البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

المبحث الخامس: قول الصحابي.

73 views

المقصود بقول الصحابي:

لفظ «الصحابي» مصطلح يستعمله المحدثون والأصوليون، ومدلوله عند المحدثين وبعض الأصوليين أوسع من مدلوله عند جمهور الأصوليين؛ فالصحابي عند المحدثين وبعض الأصوليين يطلق على «من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مسلمًا ومات على إسلامه»([1]).

في حين أن جمهور الأصوليين يشترطون في الصحابي طول المجالسة([2])، فمن لقي النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة يصدق عليه أنه صحابي عند المحدثين وبعض الأصوليين، لكنه لا يصدق عليه ذلك عند جمهور الأصوليين.

والإمام مالك ينحى في تعريف الصحابي منحى المحدثين حيث قال فيما نقله عنه ابن تيمية: «من صحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سنة أو شهرًا أو يومًا أو رآه مؤمنًا به فهو من أصحابه له من الصحبة بقدر ذلك»([3]).

ومن المناسب أن يؤخذ بتعريف المحدثين للصحابي فيما يتعلق بعدالة الصحابة وقبول روايتهم؛ لأن قبول الرواية متوقف على الصدق، والذين رأوا رسول الله موصوفون بذلك، ولتزكية الله ورسوله لهم.

وأما تعريف جمهور الأصوليين فمن المناسب أن يؤخذ به فيما يتعلق بحجية قول الصحابي؛ إذ يُستدل لحجية قول الصحابي بما توافر له من معاصرة النزول وسماع الوحي ومعرفة الناسخ والمنسوخ وغير ذلك مما لا يتسنى إدراكه إلا بطول المجالسة.

والذي يظهر أن إطلاق الأصوليين «قول الصحابي» لا يقتصر على أقوال الصحابة دون أفعالهم؛ فإن أفعال الصحابة لها حكم أقوالهم في الحجية، وربما جرى هذا التعبير على مبدأ التساهل والمسامحة على اعتبار أن الغالب فيما ينقل عن الصحابة هو أقوالهم لا أفعالهم.

ومن أفضل تعريفات قول الصحابي تعريف الباحث بابكر محمد الشيخ: «المراد منه ما أُثر عن أحد الصحابة من قول أو فعل في أمر من أمور الدين»([4]).

حجية قول الصحابي عند مالك:

تضافرت نقول الأصوليين حكاية عن الإمام مالك في أن قول الصحابي عنده حجة شرعية، منهم القرافي حيث قال: «وأما قول الصحابي فهو حجة عند مالك والشافعي في قوله القديم مطلقًا»([5]). وقال ابن جزي: «وأما قول الصحابي إذا لم يكن له مخالف، فإن انتشر ذلك القول في الصحابة فهو حجة كالإجماع السكوتي، وإن لم ينتشر فمذهب مالك أنه حجة»([6]).

والظاهر أن ما نُسب إلى الإمام مالك من حجية قول الصحابي مأخوذ من طريقة مالك في موطئه؛ فإنه يستند في الموطأ كثيرًا على أقوال الصحابة، وقد قال ابن القيم بعد حكايته هذا القول عن مالك: «وتصرفه في موطئه دليل عليه»([7]).

وقول الصحابي عند مالك حجة بغيره؛ لأن العبرة ليس في كونه قول صحابي واجتهاد منه، وإنما حجته في نقله عن النبي ورفعه إليه، وهو الحديث الموقوف، فهو حجة يقدم على القياس ويخص به العموم([8]).

قال القاضي عياض: «مذهب مالك والشافعي أن قول الصحابي ” كنا نفعل كذا ” من قبيل المرفوع؛ لأنه أضافه إلى زمنه صلى الله عليه وسلم»([9]).

شروط اعتبار هذا الأصل:

اشترط المالكية لاعتبار قول الصحابي شروطًا منها:

1-وجود القرينة الدالة على أنه منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم كأن يقول: كنا نفعل كذا، أو من السنة كذا، فهذا مسند ولو لم يصرح بإضافته إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم([10]).

2-ألا يظهر له مخالف من أقوال الصحابة([11]).

3-قول الصحابي حجة فيما ليس فيه للاجتهاد مجال([12]).

4-ألا يعارض الحديث المرفوع الصحيح([13]).

نماذج لهذا الأصل في المذهب:

النموذج الأول: أورد مالك فعلًا وقولًا لابن عمر مفادهما أن المصلي يضع كفيه على المكان الذي يضع عليه جبهته في السجود، وقد احتج مالك بفعل ابن عمر حيث إن مالكًا يرى ذلك([14])، ولم يورد في الباب دليلًا آخر غير ما رواه من فعل ابن عمر وقوله([15]).

النموذج الثاني: أورد مالك أثرًا عن عبد الله بن عباس مفاده أنه نام ثم استيقظ فإذا الناس قد فرغوا من صلاة الصبح فأوتر ثم صلى الصبح، وقد احتجَّ مالك بفعل ابن عباس، حيث إن مالكًا يرى جواز الوتر بعد الفجر لمن نام عن وتره، ولم يورد في الباب حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم([16]).

النموذج الثالث: أورد مالك أن أبا هريرة نهى أن يُتبع بعد موته بنار، والظاهر أن هذا القول مما لا يُدرَك بالرأي، وقد احتجَّ به مالك حيث إنه يكره أن تتبع الجنازة بنار، ولم يورد في الباب حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم([17]).

([1]) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للسيوطي (2/667)، دار طيبة.

([2]) انظر: المعتمد في أصول الفقه (2/172)، المستصفى (130، 131).

([3]) مجموع الفتاوى (20/298).

([4]) قول الصحابي وأثره في الأحكام الشرعية، إعداد بابكر محمد الشيخ الفاداني (ص23)، رسالة ماجستير في كلية الشريعة بالرياض التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1400هـ.

([5]) شرح تنقيح الفصول (ص445).

([6]) تقريب الوصول إلى علم الأصول (ص341).

([7]) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية (4/92)، دار الكتب العلمية-بيروت.

([8]) انظر: روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة (1/466)، مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (4/149)، المكتب الإسلامي، بيروت-دمشق.

([9]) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك لمحمد بن عبد الباقي الزرقاني (2/219)، مكتبة الثقافة الدينية-القاهرة.

([10]) انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (2/523)، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة-المملكة العربية السعودية.

([11]) انظر: روضة الناظر وجنة المناظر (1/466).

([12]) انظر: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي (ص499)، مؤسسة الرسالة-بيروت.

([13]) انظر: مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لأبي الحسن المباركفوري (2/44)، إدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء-الجامعة السلفية-بنارس الهند.

([14]) انظر: المدونة (1/170).

([15]) انظر: موطأ مالك (رواية أبي مصعب الزهري-1/210).

([16]) انظر: موطأ مالك (رواية أبي مصعب الزهري-1/122).

([17]) انظر: المدونة (1/256)، موطأ الإمام مالك (رواية يحيى بن يحيى الليثي-1/226).

اترك تعليقاً