليمه وجبت قيمته، لكن عند أبي يوسف يوم البيع، وعند محمد يوم الكساد، وهو آخر ما يتعامل الناس بها. وفي الذخيرة: والفتوى على قول أبي يوسف. وفي المحيط والتتمة والحقائق: بقول محمد يفتى رفقًا بالناس».
  • وقال عن الكساد الجزئي: «وعند الفقهاء أن تترك المعاملة بها في جميع البلاد، فإن كانت تروج في بعض البلاد لا يبطل، لكنه تعيب إذا لم يرج في بلدهم، فيتخير البائع إن شاء أخذه، وإن شاء أخذ قيمته».
  • وقال عن انقطاع النقود: «وحد الانقطاع ألا يوجد في السوق، وإن كان يوجد في يد الصيارفة وفي البيوت. هكذا في الهداية. والانقطاع كالكساد كما في كثير من الكتب».
  • وقال عن غلاء النقود ورخصها: «أما إذا غلت قيمتها أو ازدادت فالبيع على حاله، ولا يتخير المشتري، ويطالب بالنقد بذلك العيار الذي كان وقت البيع، كذا في فتح القدير. وفي البزازية معزيًا إلى المنتقى: غلت الفلوس أو رخصت فعند الإمام الأول والثاني أولًا ليس عليه غيرها. وقال الثاني ثانيًا: عليه قيمتها من الدراهم يوم البيع والقبض، وعليه الفتوى».
  • وقال: «قال في التاتارخانية: اعلم أن اختلاف أئمة الهدى توسعة على الناس، فإذا كان الإمام في جانب وهما في جانب خُير المفتي. وإن كان أحدهما مع الإمام أخذ بقولهما، إلا إذا اصطلح المشايخ على قول الآخر فيتبعهم؛ كما اختار الفقيه أبو الليث قول زفر في مسائل».
  • وقال: «وفي بعض المعتبرات من تصانيف مشايخنا أن الفتوى على قول أبي يوسف في المعاملات؛ لأنه تولى القضاء وخبر أحوال الناس ومعاملاتهم، لا سيما وقد جعلوا الفتوى على قوله في مسألتنا، فيكون هو الراجح».
  • وقال: «والأخذ بالراجح واجب، كيف لا والإمام الأعظم قد شرط في مناشير الحكام الحكم بالراجح وترك المرجوح، فعليه لو حكم بالمرجوح لا ينفذ قضاؤه؛ لأنه يصير معزولًا بالنسبة إلى القول الممنوع والحادثة الممنوع عنها، فقد صرحوا بأن القضاء يتقيد ويتأقت مكانًا وزمانًا وحادثة».
  • وقال: «الحاكم إن كان مجتهدًا فلا يجوز له أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده، وإن كان مقلدًا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه وأن يحكم به وإن لم يكن راجحًا عنده؛ مقلدًا في رجحان القول المحكوم به إمامه الذي يقلده في الفتوى، وأما اتباع الهوى في الحكم والفتيا فحرام إجماعًا».
  • وقال: «في كتاب أدب المفتي: اعلم أن من يكتفي بأن يكون في فتياه أو عمله موافقًا لقول أو وجه في المسألة، ويعمل بما يشاء من الأقوال أو الوجوه من غير نظر في الترجيح؛ فقد جهل وخرق الإجماع».

 

 

15- «الفتاوى الخيرية لنفع البرية» لخير الدين الرملي

 

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو خير الدين بن أحمد بن علي بن عبد الوهاب الأيوبي العليمي الفاروقي الرملي الحنفي.

ب ـ نشأتُه وشيوخُه:

كان مولده رحمه الله تعالى بالرملة في أوائل شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وتسعمائة (993هـ)، وقرأ بها القرآن.

اشتغل بقراءة التجويد على الشيخ موسى بن الشيخ حسن القبي الشافعي الرملي، وقرأ عليه أشياء من «متن أبي شجاع» في فقه الشافعي ولازمه في صغره، وانتفع به ولاحظته بركته، وكان يحبه كثيرًا حتى كان يميزه على أولاده.

ثم ارتحل إلى مصر لطلب العلم صحبة أخيه الكبير الحاج عبد النبي سنة (1007هـ)، وكان قد تفقه أولًا على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله، ثم وافق أخاه في القراءة على مذهب أبي حنيفة رحمه الله، فجد واجتهد ودأب في تحصيل العلوم ولازم العلامة الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمد النحريري الحنفي، وقرأ عليه «شرح الكنز» للعيني، وغالب «صدر الشريعة»، و«الأشباه والنظائر»، و«الاختيار شرح المختار» وغير ذلك من كتب الفقه، والنحو والفرائض، ولازمه مدة إقامته بمصر.

وممن أخذ عنه من أجلاء الحنفية: محمد بن محمد سراج الدين الحانوتي صاحب الفتاوى المشهورة، وأحمد بن أمين الدين بن عبد العال، وأخذ الأصول على محمد ابن بنت محب، ومحمد ابن بنت الشلبي، وسالم السنهوري. وأخذ القرآن على مقرئ زمانه الشيخ عبد الرحمن اليمني نسبة إلى كفر اليمن من بلاد مصر من ناحية القليوبية. وأخذ النحو عن نادرة زمانه أبي بكر الشنواني، وعن سليمان بن عبد الدائم البابلي.

ولم يزل رحمه الله في أخذ العلوم وملازمة الدروس والمشايخ والمباحثة معهم حتى أفتى وهو بالجامع الأزهر، ثم توجه إلى بلاده بإجازات الأشياخ، وقدم بلده الرملة في ذي الحجة سنة (1013هـ)، واجتمع في رجوعه بعلماء غزة وغيرهم، ثم أخذ في الإقراء والتعليم والتدريس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ج ـ أشهر تلاميذِه:

قد تفقَّه على الشيخ خير الدين الرملي وانتفع به خلق كثير، منهم: ولده الشيخ محيي الدين، والشيخ محمد الخطيب ابن أخيه الحاج عبد النبي، وولده الشيخ محمد الذي تولى إفتاء الرملة من الدولة في أيام والده، وعلماء غزة والرملة وبيت المقدس، ومن أجلِّهم: السيد عبد الرحيم بن أبي اللطف مفتي الحنفية ببيت المقدس.

وأخذ عنه أيضًا غالب علماء دمشق وفضلائها، ومنهم: السيد محمد بن السيد كمال الدين بن حمزة النقيب بها، وأولاده الثلاثة: السيد عبد الرحمن، والسيد عبد الكريم، والسيد إبراهيم، ومنهم: محمد بن عجلان نقيب دمشق، وعلاء الدين الحصكفي، وأحمد الصفدي، وسعودي بن تاج الدين القباقبي، ومحمد المكتبي، وإبراهيم السؤالاتي، ودرويش الحلواني.

وأخذ عنه من أهل الحرمين جماعة؛ كعيسى بن محمد الثعالبي المغربي نزيل مكة، ومحمد بن سليمان المغربي نزيلها أيضًا، والسيد محمد بن رسول البرزنجي نزيل المدينة المنورة، وإبراهيم بن عبد الرحمن الخياري المدني، ومحمد الأنصاري المدني، وحسن العجيمي المكي.

ومن أهل الروم خلق؛ كصدر الأعاظم مصطفى باشا ابن الوزير الأعظم محمد باشا الكبرلي، وأخيه الوزير الأعظم أحمد باشا، والمولى عبد الباقي أفندي قاضي القدس.

ومن المغاربة جماعات أجلاء؛ كيحيى بن محمد بن عبد الله الشاوي، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي وغيرهم.

د ـ أبرز مصنفاته:

له العديد من المصنفات المفيدة، من أشهرها: «مظهر الحقائق» حاشية على البحر الرائق في فقه الحنفية، و«حواشي على منح الغفار» رد فيها غالب اعتراضاته على الكنز، و«حواشي على شرح الكنز للعيني»، و«على الأشباه والنظائر»، ورسالة سماها «مسلك الإنصاف في عدم الفرق بين مسألتي السبكي والخصاف» التي في الأشباه، و«الفوز والغنم في مسألة الشرف من الأم»، و«رسالة فيمن قال: إن فعلت كذا فأنا كافر»، و«ديوان شعر مرتب على حروف المعجم».

هـ ـ وفاتُه:

توفي رحمه الله تعالى أواخر ليلة الأحد السابع والعشرين من شهر رمضان سنة ألف وإحدى وثمانين (1081هـ) بداء البطن، وصُلي عليه بالجامع الكبير المعروف بجامع السوق بالرملة بعد صلاة الظهر([57]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب «الفتاوى الخيرية لنفع البرية» لخير الدين الرملي، كان ولده محيي الدين قد تصدى لجمع تلك الفتاوى، ودوَّنها ورتبها على طريقة كتاب «الهداية»، إلا أنه قد وافته المنية في حياة والده قبل الانتهاء منها، وكان قد جمع منها حتى باب المهر، فتابع الشيخ إبراهيم بن سليمان الجينيني تلميذ المصنف جمع تلك الفتاوى بعد وفاة الشيخ محيي الدين، قال الشيخ إبراهيم بن سليمان في مقدمة الكتاب: «قد وجدت شيخنا محيي الدين قد شرع في جمع فتاوى والده شيخنا وأستاذنا، وكتب لها ديباجة: هذا نزر يسير من جم غفير من أجوبة عن أسئلة سُئل عنها سيدنا ومولانا خير الدين، فأجاب عنها بما هو الصحيح المفتى به من مذهب أبي حنيفة، أو بما صححه كبار أهل المذهب لاختلاف العصر أو لتغير أحوال الناس رفقًا بعباد الله، فجمعتها وكتبتها وعلى طريق الهداية رتبتها… فجمع منها إلى باب المهر واخترمته المنية، ثم إني استخرت شيخنا العلامة والده المذكور في إكمالها على حسب ترتيبها فأجاز لي»([58]).

ويشتمل كتاب «الفتاوى الخيرية لنفع البرية» على فتاوى عن وقائع فقهية على المذهب الحنفي، أجاب عنها الإمام خير الدين الرملي الحنفي، ورتبها ابنه بحسب ترتيب الكتب الفقهية المعروفة؛ وجاءت في (47) عنوانًا، بين كتاب، وباب، وفصل، بداية من كتاب الطهارة، وانتهاء بكتاب الحوالة.

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

يُعد كتاب «الفتاوى الخيرية لنفع البرية» من أهم كتب الفتاوى على المذهب الحنفي أُجِيبَ عنها بما هو الصحيح المفتى به من مذهب أبي حنيفة، أو بما صحَّحه كبار أهل المذهب لاختلاف العصر، أو لتغير أحوال الناس رفقًا بعباد الله، وهو من تلك الجهة له فائدة كبيرة على مستوى الفتوى الحنفية، وعلى مستوى الدرس الإفتائي التطبيقي على صناعة الفتوى.

بالإضافة إلى جمعه المسائل النوادر في كتب المذهب الحنفي، وكذلك ما كثر وقوعه في غالب البلاد أو لم يصرح به في الأبواب الفقهية.

والكتاب لا شك صحيح النسبة لخير الدين الرملي؛ فقد صرح بنسبته له تلميذه جامع تلك الفتاوى الشيخ إبراهيم بن سليمان في مقدمة الكتاب كما تقدم بيانه، وأيضًا نسبه له أصحاب كتب التراجم وفهارس الكتب.

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال خير الدين الرملي رحمه الله: «سئل في صاحب سلس البول إذا كان ينقطع ساعة ويقطر ساعة، كيف يكون وضوؤه، وهل يقدم الفائتة على الوقتية كالصحيح؟ أجاب: صاحب السلس ونحوه يتوضأ لوقت كل فرض، ويصلي بوضوئه فرضًا ونفلًا ما شاء، ويبطل وضوؤه بخروج الوقت فقط، وهذا إذا لم يمض عليه وقت إلا وذلك الحدث يوجَد فيه… وحكمه في وجوب الترتيب وعدمه حكم الصحيح، فيقدم الفائتة على الوقتية حتمًا».
  • وقال: «سئل في رجل مات وعليه دين لآخر، فصرفت ورثته جميع تركته في كفنه، وكفن مثله يتأتى بسدسها أو ربعها، أو أقل أو أكثر شيئًا قليلًا، هل يضمن الورثة الزائد على كفن المثل أم لا؟ أجاب: نعم، يضمن الورثة والحالة هذه، قال في ضوء السراج: وإن كان عليه دين وأراد الورثة أن يكفنوه كفن المثل قال الفقيه أبو جعفر: ليس لهم ذلك، بل يكفن بكفن الكفاية ويُقضى بالباقي في الدين، وكفن الكفاية للرجل ثوبان، جديدين كانا أو غسيلين، ثم قال: وهو الصحيح. وفي بعض النسخ: ليس للغرماء أن يمنعوا عن كفن المثل اهـ. فعُلم منه ضمان ما زاد على كفن المثل إجماعًا، والله أعلم».
  • وقال: «سئل في انعقاد النكاح بلفظ (جوزتك) بتقديم الجيم على الزاي، هل ينعقد به النكاح عند قوم تواردوا عليه أم لا؟ أجاب: هذه المسألة اختلف فيها المتأخرون، منهم من قال بعدم الانعقاد، ومنهم من قال بالانعقاد، وقد أفتى شيخ الإسلام أبو السعود العمادي رحمه الله تعالى بانعقاده بين قوم اتفقت كلمتهم على هذه اللفظة» ثم دلل لصحة قول الشيخ أبي السعود.
  • وقال: «سُئل في رجل طلق زوجته ومات قبل انقضاء عدتها، وهي تدعي أن الطلاق رجعي فترث، والورثة تدعي أنه بائن فلا ترث؟ أجاب: القول قولها فترث؛ لأنهم يدعون الحرمان وهي تنكر؛ فيكون القول قولها بيمينها، وعلى الورثة البينة، والله أعلم».
  • وقال: «سئل في رجل مات عن أخت لأم معروفة عند الناس، طلبت الاختصاص بالإرث فرضًا وردًّا، فادعى جماعة أنهم أبناء عم عصبة له، وليس لها سوى السدس، هل يعطون بمجرد دعواهم أم لا؟ وهل إذا شهد جماعة بأنهم أبناء عم يكفي ذلك في شهادتهم أم لا بد من ذكر الجد؟ أجاب: لا يعطون بدعواهم، وإذا شهد الشهود ولم يذكروا الجد الذي يجتمعون فيه مع الميت لا تصح شهادتهم؛ لأنه لا يحصل العلم للقاضي بدون ذكره، صرح به في جامع الفصولين».
  • وقال: «سئل في صغير يتيم، له أم متزوجة بأجنبي، وأخت لأب كذلك، فهل تحضنه أمه أم أخته؟ أجاب: حيث لم يكن للصغير عصبة محرم ولا ذو رحم من غير العصبات؛ كالأخ من أم وعم من أم وخال، ولم يكن له غير الأم المذكورة والأخت المذكورة، وقد قام بكل منهما مانع من استحقاق الحضانة، فإبقاؤه عند أمه أولى من إبقائه عند أخته؛ لكمال شفقة الأم؛ كما أفتى به شيخ الإسلام شهاب الدين الحلبي».
  • وقال: «سئل في امرأة لها زوج حاضر، وابنان من غيره، هل للقاضي أن يفرض نفقتها على أحد ابنيها أم لا؟ وإذا فرض هل يصح فرضه أم لا؟ أجاب: ليس للقاضي أن يفرض نفقتها على ابنها مع وجود زوجها؛ إذ نفقتها عليه مطلقًا غنيًّا كان أو فقيرًا، حاضرًا كان أو غائبًا، حتى لو تعذرت النفقة عليها بعجزه أو غيبته فنفقتها مع ذلك على زوجها، وإن جاز أن يؤمر الابن بالإنفاق عليها يرجع عليه بما أنفق؛ إذ لا يشارك الزوج في نفقته على زوجته أحد».
  • وقال: «سئل في رجل آذى آخر بقوله: يا كافر، يا جاحد، ما أنت مسلم، ولا أبوك، بل كافر مشرك بالله، ماذا يترتب عليه؟ أجاب: “قد ذكر شيخ الإسلام ابن الشحنة في شرحه: أن المختار للفتوى في هذه المسألة أن القائل لمثل هذه المقالات إن أراد الشتم ولا يعتقده كفرًا لا يكفر، وإن كان يعتقده كفرًا فخاطبه بهذا بناء على اعتقاده أنه كافر يكفر؛ لأنه لما اعتقد المسلم كافرًا فقد اعتقد دين الإسلام كفرًا، ومن اعتقد دين الإسلام كفرًا كفر” اهـ. وقد أجمعوا على أنه يُعزر، والله أعلم».
  • وقال: «سئل في رجل فقد بعض أمتعة زوجة ابنه من بيته، فاتهم امرأة تدخل على زوجته أحيانًا، هل إذا ادعى عليها بسرقة الأمتعة يُقبل مجرد قوله، وتُحبس وتُمس بعذاب بمجرد دعواه أم لا؟ أجاب: لا يُقبل قوله المجرد عن البينة العادلة؛ لأن السرقة من جملة موجبات الحدود التي يُحتاط فيها غاية الاحتياط، وتُدرأ بأدنى شبهة».
  • وقال: «سئل في امرأة ماتت عن ابن مفقود، فوضع أمين بيت المال يده على عقار من تركتها وباعه قبل القضاء بموته، فحضر المفقود بعد موت البائع فما الحكم؟ أجاب: للمفقود رد البيع وأخذ العقار، ويرجع المشتري على بائعه بالثمن، وإن تعذر تأخرت مطالبته إلى يوم القيامة، والله أعلم».

16- «واقعات المفتين» لقدري أفندي.

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو عبد القادر بن يوسف بن سنان بن محمد الحلبي الحنفي، الشهير بقدري أفندي، ويُعرف أيضًا بنقيب زاده.

ب ـ نشأتُه وشيوخُه:

وُلد رحمه الله سنة (1014ه)، وكان موزع الفتوى عند المفتي يحيى بن زكريا في القسطنطينية، وعمله قَاصرٌ على جمع الأسئلة التي تصدر أجوبتها من دار الإفتاء، وتوزيعها على أصحابها في يومٍ مُعينٍ من كل أسبوع. وكان المفتي يحيى يستدعيه إليه أحيانًا للتحدث معه في بعض الشؤون، والمفاكرة في أمر الآخرة وأحوال المعاد والجنة والنار.

قال صاحب خلاصة الأثر: «يُحكى أن المفتي المذكور كان أعرف أهل زمانه، واجتمع عنده من الحفدة أرباب المعرفة ما لم يجتمع عند غيره».

ولما توفي المفتي يحيى رحمه الله سنة (1053ه) خدم بعده مفتين آخرين أشار إليهم في مقدمة كتابه؛ ثم تقدم بعد ذلك وولي قضاء القسطنطينية، وقضاء العسكر مرات، وكان عَالما فَاضلًا وقورًا، عليه مهابة العلم والصلاح.

جـ ـ وفاتُه:

توفي رحمه الله بالقسطنطينية سنة (1083ه)، ودفن خارج باب أدرنة([59]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب «واقعات المفتين» جمع فيه المؤلف مجموعة من الأسئلة التي أجاب عليها فقهاء المذهب الحنفي بعد أن رأى أهمية جمعها في كتابٍ؛ لحاجة الناس إليها وارتباطها بواقعهم، وبهامش الكتاب زوائد وفوائد ضمها المؤلف من حواشي النسخ التي قام الناس بنسخها من الكتاب([60]).

ويشتمل كتاب «واقعات المفتين» على مَجمُوعةٍ من الآراء والفتاوى والوقائع التي حدثت في عصر المؤلف، فقام بتهذيبها وترتيبها بِحسبِ الأبوابِ الفِقهيَّةِ المعروفة؛ ابتداء بكتاب الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، مرورًا بأبواب النكاح، والولاء، والعتق والجنايات ثم باب القضاء واختتم كتابه بباب الفرائض والوصايا.

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

يعتبر كتاب «واقعات المفتين» تسجيلًا فريدًا من نوعه لواقعات المستفتين ونوازلهم في فترة زمنية، وظروف اجتماعية معينة؛ فهو يُعتبرُ سِجلًا إحصائيًّا لما كان الناس يسألون عنه على وجه اليقين؛ حيث شارك المؤلف في كَثيرٍ من المجالس الإفتائية، وكان يقوم بتدوين ما يَرِدُ من أسئلةٍ على الفقهاء الحاضرين، ثم يقوم بعد ذلك بتبييضها وتصحيح خطئها وإيراد الفروع الفقهية عليها، ثم عرض ذلك كله على أكابر المشايخ والفقهاء المعتبرين حينئذٍ حتى يجيزوا ما فيها.

قال صاحب خلاصة الأثر: «وهي الآن عمدة الحكام في أحكامهم والمفتين في فتاويهم، وبالجملة فإنها مجموعة نفيسة أكثر مسائلها وقائع، وكانت تقع أيام المفتي يحيى بن زكريا، وكان هو في خدمة المفتي المشار إليه موزع الفتوى»([61]).

كما أن الكتاب يتميز بحسن التوثيق والمراجعة العلمية الدقيقة، وذلك بعرض ما فيه على ما استجد من حوادث ونوازل، وإضافة النوازل الجديدة إلى متنه مع نبذ المكررات من المسائل، قال المصنف رحمه الله في مقدمة الكتاب: «وجعلتها مرتبة على الكتب كسائر المدونات والكتب… ثم بعد حين ومضي سنين قابلت كل مسألة بأصلها، وذكرت بابها وفصلها؛ تسهيلًا للمراجعة لطالبي المقابلة، وطرحت منها المكررات، وأبقيت ما هو المنقول من المتداولات، وألحقت مسائل مهمات من المعتبرات»([62]).

والكتاب لا شك صحيح النسبة لمصنفه قدري أفندي رحمه الله؛ فقد صرح هو بذلك في مقدمة الكتاب؛ فقال: «فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه القدير عبد القادر بن يوسف… وسميتها بعد الجمع والتدوين بواقعات المفتين»([63]). وكذا نسبه له أصحاب كتب التراجم وفهارس الكتب.

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال قدري أفندي رحمه الله: «من جامع أو أكل ناسيًا، أو دخل الذباب أو الدخان أو الغبار حلقه، أو بقي بلل بعد المضمضة فابتلعه مع البزاق، أو دخل الماء في أذنه وإن كان بفعله، أو طُعن برمح فوصل إلى جوفه وبقي الزج فيه، أو دخل المخاط في أنفه من رأسه فاستشمه فدخل حلقه لم يفطر».
  • وقال: «وفي الفتاوى: امرأة أبت أن تَسكنَ مع أحماء الزوج كأمه وغيرها، إن كان في الدار بيوت وفرغ لها بيتًا منها وجعل لبيتها غلقًا لم يكن لها أن تطالبه ببيت آخر، وإن لم يكن في الدار إلا بيت واحد لها أن تطالبه».
  • وقال: «جهز بنته وزوَّجها، ثم ادعى أن ما دفعه لها عارية، وقالت: تمليكًا. أو قال الزوج ذلك بعد موتها ليرث منه، وقال الأب: عارية. قيل: القول للزوج ولها؛ لأن الظاهر شاهد به؛ إذ العادة دفع ذلك إليها هبة، واختاره السغدي، واختار الإمام السرخسي كون القول للأب؛ لأن ذلك يُستفاد من جهته، والمختار للفتوى القول الأول إن كان العرف ظاهرًا بذلك».
  • وقال: «صغير وصغيرة بينهما شبهة الرضاع، ولا يعلم ذلك حقيقة؛ لا بأس بالنكاح بينهما إذا لم يخبر به واحد، فإن أخبر به واحد عدل ثقة يُؤخذ بقوله ولا يجوز النكاح بينهما، وإن أخبر بعد النكاح فالأحوط أن يفارقها؛ لأن الشك وقع في الأول في الجواز، وفي الثاني في البطلان، والدفع أسهل من الرفع».
  • وقال: «وفي الولوالجية: ولو ادعت المرأةُ نيَّة الطلاق، أو أنه كان في غضب، أو مذاكرة الطلاق؛ فالقول قوله مع يمينه، وتُقبل بينة المرأة في إثبات حالة الغضب أو مذاكرة الطلاق، ولا تُقبل بينتها على نية الطلاق، إلا أن تقوم البينة على إقرار الزوج بذلك».
  • وقال: «إذا طلق الرجل امرأته في مرض موته طلاقًا بائنًا، فمات وهي في العدة ورثت منه، وكذا إذا طلقها ثلاثًا، وإن مات بعد انقضاء عدتها فلا ميراث لها… والمراد إذا طلَّقها من غير سؤال منها ولا رضا ومات في مرضه ذلك وهي في العدة، أما إذا سألته الطلاق فطلقها بائنًا أو ثلاثًا، أو قال لها: اختاري. فاختارت نفسها، ثم مات وهي في العدة لم ترث؛ لأنها رضيت بإبطال حقها. وإنما ذكر البائن؛ لأن الرجعيَّ لا يحرم الميراث في العدة؛ سواء طلقها بسؤال منها أو بغير سؤال».
  • وقال في الحضانة: «لا تُدفع صبية إلى عصبة غير محرم؛ كمولى العتاقة وابن العم فيُدفع إليهم الغلام، ولا فاسق ماجن، أي: ولا تُدفع الصبية إلى محرم فاسق ماجن، أي: لا يُبالي ما صنع، وكذا الصبي. وإذا اجتمع مستحق الحضانة في درجة واحدة فأصلحهم أولى، وإن تساووا فأسنهم».
  • وقال: «خصمان تشاتما بين يدي القاضي فلم ينتهيا بالنهي، فالرأي إلى القاضي يحبسهما، أو يُعزرهما، وإن عفا فحسن. خزانة الفتاوى».
  • وقال في المفقود: «عن أبي حَنِيفَة رحمه الله أن مدة الفقد مفوض إلى رأي القاضي، فيحكم بما أدَّى إليه اجتهاده، فيقسم ماله حِينئذٍ بين الأحياء من ورثته، وهذا نص على أنه إنما يُحكم بموته بقضاء؛ لأنه أمر محتمل، فما لم ينضم إليه القضاء لا يكون حجة».
  • وقال: «ولو باع شيئًا يتسارع إليه الفساد بيعًا باتًّا ولم يقبضه المشتري، ولم ينقد الثمن حتى غاب، كان للبائع أن يبيعه من آخر، ويحل للمشتري الثاني أن يشتري وإن كان يعلم بذلك».

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

17- «الفتاوى الهندية» لنظام الدين البرهانبوري.

 

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أ ـ اسمه ونسبتُه:

هو نظام الدين الحنفي البرهانبوري، أحد أكابر الفقهاء الحنفية وعلمائهم المشهورين.

ب ـ نشأتُه وشيوخُه:

كان رحمه الله ممن تبحر في العلوم، وحرر المسائل، ونقل الأحكام، وجدد مآثر الفتوى.

استخدمه عالمكير بن شاهجهان الدهلوي حين كان واليًا في بلاد الدكن من قبل والده وجعله من ندمائه، وولاه تدوين «الفتاوي الهندية» وترتيبها باستخدام الفقهاء الحَنفيَّة، وولي أربعة رجال منهم تحت أمره، فقسم أرباعها على أربعتهم: أحدهم القاضي محمد حسين الجونبوري المحتسب، وثانيهم السيد علي أكبر أسعد الله خاني، وثالثهم الشيخ حامد الجونبوري، ورابعهم المفتي محمد أكرم اللاهوري، فبذل جهده في تلك الخدمة الجليلة حتى رتبها في سنتين.

والشيخ نظام الدين البرهانبوري ممن تخرج على القاضي نصير الدين المحدث البرهانبوري، ومن مشايخه أيضًا:  أبو تراب بن أبي المعالي بن علم الله الحنفي الصالحي الأميتهوي ثم البيجابوري([64]).

ج ـ أشهر تلاميذه:

قال صاحب نزهة الخواطر: «وكان عالمكير يذاكره في إحياء العلوم والفتاوى العالمكيرية وبعض كتب السلوك ثلاثة أيام في كل أسبوع. وولده عبد الله أخذ عن أبيه ونال الفضيلة في أيامه».

د ـ وفاتُه:

توفي رحمه الله سنة (1090) ([65]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب «الفتاوى الهندية» أو الفتاوى العالمكيرية في مذهب الإمام الأعظم أبي حَنِيفَة النعمان، لجماعةٍ من علماء الهند برئاسة الشيخ نظام الدين البرهانبوري، وبتكليف من أبي المظفر عالم كير بتأليف كتاب يحوي معظم الروايات الصحيحة التي اتفق عليها وأفتى بها الفحول، ويجمعوا فيه من النوادر ما تلقته العلماء بالقبول، فجمعوا فيه فتاوى حاوية تَجمَعُ جُلَّ مذهبهم الحنفي مما يحتاج إليه من الأحكام الشرعية، ورتبوه على ترتيب كتاب (الهداية) للمرغيناني، واقتصروا فيه على ظاهر الرواية، وتركوا ما تكرر في الكتب من الروايات والزوائد، وأعرضوا عن الشواهد والدلائل، إلا دليل مسألة يوضحها أو يتضمَّن مسألة أخرى، ولم يلتفتوا إلا نادرًا إلى النوادر، وذلك فيما لم يجدوا جواب المسألة في ظاهر الروايات، أو وجدوا جواب النوادر موسومًا بعلامة الفتوى.

ونقلوا كل رواية من المعتبرات بعبارتها معزُوَّة إلى كتابها، ولم يغيروا العِبارةَ إلا لداعي الضرورة، وإذا وجدوا في المسألة جوابين مختلفين كل منهما موسوم بعلامة الفتوى وسمة الرجحان أو لم يكن واحد منهما معلمًا بما يُعلم به قوة الدليل أثبتوهما كما هما في الكتاب([66]).

فجاء الكتابُ مشتملًا على مجموعةٍ كبيرةٍ من الفتاوى الفِقهيَّة على المذهب الحنفي قد رتبها العلماء المجتمعون على ترتيب الكُتبِ الفقهيَّةِ المعروفة؛ بداية من الطهارة، والصلاة، والزكاة، والحج، ثم ذكروا بعد ذلك سائر أنواع البيوع.

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

يُعدُّ كتاب «الفتاوى الهندية» أو «الفتاوى العالمكيرية» من أجَلِّ كتب الفتاوى وأنفعها في كثرة المسائل وسُهولة العبارة وحَلِّ العُقَد، فالسبب في تأليفه كان التسهيل على الناس للوقوف على ما عليه الفتوى في المذهب الحنفي، ومعرفة الروايات الصحيحة والأقوال المعتمدة والراجحة في المذهب.

وقد اشتهر في الأقطارِ الحِجَازيَّةِ والمِصريَّةِ والشاميَّةِ والرُّوميَّةِ باسم «الفتاوى الهندية»، وذاع صيته لاحتوائه على معظم الروايات الصحيحة مع حُسن الترتيب والتنظيم، مع الإيجاز والبعد عن كثرة سرد الأدلة وإيراد الترجيحات بين الفتاوى والآراء المختلفة؛ فقد كان من أعظم مقاصد الكتاب أن يتمَّ بشكل نظاميٍّ ترتيب الآراء الفقهية الموثوق بها التي جاء بها الفقهاء القدامى والمجتهدون السابقون، والتي كانت مبعثرة ومشتتة في العديد من الكتب الفقهية، وذلك لكي يمكن وضع مؤلف شامل ترجع إليه المحاكم والأفراد فيما يتعلق بشؤون دينهم؛ ولذا فقد صار الكتاب مُرجعًا يرجع إليه العلماء والقضاة والمفتون في شؤونهم الدينية ومسائلهم الفقهية؛ ولذا فمنذ إصدار «الفتاوى العالمكيرية» قامت الإدارة القضائية المغوليَّة باتخاذها كأداة من أدوات الإدارة القَضَائيَّة للمسلمين([67]).

وقد تناولت تلك الفتاوى مظهرًا من مظاهر الحَياةِ الإسلاميَّة الاجتماعيَّة والدينية للفرد والمجتمع على السواء، وعلى هذا الأساس خصصت فصولًا مستقلة للأمورِ العَائدةِ للمعاملات الفردية والاجتماعية، وللسلوك الديني، ولإدارة القضاء، ولشؤون الدولة الداخليَّة والخَارجيَّة، كما أنها تتضمن قواعد محددة التفسير والتأويل والتفهيم للمسائل الفقهية بِشكلٍ صائب وناجح؛ وذلك لأن العلماء الذين قاموا بإنجاز هذا المشروع استخدموا اصطلاحات توضح المسائل المطروحة، وعلى هذا الأساس نجدهم في الأكثر استخدموا التعبيرين التاليين: (الصحيح، والأصح) للتمييز بين قوة الآراء الفقهية، وكذلك الحال بالنسبة لتعبير: (عليه الفتوى) وهذا للدلالة على الرأي الذي ينبغي العمل به، وتعبير (عليه الاعتماد) للدلالة على اختياره على غيره لاعتبارات؛ كقوة الدليل أو لكون الفتوى به أرفق بأهل الزمان، وتعبير (عليه عمل الأمة) لبيان أن علماء المذهب المتأخرين قد أجمعوا على الأخذ بهذا القول من بين الأقوال والآراء الفقهية، وتعبير (عليه العمل اليوم) يعني: مناسبته للعرف. فقد تم توظيف هذه العبارات وأمثالها بشكل يزيد الكتاب سهولة وإيضاحًا([68]).

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال البرهانبوري رحمه الله: «الفصل الثاني فيما ينقض التيمم: ينقض التيمم كل شيء ينقض الوضوء، كذا في الهداية، وينقضه القدرة على استعمال الماء الكافي الفاضل عن حاجته، كذا في البحر الرائق».
  • وقال: «المني إذا أصاب الثوب، فإن كان رطبًا يجب غسله، وإن جف على الثوب أجزأ فيه الفرك استحسانًا، كذا في العناية، والصحيح أنه لا فرق بين مني الرجل والمرأة، وبقاء أثر المني بعد الفرك لا يضر».
  • وقال عن صلاة المريض: «ولو كان قادرًا على بعض القيام دون تمامه يؤمر بأن يقوم قدر ما يقدر، حتى إذا كان قادرًا على أن يكبر قائمًا ولا يقدر على القيام للقراءة أو كان قادرًا على القيام لبعض القراءة دون تمامها، يؤمر بأن يكبر قائمًا ويقرأ قدر ما يقدر عليه قائمًا، ثم يقعد إذا عجز، قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى: هو المذهب الصحيح، ولو ترك هذا خفت ألا تجوز صلاته. كذا في الخلاصة».
  • وقال في صلاة العيدين: «وهي وَاجبةٌ وهو الأصح كذا في محيط السرخسي، ويستحب يوم الفطر للرجل الاغتسال والسواك ولبس أحسن ثيابه كذا في القنية، جديدًا كان أو غسيلًا كذا في محيط السرخسي، ويستحب التختم والتطيب والتبكير -وهو سرعة الانتباه-، والابتكار -وهو المسارعة إلى المصلى-، وأداء صدقة الفطر قبل الصلاة، وصلاة الغداة في مسجد حيه، والخروج إلى المصلى ماشيًا، والرجوع من طريق آخر، كذا في القنية».
  • وقال: «إذا احتضر الرجل وُجه إلى القبلة على شقه الأيمن وهو السُّنَّة، كذا في الهداية، وهذا إذا لم يشق عليه، فإذا شق ترك على حاله، كذا في الزاهدي».
  • وقال: «غسل الميت حق واجب على الأحياء بالسنة وإجماع الأمة، كذا في النهاية، ولكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين، كذا في الكافي، والواجب هو الغسل مرة واحدة، والتكرار سنة؛ حتى لو اكتفي بغسلة واحدة أو غمسة واحدة في ماء جار جاز، كذا في البدائع».
  • وقال: «لا حق لغير المحرم في حضانة الجارية، ولا للعصبة الفاسق على الصغيرة، كذا في الكفاية، ولا حضانة لمن تخرج كل وقت وتترك البنت ضائعة، كذا في البحر الرائق».
  • وقال عن اليمين الغموس: «هو الحلف على إثبات شيء أو نفيه في الماضي أو الحال يتعمد الكذب فيه، فهذه اليمين يأثم فيها صاحبها، وعليه فيها الاستغفار والتوبة دون الكفارة».
  • وقال: «والقضاء على خمسة أوجه: واجب: وهو أن يتعين له ولا يوجد من يصلح غيره. ومستحب: وهو أن يوجد من يصلح لكنه هو أصلح وأقوم به. ومخير فيه: وهو أن يستوي هو وغيره في الصلاحية والقيام به. ومكروه: وهو أن يكون صالحًا للقضاء لكن غيره أصلح. وحرام: وهو أن يعلم من نفسه العجز عنه وعدم الإنصاف فيه».
  • وقال: «أجمع الفقهاء على أن المفتي يجب أن يكون من أهل الاجتهاد، كذا في الظهيرية. ذكر في الملتقط: وإذا كان صوابه أكثر من خطئه حل له أن يفتي، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد لا يحل له أن يفتي إلا بطريق الحكاية، فيحكي ما يحفظ من أقوال الفقهاء، كذا في الفصول العمادية».

 

 

18- «الفتاوى الرحيمية» لعبد الرحيم اللطفي.

 

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو عبد الرحيم بن إسحاق بن محمد بن أبي اللطف الحسيني اللطفي المقدسي.

ب ـ نشأتُه وشيوخُه:

وُلد رحمه الله بالقدس سنة سبع وثلاثين وألف (1037هـ)، ونشأ بالجد والاجتهاد، وأخذ العلوم على من ورد من الأفاضل إلى القدس، ثم ارتحل إلى مصر وجاور بها مدة، ثم رجع ظافرًا بمزيد الفضيلة حائزًا للعلوم الجليلة، واشتُهر بالبلاد وانتفع به العباد.

كان رحمه الله مفتي الحنفية بالقدس ورئيس علمائها.

مشيخته تضم الكثير من أفاضل العلماء والمشايخ، منهم: أحمد القشاشي، وحسن الشرنبلالي، وأحمد الشوبري، وعلي الشبراملسي، ويس الحمصي المصري، وسلطان المزاحي، والشهاب أحمد الخفاجي، وإبراهيم الميموني، وأبو السعود الشعراني، ويوسف الخليلي، وعبد الكريم الحموي، والسيد محمد بن علي الدمشقي، ومحمد البلباني الدمشقي، وزين العابدين الصديقي المصري.

ج ـ أشهر تلاميذه:

قد أخذ عنه جَماعةٌ من أهالي الروم، منهم: أحمد بن سنان البياضي، ومحمد رفيعي زاده، وأحمد جاويش زاده، وقره خليل عَلَّامة الروم، وعبد الله ابة زاده، ونقيب الأشراف إبراهيم عشاقي زاده. ومن فضلاء مصر: أحمد الدقدوسي مفتي الحنفية، وشاهين الدمشقي الأصل القاهري السكن. ومن أهالي دمشق: إسماعيل اليازجي، وصالح الجينيني. ومن أهالي بلدته: أحمد العلمي. ومن أهل الرملة: نجم الدين بن خير الدين الرملي.

د ـ أبرز مصنفاته:

من أهم تصانيف الشيخ عبد الرحيم المقدسي: «كتابة له على منح الغفار»، و«كتابة على الرمز شرح الكنز للعيني»، و«كتابة على البزازية»، و«كتابة على الفتاوى الخيرية»، وله «رسالة في الاشتقاق»، و«نظم رقيق» جمعه ولده السيد محمد.

ه ـ وفاتُه:

توفي رحمه الله في أدرنة من بلاد الروم في صفر سنة (1104هـ)([69]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب «الفتاوى الرحيمية في واقعات السادة الحنفية» اعتمد فيه المؤلف رحمه الله على الكتب المعتمدة في المذهب الحنفي مثل «كنز الدقائق» وشروحه، و«بداية المبتدي» وشرحه، و«تنوير الأبصار»، و«الاختيار»، و«السراج الوهاج». وقد جمع ولده السيد محمد بن عبد الرحيم تلك الفتاوى، ورتبها على ترتيب الهداية والكنز([70]).

ويشتمل الكتاب على مجموعة من المسائل الفقهية مرتبة على الأبواب الفقهية المشهورة (الطهارة، الصلاة، الزكاة، الحج، النكاح، الرضاع، الطلاق، الحدود، السِّيَر، المفقود، الشركة، الوقف، البيوع، الهبة، الإجارة…).

وقد قسم المؤلف كتابه إلى كتب، وقسم الكتب إلى فصول وأبواب، واتبع طريقة السؤال والجواب، فجاء الكتاب على شكل (سئل) و(أجاب).

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

تنبع أهمية كتاب «الفتاوى الرحيمية» بداية من كون مؤلفه هو مفتي القدس في عصره، وهو مَنْصِبٌ لا يشغله إلا العالم الموسوعي المتمكن، ومن كانت هذه حاله كانت مصنفاته لها أهمية كبيرة، وخاصة في تنقيح المذهب وتدقيقه؛ ولذا فقد أحال عليه خاتمة المحققين ابن عابدين في حاشيته الشهيرة في أكثر من موضع([71]).

ويعدُّ الكتاب من كتب الفتاوى المعتمدة في المذهب الحنفي، ومن الكتب الجوامع التي ربطت بين متون وشروح وفتاوى الكتب المعتمدة في المذهب، كما اهتم المؤلف رحمه الله في هذا الكتاب بإيراد المسائل واضحة، مفهومة العبارات، خالية من المسائل الافتراضية، أو الألغاز الفقهية، كما اهتم بذكر الرأي الراجح في المسلة ألة ألة، وما عليه الفتوى فيها في المذهب.

كما تميز الكتاب بالتوثيق وعزو كل رأي لقائله، فهو ينقل كثيرًا أقوال فقهاء المذهب الحنفي من كتبهم، ويصرح في أحيان كثيرة باسم المنقول عنه؛ كقاضيخان مثلًا، وفي أحيان كثيرة ينقل عن الكتاب دون ذكر اسم المؤلف، فيقول مثلًا: كذا في الخانية، وذكره في البزازية، وفي العمادية. وهو يذكر أحيانًا قول الإمام أبي حَنِيفَة وقول الصاحبين، وينقل كثيرًا عن المتأخرين؛ كقاضيخان، وابن البزاز، وابن قاضي سماونة.

والكتاب لا شك صحيح النسبة لمصنفه؛ فقد بَيَّن جامع الكتاب ابن المؤلف محمد بن عبد الرحيم في مقدمته نسبة الكتاب لوالده المؤلف، وكذا نَسَبهُ له أصحاب كُتب التَّراجمِ وفهارس الكتب.

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال عبد الرحيم المقدسي رحمه الله: «سئل عن رجلٍ حضن ابن عم له يتيمًا بلا وصاية، واستخدمه في رعي وغيره من أعمال شتى سنين إلى أن بلغ، وبعد بلوغه استمر يستخدمه كذلك مدة بدون أن يشترط له شيئًا، فما الحكم؟ أجاب: يستحق اليتيم أجرة مثله مدة استخدامه إلى بلوغه، وبعده لا يستحق شيئًا والحالة هذه، والله أعلم».
  • وقال: «سئل عن رجل استأجر دارًا من آخر مدة معينة، وسكن فيها المستأجر، هل للمؤجر أن يسكنها قبل تمام مدة الإجارة أو لا؟ أجاب: ليس له أن يسكنها، ويمنع شرعًا وإن احتاج المؤجر إلى الدار المؤجرة، كما في الخانية وغيرها».
  • وقال: «سئل في راعي المواشي إذا تعدى عليها الذئب، ونفَّره تنفيرًا وما برح حتى أهلك حمارًا منها، هل يضمنه أو لا؟ أجاب: لا يضمنه؛ حيث لم يقصر في حفظها على المفتى به، كما هو المصرح به متونًا وشروحًا وفتاوى، والحال هذه والله أعلم».
  • وقال: «سئل عن رجل حُبس وأكره بالإكراه المعتبر شرعًا على بيع فرس وتسليمها من آخر، فهل له أن يفسخ هذا البيع إن شاء أو لا؟ أجاب: الخيار له بعد الإكراه الشرعي، إن شاء فسخ البيع وإن شاء أمضاه؛ كما هي مسألة عامة المتون، وإذا تعارضت بينة الإكراه وبينة الطواعية تُقدم بينة الإكراه على المفتى به؛ كما صرح بذلك علماؤنا رحمهم الله تعالى، والله أعلم».
  • وقال: «سُئل في مَدِينٍ حبسه القاضي ليبيع ماله لدينه فتعنَّت، هل للقاضي أن يبيع عرضه وعقاره لدينه الثابت شرعًا أو لا؟ أجاب: أما عند أبي حَنِيفَة رحمه الله تعالى فيؤيد حبسه إلى أن يبيع بنفسه، وأما عند الإمامين رحمهما الله تعالى فيبيع القاضي ذلك عليه ويوفي الدين، وبقولهما يُفتى كما في الاختيار وغيره، ويبيع العقار كما يبيع المنقول على الصحيح، ويبدأ القاضي بالمنقول، ثم العروض، ثم العقار».
  • وقال: «سئل: عن رجل استهلك فرس آخر، ثم مات ولا مال له، هل يضمنها ابنه أو لا؟ أجاب: لا يلزمه ضمانها من ماله والحال هذه، وإن أدَّى شيئًا يظن أنه يلزمه يرجع فيه شرعًا، والله سبحانه وتعالى أعلم».
  • وقال: «سئل عن رجل سعى بآخر إلى حاكمٍ سياسيٍّ سعاية كاذبة، وغرمه مالًا معينًا، هل له أن يضمنه ما غرمه أو لا؟ أجاب: إذا ثبت السعاية وقُدِّر ما غرمه شرعًا، يضمن ذلك على المفتى به قطعًا، ويُعزر بما يراه القاضي ردعًا، والله تعالى أعلم».
  • وقال: «سئل: عن حانوت مشترك بين جماعة، باع أحدهم حصته حال غيبة الباقين عن البلد، ومنهم امرأة طلبت الشفعة في مجلس علمها بالبيع فورًا، وأشهدت، ووكلت وكيلًا في التملك بالشفعة وهي غائبة، فهل هي على الشفعة ولوكيلها الأخذ بها أو لا؟ أجاب: حيث طلبت الشفعة وقت العلم فورًا وأشهدت، وقد حصل طلب المواثبة، وعجزت عن طلب الإشهاد عند الحانوت، أو عند صاحب اليد، وهي قد وكلت وكيلًا فيه فهي على الشفعة، ولوكيلها الأخذ بها بالوجه الشرعي؛ كما في شرح التنوير وغيره، والله أعلم».
  • وقال: «سئل عن الأفيون هل هو حرام أو لا؟ وهل بيعه وشراؤه كذلك؟ أجاب: نعم هو حرام، صرح بذلك في السراج الوهاج، وكذا بيعه؛ إذ شرط المبيع الانتفاع، وهنا مفقود، فهو كبيع العذرة».
  • وقال: «سئل عن رجل مرض، فاتهم آخر أنه سقاه ما يقتل، ومات لذلك المرض، والآن تدعي عليه الورثة قتل مورثهم، هل يُعمل بمجرد قوله وقولهم أو لا؟ أجاب: لا يُعمل بمجرد قوله وقولهم، وحيث لم يُوجَر ذلك السم لا قصاص ولا دية، ولا يمين لأجلهما، والإيجار: الصبُّ في الفم بدون اختيار، والحال هذه والله أعلم».

 

 

19- «الفتاوى الإقناعية» لعبد الحميد السباعي.

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو عبد الحميد بن عبد الوهاب السباعي الحمصي الشافعي.

تولى رحمه الله الإفتاء بحمص على مذهب أبي حَنِيفَة النعمان، وإن كان شافعي المذهب؛ لأنه لم يكن أعلم منه في المذهبين في ذلك الأوان، وكانت توليته للإفتاء بعد ذهاب شيخه الشيخ إبراهيم الأتاسي إلى طرابلس الشام، ولم يزل بها مُفتيًا إلى أن رحل إلى الآخرة دار السلام.

ب ـ أبرز مصنفاته:

له رحمه الله من المؤلفات: «حاشية على جمع الجوامع»، و«شرح على رسالة السمرقندي» في البيان، و«بغية الطلاب في الرد على ابن عبد الوهاب».

ج ـ وفاتُه:

توفي رحمه الله تعالى سنة العشرين بعد المائتين (1220هـ) عن بعض ستين سنة في مدينة حلب ودُفن هناك([72]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب «الفتاوى الإقناعيَّة على مذهب الإمام أبي حَنِيفَة النعمان» جمع فيه المؤلف أهم الواقعات والنوازل عند الحَنفيَّةِ، مع إبراز العديد من الفَرائدِ في مذهب الشَّافِعيَّةِ على أصح الأقوال ومعتمدها عندهم على وَجهٍ يسهل على الناظر استخراجها([73]).

والمصنف رحمه الله قد نوَّع من المصادر والمراجع التي اعتمد عليها في تحرير هذه الفتاوى، ومن أبرز هذه المصادر: «الاختيار لتعليل المختار» لابن مودود، و«الأشباه والنظائر» لابن نجيم، و«البحر الرائق» لابن نجيم، و«الجوهرة النيرة» لأبي بكر الحدادي، و«الدر المختار» للحصكفي، و«المحيط البرهاني» لابن مازة، و«تبيين الحقائق» للزيلعي، و«فتح القدير» لابن الهمام، و«البناية» للبدر العيني، و«الفتاوى البزازية»، «والفتاوى الخانية»، وغيرها.

ويتضمن الكتاب عددًا ضخمًا من المسائل الفقهية والواقعات تتجاوز (8500) مسألة مقسمة على أبواب الفقه المعهودة بداية من كتاب الطهارة إلى كتاب الفرائض، ويتضمن كل كتاب من الكتب المذكورة مجموعة من المسائل التفصيلية، وقد جعله على طريقة السؤال والجواب، فهو يصدر المسألة بقوله: (سئل)، والجواب بقوله: (أجاب).

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

أعطى التكوين العلمي للشيخ عبد الحميد السباعي الفتاوى الإقناعية أهمية كبيرة؛ فالشيخ
عبد الحميد هو عالم حمص ومفتيها، وكان من فُقهاءِ الشَّافِعيَّةِ المقدمين، وفي ذات الوقت كان من أعلم الناس بمهذب الإمام أبي حنيفة، مما جعله مؤهلًا لأن يتولى الفتوى على المذهب الحنفي، ولذلك جاء الكتاب جَامعًا بين مذهب أبي حَنِيفَة وبين مذهب الشافعي من عَالمٍ مؤهل للتصنيف في كلا المذهبين، وهو ما بيَّنه الشيخ في مقدمته، فقد نصَّ على أنه نقل الواقعات الحَنفيَّة مطرزة بفرائد من المعتمدِ عند الشَّافِعيَّةِ كما تقدم.

وقد جمع الكتاب أيضًا جل الحوادث التي تدعو إليها البواعث، مع تحر لما هو الأقوى وما عليه العمل والفتوى، مع تحريرات فائقة لا تجدها في غير هذا الكتاب كما ذكره مؤلفه.

وقد اعتمد المؤلف السهولة واليسر في طريقة عرض المسائل؛ فهو يصوغ السؤال بأسلوب سهل، ويلمح فيه إلى شيء من الجواب، ثم يذكر جواب المسألة مع ما فيها من النقول من أمهات كتب المذهب، ويذكر لكل مسألة تعليلها الموضح لها، مع تحرير فريد ربما كان مما تفرد به هذا الكتاب، وقد يلمح المؤلف رحمه الله إلى ذلك كما في المسألة (5494) حيث يقول: «واغتنم ما حررناه؛ لأنه من مفردات هذا الكتاب، انتهى»([74]).

والكتاب صحيح النسبة لمصنفه؛ فقد نسبه له الشيخ عبد الرزاق البيطار في «حلية البشر»، قال: «وفتاوى في المعاملات في مذهب السيد أبي حَنِيفَة النعمان رضي الله عنه في ثلاث مجلدات سماها الإقناعية»([75]).

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال عبد الحميد السباعي رحمه الله: «سئل: فيما إذا شك في بعض وضوئه وهو في خلال الوضوء، ولم يكن الشك عادة له، فهل يعيد ما شك فيه، أم لا؟ أجاب: نعم، يعيد ما شك فيه بهذه الشروط، فإن شك بعد تمامه أو في خلاله وكان عادة له لا يعيد، ولو علم أنه لم يغسل عضوًا وشك في تعيينه غسل رجله اليسرى؛ لأنه آخر العمل».
  • وقال: «سُئل: فيما إذا لمس الرجل ذكره أو ذكر غيره، فهل ينتقض وضوؤه بذلك أم لا؟ أجاب: لا ينتقض، وكذا مس الدبر والفرج خلافًا للشافعي، لكن يُستحب لمن مس ذكره أن يغسل يده، والله أعلم».
  • وقال: «سئل: فيما إذا استيقظ النائم وتذكر الحلم، واللذة، والإنزال، ولم ير بللًا، فهل يلزمه الغسل أم لا؟ أجاب: لا يلزمه الغسل؛ لأنه تفكر في النوم كما في اليقظة بلا إنزال، انتهى درر، والله أعلم».
  • وقال: «سئل: فيما إذا كان على الرجل قضاء فرض، فهل يُسن لها الأذان أم لا؟ أجاب: نعم، الأذان سنة مؤكدة للفرائض أداء وقضاء، وإذا أذن قبل دخول الوقت يعاد، ويكره للنساء، ويجوز من الصبي المراهق، ويكره للجنب، ويجوز من المحدث».
  • وقال: «سئل: فيما إذا صلى ظانًّا أنه متوضئ، فتبين أنه محدث، فهل يلزمه الإعادة، أم لا؟ أجاب: نعم يلزمه الإعادة؛ إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه، وخرج عن هذه القاعدة عكس هذه المسألة، وهو ما إذا صلى ظانًّا أنه محدث، فظهر أنه متوضئ لزمه الإعادة».
  • وقال: «سئل: فيما إذا انكشفت عورة المصلي في الصلاة، فسترها من غير لبس، فهل تفسد صلاته أم لا؟ أجاب: لا تفسد، قال في «المنح» و«الدرر»: جازت صلاته إجماعًا؛ لأن الانكشاف الكثير في الزمن اليسير كالانكشاف اليسير في الزمن الكثير وذا لا يمنع، فكذا هذا، انتهى».
  • وقال: «سئل: فيما إذا صلى الفرض أو غيره عند دخول المسجد، فهل ينوب عن تحية المسجد من غير نية؟ أجاب: نعم، ينوب عنها من غير نية».
  • وقال: «سئل في الزوج: هل له غسل زوجته أم لا؟ أجاب: يمنع من غسلها ومسها، وأما نظره إليها فيجوز على الأصح. وعند الأئمة الثلاثة: يجوز للزوج غسلها. وأما الزوجة لا تمنع من غسل زوجها دخل بها أو لا، بشرط بقاء الزوجية عند الغسل».
  • وقال: «سئل: في رجلٍ وجد لقطة فأخذها، وقال لجَماعةٍ: من سمعتموه ينشد لقطة فدلوه عليَّ، ونادى عليها إلى أن علم أن صاحبها لا يطلبها، فهلكت عنده بلا تعد منه، فهل يضمنها أم لا؟ أجاب: لا يضمنها؛ لأنها بقيت أمانة، فلا تضمن بلا تعد».
  • وقال: «سئل في رجلٍ باع لآخر سلعة بثمن حال، فهل للبائع حق حبسها حتى يستوفي جميع الثمن أم لا؟ أجاب: نعم، له حق حبسها حتى يستوفي جميع ثمنها؛ كما هو صريح المتون والشروح، قال في الدر المنتقى: للبائع حبس المبيع لقبض الثمن ولو بقي منه درهم».

 

20- «الفتاوى الحسنية» لعبد اللطيف الحَسَني.

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو حسن بن عبد اللطيف بن محمد الحَسَني الحُسيني المقدسي. مفتي القدس.

ب ـ أبرز مصنفاته:

من تصانيفه: «تراجم أهل القدس في القرن الثاني عشر الهجري».

ه ـ وفاتُه:

كان رحمه الله حيًّا قبل سنة (1206هـ- 1791م)([76]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب «الفتاوى الحسنية الحسينية والفروع المنقحة الفقهية» قام تلميذُه الشيخ أحمد بن زايد الغَزِّي بجمعها وترتيبها على أبواب الفقه، وقد اعتمد فيها الشيخ الحسني الحسيني على ما هو معمول به في المذهب الحنفي بناءً على ما ورد في الكتب المعتمدة عند الأحناف([77]).

ومن الواضح أن الشيخ الحسني الحسيني لم يرتب فتاويه بترتيب معين؛ حيث إنه كان يفتي فيما يَرِد إليه من أسئلة؛ لكن تلميذه الشيخ أحمد زايد الغَزِّي قد جمعها وهذبها ورتبها.

فالكتاب قد رتبه الشيخ أحمد زايد رحمه الله على حسب ترتيب كتب الفقه، غير أن المطبوع الذي بين أيدينا اقتصر محققه على القسم الثاني من المخطوط، وهو يتكون من تسعة كتب فقط؛ أولها: كتاب الأيمان، وثانيها: كتاب العتق، وثالثها: كتاب الحدود، ورابعها: كتاب السرقة، وخامسها: كتاب السير، وسادسها: كتاب الجهاد، وسابعها: كتاب المفقود والغائب، وثامنها: كتاب الشركة، وختمها بكتاب المضاربة.

وقد جعله على طريقة السؤال والجواب، فهو يصدر المسألة بقوله: (سئل)، والجواب بقوله: (أجاب).

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

يعتبر كتاب «الفتاوى الحسنية» أحدَ أهم كتب التراث الفقهي التي يتبين من خلالها مراحل تطور الفتوى والاجتهاد، حيث إن الكتاب يُعتبَر حلقة وصلٍ مهمة بين موروث الأمة الفقهي وواقعها المعاصر المليء بالحوادث والقضايا الجديدة.

وقد حوى الكتاب الكثير من الفتاوى المؤصَّلة التي استقاها الشيخُ الحسني الحسيني من عيون كتبِ وفتاوى المذهب الحنفي، والتي لا يزال الكثير منها في طَوْر المخطوط، والبعض منها مفقود، مما يجعل هذه الفتاوى سِجِلًّا مهمًا لكثير من مضامين مخطوطات التراث الحنفي التي يصعب الحصول عليها الآن.

وقد اهتم الشيخ الحسني الحسيني رحمه الله بتوثيق مسائل كتابه وعزوها إلى مصادرها، فتارة يصرح بأسماء علماء المذهب الذين تناولوا تلك المسألة؛ كأبي شجاع وقاضيخان، وتارة يصرح بأسماء الكتب دون ذكر المصنفين؛ كقوله: قال في متن التنوير… قال في الدر المختار… قال في الفتاوى الخيرية… وذكر ذلك في فتح القدير والبحر، وتارة يكتفي بالإحالة العامة على معتمدات المذهب فيقول: «كما هو مصرح به في كتب الفقه… كما في سائر الكتب».

وقد اعتمد السهولة واليسر والإيجاز في طريقة عرض المسائل بما يفي بالغرض دون تطويل أو تكرار.

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال حسن بن عبد اللطيف رحمه الله: «سئل فيما إذا ثبت طلاق رجل بالبينة الشرعية عند الحاكم الشرعي، إلا أن الشهادة متأخرة عن الطلاق، وقضى القاضي بالطلاق، فهل تعتبر العدة من وقت الطلاق، أو من وقت القضاء؟ أجاب: نعم، تعتبر العدة من وقت الطلاق لا من وقت القضاء كما في الدر المختار وغيره، بخلاف ما إذا أقر بالطلاق منذ زمان فاعتبار العدة فيه من وقت الإقرار على ما عليه الفتوى».
  • وقال: «سئل: في رجل يريد أن ينزع ابنتيه من أمهما المطلقة، فهل له ذلك أو لا؟ أجاب: ليس للأب أن ينزع ابنتيه المذكورتين من والدتهما المطلقة؛ لما ذكره علماؤنا من أن الأم والجدة أحق بالصغيرة حتى تحيض في ظاهر الرواية والحالة هذه».
  • وقال: «سئل: في صغير تحت حضانة أمه، وقد تزوجت الأم بأجنبي، ولا حاضنة له غيرها، والأم تطلب أن تربيه مجانًا بلا نفقة، وجده أبو أبيه يطلبه، فهل له أخذه منها ولو قَبِلتهُ مجانًا أو لا؟ أجاب: إذا قَبِلتِ الأم -الساقطة الحضانة بالتزويج بالأجنبي- تربيته مجانًا والجد المذكور يطلبه كذلك مجانًا بلا نفقة فله أخذه من الأم، وإن طلب الجد تربيته بنفقة والأم تطلب تربيته بلا نفقة وللصغير مال دُفع إليها لا إليه؛ إبقاء لماله».
  • وقال: «سئل: في رجل طلق زوجته المدخول بها، ولها عليه المهر المؤجل، فهل يحل بالطلاق، ويلزم الزوج أداؤه حالًّا، ويلزمه نفقة العدة أو لا؟ أجاب: نعم، يلزم الزوج المذكور نفقة العدة لزوجته المذكورة، ويحل لها المهر المؤجل، ويلزم الزوج أداؤه حالًّا؛ لأن المؤجل يحله الطلاق ولو رجعيًّا، ولا يتأجَّل بمراجعتها كما هو مصرح به في محله».
  • وقال: «سئل: في المسكن الشرعي الواجب على الرجل للزوجة ما هو؟ أجاب: المسكن الشرعي هو بيت خال عن أهله وأهلها بقدر حالهما بين جيران صالحين بحيث لا تستوحش الزوجة».
  • وقال: «سئل: في رجلٍ يمنع المارة عن المرور في الطريق السلطاني، ويتعرض لهم بالأذية، فما يترتب عليه شرعًا؟ أجاب: حيث كان الرجل معصومًا وقطع الطريق على معصوم، فأُخذ قبل أن يأخذ مالًا، وقبل أن يقتل نفسًا، فإنه يحبس ويعزر حتى يتوب أو يموت، كما في الدر المختار وغيره».
  • وقال: «سئل: في شريك في حصص خيل يريد أن يبيع حصته وأن يجبر شريكه على البيع، فهل يسوغ له ذلك أو لا؟ أجاب: لا يسوغ له ذلك؛ إذ لا يجبر الشريك على بيع حصته، إذ كل من شريكي الملك أجنبي في حصة الآخر، والحالة هذه».
  • وقال: «سئل: في رجلين اشتركا في مواشي، ففر بها أحدهما إلى بلد آخر بلا إذن شريكه، فهلك بعضها، فهل يكون ضامنًا لحصة شريكه أو لا؟ أجاب: نعم، يكون ضامنًا إذ هو أجنبي في حصة شريكه؛ إذ كل من شريكي الملك أجنبي في حصة شريكه، كما في سائر الكتب».
  • وقال: «سئل: في رجل دفع لآخر مبلغًا معلومًا مضاربة؛ ليشتري به أرزًّا ويبيعه والربح بينهما مناصفة، ثم إن المضارب شارك آخر بمال المضاربة، وخلطه به من غير إذن رب المال، فنُهب المال فهل يضمن أو لا؟ أجاب: نعم، يضمن؛ لتعديه، فقد صرح علماؤنا رحمهم الله تعالى أن المضارب لا يملك المضاربة ولا الشركة ولا الخلط بماله أو بمال غيره إلا بإذن أو: اعمل برأيك».
  • وقال: «سئل: في شريك اشترى بماله قماشًا، ودفعه لشريكه ليعمل فيه والربح بينهما، فمات صاحب المال، فطلب الوارث المال من العامل، فادعى دفعه للمورث، فهل يُقبل قوله بيمينه أو لا؟ أجاب: هذه مُضاربةٌ فَاسدةٌ، والقول قول العامل في دفع مالها لرب المال كما في الصحيح».

 

 

21- «العقود الدرية» لابن عابدين.

أولًا: التعريف بالمؤلف:

تقدمت ترجمة الشيخ ابن عابدين عند ذكر منظومته «عقود رسم المفتي».

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب «العُقُودُ الدُّريَّة في تَنقِيحِ الفَتَاوى الحَامديَّةِ» لمحمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الشهير بابن عابدين المتوفى سنة (1252هـ)، قام فيه المؤلف باختصار وتهذيب كتاب «مغني المستفتي عن سؤال المفتي» أو «الفتاوى الحامدية» لحامد أفندي العمادي؛ كما وضع عليه التعليقات والحواشي والإضافات التي تناسب المقام([78]).

ويشتمل كتاب «العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية» على مسائل شتى في الأبواب والفصول الفقهية المعروفة، بالإضافة إلى ذكر بعض آداب المفتي والمستفتي باختصار غير مخل.

ومن الملاحظ في ترتيب ابن عابدين لموضوعات الكتاب أنه لم يلتزم بترتيب الموضوعات بحسب الأبواب الفقهية كما هو معهود من كتب السادة الحنفية، وإنما ابتدأ كتابه بالحديث عن الدعاوى والإقرار والصلح، ثم تحدث بعد ذلك عن أحكام المعاملات؛ كالمضاربة والوديعة والرهن، ثم تحدث عن أحكام الذبائح والشرب والمداينات والجنايات، واختتم كتابه بالحديث عن الفرائض، وعن بعض المسائل المنثورة فيما يتعلق بأحكام الحظر والإباحة.

وقد جعله على طريقة السؤال والجواب، فهو يصدر المسألة بقوله: (سئل)، والإجابة بقوله: (الجواب)، وصرح بأنه حيث قال: (المصنف) فمراده به صاحب الأصل، وكل ما كان من زياداته فيصدره بلفظ: (أقول)([79]).

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

يتميز كتاب «العُقُود الدُّريَّة في تَنقِيحِ الفَتَاوى الحَامديَّةِ» بأنه قدم لكتابٍ من أجلِّ كتب الفتوى على المذهب الحنفي بشكل مبسط ومختصر يستطيع المتصدر للفتوى أن يُلِمَّ بما فيه من معلومات ثمينة تفيده في حال فتواه، خاصة وأن ابن عابدين هنا نص على أن «الفتاوى الحامدية» قد شملت معظم الحوادث التي تدعو إليها البواعث، وذلك مع التحري للقول الأقوى وما عليه العمل والفتوى في المذهب الحنفي.

كما أن ابن عابدين قد أضاف بصمته وآراءه الفقهية المعتبرة وبعض تحريراته المنقحة التي استقاها من «حاشيته على البحر الرائق» و«حاشيته على الدر المختار»، وأضاف بعض المسائل المشكلة والوقائع المعضلة التي قد تعرض للمفتي والمستفتي وأجاب عنها. كما أنه صرف همته نحو اختصار أسئلته وأجوبته وحذف ما اشتُهر منها وتكرر ولخص أدلته، وقدَّم وأخَّر وجمع ما تفرَّق على وضع محكم، بل وزاد ما لا بد منه من نحو استدراك أو تقييد، أو ما فيه تقوية وتأييد، ضامًّا إلى ذلك من تحرير بعض المسائل المشكلة، فخرج الكتاب حَاويًا لدرر الفوائد خاويًا عن مستنكرات الزوائد؛ ولذا فإن هذا الكتاب يُعدُّ من الكتب الجوامع، ومن أهم المصادر المعتمدة في الفتوى على المذهب الحنفي([80]).

والكتاب بلا شك صحيح النسبة لمصنفه ابن عابدين؛ فقد صرَّح هو بذلك في مقدمة كتابه، فقال: «فيقول العبد الفقير إلى مولاه القدير محمد أمين الشهير بابن عابدين… وقد سميت ذلك بالعقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية». كما نسبه له أصحاب كتب التراجم وفهارس الكتب.

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال ابن عابدين رحمه الله: «سئل: في صلاة الجمعة هل تُؤدى في مصر في مواضع كثيرة؟ الجواب: نعم، كما ذكره في التنوير. وقال السرخسي: هو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وبه نأخذ. وقال الزيلعي: وهو الأصح؛ لأن في عدم جواز التعدد حرجًا وهو مدفوع. وقال العيني في شرح المجمع: وعليه الفتوى».
  • وقال: «سئل: في المرأة إذا ماتت عن زوج وورثة غيره، وخلَّفت تركة، فهل مؤنة تجهيزها وتكفينها على الزوج؟ الجواب: المفتى به وجوب كفنها على الزوج وإن تركت مالًا؛ كما في التنوير والخانية، ورجَّحه في البحر بأنه الظاهر؛ لأنه ككسوتها».
  • وقال: «سُئل في رجلٍ وجبت عليه زكاة ماله الذي معه بدمشق، فهل المعتبر في ذلك فقراء مكان المال أو لا؟ الجواب: نعم، المعتبر في الزكاة مكان المال في الروايات كلها؛ كما في البحر والنهر، وعلله ابن مالك في شرح المجمع بأنه محل الزكاة، ولهذا تسقط بهلاكه».
  • وقال: «سئل: في رجل مات في طريق الحج عن ورثة وتركة ثلثها يفي بالحج عنه من بلده، وأوصى بأن يحج عنه فلان الرجل المعين، فأبى الرجل أن يحج عنه، فهل للوصي أن يدفع لغيره؟ الجواب: نعم، له ذلك، وإن أوصى أن يحج عنه فلان فأبى فلان أو لم يأب ودفع الوصي إلى غيره جاز، والتعيين لا يعتبر؛ لأن المقصود سقوط الفرض، ولأن المصلحة تختلف باختلاف الأزمان والأشخاص… لكن إن قال: يحج عني فلان لا غيره. لم يجز حج غيره».
  • وقال: «سئل: في رجل أوصى بأن يحج عنه بمبلغ سمَّاه من ثلث ماله، فدفعه الوصي لرجل لم يحج عن نفسه، فهل يجوز حجه عن الميت؟ الجواب: يجوز لمن لم يكن حج عن نفسه أن يحج عن غيره، لكنه خلاف الأفضل، ويسمى حج الصرورة من الصر وهو الشد».
  • وقال: «سئل: فيما إذا عضل الأب عن تزويج صغيرته من كفء بمهر المثل، هل للقاضي أن يزوجها؟ الجواب: نعم، إذا عضل الأب، فللقاضي تزويجها حيث لا ولي لها غيره، لكن ينبغي أن يأمر الأب بتزويجها، فإن امتنع ناب منابه فيه».
  • وقال: «فيما إذا اجتمع الزوجان في بيت بابه مفتوح، والحال أنه يُدخل عليهما بلا إذن، فهل تكون الخلوة غير صحيحة؟ الجواب: نعم، فإذا طلقها والحالة هذه يلزمه نصف مهرها. قال في الذخيرة: إذا اجتمعا في بيت بابه مفتوح والبيت في دار لا يَدخل عليهما أحد إلا بإذن فالخلوة صحيحة وإلا فلا».
  • وقال: «سئل: في رجل اشترى في حال صحته لبنته الصغيرة أواني ليجهزها بها، ثم مات عن ورثة، فهل يكون ذلك للبنت خاصة؟ الجواب: نعم، قال في الولوالجية: إذا جهَّز الأب ابنته ثم مات وبقية الورثة يطلبون القسم منها، فإذا كان الأب اشترى لها في صغرها أو بعدما كبرت وسلم إليها ذلك في صحته فلا سبيل لورثته عليه، ويكون للابنة خاصة».
  • وقال: «سئل: في مديون محبوس ثبت لدى القاضي يساره ببينةٍ شَرعيَّة، فهل يؤيد حبسه؟ الجواب: نعم، يؤيد حبس الموسر حتى يوفي دينه جزاء لظلمه، وهذا على قول الإمام الأعظم رحمه الله تعالى. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: يباع ماله لدينه. وبقولهما يُفتى؛ كما صرح به في الاختيار والتنوير وغيرهما».
  • وقال: «سئل: فيما إذا دفع زيد لصباغ عدة أثواب بيض ليصبغها له صباغًا أزرق معلومًا بينهما، فصبغها رديئًا، كيف الحكم في ذلك؟ الجواب: الحكم فيه ما ذكره في صرة الفتاوى عن القنية بما نصه: ولو صبغ رديًّا إن لم يكن فاحشًا لا يضمن، وإن كان فاحشًا بحيث يقول أهل تلك الصنعة: إنه فاحش. يضمن الثوب أبيض. اهـ. ومثله في البزازية».

 

 

22- «فتاوى اللكنوي».

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو أبو الحسنات محمد عبد الحي بن محمد عبد الحليم بن أمين الله بن محمد أكبر الأنصاري اللكنوي الهندي الحنفي.

ب ـ نشأتُه وشيوخُه:

وُلد رحمه الله سنة (1264هـ) في بلدة باندة في العشرة الأخيرة من ذي القعدة، وكان والده رحمه الله مدرسًا هناك، وشرع من سن خمس بحفظ القرآن الكريم، وفرغ منه في سن عشر، وفي أثناء ذلك تعلم الخط وقرأ بعض الكتب الفارسية، ثم شرع في السنة الحادية عشر في تحصيل العلوم.

قرأ جميع الفنون على والده، وبعض كتب الهيئة على خال أبيه المفتي محمد نعمة الله بن نور الله اللكنوي.

حصلت له الإجازة عن السيد أحمد بن زين دحلان الشافعي، والمفتي محمد بن عبد الله بن حميد الحنبلي، ومحمد بن محمد المغربي الشافعي، وعبد الغني بن أبي سعيد العمري الحنفي الدهلوي.

ج ـ أشهر تلاميذه:

من أشهر تلاميذ المصنف: محمد عبد الحفيظ البندوي، وإدريس بن عبد العلي الحنفي النكرامي، وإفهام الله بن إنعام الله بن ولي الله الأنصاري اللكنوي، وأنوار الله بن شجاع الدين بن القاضي سراج الدين الحنفي، وأمين بن طه بن زين الحسني الحسيني، وبديع الزمان بن مسيح الزمان بن نور محمد اللكنوي، وأبو الفضل حفيظ الله بن دين علي البندوي، وشير علي بن رحم علي بن أنوار علي الحسيني الحيدر آبادي.

د ـ أبرز مصنفاته:

كان رحمه الله من المصنفين المبدعين في شتى العلوم والفنون، مما يدل على غزارة علمه وعلو منزلته، ومن ضمن مصنفاته العديدة: «الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة»، و«الرفع والتكميل في الجرح والتعديل» في رجال الحديث، و«ظفر الأماني في مختصر الجرجاني» في مصطلح الحديث، و«التعليق الممجد» على موطأ الإمام محمد الشيباني، و«التحقيق العجيب» فقه، و«الفوائد البهية في تراجم الحنفية»، و«التعليقات السنية على الفوائد البهية»، و«فرحة المدرسين بأسماء المؤلفات والمؤلفين»، و«طرب الأماثل بتراجم الأفاضل»، و«إنباء الخلان بأنباء علماء هندستان»، و«التبيان شرح الميزان» في الصرف، و«إزالة الجمد عن إعراب أكمل الحمد» في النحو، و«الإفادة الخطيرة» في الهيئة، و«هداية الورى إلى سواء الهدى» في المنطق والحكمة.

ه ـ وفاتُه:

توفي رحمه الله لليلة بقيت من ربيع الأول سنة أربع وثلاثمائة وألف (1304هـ) وله من العمر (39 سنة)، ودفن بمقابر أسلافه([81]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب «فتاوى اللكنوي» المسمى «نفع المفتي والسائل بجمع متفرقات المسائل» جمع فيه المصنف متفرقات المسائل في أكثر ما يحتاج إليه في أحكام بعض العبادات؛ كالطهارة والصلاة والحظر والإباحة، وذلك من خلال ما كان يوجه إليه من سؤالات المستفتين، وقد عرض تلك المسائل بطريقة السؤال والجواب([82]). ومع ذلك فلم يلتزم اللكنوي طريقًا واحدًا في عرض المسائل، فيستخدم (الاستفسار) في السؤال و(الاستبشار) في الجواب، أو (أي) في السؤال، و(أقول) في الجواب([83]).

وتضمن كتاب اللكنوي العديد من الفروع والنوازل والمسائل الفقهية، والتي بوَّبها بحسب موضوعها الفقهي، فجاء بعضها في مسائل العبادات، وأخرى تندرج تحت مسائل متفرقة، ومجموعة ثالثة تندرج تحت مسائل الحظر والإباحة، فجمع فيه من الفروع النادرة ما لم تحوه المجلدات، وأكثر من ذكر الفروع حتى أنافت عن ألف وخمسمائة مسألة فقهية.

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

كتاب «فتاوى اللكنوي» قد جمع فيه مصنفه كثيرًا من الشوارد الفقهية التي يحتاج إليها من كملت ملكته الفقهية، فحوى لطائف المسائل وفرائد الدلائل فيما يكثر النزاع فيه، محررًا لوجه الخلاف فيما يقع عنه السؤال عادة، فيعتبر من أهم كتب الفتاوى التي توقف المتصدر للفتوى على طريقة الإفتاء في فترة زمنية معينة ومنطقة جغرافية محددة، الأمر الذي يعتبر نموذجًا تطبيقيًّا على ضرورة مراعاة المتصدر للفتوى لتغير الحال والزمان والأشخاص والأعراف في إصداره لفتواه.

كما أن الكتاب يعتبر توثيقًا علميًّا دقيقًا لفتاوى أحد المفتين السابقين وهو الإمام اللكنوي، وذلك مما يفتح المجال أمام الباحثين لدراسة هذا النوع من الفتاوى، كما يعتبر توثيقًا لطريقة استفتاء الناس في هذا العصر، وفي تلك المنطقة.

كما أن الكتاب تميز بالأمانة العلمية في النقل؛ حيث إن الإمام اللكنوي كان يعزو كل رأي إلى قائله أو مصدره بدقة وموضوعية، وهذا ما لا بد أن يميز المتصدر للفتوى في جميع ما يستدل به من نصوص على صحة فتواه.

وقد اختار مصنفه طريق الاختصار والإيجاز، فجمع المسائل مجردة عن الأدلة إلا فيما يكثر فيه الخصام، ويحتاج المقام فيه إلى إقامة الحجة والبيان، فإنه يذكر الأدلة([84]).

والكتاب لا شك صحيح النسبة لمصنفه؛ فقد نسبه هو لنفسه في مقدمته؛ فقال: «فيقول الراجي عفو ربه القوي أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي… اسمها يخبر عن رسمها، وهو: نفع المفتي والسائل بجمع متفرقات المسائل»([85]). ونسبه لنفسه أيضًا في غيره من مؤلفاته، كما نسبه له أصحاب كتب التراجم.

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال اللكنوي رحمه الله: «أي رجل وديه لا ينقض الوضوء؟ أقول: هو من به سلس البول؛ لأنه من جنس البول، فكما أن بوله لا ينقض الوضوء في الوقت كذلك وديه، كذا في القنية».
  • وقال: «الاستفسار: تخلل أو استاك فوجد في فمه ذائقة الدم، هل يحكم بانتقاض الوضوء؟ الاستبشار: لا ينتقض ما لم يعرف السيلان، كذا في السراج المنير عن خزانة المفتين».
  • وقال: «الاستفسار: جنب اغتسل وبقي على جسده لمعة، وفني الماء، هل كفي غسله أم لا؟ الاستبشار: لا؛ فإن استيعاب جميع أجزاء البدن في الاغتسال شرط الطهارة، حتى لو لم يصل شعرة لم يطهر، فعليه أن يتيمم في الصورة المذكورة لبقاء الجنابة، فلو وجد بعد التيمم ماء يكفي للمعة صرفه إليه، وانتقض تيممه».
  • وقال: «الاستفسار: إن أجنبت المرأة فأدركها الحيض، هل يجب عليها اغتسال الجنابة أم لا؟ الاستبشار: لا يجب، إن شاءت اغتسلت، وإن شاءت أخرت حتى تطهر، كذا في خزانة الروايات عن الخلاصة».
  • وقال: «أي طهارة يسن فيها أن يغسل السبيلين وإن لم تكن عليها نجاسة؟ أقول: هو الغسل، فإنه يسن فيه أن يغسل السبيلين وإن لم تكن نجاسة، قال في البحر الرائق: واستحباب تقديم غسل الفرج قبلًا أو دبرًا سواء كان عليه نجاسة أو لا، كتقديم الوضوء على الباقي سواء كان محدثًا أو لا».
  • وقال: «أي جنب يجوز له التيمم لشدة البرد مع وجدان الماء؟ أقول: هو من خاف بالغسل على نفسه، أو على عضو من أعضائه ولم يجد مكانًا يأويه، ولا ثوبًا يتدفأ به، وماء مسخنًا ولا حمامًا، هكذا قيده في البدائع؛ ولذلك لا يجوز للحدث الأصغر لشدة البرد هو الصحيح؛ لعدم اعتبار ذلك الخوف في أعضاء الوضوء».
  • وقال: «الاستفسار: ما يخرج من السمك كالدم ماذا حكمه؟ الاستبشار: طاهر؛ لأنه ليس بدم حقيقة، كذا في السراجية؛ فإن الدم إذا ألقي في الشمس يسود، ودم السمك يبيض».
  • وقال: «الاستفسار: جرى الفرس على ماء، وابتل رجلاه وذنبه، وضربه على راكبه، فأصاب راكبه، هل يتنجس؟ الاستبشار: لا يتنجس؛ في خزانة الروايات عن المنهاجية من الذخيرة: سئل أبو نصر عمن يغسل الدابة فيصيبه من مائها وعرقها قال: لا يضره، قيل له: إن كانت تمرغت في بولها وروثها؟ قال: إذا جف ذلك وتناثر وذهب عنه لا يضره. وعن الغياثية: فعلى هذا إذا جرى الفرس في الماء وابتل ذنبه وضربه على راكبه لا يضره. انتهى».
  • وقال: «فإذا رأى الحريق أو الغريق يغرق ويحرق، أو المستغيث يستغيث ويخاف فوت الوقت، فالإنجاء والإغاثة أولى؛ لأن للصلاة بدلًا وهو القضاء، أما الهالك لا يجيء في الدنيا، وإن كان في الصلاة يقطع، كذا في مطالب المؤمنين».
  • وقال: «الاستفسار: رجل يصلي في موضع، ويسجد موضعًا أعلى منه، هل يجوز له ذلك؟ الاستبشار: يجوز أن يكون موضع السجدة أرفع من موضع القدمين بمقدار لبنة أو لبنتين، ولا يجوز أكثر من ذلك، كذا في خزانة الروايات عن الخلاصة».

 

 

23- «الفتاوى الحسنية الحسينية والفروع المنقحة الفقهية»

حسن بن عبد اللطيف بن محمد الحَسَني الحُسيني المقدسي

التعريف بالمؤلف:

  • اسمه ونسبته:

هو فضيلة الشيخ حسن بن عبد اللطيف بن محمد الحَسَني الحُسيني المقدسي، (المتوفَّى سنة 1224هـ – 1809م).

التعريف بالكتاب وموضوعاته:                          

  • وكتاب “الفتاوى الحسنية الحسينية والفروع المنقحة الفقهية” عبارة عن فتاوى شرعية لفضية الشيخ حسن بن عبد اللطيف الحسني الحسيني، قام تلميذُه الشيخ أحمد زايد الغَزِّي بجمعها وترتيبها على أبواب الفقه، وقد اعتمد فيها الشيخ الحسني الحسيني على ما هو معمولٌ به في المذهب الحنفي بناءً على ما ورد في الكتب المعتمدة عند السادة الأحناف([86]).
  • ومن الواضح أنَّ الشيخ الحسني الحسيني لم يرتِّب فتاويه ترتيبًا معينًا؛ حيث إنه كان يفتي فيما يَرِدُ إليه من أسئلةٍ، لكنَّ تلميذه النجيب الشيخ أحمد زايد الغَزِّي قد جمعها وهذَّبها ورتَّبها على هذا الترتيب، فقَسَّمها إلى كتب وأبواب وفصول، قسَّمها المحققون إلى جزءين: فحقَّق الجزءَ الأوَّلَ منها أيمن عبد القادر المبحوح: من أول كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الطلاق، ونال بتحقيقه هذا الجزء درجةَ الماجستير من كلية الشريعة والقانون بغزة، وحقَّق الجزءَ الثاني منها محمد صالح الغلبان، ونال به أيضًا درجة الماجستير من الكلية نفسها، وهو يشتمل على تسعة كتب:

أولها: كتاب الأيمان.

وثانيها: كتاب العتق.

وثالثها: كتاب الحدود.

ورابعها: كتاب السرقة.

وخامسها: كتاب السير.

وسادسها: كتاب الجهاد.

وسابعها: كتاب المفقود والغائب.

وثامنها: كتاب الشركة.

وختمها بكتاب المضاربة.

ونظرًا لأنَّ الشيخ الحسني الحسيني لم يكن منشغلًا بالتأليف، بل يكاد لا يكون له تراثٌ فقهيٌّ مكتوبٌ سوى هذه الفتاوى ونتف بسيطة متفرقة؛ فإننا نجد الكتاب خاليًا من المقدِّمات التي يعالج فيها المؤلف مسائلَ العلم الذي هو بصدد الكتابة فيه، فنجد تلميذه الغزي قد جمع هذا الكتاب من فتاوى شيخه الحسني، فقام بالتبويب وتقسيم الكتب والفصول.

القيمة العلمية للكتاب:

يُعَدُّ كتاب “الفتاوى الحسنية الحسينية والفروع المنقحة الفقهية الواقعة في الديار القدسية” أحدَ أهم كتب التراث الفقهي التي يتبين من خلالها مراحل تطور الفتوى والاجتهاد؛ حيث إن الكتاب يُعَدُّ حلقةَ وصلٍ مهمةً بين موروث الأُمَّة الفقهي وواقعها المعاصر المليء بالحوادثِ والقضايا الجديدة([87])، وقد حوى الكتاب الكثير من الفتاوى المؤصَّلة التي استقاها الشيخُ الحسني الحسيني من عيون كتبِ وفتاوى المذهب الحنفي، والتي لا يزل الكثير منها في طَوْر المخطوط، والبعض منها مفقود، مما يجعل هذه الفتاوى سِجِلًّا مهمًّا لكثير من مضامين مخطوطات التراث الحنفي التي يصعب الحصول عليها الآن.

كما أنَّ الكتاب يتعرض لمعظم المسائل الفقهية بطريقة الإفتاء، وليس مجرد توصيف المسائل وبيان أحكامها، بل هو نموذج مهمٌّ لعملية الإفتاء في المسائلِ والوقائعِ الحياتية التي عاشها المؤلف.

نماذج من فتاوى الكتاب:

1- سُئل الشيخ الحسني عن رجلٍ حلف بالطلاق ثلاثًا أن زوجته لا تدخل دار أخيه، فهل إذا حُمِلت إليها وأُدخِلت دون أمرها -كرهت ذلك أو رضيت- يحنث الرجل أم لا؟ وإذا قلتم بعدم الحنث هل تنحل اليمين أم لا؟

فأجاب: “إذا حُمِلت المرأة وأُدخلت الدار المحلوف عليها بدون رضاها لا يحنث الزوج، ولا يقعُ طلاقُه، كما في الفتاوى الرحيمية، والفتاوى المحمدية، وقال في الدر المحتار: (لا تنحل يمينه على المذهب الصحيح -في الفتح وغيره- وفي البحر عن الظهيرية: به يفتى، ولكنه خالف في فتاويه فأفتى بانحلال اليمين أخذًا بقول أبي شجاع؛ لأنه أرفقُ بالناس، وعليه المعتمد، والله تعالى أعلم)”([88]).

2- سُئل في امرأةٍ أسكنها زوجها في بيت أبيه وأمه، لكنهما يضربانها ويشتمانها ويؤذيانها، وهي تريد أن يُسْكِنَها زوجُها في بيت منفردٍ عن أهله بجوار قومٍ صالحين يمنعونها ويحمونها، وأن ينفقَ عليها بالطعام والشراب والكسوة بقدر حالها وما ينبغي لمثلها، فهل يجب على الزوج ذلك؟ وهل لوليِّ الأمر أن يجبره على ذلك، أو أن يردع والديه عن أذيتها وضربها وشتمها أم لا؟

فأجاب: “نعم، يجب على الزوج أن يسكنها في دار منفردةٍ عن أهله الذين يؤذونها، ويكون البيت مكتملًا له مغالقُ خاصة، ومرافقُ من مطبخ وكنيف ومخدع، ويجب عليه ما يكفيها من طعام وشراب وكسوة وعلاج ونفقة بقدر حالهما بلا سرف ولا تقتير، وإذا امتنع عن ذلك فللقاضي أن يجبره على ذلك، ويجب على ولاة الأمور ردْعُه هو وأهله عن شتمها وضربها وأذيتها، كما هو منصوصٌ عليه في عامَّة الكتب، والله تعالى أعلى وأعلم”([89]).

3- سُئل عن رجلين اشتركا في تجارة أقمشة بمبلغ معلومٍ من كل واحدٍ منهما، وخلطا المالَ حتى صار مالًا واحدًا، على أن يكون لكلٍّ منهما النصفُ في الربح والخسارة، واشتريا بضائعَ شاميةً وحلبيةً، وأذن أحدهما للآخر أن يسافر بها لبيت المقدس ليبيعَ ويشتريَ فيها، وأذن له الآخرُ أن يراسله فيما يبيع ويشتري بما فيه الحظ والمصلحة، على أن يكون الربح أو الخسارة مناصفةً، ثم أراد أحدهما أن يفسخ الشركة، فهل له ذلك أم لا؟ وإن كان له الفسخ فهل ما بقي من أصل القماش وما اشتُري للشركة وما في الذمم مما باعوه ولم يقبضوه، هل يكون مناصفةً بينهما أم لا؟ وهل يكون القولُ قولَ الشريك في الربح والخسران أم لا؟

فأجاب: “يجوز لأحد الشريكين أن يفسخَ الشركة ولو كان المال عروضًا، كما في البزازية، وعليه أن يُعْلِمَ الشريكَ الآخر بالفسخ، وما بقي من القماش المشترك يقسم بينهما، وما في الذمم من المال لا يقسم قبل قبضه، بل ما حصَّلوه منه فلهما مناصفة، وما هلك فعليهما مناصفةً، والقولُ قولُ الشريك المباشر للبيع في الربح والخسران بيمينه، كما أفتى به قارئ الهداية، والشيخ عبد الله التمرتاشي وغيرهما، والله أعلم”([90]).

4- سُئل عن رجلٍ دفع لآخرَ مبلغًا من المال على سبيل المضاربة ليشتري به ويبيع، وما حصل من الربح يكون ثلثاه للرجل، والثلث لربِّ المال، فقبل الرجل وتسلم المال وتاجر به، ثم دفع كل المال مع أرباحه لصاحب المال، ثم طالبه بحقه وهو ثلثا الربح، فامتنع ربُّ المال، فهل للحاكم أن يجبرَ ربَّ المال على الدفع أم لا؟

فأجاب: “نعم، للحاكم أن يأمرَ ربَّ المال أن يدفعَ للرجل ما اشترطا عليه، فإن امتنع أجبره على الدفع؛ لأن المضاربة صحيحة، والرجل وفَّى شرطه، فعلى ربِّ المال كذلك أن يوفي شرطه، والله تعالى أعلم”([91]).

 

 

24- «الفتاوى المهدية في الوقائع المصرية» للمهدي العباسي:

أولًا: التعريف بالمؤلف:

أـ اسمه ونسبتُه:

هو محمد العباسي بن محمد أمين بن محمد المهدي الكبير الحنفي، شيخ الإسلام ومفتي الديار المصرية.

ب ـ نشأتُه وشيوخُه:

وُلد الشيخ رحمه الله بالإسكندرية سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف (1243هـ) أو أربع وأربعين ومائتين وألف (1244هـ)، ونشأ يتيمًا؛ حيث توفي والده وسنه نحو ثلاث سنوات.

بدأ حفظ القرآن الكريم بالإسكندرية، ثم حضر إلى القاهرة بعد أن بلغ الثانية عشرة من عمره في سنة (1255هـ) لاستكمال دراسته بها، فأتم حفظ القرآن الكريم، ثم التحق بالأزهر الشريف سنة (1256هـ)، واجتهد في التحصيل وطلب العلم.

تولَّى رحمه الله منصب الإفتاء سنة (1264هـ) وهو لم يزل في سن طلب العلم، وقبل أن يأخذ إجازة مشايخه، وكانت سنه حينئذ إحدى وعشرين سنة تقريبًا، ثم أضيفت إليه مشيخة الأزهر سنة (1287هـ)، فكان أول من جمع بين المنصبين، كما كان أول حنفي يتولَّى مشيخة الأزهر، وكانت قبل ذلك حكرًا على الشافعية.

اجتهد الشيخ وأخوه في تحصيل العلم على مشايخ عصره، ومنهم: الشيخ إبراهيم السقا الشافعي، والشيخ البلتاني، والشيخ خليل الرشيدي الحنفي.

ج ـ أشهر تلاميذِه:

جلس الشيخ للتدريس بداية من عام (1264هـ) في الجامع الأزهر، وفي داره، فانتفع به خلْقٌ كثيرٌ، منهم: الشيخ عبد الرحمن السويسي الحنفي عضو المحكمة الشرعية الكبرى، والشيخ محمد شاكر آخر أمناء الفتوى عملًا مع الشيخ، والشيخ أحمد مفتاح.

د ـ أبرز مصنفاته:

لم يكثر الشيخ المهدي من التأليف من حيث الكم، ولكنه ترك آثارًا غنيةً من حيث الكيف، منها -غير كتابه الأهم الذي بين أيدينا-: “رسالة في مسألة الحرام على مذهب الحنفية”، و”رسالة في تحقيق ما استتر من تلفيق” في الفقه الحنفي، و”الصفوة المهدية في إرصاد الأراضي المصرية”.

هـ ـ وفاتُه:

توفي رحمه الله في القاهرة ليلة الأربعاء الثالث عشر من رجب سنة خمس عشرة وثلاثمائة وألف (1315هـ) عن اثنتين وسبعين سنة([92]).

ثانيًا: التعريف بالمصدر ومحتوياته:

كتاب “الفتاوى المهدية في الوقائع المصرية” تناول فيه مصنفه القضايا التي عرضت له أيام توليه وظيفة مفتي الديار المصرية، فقيَّد ما كان يَرِدُ له من القضايا على مذهب الإمام أبي حنيفة، وعرض المسائل عرضًا وافيًا، قال رحمه الله: “فشرعت عام ثلاثمائة وألف في ترتيبها بترتيب التراجم الفقهية مع مراعاة تواريخها؛ لتكون أوقع نفعًا، وأحْسنَ أسلوبًا، وأحْكمَ وضعًا”([93]).

وقد ذَكَرَ الشيخ المهدي أن أول فتوى صدرت بعد توليته بأيام ما ذُكِرَ في أول باب دعوى النسب من الجزء الرابع بتاريخ السابع عشر من ذي القعدة الحرام، وهي الفتوى رقم (7705)، وأما آخر فتوى من هذه الفتاوى فهي برقم (12889) بتاريخ 1 ربيع الأول سنة (1304هـ)، وقد استمر العمل في ترتيب هذه الفتاوى وطباعتها بدءًا من عام (1300هـ) إلى أواسط شهر شعبان عام (1304هـ)، وقد بلغ مجموع تلك الفتاوى (12889) فتوى مرتبة على أبواب الفقه([94]).

واتبع المؤلف في تبويب الفتاوى الترتيب المتبع عند السادة الأحناف، وإن تصرَّف أحيانًا بالدَّمج والتفصيل والحذف بحسب موضوعات الفتاوى الواردة في الكتاب.

والكتاب له مختصرٌ يُسمى “تلخيص النصوص البهية من الفتاوى المهدية” لتلميذه الشيخ عبد الرحمن السويسي، وقد أعاد الأستاذان أحمد رشوان، وعبد العليم صالح المحاميان طبعه باسم “مختصر الفتاوى المهدية في الشريعة المحمدية”([95]).

أما عن مصادره التي اعتمد عليها فإنها لم تخرج عن الكُتُب المعتمدة في المذهب الحنفي، وعلى رأسها كتاب “الدر المختار” وحواشيه، بالإضافة إلى كتب الفتاوى: كـ”الهندية”، و”تنقيح الحامدية”، و”الخيرية”، وغيرها([96]).

ثالثًا: القيمة العلمية للمصدر:

كان التزام الشيخ رحمه الله في كتابه بالمذهب الحنفي واضحًا، واستدلاله يقتصرُ على النقل من كتب المذهب الحنفي، لكنه كان يناقشُ النقل ولا يكتفي بإيراده، ويرجحُ بين النقول أحيانًا.

وقد اشتمل الكتاب على أسئلةٍ واردةٍ من جهات مختلفة: فمنها مكاتبات رسمية من أجهزة الدولة المختلفة، ومن القضاة، والمفتين، ومنها أسئلة واردة من الأهالي على اختلاف ثقافاتهم، فالكتاب بذلك ثروة فقهية ودراسة تاريخية اجتماعية تسجل الواقع الذي يعيشه الناس بعيدًا عن الفقه الافتراضي.

وقد أخضع الشيخ المهدي هذه الفتاوى لعملياتٍ من التحرير والتنقيح وإعادة الصياغة؛ فقد قام بتنقيح الألفاظ مجتنبًا التعقيدَ والغرابة، كما قام بتأييد ما يحتاج من الفتاوى إلى تأييدٍ بالنقول من كتب المذهب، فقال: “واجتنبت تعقيد العبارة، وغرابة الألفاظ، وخفاء الإشارة، واضعًا معانيها على طرف التمام، معتمدًا فيها ما صحَّحه الأئمَّة الأعلام، وربما وجدت الجواب محتاجًا إلى تأييد وسند، فأدعمه بالنص الذي عليه في المذهب المعول والمعتمد”([97]).

وقد ظهر في بعض الفتاوى ما يوحي بأنَّ الشيخ رحمه الله كان يقومُ في بعض الأحيان بأخذ آراء غيره من المشايخ؛ بما يمكن أن يُطلق عليه فتوى جماعية([98])، ولا شكَّ أنَّ هذا النوع من الفتاوى أكثرُ قوةً ودقةً وبعدًا عن الخطأ والزلل والنسيان.

وبالجملة فهذه الفتاوى جزءٌ من تراث دار الإفتاء المصرية، تُصوِّر تاريخَ أمتنا، وتعطي صورةً صادقةً عن مصرَ والعالم الإسلامي من جوانبَ عدَّة يستفيد منها الباحثون بأنواع الدراسات المختلفة.

رابعًا: نماذج إفتائية:

  • قال الشيخ المهدي العباسي رحمه الله: “سئل في امرأة ماتت، فهل يلزم زوجها مؤن تجهيزها سواء كان فقيرًا أو غنيًّا، وسواء كان لها مال أم لا؟

أجاب: يلزم الزوجَ تجهيزُ زوجته بعد وفاتها على المعتمد مطلقًا ولو كان لها مال”.

  • وقال: “سئل في امرأة موسرة تريد حجة الإسلام لأداء الفريضة مع خالها المحرم لها، والزوجُ يريدُ مَنْعَها من أداء الحج، فهل -والحال هذه- ليس للزوج منعها من ذلك؟

أجاب: ليس للزوج منْعُها من أداء حجة الإسلام مع محرمها”.

  • وقال: “سئل في صغيرةٍ لا ولي لها سوى أمها البعيدة عنها مسافة القصر، زوجتها امرأة أجنبية بغير إذن منها ومن الحاكم الشرعي، فهل لا ينفذ هذا العقد ويفسح؟ وما الحكم؟

أجاب: نكاح القاصرة المذكورة غيرُ نافذٍ، ولمن يلي إنكاحها في هذه الحالة إبطاله، وله إجازتُه إذا كان من كفء بمهر المثل حيث لا مانع”.

  • وقال: “سئل في بنت بكر بالغة رشيدة، زوَّجها أبوها لرجلٍ آخر من غير إذنها ومن غير إجازتها، ولم تُجِز البنتُ العقدَ، فهل -والحال هذه- يكون العقد فاسدًا … سيما ولم يدخل بها الزوج؟

أجاب: ليس للأب إجبارُ بنتِه البالغة العاقلة، وإذا زوَّجها بدون إذنها يتوقَّف نفاذُ النكاح على إجازتها، فإن أجازته نفذ، وإن ردته بطل”.

  • وقال: “سئل في رجل طلق زوجته ثلاثًا، وسافر إلى جهة ومات بها، فأرادت الزوجة المذكورة أن تدخل في ميراثه، فهل إذا كان الطلاق ثابتًا بالبينة، وكان في حال صحته وسلامته لا ترث منه؟

أجاب: إذا أثبت وارث الزوج طلاق الزوجة ثلاثًا حال صحَّة الزوج، لا يكون لها ميراث، ولو مات في عدتها”.

  • وقال: “سئل في رجل له بنت من مطلقته بلغ سنها تسع سنين وطعنت في العاشرة، فهل إذا ثبت ذلك تسقط حضانة الأم، ويكون للأب أخذها من الأم جبرًا عليها؟

أجاب: إذا بلغ سن الأنثى تسع سنين تنتهي حضانة الأم على المفتى به، ويضمها أبوها إلى نفسه”.

  • وقال: “سئل في شخص باع أبعاديته المملوكة بالغبن الفاحش والغرور، فهل يكون للبائع فسخ البيع إذا ثبت الغبن الفاحش مع التغرير له في ذلك؟

أجاب: إذا ثبت الغبن الفاحش -وهو ما لا يدخل تحت تقويم المقومين- وثبت التغرير، يكون للبائع فسخ البيع”.

  • وقال: “سئل في رجلين وكَّلَا آخرَ في صرْفِ مبلغٍ معلوم في عمارة منزلهما، فصار الوكيل يصرفُ ذلك المبلغ على عمارة المنزل، فهل -والحال هذه- يُصدق الوكيل بيمينه فيما صرفه من مال موكليه حيث لم يكذبْه ظاهرُ الحال؟

أجاب: الوكيلُ أمينٌ فيما بيده من مال الموكل؛ فيُقبل قوله بيمينه في صرف ما أُمر به من مال موكله إذا لم يكذبه فيه الظاهر، ولم يكن خائنًا”.

  • وقال: “سئل فيما إذا مات الزوجان، ثم بعد موتهما تنازع ورثتهما فيما كانا واضعين عليه أيديهما من فراش ونحاس ونقود مما يصلح لهما من متاع بيت سكنهما، فمن يكون القول قوله منهما بيمينه عند عدم البينة؟

أجاب: القول قول ورثة الزوج بيمينهم: قال في تنقيح الحامدية: وإن ماتا واختلفت ورثتهما فالقول قول ورثة الزوج في قول الإمام ومحمد، كما في لسان الحكام، ومثله في الفتاوى الخيرية نقلًا عنه”.

  • وقال: “سئل في رجلٍ سعى بآخر لدى حاكم، فغرم الحاكم المسعي به مبلغًا بطريق الإكراه الشرعي، فهل إذا أقرَّ أنه اتهمه ظلمًا يكون ضمان ما غرم على الساعي أم لا؟

أجاب: نعم، يضمن الساعي بالسعاية الكاذبة؛ كما أفتى به فُحول علمائنا المتأخرين حسمًا للفساد، قال في البزازية: قال محمد: يضمن، وعليه الفتوى”.

([1]) ينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (16/ 322)، الجواهر المضية في طبقات الحنفية لعبد القادر القرشي (2/ 196)- مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية- حيدر أباد الدكن- الهند، تاج التراجم لابن قطلوبغا (ص310)- تحقيق محمد خير رمضان- دار القلم- دمشق- الطبعة الأولى- 1413هـ/ 1992م، الأعلام للزركلي (8/ 27)، مقدمة تفسير أبي الليث السمرقندي (1/ 9، 10)- دار الكتب العلمية- بيروت- الطبعة الأولى- 1413هـ/ 1993م.

([2]) ينظر: فتاوى النوازل، لأبي الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي الحنفي، تحقيق: السيد يوسف أحمد، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2004م، (ص12)، وقد طُبع في (460) صفحة.

([3]) ينظر: مقدمة فتاوى النوازل (ص12).

([4]) أخرجه أبو داود (2276) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. وصححه الحاكم في المستدرك (2830)- دار الكتب العلمية- بيروت- الطبعة الأولى- 1411هـ/ 1990م. ووافقه الذهبي.

([5]) ينظر: الجواهر المضية (1/ 344).

([6]) ينظر ترجمته في: الجواهر المضية (1/ 361)، تبصير المنتبه لابن حجر (2/ 734)، تاج التراجم لابن قطلوبغا (ص209)، سلم الوصول إلى طبقات الفحول لحاجي خليفة (2/ 361)، الأعلام للزركلي (4/ 279).

([7]) ينظر: النتف في الفتاوى، لأبي الحسن علي بن الحسين بن محمد السغدي، تحقيق: محمد نبيل البحصلي، دار الفرقان للنشر، الأردن، الطبعة الثانية، 1404هـ، (ص3)، وقد طُبع في (984) صفحة.

 

([8]) وقيل: أبو حفص كما في سير أعلام النبلاء.

([9]) ينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (20/97)، الجواهر المضية (1/391)، تاج التراجم (ص: 217)، سلم الوصول إلى طبقات الفحول (2/416)، الأعلام للزركلي (5/51).

([10]) ينظر: الواقعات، للإمام عمر بن عبد العزيز بن مازه المعروف بالصدر الشهيد البخاري، من بداية الكتاب إلى كتاب الأيمان والنذور، دراسة وتحقيق: ماجد حامد محمد العليمات، (رسالة دكتوراه) بكلية الدراسات العليا قسم الفقه وأصوله، جامعة العلوم الإسلامية العالمية، ماليزيا، 2017م، (ص 14)، وقد طُبعت في (266) صفحة تقريبًا.

([11]) ينظر: كشف الظنون لحاجي خليفة (2/1998)- دار إحياء التراث العربي- بيروت.

([12]) ينظر: السابق.

([13]) ينظر: الأعلام (5/51).

([14]) ينظر ترجمته في: الجواهر المضية في طبقات الحنفية (1/313)، تاج التراجم (ص: 188)، الأعلام للزركلي (3/353)، الفوائد البهية في تراجم الحنفية للكنوي الهندي (ص: 94)- دار الكتاب الإسلامي- القاهرة.

([15]) ينظر: “الفتاوى الولوالجية” لأبي الفتح ظهير الدين عبد الرشيد بن عبد الرزاق الولوالجي، تحقيق: مقداد بن موسى فريوي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2003م، (ص 6)، وقد طُبع في (382) صفحة.

([16]) ينظر السابق (ص: 27، 28).

([17]) ينظر السابق (ص: 6).

([18]) ينظر: كشف الظنون (2/1230).

([19]) ينظر: الفوائد البهية (ص: 94).

([20]) ينظر: الأعلام (1/294) و(3/353).

([21]) ينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (21/232)، الجواهر المضية في طبقات الحنفية (1/205)، تاج التراجم (ص: 151)، سلم الوصول إلى طبقات الفحول (2/41)، الأعلام للزركلي (2/224).

([22]) ينظر: فتاوى قاضيخان في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، للإمام فخر الدين قاضيخان الحنفي، اعتنى به: سالم مصطفى البدري، دار الكتب العلمية، بيروت، 2009م، (ص 3)، وقد طُبعت في (529) صفحة.

([23]) ينظر: الجواهر المضية (1/205)، وكشف الظنون (2/1227).

([24]) ينظر ترجمته في: نزهة الخواطر (1/126)، مقدمة تحقيق كتاب صنوان القضاء وعنوان الإفتاء، للقاضي عماد الدين محمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد الخطيب الأشفورقاني (1/35- 44)- تحقيق: مجاهد الإسلام القاسمي- وزارة الأوقاف- الكويت- الطبعة الثانية- 2010م.

([25]) ينظر: صنوان القضاء (1/4)، وقد طبع الكتاب في (4ج / 1682) صفحة.

([26]) صنوان القضاء (1/61) .

([27]) السابق (1/64).

([28]) ينظر: مقدمة تحقيق كتاب صنوان القضاء (1/46).

([29]) ينظر: إيضاح المكنون لإسماعيل باشا البغدادي (2/157)- دار إحياء التراث العربي- بيروت.

([30]) ينظر: الفتاوى الغياثية، لداود بن يوسف الخطيب (ص 2)- المطبعة الأميرية- مصر- الطبعة الأولى- 1321هـ، وقد طُبع في (193) صفحة.

([31]) ينظر: الفتاوى الغياثية (ص: 2، 4).

([32]) ينظر ترجمته في: الجواهر المضية (1/291)، المنهل الصافي (7/122)، تاج التراجم (ص: 176)، الأعلام للزركلي (4/135).

([33]) ينظر: المختار للفتوى على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه، للإمام عبد الله بن محمود الموصلي، تحقيق: أ. د/ سائد بكداش، دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى، 2012م، وقد طُبع في (556) صفحة.

 

([34]) الاختيار لتعليل المختار (1/6)- دار الكتب العلمية- بيروت.

([35]) ينظر: كشف الظنون (2/1622).

([36]) ينظر ترجمته في: نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر (2/169)، هدية العارفين (1/435).

([37]) ينظر: الفتاوى التاتارخانية، لعالم بن العلاء الدلهوي (1/167- 174)- تحقيق: شبير أحمد القاسمي- مكتبة زكريا- ديوبند- الهند- 1431هـ/ 2010م، وقد طُبع في 20 جزءًا.

([38]) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (1/268).

([39]) ينظر ترجمته في: الضوء اللامع (10/131)، بغية الوعاة للسيوطي (2/275)- تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم- مطبعة عيسى البابي الحلبي- 1384هـ/ 1965م. التاج المكلل لمحمد صديق حسن خان (ص: 463)- وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية- قطر- الطبعة الأولى- 1428هـ/ 2007م، الأعلام للزركلي (7/163)، مقدمة تحقيق كتاب المسائل البدرية المنتخبة من الفتاوى الظهيرية، للإمام بدر الدين العيني، من أول كتاب الغصب إلى نهاية قوله: «في بيع ما يخرج من الأرض» (ص: 64)- تحقيق: أحمد بن علي بن يحيى الفيفي- أطروحة (ماجستير) قُدِّمت إلى كلية الشريعة الإسلامية بجامعة أم القرى- السعودية- 1435هـ- وقد طُبعت في (374) صفحة تقريبًا.

([40]) ينظر: المسائل البدرية (ص: 133).

([41]) ينظر: كشف الظنون (2/1226).

([42]) ينظر: المسائل البدرية (ص: 133).

([43]) ينظر السابق.

([44]) ينظر: كشف الظنون (2/1226).

([45]( ينظر ترجمته في: أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي (1/ 100)- دار الفكر- دمشق- الطبعة الأولى- 1418هـ/ 1998م، الدرر الكامنة (1/47)، المنهل الصافي (1/129)، الأعلام (1/51).

([46]( ينظر: أنفع الوسائل إلى تحرير المسائل المعروف بالفتاوى الطرسوسية لنجم الدين الطرسوسي (ص: 5)، تحقيق: مصطفى محمد خفاجي ومحمود إبراهيم- المكتبة الأزهرية للتراث- القاهرة- 1440هـ/ 2019، والكتاب يقع في (365) صفحة.

([47]( ينظر: أنفع الوسائل إلى تحرير المسائل (ص: 6).

([48]) ينظر ترجمته في: كشف الظنون (1/565)، الأعلام للزركلي (5/193).

([49]) ينظر: جامع الفتاوى، للإمام قرق أمير الحميدي الرومي الحنفي (ص 44)- تحقيق: عبيدة عامر توفيق حمودي- (رسالة دكتوراه) بكلية الفقه وأصوله- الجامعة الإسلامية- العراق- 2006م، وقد طُبعت في (650) صفحة تقريبًا.

([50]) ينظر: السابق (ص: 14).

([51]) ينظر: السابق (ص: 44).

([52]) ينظر: كشف الظنون (1/565)، الأعلام (5/193).

([53]) ينظر ترجمته في: الطبقات السنية في تراجم الحنفية لتقي الدين الغزي (3/275)- تحقيق: عبد الفتاح الحلو- دار الرفاعي، الأعلام للزركلي (3/64)، مقدمة تحقيق كتاب البحر الرائق لابن نجيم (1/5)- تحقيق: الشيخ زكريا عميرات- دار الكتب العلمية- بيروت- الطبعة الأولى- 1418هـ/ 1997م.

([54]) ينظر: كتاب فتاوى ابن نجيم (ص 3)- تصحيح ومراجعة: محمد الشاغول- المكتبة الأزهرية- القاهرة- 2008م، والكتاب يقع في (218) صفحة.

 

([55]) ينظر: بذل المجهود في تحرير أسئلة تغير النقود، للإمام محمد بن عبد الله الغزي التمرتاشي الحنفي (ص 57، 75)- اعتنى بها: حسام الدين عفانة- كلية الدعوة وأصول الدين- جامعة القدس- فلسطين- الطبعة الأولى- 2001م، والكتاب يقع في (118) صفحة.

 

([56]) ينظر: حاشية ابن عابدين (4/534)- دار الفكر- بيروت.

([57]) ينظر ترجمته في: مشيخة أبي المواهب الحنبلي (ص: 95)- تحقيق: محمد مطيع الحافظ- دار الفكر- دمشق- دار الفكر المعاصر- بيروت- الطبعة الأولى- 1410هـ/ 1990م، الأعلام للزركلي (2/327).

([58]) ينظر: الفتاوى الخيرية لنفع البرية، للإمام خير الدين بن أحمد الرملي الحنفي (ص: 4)- المطبعة الأميرية الكبرى- مصر- الطبعة الثانية- 1300هـ، وقد طُبعت في (594) صفحة.

 

([59]) ينظر ترجمته في: خلاصة الأثر (2/ 473)، الأعلام للزركلي (4/ 48)، هدية العارفين (1/ 602).

([60]) ينظر: واقعات المفتين، لعبد القادر بن يوسف الشهير بقدري أفندي الحنفي (ص: 2)، المطبعة الأميرية- القاهرة، الطبعة الأولى، 1300هـ، وقد طُبع في (288) صفحة.

([61]) خلاصة الأثر (2/ 473).

([62]) ينظر: واقعات المفتين (ص: 2).

([63]) ينظر: السابق.

([64]) ينظر: نزهة الخواطر (5/ 466).

([65]) ينظر ترجمته في: نزهة الخواطر (5/ 656).

([66]) ينظر: الفتاوى الهندية أو الفتاوى العالمكيرية في مذهب الإمام الأعظم أبي حَنِيفَة النعمان، لجَماعةٍ من عُلماءِ الهند برئاسة الشيخ نظام الدين البرهانبوري (ص: 3، 4)- اعتنى به عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، دار الكتب العلمية- بيروت، الطبعة الأولى، 1421هـ- 2000م، وقد طُبعت في (609) صفحة.

 

([67]) ينظر: دراسة عن كتاب الفتاوى الهندية (ص: 150)- إعداد رفيق مليل الهندي، باحث دكتوراه بقسم الشريعة الإسلامية، كلية دار العلوم- جامعة القاهرة، مجلة الدراسات الإسلامية والبحوث الأكاديمية، العدد (98).

([68]) ينظر: السابق (ص: 148).

([69]) ينظر ترجمته في: سلك الدرر (3/ 2)، الأعلام للزركلي (3/ 343).

([70]) ينظر: الفتاوى الرحيمية في واقعات السادة الحنفية، للإمام عبد الرحيم بن إسحاق بن محمد الحسيني، من أول الكتاب إلى نهاية كتاب البيوع (ص 20، 34)- دراسة وتحقيق: الباحث بارق طلال عناد الزوبعي- أطروحة (ماجستير) قُدِّمت إلى كلية الدراسات الإسلامية، تخصص الفقه وأصوله، بالجامعة الإسلامية العالمية، ماليزيا، 2016م، وقد طُبعت في (374) صفحة تقريبًا.

([71]) ينظر: حاشية ابن عابدين (4/ 458) و(6/ 481).

([72]) ينظر ترجمته في: حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر (ص: 822).

([73]) ينظر: مقدمة المؤلف عبد الحميد السباعي لكتابه الفتاوى الإقناعية (1/ 3)، دار النوادر- دمشق، الطبعة الأولى، 1435ه- 2014م، والكتاب يقع في عشرة مجلدات.

([74]) ينظر: الفتاوى الإقناعية (6/ 183).

([75]) ينظر: حلية البشر (ص: 824).

([76]) هذا تاريخ الوفاة المثبت في معجم المؤلفين، غير أن محقق الكتاب قد أثبت على غلافه تاريخ وفاة المصنف هكذا: «المتوفى سنة (1224هـ- 1809م)»، والله أعلم، وتنظر ترجمة المصنف في: معجم المؤلفين (1/ 558).

([77]) ينظر: الفتاوى الحسنية الحسينية والفروع المنقحة الفقهية، لحسن بن عبد اللطيف بن محمد الحسني الحسيني (ص 150)- تحقيق: الدكتور محمد صالح الغلبان، رسالة ماجستير بكلية الشريعة والقانون، الجامعة الإسلامية- غزة، الطبعة الأولى، 2014م، وقد طبع تحقيق الجزء الثاني من هذه الفتاوى في (151) صفحة.

([78]) ينظر: العُقُودُ الدُّريَّة في تَنقِيحِ الفَتَاوى الحَامديَّةِ، لمحمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الشهير بابن عابدين (1/ 7)- تحقيق: محمد عثمان، دار الكتب العلمية- بيروت، الطبعة الأولى، 2008م- وقد طُبع في مجلدين (1226) صفحة.

([79]) ينظر: السابق.

([80]) ينظر: العقود الدرية (1/ 7).

([81]) ينظر ترجمته في: الفوائد البهية في تراجم الحنفية لعبد الحي اللكنوي فقد ترجم المصنف فيه لنفسه (ص: 248)، نزهة الخواطر (8/ 1268)، الأعلام للزركلي (6/ 187)، الإمام عبد الحي اللكنوي علامة الهند وإمام المحدثين والفقهاء- تأليف الدكتور ولي الدين الندوي، دار القلم- دمشق، الطبعة الأولى، 1415هـ- 1995م.

([82]) ينظر: فتاوى اللكنوي المسمى نفع المفتي والسائل بجمع متفرقات المسائل، لأبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي (ص: 20)، تحقيق: صلاح محمد أبو الحاج، دار ابن حزم- لبنان، الطبعة الأولى، 1422هـ- 2001م- وقد طبع الكتاب في (560) صفحة.

([83]) ينظر: السابق (ص: 11).

([84]) ينظر: السابق.

([85]) ينظر: السابق (ص: 20).

[86]() الفتاوى الحسنية الحسينية والفروع المنقحة الفقهية، لحسن بن عبد اللطيف بن محمد الحسني الحسيني، تحقيق الدكتور محمد صالح الغلبان، رسالة ماجستير بكلية الشريعة والقانون، الجامعة الإسلامية- غزة، الطبعة الأولى، 2014م، (ص 150)، وقد طبع تحقيق الجزء الثاني من هذه الفتاوى في (151) صفحة.

[87]() ينظر: مقدمة تحقيق الفتاوى الحسنية الحسينية والفروع المنقحة الفقهية، تحقيق الدكتور محمد صالح عطية الغلبان، رسالة ماجستير بكلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية – غزة، الطبعة الأولى، 2014م (ص ج).

[88]() المرجع السابق، (ص8، 9).

[89]() المرجع السابق، (ص61).

[90]() المرجع السابق، (ص109، 110).

[91]() المرجع السابق، (ص124، 125).

([92]) ينظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (7/ 75)، مقدمة الفتاوى المهدية في الوقائع المصرية، مجموع فتاوى الشيخ محمد المهدي العباسي شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية الأسبق (ص17)، تقديم: د. شوقي علام مفتي الديار المصرية – دار الإفتاء المصرية – مصر، 1436هـ/ 2014م.

([93]) ينظر: مقدمة الفتاوى المهدية في الوقائع المصرية (ص13).

([94]) ينظر: السابق.

([95]) ينظر: السابق (ص14).

([96]) ينظر: السابق (ص97).

([97]) ينظر: السابق (ص84).

([98]) ينظر: السابق (ص85).

اترك تعليقاً