البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

طريقة الأحناف في توظيف الفقه الافتراضي

65 views

قد اشتُهر عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله الاشتغال بالفقه الافتراضي مع البراعة فيه والعناية به في دروسه؛ فقد روي عن قتادة: «أنه دخل الكوفة، فنزل دار أبي بردة، فخرج فقال: لا يسألني أحد عن مسألة من الحلال والحرام إلا أجبته. فقال له أبو حنيفة: يا أبا الخطاب، ما تقول في رجل غاب عن أهله أعوامًا ونُعي إليها، وظنت امرأته أنه ميت فتزوجت، ثم قدم زوجها الأول وقد ولدت ولدًا، فنفاه الأول وادعاه الثاني، أكل واحد منهما قذفها أم الذي أنكر الولد، ما الجواب فيها؟ فقال أبو حنيفة: إن قال فيها برأيه ليخطئن، وإن قال فيها حدثنا ليكذبن. قال قتادة: أوقعت هذه المسألة؟ قالوا: لا. قال: فلم تسألوني عما لم يكن؟ فقال له أبو حنيفة: إن العلماء يستعدون للبلاء ويتحرزون منه قبل نزوله، فإذا نزل عرفوه وعرفوا الدخول فيه والخروج منه»([1]).

فهذا الأثر يرشدنا إلى طريقة الإمام أبي حنيفة رحمه الله في توظيف الفقه الافتراضي، فهو لا يفعل ذلك تعنتًا، ولا كبرًا وتعاليًا، وإنما استعدادًا للنوازل وتحسبًا لوقوع البلاء؛ ليكون على علم وبصيرة، ولا سيما إذا كانت تلك المسألة من العويصات المعضلات.

كما أن من نظر في حياة الإمام العلمية والعملية، وحرصه الشديد على تفقيه أصحابه وتدريبهم على ممارسة الاجتهاد والاستنباط؛ عرف أنه رحمه الله كان يلجأ إلى الفقه الافتراضي في مجال التعليم غالبًا، فكان يعرض المسألة على أصحابه ويقلبها على شتى وجوهها وصورها الممكنة، ويبحث معهم جوابها في كل من تلك الصور والأحوال، قاصدًا بذلك التعليم والتفقيه([2]). ولا يخفى أن هذا النوع هو المحمود الذي سبق وأن أشار إليه الإمام ابن القيم رحمه الله في نهاية المطلب الأول من هذا المبحث.

بل كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله يذمُّ التعنُّت والمتعنتين ومن يتفلسفون بالسؤال عن المستحيلات؛ فقد روى الخطيب البغدادي بإسناده أنه: «قال رجل لأبي حنيفة: متى يحرم الطعام على الصائم؟ قال: إذا طلع الفجر. قال: فقال له السائل: فإن طلع نصف الليل؟ قال: فقال له أبو حنيفة: قم…» وذمه ذمًّا شديدًا([3]).

وقد سار على نهج الإمام أبي حنيفة رحمه الله تلاميذه وكثير من أصحابه المتقدمين، ففرضوا المسائل ونظروا في أحكامها قبل وقوعها، ودونوها في كتب المذهب التي نراها مشحونة بكثير من تلك المسائل، إلا أنها عند المتقدمين كان يغلب عليها طابع الواقعية، فلم تكن فروضًا بعيدة، وقد وقع كثير منها بعدهم، فألفاها الناس واضحة مُبيَّنة الأحكام، وأفادوا من نظرهم فيها وبيانهم حكمها.

إلى أن جاء من المتأخرين من توسع فيها كثيرًا، ومن خرج عن جادة الاقتصاد، حتى فرض من المسائل ما هو نادر الوقوع، بل ما يستبعد وقوعه أو يستحال عادة، حتى قال بعضهم: «الكعبة إذا رفعت عن مكانها لزيارة أصحاب الكرامة، ففي تلك الحالة جازت صلاة المتوجهين إلى أرضها»([4]).

وقال ابن عابدين رحمه الله: «على أن الفقهاء قد يذكرون ما لا يوجَد عادةً؛ كقول الفرضيين: رجل مات وترك مائة جَدَّة. اهـ. قلت: ومثله قولهم: لو تترس الكفار بنبي يُسأل ذلك النبي»([5]). أي: يسأل ذلك النبي هل نرمي الكفار وهو معهم أو لا؟ ولا يخفى عدم إمكانية وقوع ذلك بالنص القاضي أنه لا نبي بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

هذا ولا يخفى أن البحث عن أحكام المسائل قبل وقوعها لم يكن حكرًا على المذهب الحنفي، بل قد اشتغل به كثير من فقهاء المالكية والشافعية وغيرهم، إلا أنه لما كان علماء الأحناف أسْبَقَ إليه وأكْثَرَ أخذًا به عُدَّ ذلك من سمات الفقه الحنفي، واعتُبر مما برز فيها أكثر من غيره([6]).

([1]) ينظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري (ص: 35)، تاريخ بغداد (15/ 473).

([2]) ينظر: المذهب الحنفي لنصير الدين النقيب (1/ 421).

([3]) تاريخ بغداد (15/ 481).

([4]) ينظر: البحر الرائق لابن نجيم (1/ 300) دار الكتاب الإسلامي، حاشية ابن عابدين (1/ 432).

([5]) حاشية ابن عابدين (2/ 167).

([6]) ينظر: المذهب الحنفي لنصير الدين النقيب (1/ 422).

اترك تعليقاً