البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

المبحث الرابع: مسألة "إذا لم يكن هناك إلا مفتٍ واحد

52 views

ذهب العلماء إلى أنه إذا لم يجد المستفتي مَن يُفتيه في بلده وجب عليه الرحيل –إن أمكنه- إلى بلدٍ فيه من يُفتيه من أهل العلم؛ لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}([1])، وهذا السؤال لا يسقط حكمه ما دام مقدورًا عليه، وقد روى البخاري بسنده عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنةً لأبي إهاب بن عزيز فأتته امرأة فقالت: “إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج؛ فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني؛ فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف وقد قيل؟» ففارقها عقبة ونكحت زوجًا غيره([2])، قال ابن حزم: «فإن لم يجدوا في مَحِلَّتِهِم من يُفقههم في ذلك كله ففرضٌ عليهم الرحيلُ إلى حيث يجدون العلماء المجتهدين في صنوف العلم، وإن بعدت ديارهم، ولو أنهم بالصين»([3])؛ ويقول النووي: «يجب عليه الاستفتاء إذا نزلت به حادثة يجب عليه علمُ حكمها؛ فإن لم يجد ببلده من يستفتيه وجب عليه الرحيل إلى من يفتيه وإن بعدت داره، وقد رحل خلائق من السلف في المسألة الواحدة الليالي والأيام»([4]).

فإن لم يمكن للمستفتي السفر فقد قال ابن القيم: «يجب عليه أن يتقي الله ما استطاع ويتحرى الحق بجهده ومعرفة مثله، وقد نصب الله تعالى على الحق أمارات كثيرة»([5]).

وهذه الحالة؛ أي: عدم وجود مَن يُفتيه في بلده؛ أصبحت شبه معدومة في عصرنا الحاضر بسبب وسائل الاتصالات والتواصل التي جعلت العالم كله قرية واحدة، فبعد أن ظهرت الوسائل الحديثة التي يسَّرت على المستفتي التواصل مع المفتي المُباعد له بالمكان لم يجب على أحدٍ الرحيل عن بلدٍ ليس فيها مفتٍ([6]).

ومحل مسألتنا هنا فيما إن لم يكن في البلدة إلا مفتٍ مؤهل واحد، وقد اتفق القائلون بوجوب تقليد العامي للمفتي على أنه يجب على العامي في هذه الحالة مراجعة هذا المفتي([7])؛ يقول الجويني: «إذا لم يكن في البلدة التي فيها المستفتي إلا عالمٌ واحدٌ فيقلده ولا يُكلَّف الانتقال عنه»([8]).

ويمكننا أن نقول: إن وجود مفتٍ مؤهل واحد في بلدٍ إسلامي غير متحقق في التطبيق المعاصر؛ ذلك لكثرة المتصدرين للفتوى المؤهلين في البلاد العربية والإسلامية سواء من المؤسسات الرسمية أو المفتين شبه الرسميين؛ وسيأتي في المسألة التالية آلية التفضيل بين هؤلاء المفتين.

أما لدى الأقليات المسلمة فقد تتحقق صورة وجود مفتٍ مؤهل واحد؛ فيجب على المستفتين منهم في هذه الحال التوجُّه إليه؛ ولا يصح تجاوزه –على فرض تأهله- إلى غيره من المفتين من خارج بلد هذه الأقلية؛ لأولويته بما له من علمٍ بالأعراف والقوانين والأحوال الخاصة بهذا البلد كما سيأتي في صدر المسألة التالية.

 

([1]) سورة النحل، الآية رقم (43).

([2]) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب: الرحلة في المسألة النازلة، حديث رقم (88)، (1/ 29).

([3]) الإحكام لابن حزم (5/ 123).

([4]) المجموع شرح المهذب للنووي (1/ 54).

([5]) إعلام الموقعين لابن القيم (4/ 168).

([6]) ينظر: النوازل المتعلقة بالمفتي والمستفتي لطارق بادريق (ص 311).

([7]) ينظر: الاجتهاد للجويني (ص 130)، والمستصفى للغزالي (ص 373)، والإحكام للآمدي (4/ 237)، والبحر المحيط للزركشي (8/ 365).

([8]) الاجتهاد للجويني (ص 130).

اترك تعليقاً