البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

«فتاوى وقضايا فقهية معاصرة» للدكتور عبد اللطيف صالح الفُرفُور

37 views

التعريف بالمؤلف:

أ- اسمه ونسبته:

هو الأستاذ الدكتور/ محمد عبد اللطيف بن محمد صالح الفُرفُور، رئيس المجمع العلمي العالي للدراسات والأبحاث بدمشق سابقًا.

ب- نشأته ودراسته وأهم مصنفاته:

ولد في دمشق الفيحاء عام 1945م في عائلةٍ دمشقيةٍ علميةٍ عريقة، من ذرية بني فُرفُور -بضم الفاءين- الذين كثُر فيهم العلماءُ والأدباء والقضاة والمفتون منذ القرن الثامن الهجري.

حفظ القرآن الكريم في سنٍّ مبكرة، فقرأ ختماتٍ كاملاتٍ برواية حفص عن عاصم على المقرئ الجامع المرحوم الشيخ ياسين الجويجاتي الدمشقي، وأجازه بها بأن يَقرأ ويُقرئ بالرواية المذكورة، ثم أخذه والده سماحة المربي الكبير العلامة الشيخ محمد صالح الفرفور الأديب الفقيه الأصولي الشاعر المتكلم النظار رحمه الله تعالى إلى أكابرِ علماء دمشق وأوصاهم به؛ فتلقى العلمَ على أفاضلِ العلماء، ولديه منهم إجازاتٌ علميةٌ يعتزُّ بها، أولها إجازة والده رحمه الله الذي كان له من الشهرة والجاه في العلم والشرف ما ينقطع نظيره عند أهل دمشق، ثم إجازة الشيخ العلامة الدكتور/ محمد أبي اليسر عابدين، المفتي الأسبق للجمهورية السورية، وإجازة المرحوم سماحة السيد/ محمد المكي الكتاني، مفتي المالكية وشيخ الطريقة الشاذلية، ورئيس رابطة العلماء بدمشق، وإجازة محدث الحرم الشيخ علوي عباس المالكي.

وكان الدكتور عبد اللطيف قد بدأ دراسة العلوم على يد والده، وتابع دراسته في المدارس الرسمية، فنال شهادتي الإعدادية والثانوية بتفوق، ثم تابع في التعليم الجامعي حتى تخرج في جامعة دمشق عام 1966م بالإجازة الجامعية في الشريعة ببحث علمي.

ثم أتمَّ تحصيلَه الجامعي في جامعة الأزهر بمصر، فنال إجازة القانون والفقه بدرجة جيد جدًّا، ثم حاز على درجة الماجستير في الفقه المقارن بدرجة جيد جدًّا عام 1972م برسالة علمية قدمها ودافع عنها بعنوان: (نظرية الاستحسان في التشريع الإسلامي).

ثم قدم رسالته العلمية: (ابن عابدين وأثره في الفقه دراسة مقارنة بالقانون) فنُوقشت مناقشةً علنيةً من لجنة مؤلفة من كبار علماء الجامعة، ودافع عنها مؤلفها، فنال بها بالإجماع درجة الدكتوراه بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بطبع الرسالة على نفقة الجامعة وتبادلها مع جامعات العالم من كلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر بقرار من مجلس الجامعة في 26/ 7/ 1978م.

وله تراثٌ علميٌّ كبيرٌ ما بين مقروءٍ ومسموعٍ ومرئيٍّ، من ذلك: رسالتاه في الماجستير والدكتوراه اللتان ذكرناهما: “نظرية الاستحسان في التشريع الإسلامي”، “ابن عابدين وأثره في الفقه: دراسة مقارنة بالقانون”، وفتاويه المجموعة في الكتاب الذي معنا هنا: “فتاوى وقضايا فقهية معاصرة”، وله عدَّة مقالات صحفية في الجرائدِ والمجلات، والكثير من الخطب المنبرية في مختلف المساجد بدمشق وغيرها، والعديد من المحاضرات في دولٍ ومؤتمرات علمية مختلفة.

ج- أهم المناصب التي تولَّاها:

– بعد عودة الشيخ رحمه الله تعالى من مصر إلى دمشق حاملًا درجة الدكتوراه في الفقه والقانون، عين مدرِّسًا في جامعة العلوم الإسلامية والعربية أستاذًا مساعدًا، ثم ترقَّى بها ليصبح أستاذًا، ثم نائبَ رئيسِ قسم الشريعة والقانون، ثم رئيسًا للقسم، ثم وكيلًا للكلية، ثم عميدًا لها، ثم اختارته إدارةُ التعليم العالي الشرعي ليكون رئيسًا لجامعة العلوم الإسلامية والعربية.

– وقد سافر إلى العديد من البلدان للتدريس والدعوة، حتى انتهى به المطاف في آخر حياته في دولة ماليزيا للتدريس والتربية والدعوة حتى وافته المنية بها.

د- وفاته:

وبعد حياةٍ حافلةٍ بالعلم والتدريس والدعوة إلى الله تعالى انتقل الشيخ الدكتور عبد اللطيف الفرفور إلى رحمة الله تعالى في يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر يونيه عام 2014م، أثناء وجوده في دولة ماليزيا الإسلامية للدعوة والتربية والتعليم.

التعريف بالكتاب وموضوعاته:

  • وكتاب “فتاوى وقضايا فقهية معاصرة” يعدُّ جمعًا مُبسَّطًا لبعض

مسائل أصول الفقه، والمقاصد الشرعية، والمباحث الموجزة في بعض القضايا الإسلامية والفتاوى الفقهية ([1]).

  • قدَّم المؤلف لكتابه بكلمةٍ عن الباعث لكتابة هذا البحث، ثم أتبع

المقدمة ببيان خطة العمل في الكتاب، ثم أتبع ذلك بأربعة أبواب:

تحدث في الباب الأول عن مقاصدِ الشرع الشريف، ووجوب اعتبارها في الأحكام الشرعية، مسلطًا الضوء على دَور الإمام الطاهر ابن عاشور في علم المقاصد الشرعية، وأوضح أن الإلمام بالمقاصد أمر هام للمتصدرين للفتوى.

ثم شرع بعد ذلك في الباب الثاني وتحدث فيه عن فتاوى وقضايا الاقتصاد الإسلامي: مثل فتاوى عقود الإذعان، وعقود التعاطي، وظاهرة هجرة رؤوس الأموال خارج الأوطان.

ثم شرع في الباب الثالث وتحدث فيه عن بعض أحكام أصحاب الأعذار كالمسنين ورعايتهم والعمل على تذليل الصعاب في خدمتهم، وكذلك تحدَّث عن أحكام الحضانة، ثم بعض الأحكام المتعلقة بالمساجد والمآذن، وأحكام المفقود، والإرث والوصية.

أما الباب الرابع من هذا الكتاب فقد خصَّصه المؤلف لبيان بعض المسائل الهامَّة المتعلقة بأصول الفقه الإسلامي كأثر أحكام القراءات في استنباط الأحكام الشرعية، وبعض مسائل الاجتهاد خاصة الاجتهاد الجماعي وتطبيقاته قديمًا وحديثًا، وختم كتابه ببعض أحكام الصلاة والصيام.

القيمة العلمية للكتاب:

يعدُّ كتاب “فتاوى وقضايا فقهية معاصرة” نموذجًا للمنهج العملي للمفتي والفقيه؛ حيث اشتمل على جملةٍ من القضايا الفقهية الأصولية التي شغلت بال الفقهاء وعلماء الأصول من قبل، والذين اجتهدوا على قدر وسعهم في أزمانهم أن يجدوا لها الحلول الناجعة، وقد سار فيه المؤلف على النهج الوسطي المعتدل بلا إفراطٍ ولا تفريط.

كما تبرز قيمة هذا الكتاب في أنه جَمَعَ بين مسائلِ أصول الفقه والمقاصدِ الشرعية والفتاوى الإسلامية، كما أن تناوله لهذه المسائل كان أقربَ للأسلوب البحثي الواضح. ويتميز عرض المسائل في هذا الكتاب بسهولة العبارات، واختصار الأفكار وبلورتها في أدق صورة، مع مراعاة سمة الاستقصاء فيما يتناوله من القضايا والفتاوى؛ فكان حديثُه عنها يستجلب أصلَها وشواهدَها من ثنايا التاريخ، ومن معاني القرآن والسُّنة، ومن عيون التراث، ومن أقوال الصحابة والتابعين والفقهاء والعلماء، فجاء نتاجه كافيًا وافيًا شافيًا.

ومما يتميَّز به الكتاب أنه لم يبعد عن الواقع المعيش في المجتمع السوري؛ فقد عرض المؤلف لمسألة أُثيرت في هذا المجتمع مع وضع الحلول الناجعة لها، وهي مسألة قانون إيجارات العقارات في الأراضي السورية، كما رصد ظاهرة هجرة رؤوس الأموال خارج الأوطان، وتناولها بالتحليل وبيان الحكم الشرعي، الأمر الذي يبرز ضرورة أن يكون المتصدر للفتوى مرتبطًا بواقعات زمانه، ومراعيًا للواقع الذي يعيش فيه.

كما أن هذا الكتاب من تأليف أحد أكابر رجال العلم الشرعي في الأمة الإسلامية.

نماذج من فتاوى الكتاب:

1- في حكم فن التمثيل يقول المؤلف رحمه الله -بعد أن استعرض أقوال الفقهاء والعلماء بين المانعين والمجيزين، وأدلة كل فريق-: “والأصلُ أن تقومَ الدولة بوضْع قوانينَ منظمةٍ لهذه العملية، بحيث تنقِّيها من المنكرات ومما يفسد الأخلاق، ويهدم العقول والمجتمعات، عن طريق توجيه استخدام فن التمثيل فيما يبرز عظمة الإسلام، والرسالة المحمدية، والجهاد الحق الخالي من نعرات الجماعات المتطرفة، ليكون خالصًا في سبيل الله ورفعة الوطن، وفي إبراز قيمة العلماء والأدباء والشعراء؛ لتنمية ثقافة الناس وآدابهم، والتربية بالقدوة الصالحة لإصلاح المجتمعات وتطوير الأخلاق الحميدة، فمثل هذا النوع من التمثيل الراقي فرضٌ على الأمة وواجبٌ كفائيٌّ عليها، وهذا يُبرِز مدى المسؤولية التي تقعُ على الفقهاء الذين عاصروا ظهور هذه الظاهرة وواجهوها بالمنع والتحريم، بدلًا عن احتوائها وترشيدها وتوجيهها الوجهةَ السليمة، وتوظيفها في صالح الأُمَّة والجماعة، فعادت أشدَّ شراسةً وعنفًا في بلاد الإسلام غيرَ عابئةٍ بدين ولا شرع ولا مجتمع ولا خُلُق، فصارت كلأً مباحًا لكل من ملَك مادَّتَها، فلم يُفِدْ معها حينئذ تحليل ولا تحريم؛ لنعاني منها أضرارًا وأوبئةً يصعبُ التخلُّص منها، لكنَّ هناك ضوابطَ لفن التمثيل يجب توفًّرُها ليكون جائزًا، وهي: أن يكون ملتزِمًا بحيث يهدف إلى حقائق علمية أو تاريخية أو توعوية للأفراد والمجتمعات، وأن يكون نظيفًا بحيث يخلو من كل ما يخالفُ الشرع الشريف ومكارم الأخلاق أو يحض على الفساد والإفساد وتخريب الأوطان، وأن يكون راقيًا بحيث يساعد على تحسين الفكر والطبع والخلق ومظاهر المعيشة، ويرسِّخ المعاني السامية من الرحمة والتواضع والتكافل والإحسان، وأن يكون مُرَبِّيًا بحيث يساهم في تربية الأجيال تربيةً صحيحةً، وتشجيعهم بالقدوة الصالحة.

ونستند في ترجيح القول بجواز فن التمثيل بهذه الضوابط المذكورة إلى ما يلي:

أولًا: أن الأصل في الأشياء الإباحة، وعلى من يقول بحرمة شيءٍ أن يأتي بدليل، والتمثيل في ذاته إن خلا من المنكرات والفواحش والمعاني الهدَّامة فلا شيءَ فيه، بل هو من الأعمال الاختيارية الجائزة كالرياضة ونحوها، على أنه كانت توجد لدى الرومان واليونان صور من مظاهر فن التمثيل ولم يتعرَّض لها الإسلام بالمنع والتحريم.

ثانيًا: أن مثل هذه الأشياء هي من قبيل المصالح المرسلة التي أجازها المالكية، أو من قبيل الاستحسان الذي اعتمده معظم فقهاء المذاهب، وهو أن الشيء إذا حقق مصلحةً معتبرةً ولم يشتمل على محرَّم ولا أدَّى إلى مفسدةٍ أو كان ذريعةً إلى مفسدة جاز فعله وتعاطيه بالمشاركة والمشاهدة، والتمثيل بالضوابط التي ذكرناها يحققُ من المصالح للفرد والجماعة في الدعوة والتربية، وتزكية النفوس، وإصلاح النشء، والنهوض بالأوطان ما لا يحققه غيره”([2]).

2- سؤال: إذا تواطأ أهلُ صنعةٍ أو حرفةٍ أو تجارةٍ على طريقةٍ معيّنةٍ للبيع، فهل هذا البيع يُعدُّ من عقود الإذعان؟ فلو اتفق مثلًا محلات (س) للملابس الرجالية الجاهزة بدمشق على طريقةٍ معينة وسعر معين للبيع فكل محلات (س) بالشام ستلتزم بذلك مهما كانت الظروف، ولا يملك المشتري إلا الشراء بهذه الطريقة أو عدم الشراء، فما حكم ذلك؟

الجواب: “الذي أراه أن التواطؤ إذا تعدَّى من الطريقة إلى السعر فأصبح محددًا لا يقبل التغيير والتبديل فهو من عقود الإذعان، فالضابطُ في ذلك هو تحكُّم البائع في السعر بحيث يصبح ثابتًا قاطعًا لا يقبل المساومة أبدًا، فهذا من عقود الإذعان ويأخذ أحكامها.

هذا ما ظهر لي في هذه المسألة، ولا أقول: إنه حكم الله فيها، بل هو محضُ اجتهاد، وأرجو أن أكون قد وُفِّقتُ فيه إلى الصواب، والله تعالى أعلى وأعلم”([3]).

 

 

[1]() فتاوى وقضايا فقهية معاصرة، للدكتور/ عبد اللطيف صالح الفرفور، ط، دار المكتبي، دمشق، الطبعة الأولى، 2006م، والكتاب يقع في (495) صفحة.

[2]() ينظر: المرجع السابق، (ص363- 367).

[3]() ينظر: المرجع السابق، (ص107، 108).

اترك تعليقاً