البرنامج الموسوعي الجامع

البرنامج الموسوعي الجامع

التعريف بمفهوم الاحتياط ومدى حجيته

32 views

وهذا يشتمل على ثلاثة فروع:

الفرع الأول: التعريف بمفهوم الاحتياط:

الاحتياط لغة:

حاطه حوطًا وحياطة: حفظه وتعهده وصانه، والاسم الحَيطة، واحتاط الرجل: أخذ في أموره بالأحزم وبالثقة، والحوطة والحِيطة والحَيطة: الاحتياط([1]).

الاحتياط اصطلاحًا:

قد عرَّفه الجصاص الحنفي بأنه “الأخذ بالحزم وبالثقة فيما يحتمل وجهين”([2]). وعرفه الكمال بن الهمام بأنه: “العمل بأقوى الدليلين”([3]).

ولا شكَّ أنَّ العمل بأقوى الدليلين هو الأولى في كل مسائل الشرع، لكن تلك المسائل التي يسهُل فيها ترجيح أحد الأدلة هي الأيسرُ في جانب الاحتياط، أما المشكل فيكون عند تساوي الأدلة، وهو ما يوحي إليه كلام الجصاص من كون الأمر “يحتمل وجهين”، فعند ذلك ينبغي على المسلم أن يقدم جانب الحذر، ويبتعد قدر المستطاع عن الشبهة، ويسعى إلى ما تطمئنُّ إليه نفسه، فالاحتياط يُعبر عن أحد وجوه العزيمة والورع، وإلى هذا يشير الإمام الرازي بقوله: “الاحتياط يقتضي حمل الشيء على أعظم مراتبه”([4]).

ولا شك أن هناك علاقةً وثيقةً بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للاحتياط، فكلاهما يعبر عن الحفظ والصيانة والابتعاد عن الشبهة والشك، غير أن المعنى اللغوي على عمومه في كل ما يحتاج إلى السلامة والحفظ، والمعنى الاصطلاحي يُعنى بكل ما يخص حفظ الدين وسلامته.

الفرع الثاني: حجية الاحتياط:

رغم أن الاحتياط قد كثر ذكره بين الفقهاء والأصوليين، إلا أنهم لا يعتبرونه مصدرًا مستقلًّا من مصادر التشريع الإسلامي كالقياس والاستحسان، بل يذكرونه في الفروع الفقهية وينصون عليه في تخريجهم للمسائل التي تكون الأدلة فيها متقاربةً، فيظهر الاحتياط جليًّا عند من يحتج بالمصالح المرسلة عند الموازنة بين المصالح والمفاسد، وأيضًا عند من يأخذ بسد الذرائع.

وقد ظهر اتجاهان للأصوليين في حجية الأخذ بالاحتياط:

الاتجاه الأول: ما عليه جماهير العلماء من جواز العمل بالاحتياط.

من الحنفية: قال الجصاص: “واعتبار الاحتياط والأخذ بالثقة أصل كبير من أصول الفقه قد استعمله الفقهاء كلهم، وهو في العقل كذلك أيضًا؛ لأنَّ من قيل له: إن في طريقك سبعًا أو لصوصًا كان الواجب عليه الأخذ بالحزم، وترك الإقدام على سلوكها حتى يتبين أمرها”([5]). وقال السرخسي: “والأخذ بالاحتياط في باب العبادات أصل”([6]).

والمالكية: قال القرافي: “نظرًا للاحتياط للفروج، كما أجاب به الأكابر، ودليل مشروعية هذا الاحتياط، كل دليل دل على وجوب توقي الشبهات”([7]). وقال الشاطبي: “فالاحتياط للدين ثابت من الشريعة، مخصص لعموم أصل الإباحة إذا ثبت”([8]). وقال أيضًا: “والشريعة مبنية على الاحتياط والأخذ بالحزم، والتحرُّز مما عسى أن يكون طريقًا إلى مفسدة”([9]).

والشافعية: قال الغزالي: “العبادات مبناها على الاحتياط من تجريد النظر إلى مجرد سد الخلة”([10]). وقال الآمدي: “أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط وبراءة الذمة بخلاف الآخر، فالأقرب إلى الاحتياط يكون مقدمًا؛ لكونه أقرب إلى تحصيل المصلحة ودفع المضرة”([11]).

والحنابلة: ففي مسودة آل تيمية: “إن كان مع إحدى العلتين زيادة بأن تكون إحداهما فيها احتياط للغرض، أو تكون إحداهما ناقلة عن العادة والأخرى مبقية على حكم العادة، فالناقلة أولى لأن معها زيادة حكم”([12]).

الاتجاه الثاني: عدم العمل بالاحتياط، وقد ذهب إليه ابن حزم الظاهري الأندلسي؛ حيث قد عقد فصلًا كاملًا في “إحكامه”([13]) للرد على من أخذ بالاحتياط، فقال: “ولا يحل لأحد أن يحتاط في الدين فيحرم ما لم يحرم الله تعالى؛ لأنه يكون حينئذ مفتريًا في الدين، والله تعالى أحوط علينا من بعضنا على بعض، فالفرض علينا ألا نحرم إلا ما حرم الله تعالى ونص على اسمه وصفته بتحريمه، وفرض علينا أن نبيح ما وراء ذلك بنصه تعالى على إباحة ما في الأرض لنا إلا ما نص على تحريمه، وألا نزيد في الدين شيئًا لم يأذن به الله تعالى، فمن فعل غير هذا فقد عصى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وأتى بأعظم الكبائر… ما تيقن تحريمه فلا ينتقل إلى التحليل إلا بيقين آخر من نص أو إجماع، وكل ما تيقن تحليله فلا سبيلَ أن ينتقل إلى التحريم إلا بيقين آخر من نص أو إجماع، وبطل الحكم باحتياط، وصحَّ أن لا حكم إلا لليقين وحده، والاحتياط كله هو ألا يحرم المرء شيئًا إلا ما حرم الله تعالى، ولا يحل شيئًا إلا ما أحل الله تعالى”([14]).

والخلاصة: أن الاحتياط معمول به شرعًا، بل وقد عمل به صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما يُفهم من بعض الآثار الواردة عنهم، ففي موافقات الشاطبي: “الصحابة عملوا على هذا الاحتياط في الدين لما فهموا هذا الأصل من الشريعة، وكانوا أئمَّة يقتدى بهم، فتركوا أشياء وأظهروا ذلك ليبينوا أن تركها غير قادح وإن كانت مطلوبة. فمن ذلك ترك عثمان القصر في السفر في خلافته، وقال: إني إمام الناس، فينظر إليَّ الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين فيقولون: هكذا فُرضت”([15]).

ثم قد عمل به الأئمَّة والفقهاء من بعد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في مختلف المذاهب، واعتبروه في تخريج كثير من المسائل الفقهية، إما أخذًا للعزيمة والحزم، وإما تورعًا، وإما للموازنة بين المصالح والمفاسد، وهم في كل ذلك يتحرون مقاصد الشريعة.

الفرع الثالث: أسباب الاحتياط:

لقد تعدَّدت الأسباب التي جعلت الفقهاء يأخذون بالاحتياط، من أهمها:

1- الترجيح بين الأدلة:

فالاحتياطُ أحد العوامل المهمة التي يتم بها الترجيح بين الأدلة، يستخدم عند تعارض الأدلة والأحكام، فمثلًا من الاحتياط تقدم دليل الحظر على دليل الإباحة ترجيحًا لجانب براءة الذمة؛ لأن فعل المباح لا يترتب عليه إثم، في حين يترتب الإثم على فعل المحرم، قال ابن تيمية: “رجَّح عامة العلماء الدليل الحاظر على الدليل المبيح، وسلك كثير من الفقهاء دليل الاحتياط في كثير من الأحكام بناء على هذا”([16]).

وهذا من الأسباب التي تم الاحتياط لها في كثير من المسائل الفقهية عند الأحناف، فمثلًا:

ففي حاشية ابن عابدين عند ترجيح تحريم لحم ما كان أبوه حمارًا وأمه فرسًا، قال: “تغليبًا لجانب التحريم على الإباحة احتياطًا”([17]).

2- الابتعاد عن الشبهات:

قد وجَّه النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى لزوم الجادة والابتعاد عن الشبهات، فقال: ((إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه))([18]).

ففي هذا الحديث حثٌّ على الاحتياط بالابتعاد عن الفعل الذي يُشجِّع ويساعد على المحرم حتى وإن كان في الأصل مباحًا.

3- الخروج عن العهدة بيقين:

هذا أحد التعريفات التي عرف بها الأحناف الاحتياط؛ حيث قال ابن نجيم الحنفي: “معنى الاحتياط هنا، هو: الخروج عن العهدة بيقين”([19]).

فذلك هو بغية العابد الذي أخلص النية لخالقه ليؤدي العبادة على النحو الذي يُرضيه.

قال ابن عابدين: “قلت: وهذا قول متوسط بين القولين، وفيه الخروج عن العهدة بيقين؛ فلذا أقره الشارح، ثم رأيته منقولًا في التتارخانية عن أبي نصر بن سلام وهو من كبار الأئمة الحنفية قطعًا، فينبغي العمل به احتياطًا”([20]).

وقال ابن القيم: “فنحن إذا احتطنا لأنفسنا وأخذنا باليقين وتركنا ما يريب إلى ما لا يريب، وتركنا المشكوك فيه للمتيقن المعلوم، وتجنبنا محل الاشتباه، لم نكن بذلك عن الشريعة خارجين ولا في البدعة وَالِجِينَ”([21]).

والأخذ بالاحتياط في هذا الباب عمل به فقهاء الحنفية في كثير من المسائل، فمثلًا:

قال صاحب الدر المختار عند الكلام على استعمال الماء المشكوك في طهوريته: “(فيتوضأ به) أو يغتسل (ويتيمم) أي يجمع بينهما احتياطًا”([22]).

وفي مسألة من تحرى القبلة فلم يهتد لها ولم يقع تحريه على شيء، قال صاحب الدر: “صلى لكل جهة مرة احتياطًا”([23]).

4- الخروج من الشك:

أي: إذا تردَّد الأمر بين نقيضين ولا مرجح، فعند ذلك يتعيَّن البناء على اليقين، قال ابن القيم: “وإنما يعرض الشك للمكلف بتعارض أمارتين فصاعدًا عنده، فتصير المسألة مشكوكًا فيها بالنسبة إليه، فهي شكية عنده، وربما تكون ظنية لغيره أو له في وقت آخر، وتكون قطعية عند آخرين”([24]).

كمن شكَّ في عدد الركعات التي صلاها بأن لم يَدْرِ أصلى ثلاثًا أو أربعًا، فالاحتياط أن يبني على الأقل وهو الثلاث، ثم يأتي بسجدتي السهو.

والأخذ بالاحتياط عند الشك قد استعمله فقهاءُ الحنفية في كثيرٍ من المسائل الفقهية، فمثلًا:

في حاشية ابن عابدين: “في الخلاصة: لو أخبره عدل بعد السلام أنك صليت الظهر ثلاثًا وشك في صدقه يعيد احتياطًا”([25]).

وفيها أيضًا: “(قوله: ولو وجد… إلخ) حاصله أنه لو وجد الزوجان في فراشهما منيًّا ولم يتذكرا احتلامًا، فقيل: إن كان أبيض غليظًا فمني الرجل، وإن كان أصفر رقيقًا فمني المرأة. وقال في الظهيرية بعد حكايته لهذا القول: والأصح أنه يجب عليهما احتياطًا”([26]).

***** أثر الاحتياط في الأصول عند الحنفية:

لقد كان للاحتياط أهمية عظيمة عند الأصوليين من الحنفية؛ حيث اعتبروه من ألفاظ الترجيح، فقد جاء في شرح عقود رسم المفتي: “والأحوط آكد من الاحتياط”([27]).

وجاء في موضع آخر: “وكذا يتخير إذا صرح بتصحيح إحداهما فقط بلفظ: الأصح، أو الأحوط، أو الأولى، أو الأرفق، وسكت عن تصحيح الأخرى، فإن هذا اللفظ يفيد صحة الأخرى، لكن الأولى الأخذ بما صرح بأنها الأصح؛ لزيادة صحتها”([28]).

وفي هذا الصدد سنعرض بعض الأصول التي كان للاحتياط فيها أثرٌ بارزٌ، وذلك من خلال ثلاثة فروع:

الفرع الأول: أثر الاحتياط في الأحكام التكليفية:

نهج الأصوليون من الحنفية نهجًا دقيقًا في الأصول كان له أثره وانعكاسه على الأحكام التكليفية التي هي نتاج وفروع عن الأصول التي بنوها، وكان لهذا التفصيل الدقيق من الحنفية لأجل الاحتياط في بناء الأحكام الشرعية وفق منهجية واضحة المعالم؛ حيث فرقوا بين الأحكام الشرعية التي لا شبهة في طريقها وبين الأحكام الشرعية التي في طريقها شبهة، فكان لهذا التقسيم الأثر في الاختلاف مع المذاهب الأخرى في بناء الأحكام الشرعية، وكان له أثره وانعكاسه في الخلاف الأصولي بين مدرسة الفقهاء من الحنفية ومدرسة المتكلمين التي تزعمها الشافعية.

ففي هذا الفرع سنناقش الاحتياط عند الحنفية في تقسيمهم للأحكام التكليفية وأثرها في تصحيح العبادة؛ حيث فرق الحنفية بين الطرق من حيث الشبهة في الورود من عدمها، فجعلوا الشبهة سببًا في التفريق بين الأحكام والبناء عليها، فما كان قطعي الثبوت جعلوه في مرتبة أعلى من النص الذي فيه شبهة في طريقه (ظني الثبوت)، فأثبتوا في الأول الفرضية والتحريم، وبالثاني الوجوب والكراهة التحريمية، فكان لهذا النظر أثرُه في الاحتياط لتصحيح العبادات ابتداء، وبقية عقود المعاملات والمعاوضات انتهاء، فما يمكن تداركه بالواجب لا يمكن تداركه بالركن، فبالأول تصحُّ العبادة مع الإساءة والإثم، وبترك الركن تبطل ولا يمكن تصحيحها. كما كان له الأثر فيما يوجب العلم والعمل، فما كان طريقه قطعي الثبوت يوجب العلم والعمل ويكفر تاركه إنكارًا، بينما إنكار الواجب وما ثبت بطريق فيه شبهة كان شبهة في نفي الكفر، فما ثبت بيقين لا يثبت إلا بيقين مثله، فأوجب العمل دون العلم، وسمي فرضًا عمليًّا. فالاحتياطُ في التفريق في بناء الأحكام بحسب ورود الخبر كان له أثر في الاختلاف في بناء الأحكام مع غير الحنفية من الجمهور الذين حصروا الأحكام التكليفية بخمسة أحكام فقط، فلم يفرقوا في أصولهم بين الطريقين الظني والقطعي في الفرضية والتحريم، بينما كانت الأحكام التكليفية عند الحنفية سبعة أحكام بإضافة الواجب والكراهة التحريمية([29]).

فمثلًا:

لم يلحق الحنفية الطمأنينة بالفرض في الصلاة، وذلك في حديث المسيء صلاته الذي أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فرد وقال: ارجع فصل، فإنك لم تصل. فرجع يصلي كما صلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ارجع فصل، فإنك لم تصل. ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فعلمني، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلها))([30]).

وعللوا ذلك بأنه خبر واحد ظني الثبوت، وأن قوله تعالى: {ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ} [الحج: 77] لفظان خاصان معلوم معناهما، فلا تجوز الزيادة عليهما بخبر الواحد؛ لأنه لا يصلح ناسخًا للكتاب، ويصلح مكملًا، فيحمل أمره بالإعادة والطمأنينة على الوجوب، ونفيه للصلاة على نفي كمالها([31]).

لكن يظهر الاحتياط عندهم في تلك المسألة في عدم إهمالهم لحديث المسيء صلاته الثابت بخبر الواحد، فقد أوجبوا العمل به احتياطًا، مع التفريق في الترك وتصحيح العبادة، فالواجب الذي ثبت بطريق ظني يمكن تداركه بسجود سهو، وبتركه عمدًا تكون الصلاة صحيحة ناقصة مع الكراهة التحريمية، ولا يكون ذلك في الفرض (الركن) الثابت بالكتاب؛ فجمع الحنفية بين الدليلين وعملوا بخبر الواحد احتياطًا.

الفرع الثاني: أثر الاحتياط بالأخذ لما تشهد له الأصول:

يظهر هذا الأصل في الترجيح عند تعارض الأخبار وتعددها، وخاصة إن كانت في حادثة واحدة، فكل ما تشهد به الأصول عند الحنفية أولى بالاستعمال احتياطًا، وهذا ما أكده الجصاص الحنفي بقوله: “ولو تعارضت الروايات فيه كان الذي تشهد له الأصول من ذلك أولى، والأصول شاهدة بصحة قولنا”([32]). فمثلًا في صلاة الكسوف وردت عدة روايات في كيفيتها، بين ركوع واحد في الركعة، أو ركوعين، أو ثلاث في الركعة الواحدة، فلما اختلفت الروايات وتعددت كان الاحتياط الأخذ بما وافق الأصول، فتكون صلاة كسوف الشمس ركعتين بركوع واحد في كل ركعة كسائر التطوع([33]).

وأيضًا في الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف من عدمه وردت روايات بالجهر وروايات بالإسرار، فرجَّح الإمام أبو حنيفة رحمه الله أنه لا يُجهر فيها بالقراءة؛ لأن الأصل أن صلاة النهار عجماء لا يُفصح فيها بالقراءة، قال الطحاوي رحمه الله: “فذهب قوم إلى هذه الآثار فقالوا: هكذا صلاة الكسوف لا يُجهر فيها بالقراءة؛ لأنها من صلاة النهار. وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة رحمه الله. وخالفهم في ذلك آخرون”([34]).

فاحتاط الإمام أبو حنيفة رحمه الله عند تعارض الأدلة بأن أخذ منها ما وافق الأصول، مما يشير إلى طريقة الحنفية في التعامل مع أخبار الآحاد؛ بأن لا يخالف ما هو أقوى منه من قرآن أو سنة متواترة، أو أصل من أصول الشريعة؛ حيث إن فقهاء الحنفية رحمهم الله نهضوا باستقصاء موارد نصوص الشرع وأقضية الصحابة رضي الله عنهم، وأرجعوا ما فيها من نظائر منصوص عليها مما تلقاه العلماء بالقبول إلى أصول تجمعها وقواعد تندرج تحتها تلك النظائر، حتى اجتمعت عندهم جملة منها، وحيث إنها قوية المصدر والمنبع جعلوها أصولًا مسلمة يعرضون عليها أخبار الآحاد، فما شذ عنها اعتبروه مناهضًا لما هو أقوى منه ثبوتًا، فتركوه ولم يأخذوا به في بناء الحكم عليه؛ عملًا بأقوى الدليلين وأخذًا بأحرى الحجتين في رأيهم([35]).

الفرع الثالث: أثر الاحتياط في بناء القواعد الفقهية عند الحنفية:

لقد كان للاحتياط في الفقه الحنفي نصيبٌ كبيرٌ في بناء مجموعة من القواعد الفقهية العامة؛ حيث استنبطت هذه القواعد فروعًا فقهيةً كان مبناها على إبراء الذمة والخروج من العهدة بيقين، أي أن هذه الفروع الفقهية كانت مستندة إلى الاحتياط المتجذر في مختلف الأبواب.

ومن تلك القواعد التي كان مبناها على الاحتياط في الفقه الحنفي.

– قاعدة: “ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال”([36]). وفي لفظ: “ما اجتمع محرم ومبيح إلا غلب المحرم”([37]).

قال ابن نجيم الحنفي: “فمن فروعها: ما إذا تعارض دليلان أحدهما يقتضي التحريم، والآخر الإباحة قُدم التحريم، وعلله الأصوليون بتقليل النسخ؛ لأنه لو قدم المبيح للزم تكرار النسخ؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، فإذا جعل المبيح متأخرًا كان المحرم ناسخًا للإباحة الأصلية، ثم يصير منسوخًا بالمبيح. ولو جعل المحرم متأخرًا لكان ناسخًا للمبيح، وهو لم ينسخ شيئًا؛ لكونه على وفق الأصل. وفي التحرير: يُقدم المحرم تقليلًا للنسخ واحتياطًا”([38]).

– قاعدة: “إذا ثبت أصل بدليل قطعي في الحل أو الحرمة أو الطهارة أو النجاسة فلا يُزال إلا باليقين”. وهذه القاعدة تدلُّ على أنَّ الشيء إذا ثبت بدليل قطعي يقيني فيما يفيد حكمًا شرعيًّا فلا يُزال هذا اليقين إلا بيقين مثله.

ومن أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:

من تيقَّن الطهارة وشك في الحدث فهو متطهر، والعكس.

ومنها: الماء أصله الطهارة يقينًا، فنحن نستصحب هذا الوصف، فنستعمل الماء لإزالة الأحداث والنجاسات، إلا إن ثبت تنجس هذا الماء يقينًا بأن رأيناه وقد وقعت فيه نجاسة غيَّرت أوصافه أو بعضها([39]).

فكان الاحتياط في البناء على اليقين لإبراء الذمة.

– قاعدة: “بناء القوي على الضعيف لا يجوز”([40])، وفي لفظ: “بناء القوي على الضعيف فاسد”([41]).

فمن العبادات ما هو قوي كالفرض والواجب، ومنها ما هو ضعيف كالنفل والتطوع، فما كان ضعيفًا فيجوز أن يُبنى على القوي، ولكن ما كان قويًّا فلا ينبني على الضعيف.

ومن أمثلة هذه القاعدة:

من نذر أن يصلي لله ركعتين فاقتدى فيهما بمتطوع، لم يجزه عن ركعتي النذر؛ لأن المنذور واجب، والتطوع ليس بواجب، وصلاة المقتدي بناء على صلاة إمامه، وبناء القوي على الضعيف لا يجوز.

ومنها: إذا قدم الإمام الذي أحدَث صبيًّا ليؤم الناس فسدت صلاته وصلاتهم؛ لأن صلاة الصبي نفل، فلا يصلح خليفة للإمام في الفرض، كما لا يصلح للإمامة في هذه الصلاة أصلًا بنفسه([42]).

كما استخدم فقهاء الحنفية الاحتياط للترجيح، فإذا تعارض الواجب والمندوب فإنه يترجَّح حكم الوجوب احتياطًا، وإذا تعارض الحكم بين الصحة والفساد حُكم بالفساد احتياطًا، وإذا اجتمعت العزيمة والرخصة في عبادة غلبت العزيمة احتياطًا([43]).

([1]) ينظر: المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده (3/ 483) تحقيق عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت،  الطبعة الأولى، 1421هـ/ 2000م، مختار الصحاح (ص: 84) تحقيق يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية، الدار النموذجية، بيروت – صيدا، الطبعة الخامسة، 1420هـ/ 1999م.

([2]) ينظر: الفصول في الأصول (2/ 100) تحقيق عجيل جاسم النشمي، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، الطبعة الثانية، 1414هـ/ 1994م.

([3]) ينظر: فتح القدير (1/ 341)، (4/ 321).

([4]) المحصول (3/ 237) تحقيق طه جابر فياض، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1412هـ – 1992م.

([5]) الفصول في الأصول (2/ 101).

([6]) أصول السرخسي (1/ 52). وينظر: الفصول في الأصول للجصاص (2/ 100).

([7]) أنوار البروق في أنواء الفروق (1/ 174) عالم الكتب- بيروت.

([8]) الموافقات (1/ 294) تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، 1417هـ/ 1997م.

([9]) السابق (3/ 85).

([10]) المستصفى (ص: 198) تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1413هـ/ 1993م.

([11]) الإحكام في أصول الأحكام (4/ 267) تحقيق عبد الرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي- بيروت.

([12]) المسودة في أصول الفقه (ص: 383) تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتاب العربي.

([13]) ينظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (6/ 2 وما بعدها) دار الآفاق الجديدة – بيروت.

([14]) السابق (6/ 10- 12).

([15]) الموافقات (4/ 102).

([16]) مجموع الفتاوى (20/ 262).

([17]) ينظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين (1/ 225).

([18]) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه (52)، ومسلم كتاب المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات (1599) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.

([19]) النهر الفائق شرح كنز الدقائق (1/ 29) تحقيق أحمد عزو عناية، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1422هـ/ 2002م.

([20]) الدر المختار وحاشية ابن عابدين (1/ 246).

([21]) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 130) تحقيق محمد حامد الفقي، مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية.

([22]) الدر المختار وحاشية ابن عابدين (1/ 227).

([23]) السابق (1/ 435).

([24]) بدائع الفوائد (3/ 271) دار الكتاب العربي- بيروت.

([25]) الدر المختار وحاشية ابن عابدين (2/ 92).

([26]) السابق (1/ 164).

([27]) شرح عقود رسم المفتي (ص: 62).

([28]) السابق (ص: 65).

([29]) ينظر: بحث “أثر الاحتياط في الطهارة والعبادات عند الحنفية” للباحث حسني مبروك الضلاعين (ص: 32) مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الشرعية والقانونية، كلية الفقه الحنفي، جامعة العلوم الإسلامية العالمية، الأردن.

([30]) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر وما يجهر فيها وما يخافت (757)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب اقرأ ما تيسر معك من القرآن (397).

([31]) ينظر: البحر الرائق (1/ 316).

([32]) شرح مختصر الطحاوي للجصاص (2/ 157) تحقيق عصمت الله عنايت، وسائد بكداش، ومحمد خان، وزينب فلاتة، دار البشائر الإسلامية ودار السراج، الطبعة الأولى، 1431هـ/ 2010م.

([33]) ينظر: بحث: “أثر الاحتياط في الطهارة والعبادات عند الحنفية”.

([34]) شرح معاني الآثار (1/ 333) تحقيق محمد سيد جاد الحق ومحمد زهري النجار، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، 1399هـ/ 1979م.

([35]) ينظر: المذهب الحنفي لنصير الدين النقيب (1/ 397).

([36]) ينظر: مبسوط السرخسي (3/ 157)، بدائع الصنائع (5/ 117).

([37]) ينظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: 93) تحقيق زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1419هـ/ 1999م.

([38]) السابق.

([39]) ينظر: موسوعة القواعد الفقهية لمحمد صدقي الغزي (1، 2/ 111)، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1424هـ/ 2003م.

([40]) ينظر: فتح القدير (1/ 271).

([41]) ينظر: موسوعة القواعد الفقهية (2/ 86).

([42]) ينظر: السابق.

([43]) ينظر: بحث “أثر الاحتياط في الطهارة والعبادات عند الحنفية” (ص: 35).

اترك تعليقاً