البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

«فتاوى شرعية» للدكتور/ محمد سيد طنطاوي

41 views

التعريف بالمؤلف:                       

أ- اسمه ونسبته:

هو فضيلة الأستاذ الدكتور/ محمد سيد طنطاوي رحمه الله، مفتي الديار المصرية، وشيخ الأزهر السابق.

ب- نشأته ودراسته وأهم مصنفاته:

ولد بقرية سُلَيم الشرقية بمركز طما بمحافظة سوهاج في 14 من جمادى الأولى لعام 1347هـ، الموافق 28 من أكتوبر سنة 1928م.

وتلقى تعليمه الأساسي بقريته، وبعد أن حفظ القرآن الكريم التحق بمعهد الإسكندرية الديني سنة 1944م، وبعد انتهاء دراسته الثانوية التحق بكلية أصول الدين، وتخرج فيها سنة 1958م، ثم حصل على تخصص التدريس سنة 1959م، ثم حصل على الدكتوراه في التفسير والحديث بتقدير ممتاز في 5 من سبتمبر سنة 1966م.

وله عدة كتب في الفقه والفكر والدعوة، من أهمها: كتاب: “فتاوى شرعية” وهو فتاويه التي معنا، وكتاب: ” التفسير الوسيط للقرآن الكريم” ويبلغ زهاء خمسة عشر مجلدًا وأكثر من سبعة آلاف صفحة، وكتاب: “بنو إسرائيل في القرآن والسنة” طبع عام 1969م ويقع في مجلدين تزيد صفحاته عن ألف صفحة، وكتاب: “معاملات البنوك وأحكامها الشرعية”، وغير ذلك من الكتب والبحوث المهمة.

ج- أهم المناصب التي تولاها:

– عُيِّن فضيلته في عام 1960م إمامًا وخطيبًا ومدرسًا بوزارة الأوقاف.

– ثم عُيِّن مدرسًا للتفسير والحديث بكلية أصول الدين سنة 1968م.

– ثم أصبح أستاذًا مساعدًا بقسم التفسير بكلية أصول الدين بأسيوط عام 1972م.

– ثم أعير إلى الجامعة الإسلامية بليبيا من سنة 1972م إلى 1976م ثم رجع منها لينال درجة أستاذ بقسم التفسير ثم عميدًا لكلية أصول الدين بأسيوط سنة 1976م.

– ثم اختير رئيسًا لقسم التفسير بالدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من سنة 1980م إلى 1984م. ثم رجع منها فصار عميدًا لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين سنة 1985م.

– ثم تم تعيين فضيلته مفتيًا للديار المصرية في 22 من صفر عام 1407هـ، الموافق 26 من أكتوبر سنة 1986م. وظل في منصب الإفتاء قرابة عشر سنوات حتى تم تنصيبه شيخًا للأزهر، وقد أصدر خلال تلك الفترة حوالي (7557) فتوى مسجلة بسجلات دار الإفتاء.

– ثم صدر القرار الجمهوري بتولية فضيلته مشيخة الأزهر في 8 من ذي القعدة سنة 1416هـ، الموافق 27 من مارس عام 1996م.

د- وفاته:

وقد انتقل الشيخ إلى رحمة الله تعالى صباح يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول لعام 1431هـ، الموافق 10 /3 /2010م، بعد أدائه لصلاة الفجر، وذلك إثر أزمة قلبية مفاجئة داهمته وهو يزمع الصعود إلى سلم الطائرة التي كانت ستُقِلُّه من العاصمة السعودية الرياض إلى القاهرة
-وكان فضيلته بالمملكة العربية السعودية للمشاركة في حفل توزيع جوائز الملك فيصل العالمية بالرياض-، ثم نقل جثمانه الطاهر إلى المدينة المنورة؛ حيث صُلِّيت عليه صلاة الجنازة بالمسجد النبوي الشريف بعد صلاة العشاء في اليوم نفسه، ثم دفن رحمه الله ببقيع الغرقد بالمدينة المنورة.

التعريف بالكتاب وموضوعاته:

  • وكتاب «فتاوى شرعية» عبارة عن فتاوى أرسلها الشيخ محمد سيد طنطاوي أثناء توليه رئاسة دار الإفتاء المصرية إلى دار كتاب اليوم بناءً على طلبهم لينشروها في مجلتهم، ووضح فيها المؤلف كثيرًا من الأحكام الشرعية والآراء الفقهية في مسائل متنوعة([1]).
  • ويشتمل كتاب «فتاوى شرعية» على مجموعة مميزة من الفتاوى والبحوث حول الأمور التي تشغل بال الناس وتتعلق بحياتهم ومعيشتهم، لذلك لم تخضع لترتيب التبويب الفقهي المعروف، فجاءت موضوعاته منتقاة لغرض الإفادة وبيان الحكم في المسائل الشائكة، وأولها فتوى رؤية الهلال، ثم فتوى عن حرمة المخدرات وبيان هدمها للأفراد والمجتمعات، ثم فتوى عن المعاملات المصرفية -شهادات الاستثمار-، ثم فتوى نقل الأعضاء البشرية، ثم بحث عن بيان مسؤولية الأطباء كما يراها الفقهاء -وهو بحث قدمته دار الإفتاء إلى المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في ندوتها الثالثة بدولة الكويت-، ثم فتوى التبني، ثم فتوى تنظيم الأسرة، ثم بحث لبيان رأي الدين في ضريبة التركات ورسم الأيلولة، ثم بحث عن الشفاعة والوساطة والفرق بينهما، ثم بحث عن التمويل العقاري لشراء المساكن وبنائها، ثم بحث عن سلوك المسلم داخل الحرم وحصانته، ثم خُتِم الكتاب ببحثٍ قدمته دار الإفتاء إلى مجمع البحوث الإسلامية حرره السيد المفتي محمد سيد طنطاوي عن الإلحاد في المسجد الحرام.

القيمة العلمية للكتاب:

يتميز كتاب «فتاوى شرعية» للإمام الأكبر الشيخ محمد سيد طنطاوي بأنه وثيقة إفتائية مهمة لبيان الحكم الشرعي في المسائل الشائكة، كما أنه ثري بالأبحاث المُتقَنة التي تبين الموقف الصحيح للدين من كثير من القضايا الاجتماعية والشرعية والمالية كتنظيم الأسرة والمعاملات المصرفية والمخدرات والوساطة في نيل الوظائف والأعمال، وجاءت الفتاوى في كل هذه الموضوعات المهمة متينة رصينة تجمع بين التأصيل العلمي الفقهي وفهم الواقع بما يعالج المشكلات ويُطَمِئنُ القلوب والعقول.

كما أنه يبرز بشكلٍ كبيرٍ السبق الإسلامي الفريد في ضمان حقوق الإنسان، ووجوب الحفاظ عليه وحمايته من كل ما يضر به، وضرورة توفير ما يضمن له حياة آمنة كريمةً، مع التشديد على حرمة دمه وماله وعرضه وفكره، وذلك من خلال ما تضمنه الكتاب من بحوثٍ إنسانية في ختامه، بل إنه تعرَّض حتى لحقوق الإنسان في نيل ما يستحقه من مناصب ووظائف وأعمال، بدون إقصاءٍ أو حرمانٍ لا يستند إلى سببٍ مقنِع، وذلك من خلال بيان معنى الشفاعة والوساطة والفرق بينهما.

كما أن الكتاب أصَّل لمسألة حرمة الحرم الشريف، وما يجب على الناس تجاهه، والصورة المثلى لسلوك من يدخله أو يتعامل معه من قريب أو بعيد.

وكذلك فإن الكتاب يعطي لنا صورة واضحة لما كانت عليه المعاملات الماليَّة والمصرفيَّة في تلك الفترة -نهاية القرن العشرين وبداية الحادي والعشرين-، مما نستفيد من خلاله معرفة ما كان يحل أو يحرم من تلك المعاملات، ووجه اختلاف صورة ما كان يحرم وقتئذٍ عما هو عليه الآن مما قد ينتج عنه تغير حكم تلك المعاملات إلى الحل بعد أن كانت حرامًا -أو العكس-، وهذه من كبريات فوائد تأريخ الفتاوى ورصدها وحفظها.

نماذج من فتاوى الكتاب:

1- كثُر الكلام عن المعاملات المصرفية والشهادات البنكية، ويرغب الناس أن تقول دار الإفتاء كلمتها في ذلك.

الجوب: بعد أن ساق الشيخ رحمه الله بعض الحقائق عن ضرورة سؤال أهل الذكر، واضطلاع دار الإفتاء بمهمة بيان الحكم الشرعي، وضرورة مراعاة آراء الآخرين في المسائل الاجتهادية الخلافية، قال:

إن دار الإفتاء تعتقد أن الكلام على المعاملات البنكية لا يؤخذ جملة واحدة، فلا يقال إنها جميعًا حلال أو حرام وإنما يتم الكلام عن كل صورة منها على حِدَةٍ، أو على الأقل يتم النظر في المسائل المتشابهة ليعمها حكمٌ مناسب؛ وذلك لأن المعاملات المالية التي تجريها البنوك متعددة الجوانب، متنوعة الأغراض، مختلفة الوسائل والمقاصد.

ومع ذلك فإننا نستطيع أن نقول: إن هذه المعاملات منها ما أجمع العلماء على حرمته بهذه الصورة التي هو عليه، ومنها ما أجمعوا على إباحته وإباحة الأرباح التي تأتي من خلاله، ومنها ما اختلفوا فيه وفي أرباحه.

فأما ما أجمعوا على إباحتها وعلى أن الأرباح التي تأتي من خلالها حلال: فهي كل معاملة أجازتها شريعة الإسلام؛ كالبيع والشراء والمضاربة والإجارة والتقسيط ونحو ذلك، بشرط تحقيقه لمصالح الناس وعدم مخالفته لأحكام الشرع الشريف.

وهذا مثاله: ما تقوم به البنوك الإسلامية من عقود المضاربة الشرعية ونحوها من المعاملات التي أحلها الله تعالى، والتي تخضع الأرباح فيها للزيادة والنقصان، بحيث ينتفع جميع أطرافها بالربح ويتحملون الخسارة بطريقة يتوفر فيها العدل، وسواء كان القائم بهذه المعاملات البنوك التي تصف نفسها بالإسلامية أو غيرها، فإن العبرة بمضمون المعاملة وحقيقتها لا بالألفاظ والأسماء.

ومثاله أيضًا: ما تقوم به شركات توظيف الأموال التي يفترض فيها أنها أيضًا تجمع أموالها بالطرق السليمة الصحيحة شرعًا، وتستثمرها في الوجوه الحلال، التي تعود بالنفع على الأمة، وتساهم في توفير فرص عمل لغير العاملين، فهذه الشركات عقودها مباحة وأموالها حلال.

أما الشركات التي يثبت انحرافها عن هذا الطريق المستقيم بأي لون من ألوان الانحراف، فإن دار الإفتاء تجرّمها وتطالب بمحاسبتها.

ومثاله أيضًا: ما تقوم به البنوك الاجتماعية، التي يفترض أنها تقدم المساعدات للمحتاجين، عن طريق عروض تمويلية وخدمية في مقابل تحصيل بعض مبالغ معتدلة يقدرها الخبراء العدول، كأجور للعمال والموظفين في هذه البنوك، فهذه المبالغ جائزة لا شيء فيها.

ومثاله أيضًا: البنوك المتخصصة، كالبنك الزراعي أو الصناعي أو العقاري، التي تقدم خدماتها لأصحاب المشروعات المختلفة، وتوفر لهم ما يحتاجونه من أموال مقابل بعض الرسوم المتعارف عليها، مما يعود الأمة بالنفع والتيسير، فهذا أيضًا جائز لا شيء فيه.

فهذه صورٌ ونماذج للمعاملات البنكية الجائزة، والتي تنتج أرباحًا حلالًا لكافة الأطراف.

أما المعاملات المحرمة: فهي كل عقد أو معاملة فيه مخالفة صريحة لأحكام الشرع، أو تشتمل على غَررٍ أو ضَررٍ أو ربا، أو لا تحقق مصالح كافة الأطراف، أو فيها استغلال لحاجات الناس، أو نحو ذلك من المحذورات الشرعية، وكل ربحٍ ينتج عن مثل هذه المعاملات فهو حرامٌ، لأنه بُني على حرام.

وأما المعاملات المختلف فيها: فكالعقود المستحدثة التي لم يسبق حصولُ صورتها في الفقه الموروث، كشهادات الاستثمار التي تقدمها البنوك مقابل ودائع محددة إلى وقتٍ محدد، فالأمانة تقتضي عدم الحكم عليها إلا بعد سؤال أهل الاختصاص عن حقيقة هذه المعاملات؛ لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، فأرسل الشيخ رحمه الله إلى السيد/ محمد نبيل إبراهيم، رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي المصري خطابًا بتاريخ: 13/ 8/ 1989م، يستفسر فيه عن طبيعة شهادات الاستثمار وأنواعها، وبناءً على الردِّ المفصَّل من السيد المذكور ومراجعة لجنة العلماء المكوَّنة من كبار فقهاء المذاهب الأربعة تبيَّن لدار الإفتاء أن هذه الشهادات جائزة شرعًا؛ لأنها من قبيل المضاربة الشرعية، وأنها ليست قرضًا وإنما هي وديعة أذِن صاحبها في الانتفاع بها، ولأنها تساهم في تطبيق خطة التنمية التي تنشدها الدولة، وقد أخطرنا السيد المذكور أن الدولة هي التي تدفع أرباح هذه الشهادات، مع بعض التوصيات من دار الإفتاء لهذه البنوك بما يتمم التكييف الشرعي الصحيح لهذه الشهادات”([2]).

2- وسُئل رحمه الله تعالى عن نقل الأعضاء فأجاب بفتواه الموثقة بتاريخ 5/ 2/ 1989م:

“بعد مقدمة نفيسة تكلم فها عن حُرمةِ دم الإنسان وماله وعرضه، وضرورة المحافظة على جسده بالوقاية والغذاء والعلاج، وإجماع الفقهاء على حرمة التصرف في أجزائه بالبيع والشراء، تكلم عن نقل الأعضاء على سبيل التبرع والهبة لمن يحتاج إليها بدون مقابل مادي؛ لأن هذه هو محل الخلاف بين الفقهاء، فقال:

إن بعض العلماء لا يفرّق بين الحالتين؛ فيرى حرمة التصرف في أعضاء الجسد مطلقًا سواء كان ذلك على سبيل البيع والشراء والمتاجرة، أو كان بالتبرع والهبة لمن يحتاجها بلا مقابل، وأما جمهور الفقهاء فيرون التفريق بين الحالتين؛ فبينما يحرُم بيع الأعضاء ونقلها بمقابل مادي؛ لكون جسد الإنسان ليس مِلكًا له على الحقيقة وإنما هو مؤتَمَنٌ عليه، إلا أن تبرعه ببعض أعضائه لمن يحتاج إليها سواء من الأقارب أو غيرهم جائزٌ بشروط، من أهمها: أن يكون ذلك بشهادة طبيبٍ ثقة مأمونٍ على أن هذا النقل ضروري للمستفيد بحيث ينقذه من الموت أو من مَرضٍ عضال، وعلى أن ذلك النقل لا يضر بحياة المتبرع، ولا يصيبه بما هو أخطر ضررًا وأسوء حالًا، ونحن نميل إلى هذا الرأي؛ لأن الإنسان قلَّما يُقدِم على التبرع بعضوٍ من جسده إلا في أشد حالات الضرورة، حيث يقدِّم منفعة عظيمة لإنقاذ غيره مبتغيًا وجه الله تعالى وحده، ولا يقال: إن الجسد ملكٌ لله فلا يحق للإنسان أن يتصرف فيه؛ لأن الكون كله ملكٌ لله، ورغم ذلك فقد أباح للإنسان أن يتصرف فيه بالشكل الذي يرضيه، ولا شك أن فضيلة الإيثار ودفع الأذى عن الغير من أعظم ما يرضي الله عز وجل.

ويدخل تحت هذه القاعدة أيضًا: التبرع بالدم؛ فلا يجوز بيعه لبنوك الدم والمستشفيات، ولكن يجوز التبرع به بلا مقابل؛ لأنه يتجدد ويُعَوَّض ما فُقد منه”([3]).

 

 

 

 

 

([1]) ينظر: مقدمة كتاب فتاوى شرعية لمحمد سيد طنطاوي، دار كتاب اليوم- مصر، الطبعة الأولى، 1989م، (ص 3)، وطبع الكتاب في 191صفحة، ويبدأ نص الفتاوى من (ص 7).

([2]) ينظر: المرجع السابق، (ص25- 39).

([3]) ينظر: المرجع السابق، (ص43- 49).

اترك تعليقاً