البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

المبحث الثاني عشر: إن كان مع المفتي في البلد مَن لا يصلح للفتيا لكنه يُفتي

25 views

خص هذه المسألة ابن عقيل في كتابه “الواضح” بفصلٍ مستقلٍّ استطرادًا في الكلام على مسألة “متى يجوز للمفتي الامتناع عن الإفتاء”؛ فبيَّن أن المفتي إن كان معه في البلد مَن لا يصلح للفتيا لكنه يُفتي ويُعرَف بذلك بين العوام لم يحل للمفتي الامتناع من الجواب اعتمادًا عليه([1]).

واستدل على ذلك بأمرين([2]):

الأول: أن هذا الذي لا يصلح للفتوى كأنه ليس موجودًا، وعليه فيكون المفتي متعينًا عليه الإفتاء، وذلك لأن مَن لا يصلح للفتوى ليس من أهل الكفاية؛ فلو ترك المفتي الإفتاء يكون كمن ترك صلاة الجنازة لامرأة أو ذميٍّ معه في المكان، أو ترك النهي عن المنكر لوجود مجنون أو طفلٍ معه، وهذا لا يحل له؛ لأنه ليس معه من أهل الكفاية والخطاب أحدٌ، فكذلك هنا.

والثاني: أنه إذا ترك الجواب إظهارًا للاعتماد على مَن ليس من أهل الفتيا صار كالإحالة بالفتيا على مَن ليس من أهلها، فهو كما لو دل العامي على غير فقيه مجتهد؛ فإنه لا يجوز له ذلك، كذلك ما يجري مجرى الدلالة عليه.

وهذه المسألة في الحقيقة تعود إلى مسألة الحكم التكليفي للإفتاء ومتى يكون فرض عين، وسنتناولها فيما يلي:

الحكم التكليفي للإفتاء:

اتفق العلماء على أن الإفتاء فرض كفاية([3])؛ إذ لابد للمسلمين ممن يبين لهم أحكام دينهم فيما يقع لهم، ولا يُحسِن ذلك كل أحد؛ فوجب أن يقوم به من لديه القدرة المستجمع للشروط المعتبرة.

قال ابن عقيل: «إذا جاءت إلى المجتهد مسألة وقد تعينت عليه؛ بأن كان وحيدًا في المصر وجب عليه النظر، ولم يجز له إهمال الجواب، كسائر فروض الكفايات»([4]).

وقال الصفي الهندي: «التفقه وتحصيل رتبة الإفتاء من فروض الكفايات»([5]).

وقال السيوطي: « ومنها -أي: من فروض الكفاية- تعليم الطالبين، والإفتاء»([6]).

والإفتاء واجبٌ بالنصوص الشرعية الكثيرة المتضافرة؛ منها قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه}([7])، وقوله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافةً فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}([8])، وقوله صلى الله عليه وسلم: «فليبلغ الشاهد الغائب»([9])، وقوله عليه السلام: «من سئل عن علم ثم كتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار»([10]).

ولم يكن الإفتاء فرض عين لأنه يقتضي تحصيلَ علومٍ جمة ومعارف يطول الزمان لتحصيلها، فلو كُلفها كل واحد لأفضى إلى تعطيل أعمال الناس ومصالحهم؛ لانصرافهم إلى تحصيل علوم الإفتاء وانصرافهم عن غيرها من العلوم النافعة والأعمال التي تعمر بها الأرض([11]).

وكسائر فروض الكفايات قد يصير الإفتاء فرض عين؛ وذلك إذا استُفتي وليس في البلد متأهلٌ غيره؛ فيتعيَّن عليه الجواب؛ أي: يصير الإفتاء في حقه فرض عين عليه؛ فإن كان فيها غيره من المتأهلين وحضروا فالجواب في حقهم فرض كفاية([12]).

قال ابن حمدان: «الفتيا فرض عين إذا كان في البلد مفتٍ واحد، وفرض كفاية إذا كان فيه مفتيان فأكثر، سواء حضر أحدهما أو هما وسئلا معًا أو لا»([13]).

ولا يتعين الإفتاء على المسئول إلا بشروط منها:

الأول: ألا يوجد في الناحية غيره ممن يتمكَّن من الإجابة.

الثاني: أن يكون المسئول عالمًا بالحكم بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل وإلا لم يلزم تكليفه بالجواب؛ لما عليه من المشقة في تحصيله.

الثالث: ألا يمنع من وجوب الجواب مانع كأن تكون المسألة عن أمر غير واقع أو عن أمر لا منفعة فيه للسائل أو غير ذلك([14]).

وقد بيَّن ذلك الإمام الشاطبي في حديثه عن جواب العالم للمتعلم فقال: «فيلزم الجواب إذا كان عالمًا بما سُئِلَ عنه متعينًا عليه في نازلة واقعة أو في أمرٍ فيه نص شرعي بالنسبة إلى المتعلم، لا مطلقًا، ويكون السائل ممن يحتمل عقله الجواب، ولا يؤدي السؤال إلى تعمق ولا تكلف، وهو مما يبنى عليه عمل شرعي، وأشباه ذلك، وقد لا يلزم الجواب في مواضع؛ كما إذا لم يتعين عليه أو المسألة اجتهادية لا نص فيها للشارع، وقد لا يجوز؛ كما إذا لم يحتمل عقله الجواب أو كان فيه تعمُّقٌ أو أكثر من السؤالات التي هي من جنس الأغاليط»([15]).

هذا هو الحكم الأصلي للإفتاء، وقد تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة، وهي الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة؛ بسبب حال السائل أو موضوع السؤال؛ فأما الوجوب فقد سبقت مواضعه؛ وأما مواضع ندبها فإذا وُجد مفتٍ آخر وإذا سُئل عن حكم مسألة لم تقع ولكنها متوقعة الحدوث، ويباح إذا كانت المسألة مفترضة أو بعيدة الوقوع، ويُكره عند تعنت المستفتي وإرادته تعجيز المفتي؛ فلا فائدة مرجوة حينها من جواب المفتي، ويُحرَّم إذا كان المفتي لا يعلم حكم المسألة أو إذا ترتب على الفتيا مفسدة أعظم من مصلحة الفتيا ذاتها أو إذا كان المفتي في حالة تؤثر على طبعه وخُلُقه بحيث لا يتمكَّن معها من التأمل والنظر؛ كغضب وجوع وعطش وحزن وغم وتعب ومرض ونعاس ومدافعة الأخبثين ونحو ذلك([16]).

ومما سبق ذكره يتبين أن الإفتاء إنما يتعين على المسئول بشروطٍ؛ منها ألا يوجد في الناحية غيره ممن يتمكَّن من الإجابة؛ وبناء عليه فإن كان يوجد غيره في الناحية ولكنه لا يتمكَّن من الإجابة فإنه يتعين على المفتي حينئذ الإفتاء، وهي مسألتنا هنا.

التطبيق المعاصر لوجود مَن لا يصلح للفتيا في البلد:

من المعلوم أن العصر الحالي قد شهد تواجدًا غير مسبوق في مجال الإفتاء، وكثُر فيه المتصدرون للفتيا ممن ليسوا بأهل لها، ومن هنا لَزِمَ مَن يتصدر للفتوى من المؤسسات الإفتائية المعتمدَة والمنتسبين لها ألا يُحيلوا على غيرهم، وأن يقوموا بفرض الكفاية، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في المسألة الثانية من هذا المطلب.

وقد مكَّنت الوسائل الحديثة المفتي الواحدَ احتواء العدد الغفير من الأمة؛ لسهولة التواصل معه من أي مكان، ولكن هذا لا يعني بحالٍ أن العدد القليل من المفتين في عصرنا الحاضر يستطيعون القيام بأمر الفتوى من خلال الوسائل الحديثة للأمة جمعاء؛ إذ النوازل قد كثرت والشبهات قد ظهرت والفتاوى غير المنضبطة تستخدم أيضًا الوسائل الحديثة، وهذا كله يتطلب عددًا كبيرًا من المفتين؛ بل إننا نستطيع أن نقول إن حاجة الأمة إلى المفتين في عصرنا الحاضر قد تكون أشد من أي عصر مضى([17]).

وهكذا تُصبح الفتوى واجبًا على مَن عينته الدولة للإفتاء؛ حيث يجب عليه النظر فيما يُعرَض عليه والإجابة عما أمكنه وعَلِمَه، وعلى القائمين على المؤسسات الإفتائية الاستعانة بالوسائل الحديثة كافةً للقيام بفرض الكفاية.

وكذلك يُقال في الفتوى شبه الرسمية؛ فإنه إن لم يوجد في محيط المتصدر المؤهل للفتيا مَن يصلح لها، ولا وسيلة للوصول إليه؛ فينبغي للمؤهَّل أن يُجيب عن أسئلة المستفتين ما دام عالمًا قادرًا على الإجابة عنها؛ وبخاصة في المسائل الواضحات التي لا لبس فيها، ولكن إذا لم يكن على علمٍ تفصيلي بها فلا يجيب عنها؛ بل يبحث عنها بما توفر لديه من أدوات.

وهذه القضية نسبيةٌ من جهة العالِم ومن جهة المسألة نفسها؛ فالعالِم الموسوعي الذي ضرب بسهم وافر في تحصيل كثير من العلوم يختلف عن غيره، وكذلك العالم المتخصص في موضوعه قد لا يحتاج إلى مزيد من التفكير والتأمل بخلاف المبتدئ وطالب العلم، وكذلك المسائل ليست متشابهة؛ فهناك المسائل الواضحات التي لا تحتاج إلى كثير بحث وهناك المسائل المعقدة التي تحتاج إلى مزيد من البحث والمشورة قبل إبداء الحكم فيها، وقد يُحتاج إلى بحثها في المجامع الفقهية، وهنا يجب عدم التسرع في الإجابة عنها؛ بل قد يجب تحويلها إلى أهل التخصص أو المجامع الفقهية أو إلى المؤتمرات العلمية.

وبالنظر إلى الحكم التكليفي للفتوى ومتى تجب وتباح وتحرُم يمكننا القول إنه في التطبيق المعاصر للحكم التكليفي للفتيا تحرُم الفتيا على المتصدِّر لها عند عدم تهيئة المكان؛ كضجيج المكائن، وكذلك أن تكون أُذُن المتصدِّر للفتوى الهاتفية قد تأثرت من كثرة المكالمات، أو عند الملل والسآمة من كثرة الأسئلة عبر الهاتف، أو أن يقع الاستفتاء أثناء قيادته للسيارة؛ لاسيما في الطرق المزدحمة([18]).

 

([1]) الواضح لابن عقيل (1/ 285).

([2]) الواضح لابن عقيل (1/ 286).

([3]) انظر: نهاية الوصول للصفي الهندي (8/ 3889)، والبحر الرائق لابن نجيم (6/ 290)، وشرح مختصر خليل للخرشي (3/ 109)، ومنار الفتوى للقاني (ص 237)، والمجموع للنووي (1/ 40)، وأسنى المطالب للشيخ زكريا الأنصاري (4/ 181)، والأشباه والنظائر للسيوطي (ص 414)، وصفة الفتوى لابن حمدان (ص 6).

([4]) انظر: الواضح لابن عقيل (1/ 284).

([5]) انظر: نهاية الوصول للصفي الهندي (8/ 3889).

([6]) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي (ص 414).

([7]) سورة آل عمران، الآية رقم (187).

([8]) سورة التوبة، الآية رقم (143).

([9]) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: رب مبلغ أوعى من سامع، حديث رقم (67)، (1/ 24)، ومسلم في كتاب الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها، حديث رقم (1354)، (2/ 987).

([10]) سبق تخريجه$$

([11]) انظر: المعلمة المصرية للعلوم الإفتائية (1/ 46)

([12]) انظر: منار الفتوى للقاني (ص 237)، والمجموع للنووي (1/ 40)، وصفة الفتوى لابن حمدان (ص 6).

([13]) انظر: صفة الفتوى لابن حمدان (ص 6).

([14]) انظر: المسودة لآل تيمية (ص 490)، والتحبير شرح التحرير للمرداوي (8/ 4100)، وتقديم الدكتور علي جمعة لكتاب الإفتاء المصري (1/ 30)، والنوازل المتعلقة بالمفتي والمستفتي جمعًا ودراسة؛ طارق بن عدنان بن أحمد بادريق، مكتبة الرشد، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1441هـ، 2019م، (ص 90) .

([15]) الموافقات للشاطبي (5/ 372).

([16]) انظر: أدب المفتي والمستفتي لابن الصلاح (ص 113)، وأخلاق العلماء، أبو بكر محمد بن الحسين بن عبدالله الآجري، تحقيق: إسماعيل بن محمد الأنصاري، رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، السعودية، (ص 54)، والنوازل المتعلقة بالمفتي والمستفتي لطارق بادريق (ص 91) .

([17]) انظر: النوازل المتعلقة بالمفتي والمستفتي لطارق بادريق (ص 89).

([18]) انظر: النوازل المتعلقة بالمفتي والمستفتي لطارق بادريق (ص 93).

اترك تعليقاً