البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

المبحث الأول: جهة كون الكلام في "المفتي" من مسائل علم أصول الفقه

43 views

أصول الفقه هي قواعد يوصِّل البحث فيها إلى استنباط الأحكام من أدلتها، وهذه القواعد عبارة عن قضايا موضوعاتها أدلة الفقه الكلية كالقرآن والسنة والإجماع والقياس، ومحمولاتها أحوالٌ من أحوال هذه الأدلة؛ كقولنا: “السنة حجة”؛ فموضوع أصول الفقه بالقوة هو أدلة الفقه الإجمالية من حيث يُوصِّل البحث فيها إلى استنباط الأحكام الشرعية، ومهمة الأصولي هي إثبات هذه الأحوال لتلك الأدلة؛ فالأصل أن يبحث الأصولي مثلًا في السنة من ناحية استنباط الأحكام الشرعية مما ثبت كونه من قول أو فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ وموضوع أصول الفقه بالفعل الذي يُبحَث عنه في مسائله هو أنواع أدلة الفقه الكلية وأعراض هذه الأنواع وأنواع تلك الأعراض؛ كقولنا: “الأصل في الأوامر الواردة في القرآن والسنة أنها للوجوب”، و”الخبر المرسل حجة”، ونحو ذلك([1]).

فالحاصل أن “أصول الفقه” قواعد وقضايا يُتوصَّل بها إلى معرفة مسائل الفقه([2])، والطالب لمعرفة هذه الأحكام على نوعين؛ فالأول: المجتهد، وهو يستنبط الأحكام من أدلتها الكلية كالقرآن والسنة، والثاني: المقلد، وهو يقف على هذه الأحكام بواسطة المجتهد؛ حيث يقول: هذا الحكم واقع عندي لأنه أدى إليه رأي أبي حنيفة رحمه الله، وكل ما أدى إليه رأيه فهو واقع عندي. فالقضية الثانية من أصول الفقه أيضًا([3]).

فالمقلِّد يسأل المجتهد عن الحكم الشرعي لواقعة فيجيبه المجتهد مستنبِطًا من القرآن والسنة باستخدام هذه القواعد والقضايا الأصولية؛ فبذلك قام المجتهد مقام الدليل الذي يعرف به المقلد الحكم الشرعي؛ فمن هذه كان “الإفتاء”؛ الذي هو بيان الحكم الشرعي؛ داخلًا في موضوع “أصول الفقه” باعتباره طريق المقلد لمعرفة الحكم؛ ومن هنا كان من مسائل أصول الفقه بحث شروط المفتي وطريقة الإفتاء وضوابطه باعتبار ذلك من أنواع هذا الدليل وأعراضه التي تمثل ما يُبحَث عنه في مسائل أصول الفقه؛ يقول الباقلاني: «وإنما صار القول في صفة المفتي والمستفتي من أصول الفقه لأجل أن فتواه للعامي دليلٌ على وجوب الأخذ به في حالٍ وجوازه في حالٍ؛ فصارت فتواه للعامي بمثابة النصوص والإجماعات وسائر الأدلة للعالِم، ولأنه لا يكون قوله دليلًا للعامي يجب الأخذ به أو يسوغ ذلك له إلا بعد حصوله على صفةِ مَن تجوزُ فتواه؛ وإلا حرُم عليه الأخذ بقوله»([4]).

 

([1]) ينظر: الإحكام للآمدي (1/ 7)، ونفائس الأصول للقرافي (1/ 98)، ووشرح الكوكب المنير لابن النجار (1/ 33)، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج (1/ 32)، وأصول الفقه، طه عبدالله الدسوقي، مطبعة لجنة البيان العربي، 1959م، (ص 25).

([2]) ينظر: التوضيح للمحبوبي بشرحه التلويح للتفتازاني (1/ 36)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (1/ 44).

([3]) ينظر: التوضيح للمحبوبي بشرحه التلويح للتفتازاني (1/ 36).

([4]) التقريب والإرشاد للباقلاني (1/ 314). وانظر: الواضح لابن عقيل (1/ 266)، والتوضيح للمحبوبي بشرحه التلويح للتفتازاني (1/ 36).

اترك تعليقاً