البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

المبحث العاشر: الاستحسان.

49 views

معنى الاستحسان لغة واصطلاحًا:

الاستحسان لغةً: استفعالٌ من الحُسن، وهو عدُّ الشيء واعتقادُه حسنًا([1]).

واصطلاحًا: ذكر ابن العربي حقيقة الاستحسان عند المالكية فقال: «والاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين نكتته المجزئة هاهنا أن العموم إذا استمر والقياس إذا اطرد فإن مالكًا وأبا حنيفة يريان تخصيص العموم بأي دليل كان من ظاهر أو معنى، ويستحسن مالك أن يخص بالمصلحة، ويستحسن أبو حنيفة أن يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف القياس»([2]).

فقد وضَّح ابن العربي حقيقة الاستحسان عند المالكية فكشف عن كونه تخصيصًا للعموم والقياس، إما بنظر مصلحي يقدره المجتهد كما هو الشأن فيما ينقله عن الإمام مالك، وإما بقول الصحابي الوارد على خلافه كما يعزوه إلى أبي حنيفة.

ولعل من المعاني المصلحية التي يجري فيها المالكية على العمل بأقوى الدليلين في الاستحسان ما يكون على سبيل الاستثناء والترخص في مواضع معينة ومسائل محددة يقتضيها العمل بالاستحسان في واقع التنزيل، وهو ما عبَّر فيه ابن العربي في موضع آخر عن حقيقة الاستحسان بأنه «ترك ما يقتضيه الدليل على طريق الاستثناء والترخص بمعارضته ما يعارضه في بعض مقتضياته»([3]).

ويُفهم منه أن العدول عن الأصل في الاستحسان، سواء كان المعدول عنه عمومًا لفظيًّا أو قياسًا فسبيله هي الاستثناء بالبحث عن الأيسر في مواضع المشقة.

أما ابن رشد الجد فقد عرَّف الاستحسان بقوله: «والاستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون أعم من القياس هو أن يكون طرد القياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه، فيعدل عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم فيختص به ذلك الموضع»([4]).

وهو ما يدل على أن من معاني الاستحسان عند المالكية أنه ترك للقياس وعدول عن مقتضاه؛ لما فيه من الغلو والمبالغة في حكمه بما يستوجب الأخذ بالأيسر من باب التخفيف في المحالِّ المناسبة له، التي تختص دون غيرها بمسلك العدول عن الأصل، وهذه حقيقة استحسانية يتجلَّى جانبها فيما يأتي عرضه من تطبيقات الاستحسان عند المالكية.

ويلخص الطاهر بن عاشور معني الاستحسان عند المالكية بقوله: «والذي استخلصته من مواضع من كتب فقهنا المالكي أن الاستحسان قد أطلقه فقهاؤنا على معنى ترجيح أحد الدليلين على الآخر بمرجح معتبر ليس في الشرع ما يخالفه، وقد استقرأت لهم من هذا معاني خمسة وهي الأخذ بالعرف أو بالاحتياط أو ما استقر عليه عمل أهل العلم كالصحابة والتابعين، أو ترجيح أحد الأثرين على الآخر، أو عدول عن قياس وإن كان جليًّا إلى آخر وإن كان أخفى منه؛ لأن المعدول إليه أولى بالاعتبار لمعضدات»([5]).

ولعل قوله في معنى الاستحسان أنه ترجَّح «بمرجح معتبر ليس في الشرع ما يخالفه» مما أومأ به إلى الاعتبارات المصلحية في الاستحسان عند المالكية. وهو معنى أشار إليه ابن رشد حيث يرى أن «معنى الاستحسان في أكثر الأحوال هو الالتفات إلى المصلحة، والعدل»([6]).

ومما سبق يتبين أن ترك الدليل الأصلي في اجتهاد الاستحسان عند المالكية إنما يرجع -في أغلب حالاته- إلى مراعاة معنى المصلحة الشرعية التي تختلف أشكالها في الأحكام المتوصل إليها بمقتضى دليل العدول، وهو ما أسمته بعض الدراسات المعاصرة بالمقتضيات المصلحية للاستحسان([7]).

والمتتبع لهذا الأصل في مذهب المالكية يجده أقسامًا عديدة «فمنه ترك الدليل للمصلحة، ومنه ترك الدليل للعرف، ومنه ترك الدليل لإجماع أهل المدينة، ومنه ترك الدليل للتيسير لرفع المشقة وإيثار التوسعة على الخلق»([8]).

وسنقتصر على ذكر هذه الأنواع الأربعة، مع التمثيل لكل نوع بما يناسبه.

النوع الأول: الاستحسان بالمصلحة:

وهو استحسان سنده المصلحة، وهذا النوع هو المقصود في كلام الشاطبي «الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي»([9]). وقد مثَّل المالكية لهذا النوع من الاستحسان بأمثلة منها: القرض، فإنه ربا في الأصل لأنه الدرهم بالدرهم إلى أجل، ولكنه أبيح لما فيه من الرفق والتوسعة على المحتاجين، بحيث لو بقي على أصل المنع لكان فيه ضيق على المكلفين.

ومنها: الاطلاع على العورات في التداوي أبيح على خلاف الدليل العام الذي يوجب مفسدة وضررًا، فإن حقيقة هذين المثالين ترجع إلى مراعاة المصلحة أو درء المفسدة في مقابلة الدليل العام الذي يقتضي المنع، فأبيح ذلك استحسانًا بترك الدليل العام للمصلحة الراجحة([10]).

فتغيرت الفتوى هنا استحسانًا تبعًا للمصلحة الراجحة.

النوع الثاني: الاستحسان بالعرف والعادة:

وهو استحسان سنده العرف، وهو العدول عن مقتضى القياس إلى حكم آخر لجريان العرف بذلك أو عملًا بما اعتاده الناس.

ومن قواعد مذهب الإمام مالك أنه يخص الدليل بالعرف، وهو ضرب من الاستحسان، فمن ذلك أنه رد الأيمان إلى العرف مع أن اللغة تقتضي في ألفاظها غير ما يقتضيه العرف.

ومثاله ما ذكره الشاطبي: كقوله: والله لا دخلتُ مع فلان بيتًا: فهو يحنث بدخول كل موضع يسمى بيتًا في اللغة، والمسجد يسمى بيتًا فيحنث على ذلك، إلا أن عرف الناس أن لا يطلقوا هذا اللفظ عليه، فخرج بالعرف عن مقتضى اللفظ فلا يحنث([11]).

فالقياس يقتضي أن يحنث بدخول كل موضع يسمى بيتًا في اللغة، لكن عُدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر يقضي بعدم حنثه استحسانًا وتيسيرًا على الناس.

الفرع الثالث: الاستحسان بإجماع أهل المدينة.

وهو العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بإجماع أهل المدينة.

ومن أمثلته: ما أورده ابن رشد الجد عن مالك حيث ذكر أن مالكًا أجاز البيع والإجارة في نفس الشيء المبيع كالقمح على أن على البائع طحينه، والثوب على أن على البائع خياطته استحسانًا على غير قياس([12]).

ومثاله أيضًا: المسألة المعروفة ببيعة أهل المدينة لاشتهارها بينهم، وحاصلها: أن أهل المدينة أجازوا أن يشتري الرجل لبنًا أو رطبًا أو لحمًا أو خبزًا ممن يُديم العمل في ذلك بسعر معلوم ويأخذ كل يوم قدرًا محددًا، على أن يكون الثمن مؤجلًا إلى أجل معلوم أو في حكم المعلوم. وهذا التجويز يعد استثناء من أصل منع الدَّيْن بالدَّيْن لحاجة الناس ومصلحتهم([13]).

قال الإمام ابن القاسم: «قال مالك: وقد كان الناس يبتاعون اللحم بسعر معلوم فيأخذ كل يوم وزنًا معلومًا، والثمن إلى العطاء، فلم ير الناس بذلك بأسًا، واللحم وكل ما يباع في الأسواق مما يتبايع الناس به فهو كذلك لا يكون إلا بأمر معروف، ويبين ما يأخذ كل يوم، وإن كان الثمن إلى أجل معلوم أو إلى العطاء إذا كان ذلك العطاء معلومًا مأمونًا إذا كان يشرع في أخذ ما اشترى، ولم يره مالك من الدَّيْن بالدَّيْن»([14]).

قال الإمام مالك: «وأنا أرى ذلك حسنًا». قال ابن رشد: وهذا أجازه مالك وأصحابه اتباعًا لما جرى عليه العمل بالمدينة. وقوله في هذه الرواية: «وأنا أراه حسنًا» معناه: وأنا أجيز ذلك استحسانًا اتباعًا لعمل أهل المدينة، وإن كان القياس يخالفه([15]).

الفرع الرابع: الاستحسان بترك الدليل في اليسير:

قال ابن رشد الجد: «وما كان قال مالك من إجازته في اليسير، إنما هو استحسان؛ لأنه عدل عن اتباع مقتضى القياس وطرد العلة في القليل والكثير»([16]).

وقال الشاطبي: «ترك مقتضى الدليل في اليسير لتفاهته ونزارته لرفع المشقة، وإيثار التوسعة على الخلق»([17]).

ومن أمثلة هذا النوع في مذهب الإمام مالك: إجازة التفاضل اليسير في المراطلة الكثيرة، وإجازة البيع والصرف إذا كان أحدهما تبعًا للآخر.

وأجاز المالكية بدل الدرهم الناقص بالوازن لنزارة ما بينهما؛ فقد أجاز الإمام مالك التفاضل في المبادلة اليسيرة، والأصل المنع؛ لأن الفضل ممنوع في الصرف لكن استُثني اليسير بناء على قاعدة المعروف.

قال ابن العربي: «ولم يجز في ذلك تفاضل إلا أن مالكًا جوَّزه في اليسير كثلاثة دنانير أو أربعة دنانير يبادل الرجل فيها صاحبه كاملًا بناقص فإن مالكًا سامح فيها بخلاف سائر الفقهاء مستمدًا من قاعدة المعروف»([18]).

واستثنى الإمام اليسير من التفاضل مع أن الأصل في ذلك المنع المستفاد من حديث «الذهب بالذهب وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا»([19])، وذلك لأن الشيء التافه يأخذ حكم العدم؛ لأن أغراض الناس لا تتعلق به، والمشاحة في اليسير قد تؤدي إلى الحرج والمشقة، وهما مرفوعان عن المكلف([20]).

وما تقدَّم في تعريف الاستحسان وأنواعه يدل دلالة واضحة على أنه ليس مصدرًا مستقلًّا من مصادر التشريع بل هو راجع إلى الأدلة، وإنما سمَّى الأصوليون هذا النوع من الدليل بالاستحسان تمييزًا له بين الأدلة، فهو مجرد اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح.

تطبيقات الاجتهاد الاستحساني عند المالكية:

من تطبيقات الاجتهاد الاستحساني عند المالكية:

1-حكم صلاة النافلة بتيمم الفريضة:

وصورة المسألة: من تيمم لصلاة الفجر مثلًا ومكث في مصلاه ينتظر طلوع الشمس هل يستطيع أن يصلي صلاة الضحى بتيممه الأول أم لا؟

وأجاب المالكية عن حكم ذلك من خلال بيان حكم الأصل القاضي بأنه لا يُصلَّى بالتيمم إلا صلاة واحدة، وعليه فلا يجوز لمن صلَّى الفجر تيممًا أن يصلي الضحى بتيممه الأول. وفي تقرير هذا الأصل جاء في البيان والتحصيل ما نصه: «إنه لا يركع ركوع الضحى بتيمم صلاة الصبح؛ لأن الأصل كان ألا يصلي بالتيمم إلا صلاة واحدة… وأن لا يصلي نافلة بتيمم فريضة»([21]).

وقد وقع العدول عن هذا الأصل في المذهب على سبيل الاستحسان، ومراعاة الخلاف متى اتصلت النافلة بالفريضة بتيمم واحد، وذلك أن النافلة متى اتصلت بالفريضة يُراعَى فيها كون التيمم يرفع الحدث كالوضوء بالماء، فإذا لم تتصل بها، وطال الأمد بينهما، واتسع الوقت لطلب الماء ثانية للنافلة وجب أن ينتقض التيمم على الأصل([22]).

وهذا معنى استحساني عند المالكية، كان العدول فيه عن الأصل مرتكزًا على بُعْد مصلحي اقتضاه مبدأ التيسير ورفع الحرج عن عموم الناس.

2-القضاء بالشفعة في الثمار:

تظهر صورة المسألة عمليًّا لو أن أحد الشريكين باع حصته في الأصول بمعنى الشجر، وفي الثمار بعد بدو صلاحها، فهل تجوز الشفعة لشريكه أم لا؟

وجواب هذا السؤال: أن القياس يقضي أن الشفعة تثبت في العقار لا في توابعه من الثمار والزرع، وهي من المنقولات، كما هو مذهب الحنفية والشافعية([23])، وعدل مالك عن هذا الأصل فقال بثبوت الشفعة في الثمار ما لم تيبس بعد جَنْيِها، أو ما لم تكن زرعًا. وفي ذلك يقول القرافي: «إذا باع نصيبه من ثمر الشجر المزهي قبل قسم الأصل بينهم في مساقاة أو حبس استحسن مالك فيه الشفعة ما لم ييبس قبل قيام الشفيع أو يباع يابسًا فلا شفعة، وكذلك الزرع. قال مالك: ولم يقله أحد قبلي استحسانًا، وقياسًا على العرايا التي جُوِّزت من أجل الرفق وقطع واطئة الرجل؛ فالشفعة في الثمار كذلك»([24]).

وصرَّحت العبارة أن العدول عن الأصل والقياس في المسألة مبناه الاستحسان الذي ترجَّح معناه عند مالك بنظر مصلحي اقتضته مراعاة الرفق ورفع الضرر عن الناس في معاملاتهم.

كما يرى المالكية أن النظر الاستحساني في المسألة مؤيد بكون الثمار جزءًا من الأصول، فكما تجوز الشفعة فيها فإنها تجوز في الثمار أيضًا، لا فرق في وجوب الشفعة فيها متى بيعت دون أصولها بعد بدوِّ صلاحها، أو مع أصولها بعد بدوِّ صلاحها أو قبله، ويُنسب هذا الرأي إلى ابن القاسم([25]).

ولا يخفى ما في هذا المعنى الاستحساني الذي يذكره المالكية من مراعاة البُعد المصلحي في الاجتهاد الاستحساني عندهم، حيث المرتكز فيه على اعتبار مقصد التيسير على الناس، والرفق بهم في معاملاتهم.

 

 

 

([1]) ينظر: مختار الصحاح لأبي بكر الرازي (ص73)، والمعجم الوسيط (1/174) مادة (حسن).

([2]) أحكام القرآن للقاضي أبي بكر بن العربي (2/278، 279)، دار الكتب العلمية-بيروت.

([3]) المحصول في أصول الفقه لأبي بكر بن العربي (ص132).

([4]) البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة (4/156).

([5]) حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح لمحمد الطاهر بن عاشور (2/229)، مطبعة النهضة-تونس.

([6]) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (3/201).

([7]) انظر: الأصول الاجتهادية التي يُبنى عليها المذهب المالكي للدكتور حاتم باي (ص349-367)، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية-الكويت، 2011م.

([8]) المحصول في أصول الفقه لابن العربي (ص131).

([9]) الموافقات (5/194).

([10]) انظر: السابق (5/194، 195).

([11]) الاعتصام للشاطبي، تحقيق: سليم بن عيد الهلالي (2/641)، دار ابن عفان-السعودية.

([12]) انظر: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة (7/284).

([13]) انظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (4/538).

([14]) المدونة للإمام مالك بن أنس (3/ 314، 315)، دار الكتب العلمية.

([15]) انظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (4/538).

([16]) البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة (7/137).

([17]) الاعتصام (2/642).

([18]) القبس في شرح موطأ مالك بن أنس (ص825).

([19]) أخرجه مسلم، رقم (1588).

([20]) انظر: الاعتصام للشاطبي (2/642).

([21]) البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة (1/212).

([22]) انظر: السابق (1/212، 213).

([23]) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (5/28)، دار الكتب العلمية، المجموع شرح المهذب للنووي (14/299)، دار الفكر.

([24]) انظر: الذخيرة للقرافي (7/287).

([25]) انظر: السابق (7/288).

اترك تعليقاً