البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

المطلب الأول: التعريف بـالأصولي

77 views

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: تعريف “الأصولي” لغة.

المسألة الثانية: تعريف “الأصولي” اصطلاحًا.

 

المسألة الأولى: تعريف “الأصولي” لغة.

كلمة “الأصولي” نسبةٌ إلى “الأصول”([1])، وهي مفرد “أصل”، والأصل لغةً يُطلَق على معانٍ، وهي:

  • أسفل الشيء يقال: قَعَد في أصل الجبل، وأصل الحائط، وقلع أصلَ الشجر، ثم كثُر حتى قيل: أصلُ كل شيء: ما يَستند وجود ذلك الشيء إليه([2]).
  • ما يُبنى عليه غيره؛ ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء﴾([3])، والابتناء كما يشمل الحسيَّ كابتناء السقف على الجدران، وابتناء أعالي الجدار على أساسه، وأغصان الشجر على دوحته؛ كذلك يشمل الابتناء العقليَّ كابتناء الحُكم على دليله([4]).
  • وقيل: الأصل ما يُفتقر إليه، ولا يَفتقر هو إلى غيره([5]).

 

المسألة الثانية: تعريف “الأصولي” اصطلاحًا.

يُستخدم مصطلح “الأصل” لعدة مفاهيم؛ منها([6]):

  • الدليل؛ فيقال: الأصل في تحريم الخمر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾([7])؛ أي: الدليل على تحريمها.
  • القاعدة المستمِرَّة؛ فيُقال: إباحة الميتة للمضطرِّ على خلاف الأصل.
  • المقيس عليه؛ فيقال: النبيذ أصله في التحريم: الخمر. أي: ما يُقاس عليه.
  • المستصحَب؛ كقولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان.

والمراد بـ”الأصوليِّ” هنا: “المنسوب إلى علم أصول الفقه”؛ أي: الملتبس به([8])، والأصل في “أصول الفقه” بمعنى: الدليل([9]).

و”الأصولي” في “التناول الأصولي” صفة للتناول على معنى الإضافة؛ أي: “تناول الأصوليين”، جمع “أصولي”، وقد عُرِّفَ “الأصولي” بأنه: “العارف بأصول الفقه وبطرق استفادتها ومستفيدها”([10])؛ فالمعنى: تناول العارفين بأصول الفقه… إلخ.

ويُعلَم بذلك أن المراد في هذا المقام علماء أصول الفقه، أي: المؤلفين فيه أو المشاركين فيه بملازمة أو تدريس أو نحوهما، وهذا الأخير يُعرَف بتصريح كتب التراجم بأنه أصولي أو وجود آراء له متداولة في كتب الأصول([11])؛ فممن له مصنفات في علم الأصول: الشافعي، والباقلاني، وابن عقيل، والجصاص، وأبو الحسين البصري، وممن عُرفت له آراء في العلم وإن لم يصلنا له مصنفات فيه: ابن فورك وأبو حامد الإسفراييني.

وقد تناول الأصوليون مباحث عدة في مصنفاتهم، منها مباحث الفتوى والإفتاء، أي: تكلموا عنها سواء مَن كان له مصنفات في هذا العلم أو ما نُقل عنه آراء فيه أو ما عُرف بكونه أصوليًّا، وسواء ما ذكروه أو نُقل عنهم من آراء ونظرٍ في مصنفاتهم في علم الأصول؛ لمن كان له مصنفات؛ أو في مصنفاتهم في غير الأصول، أو المصنفات المفردة في الباب المبحوث.

وإذا كان من الواجب تحديد نطاق لقضايا هذا المجلد من المعلمة فلا شك أن كلام علماء أصول الفقه في المصنفات المعنية بهذا الفن يأتي في صدارة وسائل هذا التحديد؛ فبه تتحدد المسائل الداخلة في نطاق هذا الباب المبحوث؛ فكل مسألة أتت في مصنفات أصول الفقه فهي بالقطع جزء من هذا التناول لمسائل الفتوى والإفتاء.

ثم يدخل في ذلك كلام علماء الأصول في مسألةٍ من هذا الباب -الذي تم تحديد نطاقه بناءً على السابق- في غير كتب الأصول.

ويُلحَق بذلك أيضًا –عندما يتطلب البحث- كلام مَن لم يُعرَف بالاشتغال بأصول الفقه فتكلَّم عن مسألةٍ من هذا الباب.

وبتطبيق ذلك على باب “الإفتاء” الذي سيأتي التعريف بمسائله يُعلم أن موضوع هذا المجلد يشمل ما يلي:

أولًا –وهو نطاق البحث: مباحث “الإفتاء” المذكورة في كتب أصول الفقه كجزء من هذا الفن؛ نحو ما جاء في “التلخيص”([12]) للجويني، و”الواضح”([13]) لابن عقيل، و”المنهاج”([14]) للبيضاوي، و”البحر المحيط”([15]) للزركشي، وغيرها مما هو موجود في كتب أصول الفقه.

ثانيًا: ما تم تناوله في الكتب المفردة في الفتوى والإفتاء من المسائل الأصولية التي سبق تحديدها؛ ومن هذه الكتب المفردة: “تعظيم الفتيا”([16]) لابن الجوزي، و”أدب المفتي”([17]) لابن الصلاح، و”آداب الفتوى”([18]) للنووي، و”صفة الفتوى”([19]) لابن حمدان، وتعد هذه الأربعة عُمَد الكتب المفردة في الفتوى والإفتاء ثم توالى بعدها الكثير([20]).

ثالثًا: ما تم تناوله في كتب العلوم الأخرى من المسائل الأصولية التي سبق تحديدها؛ ككتب الفقه والكتب المفردة في القضاء.

 

([1]) وإنما نُسِبَ إلى الجمع مع أن الأَولى أن يُنسَب إلى مفرده فيقال: أصلي. لأنه جرى مجرى العَلَم على فنٍّ معين، وهو عِلم أصول الفقه المعهود، وما جرى مجرى العَلَم؛ كـ”أنصار” نُسب إليه على لفظه؛ فيقال: أنصاري. انظر: شرح ألفية ابن مالك، عبدالله بن عبدالرحمن بن عقيل الهمداني المصري، تحقيق: محمد محيي الدين عبدالحميد، دار التراث، القاهرة، الطبعة العشرون، 1400هـ، 1980م، (4/ 167).

([2]) انظر: المحكم لابن سِيدَه (8/ 352)، وتاج العروس للزبيدي (27/ 447)

([3]) سورة إبراهيم، الآية رقم (24).

([4]) انظر: نفائس الأصول في شرح المحصول، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، تحقيق: عادل أحمد عبدالموجود وعلي محمد معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، الطبعة الأولى، 1416هـ، 1995م، (7/ 3084)، وشرح التلويح على التوضيح، سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني، مكتبة صبيح، مصر، ب.ط، ب.ت، (1/ 13)، والأنجم الزاهرات على حل ألفاظ الورقات، شمس الدين محمد بن عثمان بن علي المارديني الشافعي، تحقيق: عبدالكريم بن علي بن محمد النملة، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الثالثة، 1999م، (ص 78).

([5]) ينظر: تاج العروس للزبيدي (27/ 447)، والتعريفات، علي بن محمد بن علي الشريف الجرجاني، تحقيق: جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1403هـ، 1983م، (ص 28).

([6]) ينظر: نهاية السول شرح منهاج الوصول، عبدالرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1420هـ، 1999م، (ص 7)، والبحر المحيط في أصول الفقه، بدر الدين محمد بن عبدالله بن بهادر الزركشي، دار الكتبي، الطبعة الأولى، 1414هـ، 1994م، (1/ 24)، وشرح التلويح على التوضيح للتفتازاني (1/ 13).

([7]) سورة المائدة، الآية رقم (90).

([8]) انظر: تشنيف المسامع بجمع الجوامع، بدر الدين محمد بن عبدالله بن بهادر الزركشي، تحقيق: سيد عبدالعزيز وعبدالله ربيع، مكتبة قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1418هـ، 1998م، (1/ 127)، وشرح المحلي على جمع الجوامع بحاشية العطار، دار الكتب العلمية، ب.ط، ب.ت، (1/ 48).

([9]) انظر: نهاية السول للإسنوي (ص 8)، والبحر المحيط للزركشي (1/ 26)، والتحبير شرح التحرير، علاء الدين علي بن سليمان المرداوي، تحقيق: عبدالرحمن الجبرين وعوض القرني وأحمد السراح، مكتبة الرشد، الرياض، السعودية، الطبعة الأولى، 1421هـ، 2000م، (1/ 152).

([10]) انظر: جمع الجوامع للسبكي بشرحه تشنيف المسامع للزركشي (1/ 127).

([11]) انظر: معجم الأصوليين، مولود السريري، دار الكتب العلمية، لبنان، الطبعة الأولى، 1423هـ، 2002م، (ص 3)، والفتح المبين في طبقات الأصوليين، عبدالله مصطفى المراغي، نشر محمد علي عثمان، 1366هـ، 1947م، (1/ 11).

([12]) انظر: التلخيص في أصول الفقه، لعبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجويني، تحقيق: عبدالله جولم النبالي وبشير أحمد العمري، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ب.ط، ب.ت، (3/ 457).

([13]) انظر: الواضح في أصول الفقه، أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي، تحقيق: عبدالله بن عبدالمحسن التركي، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1420هـ، 1999م، (1/ 266).

([14]) انظر: المنهاج للبيضاوي بشرحه الإبهاج لتقي الدين أبو الحسن علي بن عبدالكافي السبكي وابنه تاج الدين عبدالوهاب السبكي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1416هـ، 1995م، (3/ 268).

([15]) انظر: البحر المحيط للزركشي (8/ 358).

([16]) تعظيم الفتيا، جمال الدين أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن الجوزي، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، الدار الأثرية، الطبعة الثانية، 1427هـ، 2006م.

([17]) أدب المفتي والمستفتي، أبو عمرو عثمان بن عبدالرحمن المعروف بابن الصلاح، تحقيق: موفق عبدالله عبدالقادر، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة الثانية، 1423هـ، 2002م.

([18]) آداب الفتوى والمفتي والمستفتي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، تحقيق: بسام عبدالوهاب الجابي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 1408هـ.

([19]) صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، أبو عبدالله أحمد بن حمدان النميري الحنبلي، تحقيق: ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة، 1404هـ.

([20]) منها: حلية المفتي للقاضي بهاء الدين الجبلجيلوي، وأدب الفتيا للسيوطي، ومنار أصول الفتوى وقواعد الإفتاء بالأقوى للقاني، وصلاح العالَم بإفتاء العالِم للعمادي، وعقود رسم المفتي لابن عابدين، وشرحه لألفت الخشاب، وذخر المحتي من آداب المفتي للقنُّوجي.

اترك تعليقاً