البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

«نازلة زراعة الأعضاء في ميزان الشرع» جليل أقديم

36 views

التعريف بالمؤلف:

هو الدكتور/ جليل أقديم، سوري الجنسية.

التعريف بالكتاب وموضوعاته:

  • وكتاب «نازلة زراعة الأعضاء في ميزان الشرع» عبارة عن بحث نُشِر بمجلة “دراسات تراثية” وهي مجلة حولية تصدر عن مختبر تراث الغرب الإسلامي التابع لكلية الآداب والعلوم الإنسانية، بمدينة فاس المغربية([1]).
  • ويشتمل بحث «نازلة زراعة الأعضاء في ميزان الشرع» على ثلاثة مباحث؛ أشار في المبحث الأول إلى تصوير النازلة، وأوضح ذلك في مطلبين؛ الأول: تعريف النازلة، والثاني: تاريخ نقل الأعضاء وزراعتها في جسم الإنسان، ثم أوضح في المبحث الثاني تكييف النازلة من خلال ثلاثة مطالب؛ الأول: النظر إلى المصلحة والمفسدة، والثاني: النظر إلى الكليات الشرعية، والثالث: النظر إلى الضرورة، كما بيَّن المبحث الثالث حكم النازلة وفيه مطلبان؛ الأول: نقل الأعضاء من إنسان حي إلى إنسان حي، والثاني: نقل وزراعة الأعضاء من الميت إلى الحي.

القيمة العلمية للكتاب:

يعتبر بحث «نازلة زراعة الأعضاء في ميزان الشرع» على وجازته واختصاره مرجعًا وافيًا فيما يتعلَّق بمسألة زراعة الأعضاء، من حيث توصيفها وتكييفها وحكم الشرع فيها.

فهو يتميز بكونه تسجيلًا لنوع محدد من النوازل العصرية مع تصويرها بشكلٍ دقيق، وتفصيل وجهات النظر فيها، وأنه بيَّن أن إلحاق الضرر بالنفس أو الغير منهيٌّ عنه شرعًا، وفاعلُهُ آثم يُعاقَب على فعله، كما تميزت الدراسة بأنها أظهرت أن الفقهاء قديمًا لم يتناولوا مسألة نقل الأعضاء بصورة مباشرة، وإنما تطرقوا إليها في حدود ما كان معروفًا لديهم؛ من زرع الأسنان أو وصل العظام، وتحدثوا عن ذلك من خلال نصوص فقهية تشير إلى مدى إمكان التصرف في الجسد الإنساني، أو الانتفاع بأجزاء منه، وأنها توصلت إلى أن الفقهاء المعاصرين سلكوا اتجاهين في تقرير حكم نازلة نقل الأعضاء، بين مجيز ومانع، ولكلِّ اتجاهٍ دليلُه الخاص به، وأخيرًا توصّلَتْ إلى أن نقل الأعضاء البشرية من إنسان إلى آخر فيه تعسفٌ على الذات، وتعدٍّ على حق غيرِ مخوَّلٍ لمخلوقٍ أن يتصرف فيه، وفيه إتلافٌ لأجزاء منها، وسببٌ قد يؤدي إلى هلاك النفس بغير وجه حق، وكل ذلك في عبارات مختصرة وموجزة، مع عدم إغفال الأدلة الشرعية المعتبرة وآراء العلماء المحققين في تلك المسألة.

نماذج من فتاوى الكتاب:

1- في حكم نقل الأعضاء الفردية من جسم إنسانٍ حيٍّ إلى إنسانٍ حيٍّ آخر يقول المؤلف: “المقصود بالأعضاء الفردية: هي التي لا بديل عنها يؤدي وظيفتها في الجسد، والتي يؤدي نقلها إلى وفاة الشخص المنقولة منه أو عجز وظائفه واختلال جسده بقية حياته، كالقلب والكبد ونحو ذلك، وهذا لا يحتاج إلى كثير بحث أو انتظارٍ لكلمة طبيب؛ لأنه ظاهر الحرمة حتى لو أدى عدم النقل إلى وفاة الشخص المحتاج إلى هذا العضو على وجه الإسعاف؛ لأنه ليس إنسانٌ أولى بالحياة من آخر في نظر الشرع، إضافةً إلى أن الهلاك للمنقول منه محقق، وثبوتُ الحياة للمنقول إليه مظنون، ولا يترك المحقق للمظنون، كما أنه جَلْبٌ لمصلحةٍ تفوتُ مثلها أو أعظم منها، فلا التفات لتلك المصلحة ولا يجوز التبرع حينئذ، ولا يجوز للطبيب أن يعين على فعل ذلك؛ لأن فيه عدوانًا على حرمة الإنسان، وإعانةً على الإثم، وتطبق عليه أحكام القتل العمد والخطأ في الديات والقصاص، وتُستفادُ حرمة هذا النوع من عمليات نقل الأعضاء من آيات كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا٢٩﴾ [النساء: 29]، وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ٢﴾ [المائدة: 2].

ومن القواعد الفقهية: (الضرر يزال)، فقد قال الفقهاء في تحريرها: ويدخل فيها أن الضرر لا يزال بالضرر المساوي أو الأكبر، وهو كعائدٍ لعَوْدٍ على قولهم: الضرر يزال -أي: يزال لكن ليس بضررٍ آخر- لأنه لو أزيل بضررٍ مساوٍ أو أكبر لما تحققت إزالته أصلًا، فيُفهَم من القاعدة: أنه لا يجوز إزالة الضرر من المنقول إليه ليلحق مثله أو أعظم منه بالمنقول منه”([2]).

ثم ذكر المؤلف بعد ذلك اختلاف الفقهاء في نقل ما سوى الأعضاء الفردية من الجسم -مما له بديل يؤدي وظيفته الحيوية- وبيَّن رأي المجيزين وأدلتهم، ورأي المانعين وأدلتهم.

2- وفي حكم نقل الأعضاء من الميت إلى الحي يقول المؤلف: “وقد انقسم الفقهاء -خصوصًا المعاصرين- في ذلك إلى مجيزين ومانعين، ولكلٍّ منهم أدلته:

أولًا: رأي المجيزين وأدلتهم: يرى أصحاب هذا الرأي أنه يجوز نقل أيَّ عضوٍ من إنسانٍ ميتٍ إلى إنسانٍ حيٍّ متى كان في حاجة إليه، وفي هذا الصدد صدرت عدة فتاوى عن بعض الهيئات الشرعية مثل: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت في الفتوى الصادرة سنة 1979م، 1985م، ودار الإفتاء المصرية في فتواها الصادرة عام 1979م، وعام 1997م، ومجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثامنة المنعقدة بمكة المكرمة في 19 يناير 1985م، والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وغيرها من الهيئات، وقد استدلوا جميعًا بجملة أمورٍ منها: أنه لا يوجد دليلٌ يُعتمَد عليه في التحريم، كما أن كرامة أجزاء الميت لا تمنع انتفاع الحي بها، وأن هذا لا يدخل في مسمَّى المُثلة بالميت شرعًا، وحتى وإن كان فيه وجهُ حرمةٍ فإن الضرورات تبيح المحظورات، وقد بَنَوا كلامهم هذا على جملة من القواعد الفقهية مثل: (الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف)، و(المشقة تجلب التيسير)، و(ارتكاب أخف الضررين)، فقالوا: إن الضرورة في إنقاذ الحي تُلجِئ إلى ارتكاب المحظور، قياسًا على جواز أكل الميت للضرورة عند من أجازوه من الفقهاء، واعتبروا أن أخذ شيءٍ من أجزاء الميت لعلاج إنسانٍ حيٍّ يحتاج إلى هذا الأخذ حاجةً شديدة هو ضررٌ أخف من ترك الإنسان الحي يعاني الهلاك المحقق أو المرض الشديد بقية حياته، وأن تكريم الإنسان حيًّا كتكريمه ميتًا، فلا تراعى كرامةٌ دون كرامةٍ، وإنما تراعى المقاصد المحققة للمصلحة؛ وهنا تعارضت مصلحتان: مصلحة الحفاظ على جسد الميت، ومصلحة إنقاذ الحي المضطر، وبالموازنة بينهما يتبين أن الثانية أولى وأرجح، واستدلوا كذلك بأن الفقهاء أجازوا شق بطن الميت لاستخراج جوهرة الغير إذا ابتلعها الشخص قبل أن يموت، ففعل ذلك لنقلٍ عضوٍ يحيا به إنسان أولى وأعظم؛ لأن حرمة النفس أعظم من حرمة المال.

لكن هؤلاء اشترطوا لذلك: أن يكون ذلك بإذن الشخص قبل وفاته أو بوصية منه، أو بإذنٍ موثَّقٍ من الورثة، وأن تكون فائدة العلاج يقينية للحي وليست مجازفةً مظنونةً، وأن يتعيَّن ذلك العلاج بحيث لا ينفع غيره للحي، فلو أمكن الاستعاضة عنه بشيءِ من المطاط أو البلاستيك أو نحوه لم يجز النقل من الميت، وأن يكون على سبيل التبرع بلا مقابل مادي، وقد نص الشيخ محمد سيد طنطاوي مفتي الديار المصرية الأسبق -في فتوى نشرتها له جريدة أخبار اليوم ص3 في عدد 3/ 5/ 1997م- على جواز نقل الأعضاء من الميت إلى الحي المحتاج إليها احتياجًا ضروريًّا بالشروط المذكورة.

ثانيًا: رأي المانعين وأدلتهم: يرى أصحاب هذا الرأي أن الأدلة على المنع كثيرة، سواء من نصوص الكتاب والسنة، أو من القواعد الفقهية، ومن هؤلاء: الشيخ الشعراوي، والشيخ عبد الله بن الصديق الغماري، والشيخ محمد التاويل، والشيخ مصطفى مكي، وغيرهم، واستدلوا بعدة أمور، منها:

– أن الجسد ملكٌ لله تعالى وحده، فليس للإنسان أن يتصرف فيه حال حياته ولا بعد موته، لأن القاعدة تقول: (من لا يملك التصرف لا يملك الإذن فيه).

– عدم جواز انتهاك حرمة الميت؛ لأن الله تعالى كرَّمه ميتًا كما كرَّمه حيًّا.

– أن من المنصوص عليه في الشرع: حرمة التمثيل بجسد الآدمي مسلمًا كان أو غير مسلم، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يوصي المسلمين في الغزوات بعدم التمثيل بالأعداء.

– أن نقل الأعضاء سواء من الحي أو الميت فيه تغيير لخلق الله، وإساءة للتقويم الحسن الذي خلق الإنسان عليه.

– أن الضرر هنا يزال عن الحي لكنه يقع على الميت؛ بتشويه جسده وانتهاك حرمته وتقليل كرامته، وهذا ينافي مقاصد هذه القاعدة (الضرر لا يزال بالضرر)”([3]).

 

 

 

([1]) نازلة زراعة الأعضاء في ميزان الشرع، لجليل أقديم، ط، مجلة “دراسات تراثية”، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مختبر تراث الغرب الإسلامي، العدد 2، 2014م والبحث يقع في (36) صفحة.

([2]) ينظر: المرجع السابق، (ص117) من العدد المنشور به البحث.

([3]) ينظر: المرجع السابق، (ص117) من العدد المنشور به البحث.

اترك تعليقاً